رواية حلم سندريلا للكاتبة علياء حمدي الفصل العاشر
هدوء غريب يعم المنزل منذ حادث حنين التي استكانت بغرفتها لا ترغب بوجود احد معها مدعيه النوم و قد كان و احترم الجميع رغبتها، سلمى مندمجه في تجهيز ما جعلته خطوتها التاليه و قاتله ام مقتوله ستفعله حتى ان اضطرت للمحاربه للوصول لهدف حياتها بالعمل و النجاح و بناء مكانه خاصه بها تميزها بقوتها و رجاحه عقلها و حبها لمجال دراستها و رغم علمها ان والدها سيعترض بالاضافه بالطبع لسياده النقيب و لكنها لن تتوقف عن المحاوله حتى يستجيب كلاهما، شذى تحاول بقدر استطاعتها مجاراه دراستها معتمده كليا على جنه في تنظيم يومها بل و حياتها تقريبا، عاصم سار في طريق حقيقه تلك - التي تُقلقه بالتفكير في سبب غموضها هذا - بكل ما يملك من نفوذ و يبدو انه نجح اخيرا.
خرجت جنه من غرفه شذى بعدما خلدت للنوم و قبل ان تدلف لغرفتها وجدت ام على تصعد الدرج ركضا ممسكه بالهاتف بيدها و الذي ارتفع صوت رنينه و بمجرد ان رأتها ام على اتجهت اليها هاتفه بأنفاس متقطعه: الكابتن عاصم نسى تليفونه تحت دخليه له يا جنه الله يكرمك على ما اشوف القهوه على النار هتفور.
انكمش وجهها ضيقا و لكنها بدلا من الاستماع اليها تمتمت و هي تتحرك باتجاه الدرج: دخليه له و انا هنزل اشوف القهوه.
و قبل ان تسمع رد ركضت تهبط الدرج بسرعه كأنها تهرب، هي لن تسمح بأى فرصه كانت تجمعها به.
لا تُطيق اسمه و لا رؤيته و لا فكره الحديث معه حتى، حُفرت مكانته داخلها و التي اخذت طابع كوثر و لكن بأسوء في صوره ذكوريه كرهتها، غروره، قسوته، غضبه و صوته الخشن و الذي دائما ما يرتفع بالصراخ ضيقا و كأنه يحارب كل عفاريت الكون يوميا.
سكبت القهوه بالفنجان لتجد ام على تدلف للمطبخ و هي تلهث لتجلس على المقعد و هي تضع يدها على صدرها بضعف فتركت جنه الفنجان من يدها مقتربه منها و قبل ان تسألها عما بها همست ام على بضعف اثر ارهاق جسدها بالصعود و الهبوط في سنها هذا: الله يحميكِ يا بنتي تطلعيها له انا مش هقدر اطلع السلم تانى.
شملت نظراتها شفقه زادت من كرهها و بغضها له فما الذي سيحدث ان ادرك انها سيده عجوز لا تقوى على الركض خلفه كلما اراد حتى و ان كانت الخادمه ببيته و لكن من اين لمغرور كهذا بفهمٍ.
و بتردد كبير حملت الفنجان صاعده لغرفه المكتب كما اخبرتها ام على و مع كل خطوه تتذكر موقف معه، اول يوم صرخ بها اثناء رحيله رغم انه لم يراها، غضبه و حدته و صوته الذي ارتفع حتى كادت تفقد وعيها من شده خوفها يوم رأها بمكتبه، تمزيقه لرساله والدتها و التي تحاول بشتى الطرق اعادتها و لكنها حتى الان تعجز، كسره لاطار صورتها و التي تلطخت بوحل العشب و عندما حاولت ازالته خدشت الصوره فباتت غير واضحه، صراخه الوقح يوم خروجها معهم و جرأته الغير مبرره بنظرها.
توقفت امام الباب لتأخذ نفسا عميقا ثم طرقات خافته، اذن بالدخول، تحديق متعجب بها و هو يتحدث مع احد ما عبر هاتفه، نظراتها النافره و حركتها المنقبضه، وضعت الفنجان امامه و بخطوات سريعه تحركت للخارج و لكن صوته القوى بنبرته الرجوليه الخشنه و هو ينادى اسمها اوقفتها: جنه.
انتفض قلبها خوفا فهل سيؤنبها الان على مجيئها لهنا سمعته يُنهى حواره مع المتصل بوعد بالاتصال مجددا ثم خطوات تقترب منها فاستدارت بفزع لتجده يتحرك باتجاهها فتلبسها رعبها منه هاتفه بسرعه و هي تتراجع و عينها تحمل من الخوف ما اصاب قلبه في مقتل: و الله الداده مش قادره تطلع، انا اصلا مكنتش هاجى هنا، انا اسفه.
وقف امامها مباشره لتميل هي بجسدها للخلف صارخه بنبره مزقت رجولته و عينها تلمع بدموعها خشيه ان يرتفع صوته عليها و الذي يوتر اعصابها بشكل لا تتحمله: و الله انا اسفه، مش هطل...
انحنى بذهول عليها قليلا لا يصدق مدى ما وصل خوفها منه اليه و هتف باسمها يمنعها الكلام: جنه.
رفعت عينها اللامعه بدموعها و خوفها اليه بحذر فصمت و حصونه السوداء تحاوط ابريقها العسلى لعله يطمأنها و لكن لم يزيدها صمته الا رعبا فعادت بخطواتها لتخرج و لكنها توقفت مجددا عندما سألها بأحب الاشياء لقلبها و التي افتقدته حد الجنون: انا عرفت انك بتحبى القراءه، مظبوط؟
اخذت انفاسها بصعوبه و مجرد حديثه معها حتى ان كان هادئا يرهبها و لكنه استدارت بهدوء ينافى اشتعال روحها بعجزها و لم تمنحه ابريقها العسلى بل اسبلت جفنيها ارضا و اجابته بخفوت: مظبوط.
رفعت عينها بصدمه تحدق بوجهه بدهشه عندما وصلها صوته و لكن يحمل نبره حانيه كادت تكذبها و لكن كلماته اجبرتها على الشعور بها: طيب ايه رأيك تشوفى مجموعه الكتب اللى عندى. هنا.
ابتسم هو لرد فعلها رغم ما اصابه به من غضب على نفسه لما اوصلها غضبه اليه، ظلت تحملق به و هو يدرى جيدا انها ربما لا تصدقه و قد كانت بالفعل و خاصه عندما رفعت اصبعها تشير لصدرها بارتجافه بسيطه هامسه بنبره تحمل من عدم التصديق ما دفعه للصدمه: انا. اشوف كتب و عندك هنا، انا!
و بهدوء ينافى ما يموج بصدره من رغبه حارقه بطمأنتها اومأ برأسه موافقا و دون ان يمنحها فرصه للتفكير، الهروب او حتى الخوف مجددا هتف بها و هو يرفع هاتفه ليضعه على اذنه كحجه واهيه: انا هعمل مكالمه مهمه و انتِ انطلقى.
و خرج من الغرفه تاركه اياها لحظات تحاول استيعاب التغيير الجذرى الذي تراه لاول مره بشخصيته.
رأت هي غضبه، عنفه، صراخه، غضبه، عبثه، مزاحه مع شقيقاته، غضبه، ضحكاته القليله، ابتسامته الجانبيه، غضبه و غضبه و لكنها الان لاول مره ترى منه جانب جديد، جانب يشبه ذلك الذي تشتاقه روحها حنانه
كيف يمكن لانسان ان يكون بهذا الكم من التناقض؟
كيف يمكن ان تحمل عيناه كل هذا الهدوء و بلحظات تحمل من الجحيم ما يحرقها؟
نظرت للباب الذي اغلقه ثم تنهدت بهدوء فكلما استكانت الامور بحياتها دون قلق، دون خوف و دون اضطراب رغما عنها تقلق، تخاف و تضطرب، فهى تدرك ان خلف كل فرحه وجع سيؤلمها اشد الالم.
تحركت ببطء تنظر لارجاء المكتبه من حولها ليعاود شغفها بالقراءه يحاوطها لتنطلق تبحث بالكتب لتستكشف ما يخفيه عن الجميع ها هنا.
توقف امام الباب الذي اغلقه خلفه يحدق به قابضا يده بغضب اكتنف روحه مرددا ببطء: جنه ماجد عبد الحميد الالفى.
بعد عناء و تفكير و سعى وراء الامر جاءته الحقيقه.
تلك الفتاه ابنه خاله، هي بالفعل جزءا منه كما كان يشعر، مسئول عنها كما كان يزعم، هي منه و ان رفضت هي الامر.
عرف بعض اشياء عن حياتها، موت والديها، سفر شقيقها، حياتها بالقاهره، علاقتها بكوثر الحديدى، الظلم الذي عانته و حقها المسلوب.
ربما لم يعرف كل شئ و لكنه عرف ما يجعله يجن غضبا و يشتعل بنيران ظلم عاشته هي ليُزيده هو عندما اتت لبيته.
الان عاملها جيدا لا يدرى لانه اكتشف انها ابنه خاله و ليست مجرد خادمه لشقيقته ام لانه حقا يرغب برؤيه ابتسامتها!
احضر صديقه كل ما يدين كوثر، لم يترك معلومه عنها إلا و احضرها اليه.
لتكون اولى خطواته تدمير خطتها بالسفر بل و منعها منه تماما و التالى سيأتى بالتأكيد.
هذا هو اذا سر والدته؟
أخافت عليها منهم! ام حاولت فقط حمايتها من بطش كبار العائله!
حاولت ادخالها لحياتهم بل و قلوبهم و بالفعل نجحت و من الان هو لن يسمح بأذى يمس ابنه خاله و سيمنحها الابتسامه قريبا عندما يجمع شملها بشقيق غاب عنها طويلا.
فتح الباب بهدوء ليجدها تُمسك بأحدى الكتب الذي وضعها حديثا بابتسامه هادئه تزين وجهها، غمازتها الصغيره تداعب وجنتها بشغب، عينها تجرى على الاسطر بلهفه، و تميل بجسدها على الجدار بجوارها و قدمها تضرب الارض بحماس.
حسنا رأها تبتسم من قبل و لكنه لم يراها ابدا بمثل هذا الهدوء، الشغف، الاطمئنان و الفتنه.
اغلق عينه يتذكر اول يوم رأها في المؤتمر، الهوان الذي حاوطها، انكسار ملامحها، دموعها و الصفعه، كز اسنانه بغضب و صوره كوثر تتجسد امامه متوعدا اياها برد الصفعه و الرد من ابن الحصرى حتما سيكون سيئا كاللعنه.
فتح عينه ليشملها بحصونه من اعلى لاسفل و يترسخ بداخله فكره انها حقا جزءا منه فابتسم مقتربا منها خطوات محمحما ليلفت انتباهها و لكنه توقف عندما انتفضت لتصرخ بخوف و الكتاب يسقط من يدها واضعه يدها على صدرها بخضه، نقل بصره بينها و بين الكتاب فاتسعت عينها بزعر و هي تنحنى مسرعه لتلتقطه متمتمه بخفوت: انا اسفه مكنش قصدى.
قاطعها مقتربا ليجذب الكتاب من بين يديها قارئا عنوانه فابتسم و هو يراها تتحرك باتجاه الباب باتجاه الباب و لكن تجمدت مكانها عندما رج سؤاله قلبها بعنف ليعتصره بقبضه حاده كادت تُوقف نبضاته: انتِ تعرفي كوثر الحديدي؟!
لاحظ انتفاضه جسدها رافعه يدها تلقائيا لتلامس وجنتها و هي تفتح عينها و تغلقها مرات متتاليه، لحظات الحنان الذي منحها اياها سلبها اياها الان بكل قوه و قسوه و هو يجبرها قسرا على تذكر الماضى الذي تحاول ان تنساه و لا تفعل و اخذ هو هكذا اجابته و لكنه لم يتوقف بل زاد الامر سوءا عندما تقدم ليقف امامها لتغلق عينها لحظه تحاول تجاهل ما تشعر به و لكنه لم يمنحها الفرصه عندما اردف: انا شوفتك يوم المؤتمر في الفندق.
صمت لحظات ثم وضع الحجر الاثقل فوق كتفها دون مبالاه: ضربتك ليه؟
ارتجفت عين جنه و هي تضم طرف اسدالها بيدها و عينها تلمع بدموعها ليلعن لسانه الذي دفعه ليتحدث بهذا الان و لكنه لن يتراجع الان هاتفا بحده نسبيه: جاوبينى.
شردت بعينها بعيدا لتهمس بكلمه واحده قبل ان تركض للخارج تاركه اياه: عقاب.
ضرب بيده على المكتب بغضب اعمى شمل قلبه و سيفرغه حتما على رأس ابنه الحديدى.
كبار العيله كلهم عرفوا يا نهال.
هتف بها عبد الرحمن الشقيق الاكبر لامل و الاصغر لنهال بعدما جاء ليُخبرها ان كبار العائلات الاربعه اصبح لديهم خبر الان عن عوده ابناء امل.
اضطربت نهال اعتقادا منها انه يتحدث عن جنه فصمتت و تركته يخبرها ما ينتويه كبار العائله ثم تمتمت بتساؤل كاد يفقدها عقلها: الاخبار دى وصلت لهم ازاى؟
و قبل ان يجيبها صمت قليلا يحدق بها ثم صاح بغضب وترها: انتِ كنتِ عارفه!
اخذت نفسا عميقا فعبد الرحمن كان من اكبر المعارضين لهروب امل و ماجد و لكنه ايضا لم يستطع منعهم، صدق في شقيقته الامر و لكنه لم يستطع التصرف لطيشه و صغر سنه وقتها، فلقد كان في ثوره شبابه و فعل هو ما يفوق الجموح بمراحل دون ان يعرف احد فلم يستطع التحدث معها او لومها خاصه و انها كانت تعلم الكثير عن حماقاته.
ظل يحدق بها منتظرا اجابتها حتى منحته ما زاد غضبه اكثر: انا هفهمك كل حاجه و ازاى عرفت بس عرفنى الموضوع وصل الصعيد ازاى؟
عقد ما بين حاجبيه و هو يتذكر المشاداه التي صارت بين والده و بين امين الحصرى بعدما اخبرته ابنته نجلاء عن الامر بعد معرفتها اياه من ولدها معتز و هم باجابتها و لكن في ذلك الوقت عاد فارس للمنزل بعد سهره طويله برفقه مازن بعدما هاتف عاصم و الذي اخبره بأن ينتظر قليلا فمن حق العروس ان تُفكر.
و من حق حنين خاصه ان تفكر و تفكر و تفكر.
تفاجأ بخاله عبد الرحمن يجلس مع والدته و يبدو ان هناك حوار محتد بينهما.
جلسوا سويا، حوار عن هذا و ذاك، مزاح و اطمئنان على العائله، ثم ربته ود من يد عبد الرحمن على قدم فارس هاتفا بابتسامه: ايه يا ابن اختى مش هنفرح بيك بقى و لا ناوى تفضل جنب امك؟
و كعاده مازن بمزاحه الذي لا يتخلى عنه وضع هو يده على ركبه خاله صائحا بمرح و كأن الحديث موجه اليه: و الله يا خال انا مش عارف اقول لك ايه؟ بس انا فرحان بنفسى انتوا ليه عاوزين تفرحوا بيا!
دفعه عبد الرحمن في كتفه بينما قهقه فارس ضاحكا و رمقته نهال بنظره حاده لمزاحه الذي لا ينتهى.
ضحك هو الاخر و هو ينظر لخاله مجددا مردفا بنبره اكثر مرحا ليعاتبه على سؤاله الذي اختص به فارس: طيب ليه يعنى مش عاوز تفرح بيا انا؟ دائما كده الصغير مهدور حقه؟
هم عبد الرحمن بالرد و لكن مازن اكمل و هو يضرب على ركبتيه كمن يتحسر: انا عاوز حقى يا حكومه.
ارتفعت ضحكاتهم حتى تحدث فارس بهدوءه المعتاد مجيبا على سؤال خاله و هو يستعد لما سيقابله من ثوران الان: انا فعلا اتقدمت للانسانه اللى نفسى تشاركنى حياتى يا خالى.
عقد عبد الرحمن ما بين حاجبيه متعجبا مع ابتسامه فرحه شقت شفتيه بينما اختفت ابتسامه نهال و هي ترمق فارس بحذر قلق حتى تسائل خاله: و مين العروسه دى اللى اخترتها يا سيد الرجاله؟
صمت عم المكان قليلا حتى هتف فارس بقوه غير آبه بما سيحدث: الدكتوره حنين عز الحصرى.
و قد كان، صدمه، عدم استيعاب، ثم صراخ و انفعال و ارتفع صوته يغطى المكان، رفض و اعتراض و فارس يستمع بهدوء ثم عبر ببساطه عن تمسكه بها و عدم رغبته في تخيله عنها مهما حدث، فارتفع صوت عبد الرحمن مره اخرى و لكن هذه المره بشقيقته الذي انكمشت خوفا منه و لكن لحظات و عم الصمت مره اخرى عندما دلف محمد من الخارج ليرى صراخ عبد الرحمن بزوجته فتقدم مسرعا بخطوات غاضبه ليقف امامها بينما احتقن وجه مازن بالغضب الذي قليلا ما يصيبه و هو يقف على يمين والدته بينما هاجت اعصاب فارس و هو يرى خوف والدته فاندفع يقف على يسارها لتختفى هي تماما عن انظار شقيقها ليتناقص خوفها رويدا رويدا و محمد يُجيب شقيقها الذي تراجع خطوه للخلف و هو يرى رجالها الثلاثه يمنعوه عنها و صدقا كان هو على وشك الفتك بها: صوتك ميعلاش على مراتى في بيتى يا حاج عبد الرحمن.
ثم نظر يمينا و يسارا لولديه و قد منحه هذا من القوه اضاف ما منحه الغضب: انا ربيت رجاله تعرف تتصرف و تقرر و تتحمل نتيجه قرارتها و اذا كان ابنى قرر يتجوز و اختار انسانه تشاركه حياته و انا و والدته موافقين يبقى محدش له حق الاعتراض يا حاج و لا ايه؟
احتدت عين عبد الرحمن غضبا و هو ينقل بصره بينهم و لكن ما قاله محمد محقٌ فيه فهو كأب لن يسمح لاحد بأن يقرر عما تفعله عائلته غيره.
مباركه مقتضبه، سلام هادئ ثم رحيل سريع، و رغم ما قاله محمد دفاعا عن ابنه و زوجته بل و عائلته فهو مازال لم يسامح فارس على تجاوزه لحدود حديثه معه و ربما لبعض الوقت لن يفعل.
ما حدث في الماضى لن يؤذيك مره اخرى، إلا اذا سمحت انت له بذلك.
اقتباس
وسط سكون الليل ارتفع رنين الهاتف يُزعج هذا الهدوء معلنا عن صخب قادم، نهض عز ليجيب و جده كبير عائله الالفى يرغب بالتحدث مع ابنته.
هبط عاصم الدرج بخطوات سريعه و يبدو ان قلقه على ابنه خاله و تفكيره فيما سيكون الحل عندما يعرف كبار العائله بالامر، كان صحيحا، و ها هي العاصفه تأتى.
تحدثت ليلى بكل هدوء تملكه رغم نبرتها التي ارتجفت رغما عنها، صرخ بها، وبخها، توعدها و بالنهايه سألها مباشره: ايه علاجتك بخلفه ماجد يا ليلى!
اضطربت انفاسها و عندما لاحظ عز ذلك احتضن كتفها يمنحها بعضا من الامان و لكنها حقا فقدته كله بينما حمل عاصم الهاتف من يدها يفتح مكبر الصوت فلن يتحمل هو ان يكون الحوار جنته دون ان يعرفه.
و مع صمت ليلى انفعل والدها - عبد الحميد الالفى - و هتف بها بحده وترتها: انطجى يا حرمه، ايه علاجتك بخلفه ماجد؟
اغلقت عينها مستعيده بعضا من قوتها و يد عز تساندها بقوه ثم صاحت بحده دون ان تحسب حسابا لما يعرفه: البنت ملهاش ذنب يا حاج، دى بنت غلبانه و ملهاش حد غيرنا دلوقت، كفايه اللى اهلها شافوه زمان، الله يخليك يا حاج سيبها تعيش وسطنا دى حته من ماجد.
عقدت ما بين حاجبيها و هي تستمتع لانفاسه اللاهثه و هو يصرخ بعدم تصديق حمل من غضبه الكثير: و كُمان عنده بنيه! لا و ساكنه حداكِ و الله عال يا بت الالفى انتِ إكده بتكسرى كلمتى.
و قبل ان تُجيب هدر بها بصوت اقلقها على ابنه اخيها و دفع بنيران الغضب لتحرق قلب عاصم و هو يُميز نبره الاصرار و القوه التي تحدث بها جده: هجتلها يا ليلى، هجتلها و هغسل عارها و عار ابوها اللى هرب منينا زمان، ابوها اللى عصى كلمتى و عارضنى علشان حرمه جليله الربايه.
همت بالتحدث و لكن بمجرد ان سمع صوتها اردف مقاطعا اياها بنفس النبره القويه: و ان فكرتِ تعارضينى انتِ كمان يبجى انا مخلفتش حرمه عاد، و انتِ خابره زين انى مبرجعش في كلمتى واصل، فاهمه يا بت الالفى!
و قبل ان تجيبه اغلق الخط ظلت تنظر للهاتف بيد عاصم ثم سرعان ما تذكرت كيف خذلت اخيها و لم تسانده، كيف طلب مساعدتها لتدافع عن زوجته و لكنها تراجعت خوفا من بطش والدها، كيف نظر اليها بقله حيله و هو يتنازل عن حياته بينهم، كيف سمحت لوالدها بحرمانها من شقيقها ما يزيد عن خمس و عشرون عاما، و الان يعيد الزمن نفسه مره اخرى، يساومها والدها على حياه ابنه شقيقها، راحتها مقابل حياه الصغيره، الصغيره التي احبتها كما احبت اخيها بل اكثر، الصغيره التي فقدت كل حياتها و هي على قيد الحياه و الان يهددها والدها بسلب حياتها حقا، اذا هل تتراجع مره اخرى؟ هل تخذلها و هي من قررت احضارها لبيتها؟ هل تتخلى عن مساندتها كما فعلت من قبل؟
و لكن لا، هذا المره لا، لن تتراجع، لن تخذلها و لن تسمح بأذيتها مهما كلفها الامر.
و لكن ماذا تفعل! و كيف تحميها!
نظرت لعاصم عندما شعرت بلمسه كفه الخشن ليدها يضمها بدفء يطمأنها ثم رفعت عينها لعز الذي يقف بجوارها يضم كتفها لصدره ليمنع ارتجافه جسدها و عينه تمنحها ألف عهد بالحمايه و ألف وعد بالوفاء و كلاهما احترم صمتها، قلقها و تفكيرها.
جلست على مقعد خلفها و دموعها تخونها لتنهمر عجزا و هي تتذكر كلمات والدها حتى هتفت و هي تستعيد دهشته و غضبه عندما تحدثت عن جنه ناظره لعز: ليه بابا استغرب لما اتكلمت عنها؟ ليه كلامه كان يدل انه ميعرفش عنها حاجه!
صمت كلاهما ينظر للاخر لحظات حتى استعاد عاصم ذكرى مقابلته مع اكرم و الذي لم يقابله مره اخرى بعد حوارهم المحتد و ربط الامر به و صرح عن ذلك متمتما: يمكن لانه مكنش يعرف عن جنه اصلا، و كان قصده على اكرم مثلا.
اتسعت عين ليلى و هي تصيح بسرعه متذكره حديث جنه عن اكرم و سفره و بعده عنها: اكرم! هو اكرم رجع!
بينما انتبه عز ان من المفترض ان عاصم لا يعرف شيئا عن الامر و طوال الحديث السابق لم يُذكر اسم جنه و الاحرى ان يكون عاصم الان في قمه استغرابه فتسائل بهدوء و هو يتأكد من ان ولده لا يسمح لامرا بأن يغيب عنه مهما حاول من حوله: انت عرفت منين اننا بنتكلم عن جنه؟
نقلت ليلى بصرها من عز لعاصم و قد انتبهت اخيرا و نظرات التعجب تشمل عينها و لكن ابتسامه عاصم المستنكره و رفعه حاجبه ساخره اجابتها و أكد هو هامسا بسخط لم يخلو من غروره: مش عاصم الحصرى يا حاج عز اللى يتغفل.
و غمزه صريحه لوالدته اخبرتها انه لم يعرف انها ابنه خاله فقط و لكنه عرف كل ما يمكن معرفته عنها.
وبدلا من ان تدخل في مجادلات و تساؤلات الان تمتمت بقلق يكتنف قلبها بقسوه: انا خايفه عليها قوى، خايفه اخسرها زى ما خسرت اخويا يا عز، انا مش عارفه اعمل ايه؟
امسك عز بيدها الاخرى ناظرا اليها بقوه تعشقها به و التي ورثها طفلها عنه: بتثقى فيا يا ليلى!
اومأت مسرعه دون تفكير فصمت قليلا ثم نظر لعاصم هاتفا بتساؤل حمل في طياته اقرار و تحدى: اقدر اسلمك مسئوليه حمايتها يا سياده النقيب، دا طبعا بعد ما اخوها يعرف، اقدر اسيب الموضوع بين ايدك!
نظر عاصم لوالده الذي يتحداه بنظراته بل و يشجعه ايضا و كأنه بحاجه لامرا كهذا فهى مسئوليته شاء الجميع ام أبى لا فارق، هتف بثقه دون ان ترف عينه و هو ينظر لوالده: اعتبره حصل.
ساعد عز ليلى على النهوض و اجبرها على عدم التحدث بأى امر الان تاركا الموضوع كاملا لله ثم بين يدى عاصم و هو مدرك تماما ان ولده سيحميها لا بقوته و اصراره فقط و لكن بقلبه ايضا فإن كان الاحمق غافلا عما يشعر به فوالده لا يغفل ألا يقولوا هذا الشبل من ذاك الاسد و للاسف سيستغرق ابنه الكثير ليُدرك مشاعره كما كان هو سابقا.
ظل عاصم يراقب انصرافهم و كلمات جده تتردد بأذنه حتى كادت تجعله يفقد عقله فكز على اسنانه و عرقه الاسود ينفرط غضبا هامسا بتحدى صريح و قوى: و رحمه امى ما هرحم حد يقرب لها، و عليا و على اعدائى.
اليوم أتم اكرم عامه 32، جلس يتناول فطوره و بيده صندوق رسائل والدته، انهى هو قراءه جميع ما به من رسائل عدى اثنتين اختصت والدته احداهما بزواجه و عاهدته ألا يفتحها حتى يفعل و الاخرى اختصها بهذا اليوم، اليوم الذي وصل فيه لسن والده عندما خرج معها من بيت العائله كما فهم من كلماتها.
قرأ الرساله و وجهه ينكمش غضبا، ضيقا، رفضا و اشتياقا كاد يقتله.
والدته باختصار شديد طلبت منه شيئين الاول - ان يعود للعائله و يُعيد حق والده و اسمه و كل ما تخلى عنه - و الثانى - وصيه تخص شقيقته و زواجها - لا يصدق كيف بعد كل ما صار من العائله ترغب والدته بأن يكون زواج شقيقته من احد افراد تلك العائله بل و توصيه بذلك مهما كلف الامر ان كانت شقيقته لم تتزوج بعد.
لم فكرت والدته في امرا كهذا، لا يدرى! و لماذا وضعت حملا ثقيلا هكذا على كتفه، ايضا لا يدرى!
هو لم يعرف احدا من العائله سوى فارس و الذي اخبره ان سيتقدم لفتاه يحبها، كيف يطمئن لاى فرد من افراد تلك العائله و الاسوء من كل هذا انه حتى لا يعرف اين شقيقته!
اجل يسعى هو و فارس بل و توصل لبعض الخيوط التي قد تساعده و لكنه لم يصل بعد.
اغلق الرساله و هو يُفكر في خطواته التاليه، تفكير، تحليل، عقلانيه يمتاز بها، المهم و الاهم، ثم قرار وضعه قيد التنفيذ رافعا سماعه هاتفه يطلب رقم فارس رنين، رنين ثم اجابه، ترحيب سريع ثم سؤال مباشر: كنت قولت من فتره عن رغبه مازن في الشغل معايا.
صدق فارس على كلامه و اخبره بمدى تحمس مازن لهذا فلقد حاول العمل في عده اماكن و لكنه لم يستقر حتى الان، فرفع اكرم عينه ناظرا للرساله قليلا ثم هتف بثقه متخذا اولى خطواته تجاه تلك العائله لرؤيه ما تخفيه من ماضٍ بل و حاضر ايضا: انا موافق، هستناه النهارده في مكتبى.
إلغى مواعيدى النهارده يا هبه، و هاتِ لي اخر صفقات وقعنا عليها، و اه في ضيوف انا بانتظارهم.
قالها اكرم و هو يدلف لمكتبه و هبه خلفه تسجل ما يطلبه منها حتى جلس على مقعده فسألته عن رغبته في اى امر اخر بعمليه فنفى ذلك و تحركت هي للخارج.
اندمجت في عملها و من وقت لاخر تهاتف معتز لتطمئن عليه ففى النهايه هي امرأه عاشقه، تركت الهاتف و على وجهها ابتسامه هادئه لتجد اصوات ضحكات تعلو بالمكان يعقبها تقدم رجلين لداخل غرفتها و القى احدهم السلام فرفعت عينها اليهم مردده اياه لتتوقف نظراتها على احدهم كأنها تحاول تذكر اين رأته من قبل بينما هتف مازن بدهشه تملكت منه و فرحه سكنت قلبه: مش معقول هبه!
نظر فارس اليه قليلا و من لمعه الفرحه بعينيه ادرك ان المنكبه على الاوراق امامه هي الفتاه الذي يبحث عنها شقيقه فابتسم و عاد ببصره للجالسه امامه و بدا انها تحاول التذكر ثم سرعان ما ابتسمت و هي تنهض تشير بسبابتها مردده: بشمهندس مازن!
اتسعت ابتسامته مرحبا بها، سؤال عن احوالها، و حديث قصير عن المشروع الذي اشتركا به من قبل، ثم سؤال متعجب و هو ينظر حوله فهى بغرفه السكرتاريه: انتِ بتعملى ايه هنا؟
رفعت كتفها ببساطه لتجيبه بهدوء و هو تشير حولها بيدها: بشتغل.
عقد ما بين حاجبيه متناسيا ما جاء من اجله و هو يستند على المقعد امام المكتب بيده بينما فارس يتابعه عاقدا ذراعيه امام صدره و هو يرى انبهار اخيه بها و هو يتمتم باستنكار مشيرا حوله هو الاخر: سكرتيره!
ابتسمت هبه متجاوزه نبرته المستنكره و اجابته بتوضيح بسيط و لكنه حمل من المرح ما يُزيد اعجابه بها: لما بدأت اشتغل هنا كنت لسه مدخلتش هندسه و بعد كده الباشمهندس اكرم مقدرش يستغنى عنى.
انهت كلماتها بابتسامه واسعه فقد يعتقد البعض انها تحزن و لكنها على العكس تماما فهى تعشق عملها هذا و تعشق اعتماده عليها كما لو كانت شريكته و ليست سكرتيرته الخاصه.
حمحم فارس لينبه مازن لوجوده عله ينتبه لنظراته و حواره الذي يتمادى به فنظرت اليه هبه فأشار مازن عليه معرفا: فارس اخويا الكبير.
ثم نظر لفارس مشيرا لهبه معرفا: دى المهندسه هبه كنت حكيت لك على المشروع ايام الجامعه فاكر!
اومأ فارس بابتسامه هادئه مرحبا بها لتلتقط عيناه حلقتها الذهبيه التي تزين بنصرها الايسر فنقل بصره بضيق بينها و بين شقيقه الذي يبدو انه لم ينتبه فهتف بترحاب متعمدا: اهلا بيكِ يا. انسه هبه.
ضغط احرف كلمته فردت تحيته و هي تبتسم بخجل متمتمه بسعاده متذكره رفيق عمرها الان: مدام، اهلا بحضرتك.
اختفت ابتسامه مازن تدريجيا و هو يحملق بها مرددا خلفها بدهشه: مدام!
نظرت اليه لتُفاجأها ملامحه العابسه التي خالفت ابتسامته الواسعه فور دخوله إلى هنا و اجابته بهدوء حرج و لكنه استشف فرحتها بما تقوله: اه انا مكتوب كتابى.
ببساطه تقولها و هي لا تدرك ان بساطتها تلك دمرت حلما سعى اليه من سنوات مضت.
بفرحتها هذه قتلت خطواته في طريق طالما اراد السير فيه.
انتقلت عينه لاصابعها لينظر لحلقتها الذهبيه و التي اخبرته ان الحلم ها هنا انتهى، ببساطه كما تقول.
شعر بيد فارس على كتفه فلم يرفع عينه عن اصبعها و تمتم بهدوء: ألف مبروك.
و لا يعرف ما صار بعد ذلك او بصوره ادق لم يشعر، خطوات مشتته، ترحاب تائه، حوار عقيم، و حديث عن عمل، ثم موافقه اكرم، توقيع عقود، و اتمام الشراكه.
بينما هو في تفكيره يصب عليها اسواط لومه.
كان يجب ألا تتزوج، ألا تُحب و ألا تسمح لأخر بسرقه حلمه.
و لكن يعود ضميره ليجلده هو بسياط الندم.
فمن اين لها ان تعرف انه يريدها زوجه، ان تعرف انه احبها و ان تنتظره لتحقق حلمه.
هو لم يعبر بل لم يحاول حتى و لم يخبرها و لو عن رغبته بها و الان ما الداعى للومها!
عندما كان يرسم هو الطريق لها سارت هي بطريق غيره، عندما زين حلمه باسمها حققت هي حلم غيره و كلما تذكرها في غربته كانت تملئ هي قلب غيره.
و الان الحلم الذي عاد لاجله استيقظ منه على اسوء ما يكون فما الحاجه لوجوده هنا بعد الان!
افاق على حوار اكرم و فارس ليعود للواقع من حوله و مرت دقائق اخرى و كان خارج الشركه ينظر اليها و لا يدرى ان كان سيعود حقا اليها أم لا؟
اصوات ضحات عاليه، ركض و مرح، مشاكسه الصغيره و عبث جنه معها حتى جلست متعبه على العشب اسفل الشجره المفضله لديها فاتجهت شذى اليها لتنام على فخذها بلهاث هي الاخرى. مر بعض الوقت حتى نهضت شذى بحماس و هتفت: يلا نلعب.
ابتسمت جنه و هي ترتب لها خصلاتها المشعثه قليلا اثر نومها و هي تتسائل عما سيلعبانه فأجابتها شذى بضحكه: الغميضه.
ضيقت جنه عينها و هي تتذكر يوم استدرجتها شذى بتلك اللعبه لغرفه ذلك المتعجرف، قلبت عينها بنفور ثم عادت تنظر لشذى صائحه بحماس اكبر و نبرتها تحمل من المرح الكثير: و المره دى بقى هتودينى فين يا عفريته!
قهقهت شذى متذكره ما تتحدث عنه جنه و اخذت تقسم لها انها فقط ستلعب، جاءت سلمى على اصواتهم و قررت العوده للجموح بحياتها دون ان تأبه بما سيحدث و بدأت هذا باللعب معهم ولكن بعد ان احضروا حنين لتجلس معهم بدلا من اعتكافها بغرفتها.
ركض هنا و هناك، ضحكات ملئت المكان من حولهم، تبديل للادوار، لهاث و تعب و مر الوقت ما بين ركض و مرح.
عاد عاصم للمنزل استمع لاصواتهم العاليه فاتجه للحديقه الخلفيه يراقبهم، صراخ سلمى، مراوغه شذى و ضحكات حنين و ركض جنه خلفهم تحاول العثور على احدهم.
استند على جذع احدى الاشجار يتابع شغبهم هذا و قد راقه كثيرا حيره صاحبه الابريق العسلى و هي تدور و يدها تبحث في الهواء من حولها، تقترب منها شذى لتدغدغها فتصرخ، تُمسك سلمى باسدالها تجذبه فتتململ في نزق، و تحاول حنين مساعدتها و هي تجلس على كرسيها ممتنعه عن اللعب لاصابه قدمها فتمدحها، داعب جانب فمه مستمتعا حتى وجدها تتوقف و هي تتنهد بقوه صارخه بطفوليه لذيذه اثارت رجولته واضعه يديها الاثنتين على جانب رأسها: كفايه بقى انا دوخت.
و صراخات اعتراض من سلمى و اتهامها بالغش من شذى لتصرخ بهم بحنق زاد ابتسامته اتساعا.
نزع سترته ليضعها على احد الفروع بجواره رافعا اكمام قميصه للاعلى و هو يوشك على الجلوس على جذع الشجره و لكن دون ان ينتبه سقطت مفاتيحه ارضا ليُصدر صوتا جذب انتباه جنه على الفور، فتحركت مسرعه باتجاهه و هي تبتسم فشهقت شذى و هي تراه ينحنى ليلتقط مفتاحه الذي اصدر صوتا مره اخرى لتُكمل هي طريقها اليه و عندما اوشكت حنين على الصراخ بها تخبرها جلست سلمى بجوارها و هي تمنعها فالوضع يبدو ممتعا و وافقتها حنين على الفور فرؤيتها لعاصم يحاول الابتعاد عن مرمى يد جنه جعلتها تغرق في نوبه ضحك حتى دمعت عينيها.
انتبه عاصم لاقترابها منه فاعتدل واقفا يحاول تجاوز يدها التي انطلقت في الهواء تبحث عنه، تأتى يمينا فيذهب يسارا، تتقدم فيتراجع تصرخ به اعتقادا انه احدى شقيقاته فتتسع ابتسامته حتى كادت تنطلق ضحكاته و يبدو ان الامر اعجبه فتمادى به.
اخذت شذى تقفز مستمتعه و هي تصرخ ضاحكه و صوت المفتاح بيده و الذي استغله حتى يحتفظ بانتباه جنه معه كاد يجعلها تجن و هي تحاول الامساك به.
اشار عاصم لشقيقاته بيده محييا و هو يرى ضحكاتهم العابثه حتى صرخت جنه و هي تقف بتعب: يخرب عقلك يا سلمى اقفى بقى تعبت.
نظر اليها عاصم ليتبين شفتيها التي تزمها ضيقا فوضع حلقه المفتاح على اصبعه و اخذ يُديرها عده مرات فتمتمت جنه بابتسامه صفراء تحاول بها استجداء رأفتهم بها و هي تميل لتستند بيديها على ركبتيها: انتِ حبيبتى يا شذى. كفايه بقى نفسى اتقطع.
توقف عاصم عن اصدرا صوتا و هو يرتب ثيابه ليتركهم و يرحل فكفى عبثا هامسا بسخريه مازحه: حبيبتى ايه بس!
و لقربها منه مالت برأسها للامام قليلا و عطره يصلها لتعقد ما بين حاجبيها متسائله بهمس: انا عارفه الريحه دى.
هم بالتحرك و لم ينتبه لها ثم توقف محدقا بها بدهشه و هي تُمسك بقميصه صارخه بفرحه، رفع احدى حاجبيه ساخرا و عيناه تنتقل بين يدها القابضه عليه و بين وجهها الضاحك و هي تجذبه خلفها تحاول نزع الربطه عن عينها بيدها الاخرى هاتفه بانتصار: اخيرا، طلعتِ روحى يا سلمى.
كان يتحرك معها وفقا لجذبها فقط و ابتسامته لا تفارق وجهه حتى هتفت بعدما نزعت الربطه لتغمض عينها تحاول استقبال اشعه الشمس: انتِ بتتحركى بالراحه ليه كده! انتِ طخنتِ يا سلمى؟
فتحت عينها لتُفاجئ بالفتيات امامها في حاله هستيريه من الضحك المتواصل فتوقفت و هي تزدرد ريقها ببطء و لا قدره لها على تخيل الامر حتى و لكنها نفت توقعها و الذي دفع بالقلق لقلبها و استدارت بهدوء لتجد عيناها تواجه صدره فشهقت بحده و هي تجذب يدها عنه بعنف مرتده للخلف عده خطوات: يا نهار مش فايت.
ضيق عينيه يطالعها بعبث و ابتسامه خبيثه تتراقص على شفتيه، ناظرا اليها لحظات اختفت فيها انفاسها حتى تحدث بجرأه رغبه منه في اخجالها لتتورد وجنتيها كما يحب ان يراها: متأكده ان انتِ اللى طلع روحك!
و قد كان له ما اراد، اندفعت الدماء لوجهها خجلا، غضبا و ارتباكا من موقف لم تكن تحلم ان تُوضع به في اسوء احلامها و خاصه معه هو.
و لكنه لم يكتفى و لم يصمت بل اضاف باستنكار ماكر و هو يرفع ذراعه امامها مظهرا عضلات عضده: ثم انا راضى ذمتك انا طخين! دا انا حتى رياضى و رشيق اهه.
حلقت ضحكات الفتيات من حولها مجددا مع ابتسامته المشاغبه و حصونه السوداء التي حاوطتها بمرح تختبره به لاول مره و خاصه معها. و اعلنت هي رايه الاستسلام منطلقه ركضا باتجاه المنزل و لكنها لم تنتبه فتعثرت باسدالها لتسقط ارضا في مشهد من اسوء ما يكون لتندفع ضحكاته هو هذه المره تخترق اذنها و هو يهتف: حاسبى.
نهضت بارتباك اشد و هي تكاد تبكى من فرط توترها، ضيقها و خجلها امامه بالذات.
اقتربت الفتيات منه و هو مازال يتابعها لتستند سلمى عليه ضاحكه: هتقتل نفسها.
ارتفعت ضحكاتهم مجددا حتى وكزته حنين بمرفقها تعاتبه على التمادى معها و ارباكها لهذا الحد: مكنش المفروض تعمل كده و تضحك عليها بالمنظر ده.
ابتسم متذكرا تعثرها منذ لحظات هاتفا بنبره حاول جمعها بلامبالاه: هي اللى مجنونه.
ثم اندمج معهم في حوار مضحك و شذى تُعلق بسعاده على ضحكاته منذ قليل و الذي لا ترتفع هكذا الا مرات قليله حتى جلس ارضا امام حنين ليُمسك بيدها متحدثا بخصوص عرض فارس لها: ليه رافضه فارس يا حنين؟ و هل انتِ متأكده من قرارك و ارد عليه خلاص و لا محتاجه وقت تفكرى؟
اختفت ابتسامه سلمى تدريجيا و نظرت لحنين لترى تفحصها بها و على شفتيها الرفض فاتجهت لعاصم جالسه بجواره و تأبطت ذراعه هاتفه باقرار لتضع حنين امام الامر الواقع: لا يا عاصم انت تقول له مبروك اتفضل علشان نشرب الشربات و لولولولولى.
ابتسم عاصم لفرحتها التي رسمتها ببراعه على وجهها ثم عاد ببصره لحنين متسائلا: مظبوط الكلام ده يا حنين!
اغلقت حنين عينها لحظات فضحكت سلمى تمنعها من التفكير حتى لتقف قائله بمزاح و قوه نبرتها اخبرت حنين ان سلمى انهت الامر بل و جعلت الامر يبدو لعاصم موافقه حقا: خلاص بقى يا كازانوفا متكسفهاش.
ثم اضافت بمرح و هي تضع يدها على كتف حنين تضغطه بخفه كأنها تحذرها: انا أقنعتها تنجز و توافق يمكن ألاقى في الفرح عريس مناسب، انا عاوزه اتجوز برده.
نهض عاصم واقفا يطالعها بحده صارخا بها: عاوزه ايه يا سلمى!
ابتعدت عنه خطوات للخلف تقهقه لتهمس بتراجع: دا طبعا بعد موافقتك يعنى، ثم عادت اليها روح التمرد لتضع يدها بخصرها معانده بدلال: و بعدين انا الكبيره على فكره.
قبض عاصم كفه و هي تتمايل امامه برعونه و دلال اشعل غيرته عليها و اشار لها لتقترب قائلا: انتِ بعدتِ ليه طيب قربى هنتكلم.
ضحكت حنين مرغمه و سلمى تشيح بيدها مبتعده عنه اكثر صارخه: لا انت ايدك تقيله، اقصد كلامك يعنى.
ضحك عاصم و هو يجذب يدها ليحاوطها ضاما كتفها لصدره و باليد الاخرى ضم رأس حنين اليه فأسرعت شذى تتعلق بعنقه ليغلق عينه مفكرا للحظات انه من الممكن ان يأتى يوما ليخلو المنزل من عناد سلمى و تمردها، هدوء حنين و حنانها، و بعد زمنا دلال شذى و مشاغبتها و ربما يخلو ايضا من جنته.
فتح عينه مانعا عقله من الاسترسال بأفكاره التي باتت تشغل معظمها ان لم يكن جميعها و تمتم بهدوء: ربنا يخليكوا ليا.
ارتفع رنين الهاتف بيد اكرم ليجده عاصم فأجابه بضيق ليخبره باختصار عن معرفته لمكان شقيقته فهرع اكرم اليه.
اجتمعت العائلات معا و قصت ليلى عليهم مكالمه والدها فانتفض اكرم واقفا ليصرخ بغضب: انا مش هسمح لحد يأذيها.
وقف عاصم امامه قائلا بقوه و ثقه: مش هنسمح.
تجاهله اكرم و هو يستمع لحديث هاله القلق: طيب هنتصرف ازاى!
اشاح اكرم يده بسخريه و هو يهدر بنفاذ صبر متجاهلا وصيه والدته ببقائه و شقيقته وسط العائله: هاخدها و ابعد.
و هنا جاء الرفض قاطعا عندما هدر عاصم بصوت اكبر: لا.
التفت اليه اكرم و غضبه يعميه الان فهل بعدما عثر عليها يخسرها هكذا ببساطه، ابدا لن يسمح و ان كلفه الامر حياته.
نهض فارس ليضع يده على كتف عاصم متمتما بهدوء ينافى ما اصاب الجميع من ارتباك في هذا الموقف: ليه لا يا عاصم اكرم فعلا لازم يبعد بها من هنا لانها بالنسبه لهم عار و انت عارف البنت لما بتبقي عار بيبقي حياتها الثمن.
انتفض عاصم بغضب تعجبه الجميع عدا عز الذي راقب الامر و القرار الذي اتخذه ليلا بعد تفكير عميق يترسخ بعقله اكثر و خاصه عندما صاح عاصم و هو يدفع يد فارس عنه: انا هحميها منهم كلهم.
ثار اكرم قبالته فالموضوع حياه شقيقته ربما يستطيع هو مجابهتهم و لكنها لن تفعل و هتف باستنكار هازئ اثار جنون عاصم اكثر: هتحميها ازاى بقى! و بصفتك مين!
ثم اشاح بيده بسخريه جعلت القليل الباقى من عقل عاصم ينفذ: اتكلم كلام معقول.
كاد عاصم يهجم عليه يغير خريطه وجهه و لكن يد فارس منعته.
فهل يدرك احد ما يموج بصدره الان!
لا يفكر فيما يسمى ما يشعر به، و لا لماذا يشعر به من الاساس، و لا من تكون بالنسبه اليه غير انها ابنه خاله، فقط يفكر و يشعر و يعرف انه ابدا لن يتحمل فكره خروجها من حياته و لن يسمح بهذا، ابدا.
قطع عز الفرصه عليهم لاستكمال خلافهم و تمتم بثقه و هو ينظر لشقيقه - اسامه - و قد قرر الافصاح عن قراره: انا عندى حل هيحل المشكله دى كلها!
عم الصمت قليلا و مع نظرات عز ادرك اسامه ما يهدف اليه فيبدو ان التاريخ يعيد نفسه بكل ما به من تفاصيل فابتسم مانحا اياه الموافقه على قراره.
بينما تحدث اكرم ناهيا الامر: الموضوع مش محتاج حلول انا هاخد اختى و همشى انا مستحيل اعرض حياتها و حياتى كمان للخطر.
اتجهت ليلى اليه تمسك بيده ليغمره شعور غريب و جزء من والده يحتضن كفه بمثل هذا الدفئ و قبل ان تنطق تحدث عز مجددا و هو يطمئن اكرم: الحل اللى عندى يا اكرم مفيد في حاجتين اولا ان انت و جنه هتفضلوا وسط العيله، ثانيا هنحمى جنه من بطش كباره العيله و انت كفيل تحمى نفسك.
عقد ما بين حاجبيه و ليلى تتوسله بنظراتها ان يستمع اليهم فتمتم بتساؤل: و ايه هو الحل؟
ابتسم عز ناظرا لشقيقه مجددا و هتف بثقه: ان جنه تتجوز.
صمت خيم المكان و تعجُب صاحبهم بينما طارت جنون عاصم تكاد تحرق والده على عرضه، حسنا هو يرغب في حمايتها، و ابدا لن يسمح بسوء يمسها و لكن ان يتركوها تعيش و يدفعوه هو للموت!
كان وقع الكلمه كفيلا باشعال نيران غضبه، اندفاعه و غيرته.
تخيل عالم خاص بها و لكن مع اخر كان له وقعا مؤلما على نفسه، كمن يلقى بحفنه ملح على جرح حى، ببساطه هم يسحبون روحه تدريجيا دون التفكير في وقع الامر عليه.
بعرضهم هذا هو سيراها و لكن يُجبر نفسه على عدم رؤيتها، سيشعر بها و يجبر نفسه على قتل شعوره، يرى ابريقها العسلى و يمتنع مجبرا عن الغرق فيه.
عاد للواقع مع تساؤلات الحضور عن كيف يحميها أمرا كهذا فأردف اسامه هذه المره و هو يبادل شقيقه الابتسامه: مش الجواز نفسه لكن جوازها من شخص معين هو اللي هيحميها.
و عادت التساؤلات عمن سيكون حاميها بينما هو حك جانب فمه بغضب اسود فهو لن يسمح بحدوث ما يقولون، هو فقط سيحميها.
سيمحو كل من يقترب منها، سيحرق كل من يفكر في أذيتها، سيفعل ما في مقدرته و ما لا يقدر عليه ايضا و لكنه ابدا لن يسمح لها بالزواج من غيره.
و و الله لو بمقدور رجلا أخر حمايتها سيقتله حتى لا يكون امامهم غيره.
عاصم عز الحصرى.
اتسعت عينه بدهشه عندما هتف عز باسمه يحاول استيعاب ما قيل.
عندها صاح اكرم بحنق فهذا اخر شخصا قد يتمناه لشقيقته: و دا هيحميها ازاى؟
تنهد عز متذكرا ما صار بالماضى و تمتم موضحا الامر باختصار: لما اسامه قرر يتجوز هاله و حصلت مشاكل كان ابوها عاوز يقتلها لما فكرت تعصيه و كان فعلا ناوى يقتلها بس هروبهم منعه و لما اتجوزوا رجعوا تاني و لما ابوها فكر يأذيها فاكرين مين منعه!
هتفت هاله بتذكر: حمايا.
اردف عز و هو يتذكر موقف والده: بالظبط كده و قال وقتها لوالد - هاله - دى بقت من عائله الحصري و طالما بقت مرأه ابنى يبقى بقت مننا و قتلها يعتبر تعدى و هيبقي بينا و بينكوا باب تار، وقتها الحاج مدحت تراجع تماما عن فكره أذيتها علشان ميفتحش تيار دم جديد.
اردفت ليلى بعدما ادركت ما يشيرون اليه: و دلوقت لما عاصم يتجوز جنه بابا مش هيقدر يأذيها لانه مش هيفكر يفتح باب عداوه مع حمايا، صح كده؟
اومأ عز موافقا: بالظبط كده.
بينما كان اكرم في تفكير اخر، هذا الحل كما يزعون يحقق وصيه والدته تماما.
عودتهم للعائله و زواج شقيقته من احد افرادها.
و لكن ان يكون هذا الفرد هو هذا المتعجرف هذا ما سيجبره على التفكير في الامر قليلا.
نظرت نهال لعاصم و هي ترى به حمايه متكامله لابنه شقيقتها فرجلا مثله بقوته، مركزه، عدم تهوانه و عنفه اذا تطلب الامر دون تفكير بالعواقب، هو المراد تماما لمواجهه بطش الكبار.
اقترب عز من عاصم واضعا يده على كتفه يسأله بهدوء: ايه رأيك يا عاصم!
قطع اكرم اجابه عاصم وهو يهتف: المفروض الكلام ده ناخد فيه رأى جنه الاول.
و هنا حاول عز اقناعه ان العائله لن تتخلى عنهم مجددا و ان هذا هو الامر الصائب الان بينما عاصم يواجه الان صراعه الداخلى المعتاد بين عقل يكاد يجن من افعاله و قلبا جن بالفعل منذ لقاءها.
يحدثه عقله ساخرا هل حقا يسعى لحمايتها فقط!
و ان كان يفعل فلماذا احرقته فكره زواجها و لماذا يُسعده زواجه منها!
هل يدق قلبه لا لضخ دمه فقط كما اعتاد بل ليعيش بداخله امرأه!
و يصرخ قلبه بالاجابه و لكنه يصم اذنيه عمدا عن سماعها.
فكيف يصارح نفسه انه يريد ان يتزوجها، ينام كل ليله على صوتها و يستيقظ في الصباح على همساتها!
كيف يعبر عن رغبته بأسرها بين ذراعيه و مداعبه جفونها بشفتيه، عن رغبته باخبارها بحبه كل يوم و سماعها منها كل دقيقه!
كيف يشرح شغفه بنُسخ صغيره منها ليداعبها و يدللها عندما تنشغل هي عنه، هوسه بالغرق في ابريقها العسلى و رغبته بازاله دموعها و رسم الضحكه على ثغرها الوردى!
كيف يقول انه يريد ان يكون هو من يزين بنصرها بحلقه ذهبيه تحمل اسمه و تزين هي عمره بوجودها، انه يريد ان يكون هو من يزين جيدها بالماسات و يمنحها الدفئ بقبلاته!
كيف يقول ان امنيته رؤيتها تكبر و تكبر حتى تصير عجوز بشعر ابيض و اسنان متكسره و تجاعيد تملأ وجهها!
و مع كل اجابات قلبه لم يسمعها بل وتجاهلها، هو فقط و فقط يحميها.
و اقنعه عقله هو ابن الحصرى بسيطرته و تحكمه لا يقبل ان يخرج شيئا عن طوعه هذا فقط و لا يوجد اى شئ تافه اخر.
لم يدرك مدى شروده سوى عندما صرخ والده بوجهه فحمحم و هو يجيب على سؤاله: انا موافق.
فرحت ليلى بشده و منحته نهال نظرات امتنان بينما اشاح اكرم بوجهه عنه هو يوافق الان فقط لصالحها و السبب الاكبر هو وصيه والدته.
تجاوز عاصم نظرات الجميع من حوله و تمتم بجديه: انا مش عاوز جنه تعرف حاجه عن الاتفاق ده و الامور تمشى طبيعى.
وافقه الجميع و هنا طلب اكرم رؤيتها فابتسمت ليلى و هي ترى لهفته و قبل ان تصعد قال و هو ينزع سلسال يرتديها بعنقه يتدلى منها سوار صغير: بلاش تقولى لها انه انا اديها دى بس و هي هتعرفنى.
اخذتها ليلى و تحركت للاعلى طرقت باب الغرفه التي اجتمعت الفتيات بها بعدما اصدر عاصم اوامره بعدم الخروج لوجود ضيوف بالاسفل، توضيح بسيط ثم استدعاء بنبره حانيه: في ضيف عاوز يشوفك يا جنه.
نهضت واقفه تنظر لها بتعجب عبرت عنه بسؤالها المباشر: ضيف عاوزنى انا! مين ده؟
ابتسمت ليلى و اقتربت منها ممسكه بيدها مما دفع القلق لقلبها حتى وضعت شيئا ما بيدها فنظرت جنه اليه لتتسع عينها بصدمه و هي ترى سوارها التي اجبرت اكرم على ارتدائه عندما كانت صغيره، رفعت عينها لليلى التي ابتسمت لها بحنان لتلمع عينها بالدموع و هي تردد بصوت متقطع كأنها تتأكد: ا. اك. اكرم، اكرم.
و مع اماءه ليلى ركضت جنه دون التفكير في اى شئ فقط هرولت لرؤيته، و شاركتها دموعها لتتساقط على وجنتيها معلنه عن مدى فرحتها، اشتياقها و احتياجها له.
و بمجرد ان هبطت عده درجات حتى تبينت الجلوس، نقلت بصرها بينهم في لهفه، ثلاث شباب لا تعرفهم و عاصم معهم كان اول من انتبه اليها تلاه هذا الذي لمعت عينه بدهشه فور رؤيتها، عوده قليله للماضى، خاصه يوم المؤتمر لتتذكره، هو بنظراته، تعجبت هي يومها مدى الارتباط في الشبه بينه و بين شقيقها و لكنها ابدا لم تكن تتخيل انه بالفعل شقيقها.
خرجت منها شهقه صغيره و هي تضع يدها على فمها لا تصدق و كذلك هو فور ان رأها تطلع اليها بدهشه، عرف هو ابريق العسل خاصتها و لكنه كذب احساسه ذلك اليوم و يا ليته لم يفعل.
تقدم اليها خطوه فهبطت هي باقى الدرجات بسرعه لتقف عند اول الدرج تنظر اليه دون ادنى انتباه لمن حولهم، اقترب هو خطوه اخرى فكادت تعودها للخلف من فرط تعجبها، خوفها و التشتت الذي اصابها و لكنها لم تفعل بل تحركت للامام مسرعه مع تلك الدموع التي غشت عينها فلم تنتبه للمقعد امامها تعثرت به لتسقط ارضا ليركض هو اليها يحاوط كتفيها بكفيه يُنهضها و عينه تخبرها بوضوح عن شوقه اليها، لهفته لرؤيتها، ندمه و اعتذاره.
رفعت يدها ببطء و وضعتها على وجنته كأنها لا تصدق انها في واقع الان، مررت اصابعها على وجهه بينما اغلق هو عينه و هو يستوعب عدم تصديقها للامر، لتتساقط يديها على كتفيه ثم تهبط لتحتضن يديه لتتوه اصابعها الصغيره في دفء كفه كما كانت تفعل دائما بصغرها فضغط هو يدها بخفه لتطلق هي اه طويله قبل ان ترتفع يديها لتحاوط عنقه دافنه وجهها في كتفه تاركه العنان لانفاسها بالتقطع بكاءا و جسدها بالانتفاض اشتياقا و يدها تتمسك به خوفا و عتابا.
لا يدرى متى او كيف سقطت دمعه هاربه لتبلل حجابها ضاما اياها اليه بقوه اكبر، كان يخفيها به بقسوه و لين، يعتذر اليها بقوه و ضعف، يعبر عن لوعته و شوقه بشغف و حنان.
جمع حضنه كل ما فقدته في حياتها، كانت تتمسك به كغريق يتمسك بأخر طوق نجاه، كطفل وجد امه بعدما عانى من مراره التيه، كفقير اكتسي بعدما قاس برد العرى.
عادت هي لوطنها بعد طول غربه، الان و الان فقط تستطع القول انها وجدت الدفء بعد طول صقيع حياتها.
تطلع الجميع بهم في حنان جارف فما هذا الذي يعادل فرحه اللقاء بعد فراق دام سنوات و سنوات حتى اكتفى كلاهما من البعد و كانت هذه حراره اللقاء.
بينما يقف عاصم يتلوى غيظا لا يدرى مصدره، يد اكرم على خصرها و يده الاخرى تُمسد ظهرها، انفه التي اختفى في طيات حجابها و وجنته تلامس خاصتها، يديها التي تتمسك بثيابه و عينها التي تخفيها في كتفه، شهقاتها على صدره و راحتها بين يديه.
شعور كوى قلبه ليختبر لاول مره ما معنى شعور الغيره حقا.
يغار على شقيقاته و لكن ها هنا يختلف الامر، حارق و بشده يكاد يمزق صدره و براكين نفسه تشتعل ليُبعدها عن حضن اخيها قسرا ربما ليحتضنها هو.
لتكن يديه محل يدى شقيقها تداعب خصرها، لتكن وجنته هي ما تعاكس وجنتها و ربما شفتيه من تفعل.
نفض رأسه يمنع ما يسرى بداخلها من افكار وقحه و هو يرى اكرم يبتعد عنها لتمحى اصابعه دموعها ليزداد هو غيظا و صوت الحمقاء يقتله مع بحه الشجن الذي ظهرت جليه بصوتها و هي تقول بعتاب: قولت لك متسافرش و تسيبني بس انت عاندت و بعدت.
ضم وجهها بكفيه يعتذر بضعف تعجبه عاصم في رجلا مثله: انا اسف حقك عليا.
ضربت صدره بيدها غاضبه و لمعت عينها بطفوليتها كأنها تريد استعاده فتاه الخمس سنوات و هي تتمسك بأخيها فهتف اكرم مره اخرى: سامحينى يا جنتى.
اشتعلت اوداج عاصم و هو يستمع ل اللقب الذي اطلقه اكرم، فهى جنته هو و فقط.
ابتسمت جنه و هي تفتح يدها ليظهر سلساله و سوارها فابتسم بالمقابل و هي ترفع يدها لتضعها حول عنقه متمتمه بتذكر: فاكر قولت لك ايه و انا بلبسك الاسوره دى اول مره.
اتسعت ابتسامته بحنين و هو يتذكر عندما كانت في عيد ميلادها الخامس و رغم انه من المفترض ان تكون الهدايا لها لكنها اهدته هذا السوار فهمس مرددا ما قالت له وقتها: قولتِ علشان لما تتوه نعرف نلاقيك.
ضحكه قصيره فارقت شفتيها و هي تحاول تذكر ملامحه وقتها و رفضه الرجولى الصغير و هتفت مجددا: طيب فاكر انت قولت لي ايه؟
انتهت من وضع السلسال فأمسك يدها مقبلا اياها و هي يردد رده وقتها بنزق: اضايقت جامد و اعترضت و قولت لك دي بناتي و انا راجل.
ضحكت و هي تحتضنه مره اخرى و تمتمت بشرود و هي تتذكر كلمات والدتها لوالدها: و انا قولت لك بعدها هتفضل في نظرى راجلى الاول و الاخير.
ابعدها عنه ضاما كتفها اليه ليطبع قبله على جبينها لترفع هي عينها للحضور اخيرا لتجد هاله تجلس على اريكه مجاوره فابتعدت عنه متجه اليها لترحب بها بفرحه، ثم حديث قصير و سعدت لما اتاها من اعتقاد فسألت مباشره: حضرتك يا طنط اللى عرفتِ اكرم مكانى!
ابتسمت هاله لتُجلسها بجوارها نافيه برأسها ثم اشارت على عاصم هاتفه بتوضيح: لا عاصم اللى عرفه.
استدارت لتنظر اليه ليهولها نظرات الغضب المشتعله بعينيه لترمش بعينها عده مرات ونظراتها تلمع بخوفها المعتاد منه و لكنها لن تستطيع انكار امتنانها له على اول امر جيد يقوم به منذ تاريخ وجودها هنا، حاوطها هو بحصونه السوداء قليلا و مازال صدره يشتعل غيظا و غيره و لكنها هربت من حصار عينيه مسرعه متجاهله حتى كلمه شكر.
اقترب اكرم منها مقررا اخبارها بأن من تجلس وسطهم الان هم عائلتها، نظرت اليه بابتسامه واسعه وهو يهتف: في حاجه مهمه لازم تعرفيها.
عقدت حاجبيها متسائله فنظر حوله لحظات و قد تأهب الجميع لرد فعلها حتى عاد ببصره اليها مصرحا: اهلنا يا جنه، اهل بابا و ماما هن...
قاطعته بعصبيه و هي تشيح بوجهها عنه متذكره غضب والدها الدائم منهم، كره حديثه عنهم حتى باتت تكرههم دون ان تعرفهم حتى و هتفت بكره واضح و نفور اشعل الخوف بقلب افراد العائله: مش عاوزه اتكلم عن حد فيهم ابدا، انا عندى عيله واحده و هي انت، بابا مكنش بيحبهم و انا بكرههم و مش عاوزه ابدا اعرفهم.
نظر اليها اكرم متعجبا كرهها الزائد و لكن يبدو ان والده كان بحق يكرههم على عكس والدته التي طالبته بالرجوع اليهم، رفع عينه ليجد ليلى تطالعه برفض و تنهيه عن القول فنظر ارضا محتفظا بالصمت فربما عدم معرفتها بالامر الان هو الحل الامثل.
ابتسمت ليلى تحاول تجاوز التوتر الذي اصابهم و امسكت يدها لتلتفت جنه اليها مبتسمه حتى فجرت ليلى ما لديها من قنبله بعثرت جنه تماما: جنه، عاصم طلب ايدك من اخوكِ.
ثم وضعت يدها على وجنتها بدفء ام و هي تردف: توافقى تتجوزيه!
اتسعت عين جنه بذهول اصاب اطرافها بشلل عاجزه تماما عن الحركه مع شهقه خوف فارقت شفتيها.
زواج!
ومن ذلك المتعجرف، من ذلك الذي تكرهه كما لم تفعل مع احد، ذلك الذي اهانها و اذلها و فعل كل ما يجلب الدموع لعينيها، ذلك الذي وضعته موضع كوثر و كرهته مثلما تكرهها و اكثر.
صراخه بها، غضبه عليها، عنفه معها، غروره و تعجرفه، اوامره و تعليماته، صوته العالى، وجهه العابس، خوفها منه، كرهها له، رغبتها في عدم رؤيته، نفورها و اشمئزازها من قربه.
كل هذا ينتهى ببساطه بعقد زواج يجمع اسمها باسمه، امضاء يدفع بجسدها لجسده، وعد لتعانق روحها روحه، كيف هذا و هي حتى لا تطيق ان تكون انفاسها في نفس مكان انفاسه!
كيف هذا و هي تكره ان تلتقى عينها بعينيه!
بحق الاله كيف هذا و هي تكره مجرد ذكر اسمه!
افاقت من شرودها الذي رسم على وجهها اشد علامات الرفض ليحترق بها قلب عاصم و هو يترقب ردها عندما وضع اكرم يده على كتفها يتسائل بعدما رأى بعين عاصم ما دفعه للاطمئنان قليلا: ايه رايك يا جنه! تحبى تاخدى وقت تفكرى!
و هنا رفعت عينها اليه بقلق لون مقلتيها و خوف اشعل روحها و هي تهتف: لا.
ابتسم اكرم محاولا استشفاف موافقتها او رفضها صراحهً: لا يعنى انتِ موافقه!
انتفض جسدها لمجرد الفكره و حركت رأسها مسرعه نفيا و هي تصيح بتوتر و تردد و الاسوء بفزع: لا لا.
و قبل ان يتحدث احد او حتى تنظر اليهم اختبئت بكتف اكرم هامسه بخوف قتل عاصم و هو يراه بها و للاسف هو السبب فيه: خدنى من هنا، انا عاوزه امشى.
حاولت ليلى الاقتراب منها و لكن اكرم اوقفها باشاره بعينه و هو يضم جنه متحركا بها للخارج مخبرا اياهم انه بحاجه للتحدث معها بمفرده.
جلس و اجلسها بجواره يُمسك بيدها، يتحدث و يستفسر و يحاورها و احيانا يكذب، هو يرغب في تنفيذ وصيه والدته، يرغب في معرفه اسرار الماضى التي دُفنت، عرف ان جنه هنا منذ شهور و هذا يعنى انها اعتادت عليهم، تحبهم و لا مشكله لديها في القرب منهم، زواجها من عاصم ربما افضل حل في الوقت الحاضر، هو مدرك جيدا لغرور عاصم وتعجرفه و لكنه اليوم ادرك خوفه عليها و اهتمامه لامرها ليس من حديثه فقط و لكن من نظراته ايضا، ربما لم يلاحظ احد و لكنه لاحظ نظرات الترقب و الانتظار بعينيه عندما سألت والدته شقيقته عن رأيها و رأى نظرات الصدمه عند رفضها له، المتعجرف تعركل بإبريق شقيقته العسلى و ان اخفى ذلك، و حقيقه هو كأخ لها لا يتمنى زوجا افضل منه اليها، مكانته، منصبه، حياه اجتماعيه رائعه، مستوى مادى عظيم، رجولته و قوته، سيطرته و اخيرا ما رأى اليوم في عينيه من اعجابه و حبه.
ماذا قد يتمنى لشقيقته اكثر من ذلك.
حاول معها لاقناعها بكل ما يملك من طرق مستنبطا انها تحكم عليه ظاهريا لم تحاول التعرف عليه او فهم قلبه بدلا من مواقفه.
هو رجلٌ و يفهم جيدا ما يفعله عاصم بعنجهيته و لمسئوليته تجاهها سيدفعها لفرصه ربما تكون اصح و اصدق و افضل الفرص بحياتها.
رغم عدم حبه لعاصم، عدم قبوله لتعجرفه إلا انه للعجب يشعر بالاطمئنان على شقيقته معه.
يشعر بأنه حقا من سيحميها و يدافع عنها بل و يُفديها بنفسه قبل اى شئ اخر.
ولهذا اوضح و اوضح وشرح و فسر حتى قبلت جنه بحديثه رغما هنا فهو و ان لم يتعمد أجبرها و هي تعودت على الخنوع دائما و ها قد خضعت.
قطع فارس حديثه معها عندما جذب اكرم بعيدا ليخبره ان كبار العائله سيكونون هنا بحلول نهايه الاسبوع فلابد من عقد القران قبل نهايته.
عاد اكرم اليها مشتتا فكيف يقنعها بهذا التعجل الان و لكنه كما اجبرها للموافقه اجبرها على قبول الامر بحجه انها هنا منذ شهور و لابد انها اعتادت عليه، و بعد اعتراض، خوف، تردد و امام اصرار شقيقها التي شعرت به يرغمها دون ارادتها وافقت و قلبها يصرخ خوفا فحتى بعد عودته لا تجد الامان الكامل فهو سلمها ببساطه شديده لغيره. لغيره تكرهه كما لم تكره احد.
و لرغبه اكرم في منحهم فرصه اكبر للتعرف على بعضهم البعض طلب من عاصم ان تظل جنه في بيته و كزوجته و لكن دون الدخول بها حتى تعتاد عليه و تتوقف عن فزعها منه و تَقَبَل عاصم ذلك بالفعل فهو كان سيفعله دون طلب فهو لن يعترف بحبه و رغبته بها حتى تتخلص من كرهها له و خوفها منه و تحبه بل و تصرخ بها اليه اولا.
و اكتمالا للترتيبات الضروريه لوجود كبار العائله هنا قرر فارس ان يطالب والد حنين بعقد قرانه عليها ايضا و بعد مشاورات و تفكير تم الاتفاق على الامر على ان يكون العقد قبل نهايه الاسبوع.
اصطحب اكرم جنه معه للخارج لتقضيه يوما مستعيده ذكرياتها معه بينما اجتمعت ليلى ببناتها مخبره اياهم حقيقه جنه و علاقتهم الاسريه، تعجب و اعتراض و تمرد من سلمى على عدم اخبارها و عتاب من حنين على اخفاء الامر و لكن شرحت ليلى ما اجبرها على ذلك ثم اخبرتهم بالمفاجأه الكبرى و هي زواج شقيقهم من جنه في القريب، فرحه ام حزن، تعجب مستنكر ام دهشه سعاده، فقط حاله غريبه من عدم استيعاب لما صار و خاصه مع معرفه حنين عن عقد قرانها هي الاخرى في غضون ايام.
مرت الايام و قررت سلمى مفاتحه والدها في امر عملها فهى لن تتنازل عنه الان رغم معرفتها انه لن يوافق بالاضافه لعاصم الذي لا تتعدى موافقته نسبه الواحد بالمائه و لكنها ستهدف لموافقه والدها و بعدها لن يستطيع عاصم الرفض.