قصص و روايات - قصص رائعة :

رواية حارة القناص الجزء الأول للكاتبة شروق حسن الفصل الخامس والخمسون والأخير

رواية حارة القناص الجزء الأول للكاتبة شروق حسن الفصل الخامس والخمسون والأخير

رواية حارة القناص الجزء الأول للكاتبة شروق حسن الفصل الخامس والخمسون والأخير

تسائل قاسم بقلق، ليرد عليه يامن بفخر: الكلب بتاعنا كان جعان فإديتها ليه عشان ياكلها.
ولم يستمع قاسم لبقية حديثه بل انتفض من مكانه مُهرولًا للخارج وخلفه الرجال للبحث عن ابنته وهو يسب رائد وابنه المعتوه بغضب.
نظر يامن لركوضهم المُرعب بتعجب، ثم انتقل بأبصاره تجاه آسر الذي أتى لتوه وهو يعدل من ثيابه، ثم تسائل بحماس: آسر تيجي نلعب عسكر وحرامية؟

رفع آسر له عيناه العسلية التي تُشبه أعين والدته، واتسعت ابتسامته وهو يهز رأسه بالإيجاب يُوافقه أثناء قوله السعيد: ماشي، بس أنا اللي هبقى الحرامي.
اعترض يامن بوجهٍ مُتشنج: لأ أنا الحرامي، أنا المرة اللي فاتت كنت الظابط.
شاركه آسر في الاعتراض قائلًا بسخط: لأ مليش دعوة أنا الحرامي.

نفخ يامن بضيق وطالعه بصمت لعدة ثوانٍ، لكن انمحى ضيقه وحل محله ابتسامة واسعة خبيثة وهو يقول: طيب أنا عندي فكرة واللي هينفذها هيبقى هو الحرامي.
صفق آسر بكفيه بحماس ثم أومأ له مُوافقًا: ماشي يلا أنا موافق.
وبالخارج. هبط قاسم درجات المنزل بسرعة رهيبة وقلبه يطرق بعنف خوفًا من أن يكون الأحمق الصغير قد أعطاها لجروه حقًا! هذا اللعيم الصغير يُقسم بأن يقتله ويقتل أباه إن مَسَّ صغيرته أي مكروه.

توقفت خطواته فجأةً عندما لمح صغيرته تقف أمام نوح ابن يونس/فور ووجها مُمتليء بالدموع، خفتت شهقاتها تدريجيًا عندما هبط نوح مُستندًا على رُكبتيه ليصل لمستواها، ثم رفع كفه يمسح دموعها برقة، وبعدها احتضنها مُمسدًا على ظهرها بحنانٍ وهو يقول: خلاص يا فيروزة متعيطيش أنا معاكِ.

هدأت فيروزة التي كادت أن تموت من الرعب منذ قليل، فلولا رؤية نوح لها هي و يامن وإنقاذها في الوقت المُناسب، لهجم عليها الجرو المُفترس، وبصوتٍ مِتحشرج وأنفاسٍ لاهثة أردفت بخوف: كلب.
هدهدها نوح بكفه الصغير ثم أخرجها من أحضانه وهو يقول بابتسامة هادئة: متخافيش أنا هحميكِ، لما نكبر وأبقى ظابط هقبض على كل اللي زعلك.

ورغم عدم فهمها لحديثه بأكمله، إلا أنها ابتسمت ببراءة عقب ابتسامته التي سددها لها، هرول لها قاسم سريعًا ثم انتشلها لداخل أحضانه وهو يقول بقلق: فيروزة حبيبتي أنتِ كويسة؟
ابتسمت فيروزة بسعادة عند وجود والدها ثم صاحت مُهللة أثناء احتضانها له: بابا.
أحاط بها قاسم وهو يتنفس براحة: حبيبة عين بابا، كنتِ فين يا فيروزة؟
أشارت فيروزة بإصبعها نحو الخارج وهي تقول: كلب.

نظر قاسم حيث تُشير فلم يجد شيئًا، فتدخل نوح يُوضح له قائلًا برزانة: الكلب في الجنينة اللي ورا يا عمو، وكان هيعضها بس أنا شدتها قبل ما يوصلها.
مد قاسم يده للصغير يُربت على خصلاته قبل أن يجذبه له ويُقبل وجنته بحنان: تسلم يا حبيبي.

قالها ثم اعتدل واقفًا يحمل على ذراعه ابنته، واستدار لمجتمع الرجال فوجدهم يقفون يُتابعون ما يحدث بانتباه، ثبت قاسم أنظاره الحانقة على رائد ثم همس بشر: ليلة ابنك مش معدية النهاردة.
أنهى حديثه ثم اتجه نحو الداخل بخطواتٍ غاضبة تعكس شره، بينما رائد لطم على وجهه وهو يلحقه صارخًا: يالهوي هيقتل الواد اللي حيلتي.
ضحك صهيب ساخرًا قبل أن يتبعه: أحسن، يمكن تحس على دمك وتربي ابنك حتى لو خمس دقايق.

وبعد ذهاب الجميع، اقترب آلبرت من ابن أخيه ثم جلس القرفصاء أمامه حتى يصل لطوله، وبعدها تحدث مُفتخرًا: أبليت حسنًا يا صغير، أنت ضابط قوي حقًا.
تهللت أسارير نوح الذي التمعت حدقتاه بسعادة بالغة، ثم تسائل فرحًا بلغتهم الروسية: حقًا عم آلبرت؟

ابتسم آلبرت وهو يُوميء له بنعم، ثم تحدث بهدوء بعد أن قبَّل وجنته بحنان: حقًا يا قلب العم آلبرت، على الأقل أنا أرى بك ما لا أراه في ابني المُغفل والذي يسعى خلف الطعام طوال الوقت.

وفي حقيقة الأمر هو معه كل الحق، لقد أخذ نوح كل صفات عمه آلبرت لكثرة جلوسه معه وحبه لإهتماماته، حتى أنه أصبح ذو شخصية قوية في صغره ويسعى ليُصبح ضابطًا كعمه، بينما مكسيم ابن آلبرت اكتسب صفات فور الحمقاء وشاركه اهتمامته في كثرة تناول الطعام.
وقف آلبرت في مكانه ثم أمسك بكف نوح الصغير واتجه نحو الداخل حيث يجلس الجميع، وبمعنى أوضح، حيث نشوب تلك المعركة القائمة بين قاسم و يامن.

وإن تسائلتم عن ما يحدث، فالذي يحدث كالآتي: قاسم يقف أمام يامن المُعلق من ثيابه على أحد المسامير البارزة من من الحائط ويصرخ به بغضب: بقى أنت عايز تأكل بنتي يلا للكلب بتاعك؟
أجابه يامن بحنق أثناء مُحاولاته الفاشلة للنزول: يا عمو ما رائد كان جعان.

رمش قاسم عدة مراتٍ ببلاهة لا يستوعب ما يقوله الصغير، فحوَّل أنظاره نحو رائد الذي ادَّعى الانشغال مع أحد الأطفال، ثم عاد بأنظاره نحو يامن المُعلق يسأله بعدم فهم: رائد مين اللي كان جعان؟
رد عليه يامن بنفاذ صبر: الكلب بتاعي يا عمو!

تعالت ضحكات يحيى بصخبٍ حتى أنه لم يستطيع السيطرة عليها، بينما حاول صهيب بقدر الإمكان أن يكتم ابتسامته، وبعد أن هدأت ضحكات يحيى تسائل بعدم تصديق: أنت مسمي الكلب بتاعك على اسم أبوك؟
أومأ له يامن بالإيجاب وهو يُجيبه بعقلانية: أيوا يا عمو عشان أنا بحب بابا.
رد عليه چون بابتسامة مكبوتة: وعشان بتحب أبوك تقوم تهزقه بالطريقة دي؟

نفخ يامن وهو يُربع ذراعيه أمام صدره، ثم نظر ل قاسم قائلًا بضيق: نزلني بقى يا عمي التيشرت هيتقطع.
صرخ به قاسم بنفاذ صبر: قطع رقبتك يا بعيد.
قالها ثم اقترب منه مُمسكًا إياه من ياقة ثيابه بعنق، ثم همس أمام وجهه بفحيح: أنت عارف يلا لو شوفتك ناحية بنتي تاني هعمل فيك إيه؟ هقعدك في أوضة الفراخ.

ابتلع يامن ريقه برعب وهو يفتح عيناه بفزع، فهز رأسه بالنفي أثناء قوله الخائف: لأ يا عمو الفراخ لأ، خلاص مش هكلمها تاني وابقى شوف مين اللي هيعبرها.
اقترب رائد من ابنه بسرعة ضاحكًا بسماجة حتى يُخفي وقاحة صغيرة: هههه عسل يا يامن بتحب تهزر كتير.
أنزل رائد ابنه والذي بدوره عدَّل من ثيابه، ثم نظر إليه أبيه مُتحدثًا بتعجب: بس أنا مش بهزر يا بابا.

كتم رائد فم يامن ثم حمل جسده على كتفه فباتت رأس الصغير مرمية للخلف، فبرر رائد قبل أن يهرول من أمامهم جميعًا: هنطلع نشوف ملك خلصت عمايل الكحك ولا لسه، سلام يا رجالة.

طالع قاسم أثرهم الذي اختفى من أمامه بغضب، ثم ضم إليه فيروزة وكأنه يحميه من شيءٍ ما، شعر بقُبلة رقيقة تُطبع على وجنته اليمنى فنظر إلى صغيرته والتي يرتسم على وجهها نظرات المُشاكسة التي تخص بها أبيها، دغدغها قاسم من عنقها وهو يقول بمزاح: يا حرامية.

علت قهقهات فيروزة بصخب أثناء محاولاتها لإبعاد يد أبيها، لكنه لم يسمح لها بذلك بل استمر في رسم البسمة داخل فؤادها قبل ثُغرها، مصمص يحيى على شفتيه مُتحسرًا قائلًا وهو يضرب على ظهر آسر بخفة: شايف؟ اتعلم يمكن تفلح.
جعد آسر وجهه بضيق وقال ناقمًا: يا بابا أنت اللي المفروض تعملي كدا مش أنا!
وعقب حديثه تسائل يحيى ببلاهة: إيه دا والله بجد؟

تململ آسر في وقفته ثم ابتعد عنه راكضًا نحو مُجتمع الأطفال، جلس آسر بجانب معاذ ثم سأله بصوتٍ خافت: عملت إيه؟
ارتسمت ابتسامة مُنتصرة على ثُغر معاذ الذي أجابه بفخر: ضربته طبعًا زي ما ضربني المرة اللي فاتت في المدرسة، مش هسيب حقي تاني.
ابتسم آسر بحماس ثم قال مُهللًا: لما تتخانق تاني ابقى ناديلي عشان أتخانق معاك.

أومأ له مُعاذ بابتسامة واسعة، ثم عاد بأنظاره حيث الألعاب ليصب تركيزه كله عليها، بينما آسر استدار نحو سما مُتحدثًا إليها بابتسامة رقيقة: إزيك يا سما؟
رفعت سما أنظارها من على شاشة الهاتف، ثم أجابته مُبتسمة وهي تُعدل من نظارتها الطبية: الحمد لله يا آسر، أنت عامل إيه؟
غمزها بمشاكسة تعلمها مؤخرًا من أبيه، ثم أجابه بعبث طفولي قد يظهر بريئًا للبعض: أنا الحمد لله فُل يا فُل.

ابتسمت له برقة ثم عادت بأبصارها نحو الهاتف مُجددًا.
وعلى النقيض الآخر وبالأعلى تحديدًا على سطح المنزل، يتمدد كُلًا من يونس وسهيلة على الأريكة الموضوعة بالأعلى، وعلى معدة يونس تنام صغيرته البريئة عائشة التي بلغت العامين منذ عدة أيام تقريبًا، نظر يونس للسحاب مُتنهدًا بحرارة، فاستدارت إليه سهيلة تسأله بتعجب: مالك حساك متضايق؟

هز يونس رأسه بالنفي، ثم استدار لها نصف استدارة وسدد إليها ابتسامة ساحرة سلبت فؤادها للمرة الألف بعد المليون تقريبًا، مال على جبينها يُقبله بحنان ثم تشدق بصوتٍ حنون: مش متضايق، بس مبسوط إن حياتنا بقت مُستقرة مع العيلة وولادنا، كل المشاكل اختفت وكل حاجة بقت تمام، ربنا عوضني عن كل حاجة وحشة شوفتها في حياتي، عوضني بيكِ أنتِ و نوح وعائشة، انتوا أحلى عوض ربنا رزقني بيه.

كانت سهيلة تنام على ذراعه، فمالت على جانبها وأحاطت به من خصره ثم قربت ذاتها منه وطبعت قُبلة رقيقة على وجنته وهي تقول بكلِ الحب الموجود داخل فؤادها: أنت إنسان طيب وقلبك نضيف يا يونس، ربنا اختارك من وسط ناس كتير وهداك للإسلام، كنت بدعي بيك في كل ركعة من صلاتي، كنت بتمناك وأنا نايمة وبتمناك وأنا صاحية، دموعي مكنتش بتجف من خوفي إني أخسرك بسبب اختلاف ديننا، وفي الوقت اللي رائد جِه وقالي إنك أعلنت إسلامك أنا فضلت طول اليوم أصلي لربنا وأشكره إنه استجاب لدعواتي.

صمتت قليلًا تسحب أنفاسها ببطئٍ، ثم أكملت حديثها بعشق: أنت نتيجة دعاوي كتيرة أوي أنا دعيتها في الليل يا يونس.
اعتدل يونس من نومته وجلس مُمسكًا بصغيرته، ولأنها كانت نائمة؛ وضعها على الفراش أمامه، ثم استدار نحو سهيلة التي اعتدلت معه واحتضنها بقوة دون أن يردف بكلمة واحدة، كان عناقه يروي كل ما يُريد أن يقوله، دفن وجهه بين ثنايا عنقها ثم تشدق بهيام:.

لقد وقعت بكِ وبعيناكِ، التهمتني نيران عشقك فرُحماكِ، أنا العبد المسكين وقعت هائمًا، تحت سحر محياكِ سقطت راجيًا، طلبت منكِ الرحمة فلا تقنطي، وابقي معي دائمًا وامكثي.

أدمعت عيني سهيلة تأثرًا بحديثه، قافيته أوقعتها في مصرع، ومشاعره أهلكت من قلبه المُنهك، فتحت فاهها لتتحدث لكنها أغلقته مُجددًا عندما استمعت إلى صوت زمجرة الصغيرة التي استيقظت لتوها، فركت عائشة عيناها بنعاسٍ ثم وقفت بصعوبة بعد أن ساعدها يونس على ذلك، وبدون تردد ألقت ذاتها بين أحضانه وأبعدت يد سهيلة عنه، تلك الصغيرة تغار على أبيها وكأنه حبيبها الوحيد والأوحد!

أطلق يونس ضحكات عالية فور وقوع أنظاره على معالم وجه سهيلة الحانقة، وبذراعيه أحاط ب عائشة بعد أن قبَّل وجنتها بحب شديد، تصنعت سهيلة الأسى وهي تقول بنبرة حزينة زائفة: كدا يا عيوشة مش بتحبي ماما؟
نظرت عائشة لوالدتها بعد أن تزعزع ثباتها قليلًا لنبرتها الحزينة، فأكملت سهيلة بحزنٍ وهي تُربع ذراعيها أمام صدرها: أنا زعلانة منك ومش هكلمك تاني.

رمشت عائشة عدة مرات وشعرت بالحزن حيال والدتها الحنونة، فابتعدت عن والدها ثم اتجهت إليها بخطواتٍ مُتلعثمة وألقت بذاتها بين أحضانها وهي تبتسم باتساع.
ضحكت سهيلة بخفة وهي تُحيط بجسد ابنتها الصغير، ثم قبَّلت وجنتها المُنتفخة بقوة وهي تُداعبها: حبيبة قلب مامي يا ناس! هاتي بوسة.

قالت جُملتها الأخيرة تطلب منها قُبلةصغيرة، فمطت عائشة شفتيها لها ثم قبلتها على خدها، وبعدها أخفتها وجهها بخجلٍ وهي تضحك بطفولية مُهلكة.
تعالت ضحكات كُلًا من يونس وسهيلة على مُشاكسة صغيرتهم وبرائتها، لكن قاطع لحظاتهم صعود نوح إليهم، والذي تقدم منهم ثم تحدث بعد أن طبع قُبلة صغيرة على وجه أبويه كما اعتاد أن يفعل دائمًا: عمو قاسم وخالتو أهلة مستنيينكم تحت.

رد فور قُبلته إلى صغيره ثم أردف قائلًا بعد أن وقف من مكانه: حسنًا، هيا لنهبط إليهم.
قالها ثم حمل عائشة من يد سهيلة حتى اعتدلت وارتدت حذائها، وقبل أن يهبطوا قالت سهيلة بمزاح: يا تتكلم بالمصري بس، يا تتكلم بالروسي بس، متنوعش.
شاكسها يونس بقوله العابث: سأُحدثكِ باللاتينية خصيصًا حتى لا يفهم أحد مُغازلتي لكِ.
ردت عليه سهيلة ضاحكة وهم يهبطون الدرج معًا: بس أنا مش بفهم لاتيني، دا أنا فهمت روسي بالعافية.

أجابها يونس بلامبالاة وهو يهز كتفه: حسنًا، ذكِّريني بأن أُعلمكِ إياه هايلة.
هبطا للشقة التي تجمع الجميع حيث الطابق السُفلي، فدلف يونس لمجتمع الرجال ومعه صغيرته عائشة، واتجهت سهيلة إلى غرفة النساء المُغلقة، طالعتها أهلة بسخط والتي تشدقت بتشنج: أهلًا بالحلوة اللي سايبانا متدهولين في المحشي وقاعدة مع جوزها.

خلعت سهيلة حجابها وهي تضحك، ثم شمرت عن ساعديها وجلست بجانب الفتيات لتُساعدهم في الطهي، حينها تحدثت بعد أن أطلقت تنهيدة هائمة: أنا عايزة أشوفلي حل في اللي أنا فيه دا.
سألتها حبيبة برقة: وإيه اللي أنتِ فيه؟
ردت عليها سهيلة مُجيبة إياها بحالمية: كل مرة بقع في حبه وكأنها أول مرة، بغرق في حلاوته يا ناس!

نكزت ملك جانب سهيلة ثم أردفت بغيظ: والنبي ياختي ابقي خَلي جوزك يقعد مع أخوكِ ويعلمه شوية رومانسية، بدل ما هو بيحب فيا بطريقة تشل وتجيب مغص.
لوت يمنى شفتيها باستنكار وهي تُردد حديثها: بيحب فيكِ بطريقة تشل؟ هقول إيه ما هي أرزاق.
قطبت أهلة جبينها بتعجب ثم تسائلت وهي تضع قليلًا من الأرض على ورقة الملفوف: هو يحيى مش بيحب فيكِ بكلام رومانسي ولا إيه؟

اعترضت يمنى بقوة وهي تنفي بطريقة مُبالغ بها جعلتهم يُطالعونها بريبة: مش بيحب فيا دا إيه؟ دا بيقولي أحلى غزل، وأحلى أشعار، وأحلى كلام حب، يحيى دا مفيش في رومانسيته.
أنهت مدحها في زوجها ثم همست بالأخيرة: اللي تقرف.
لوت ملك ثغرها بسخرية قائلة: هنعمل نفسنا مصدقين خالص.

وبعد صمتهم استمعوا إلى صوت مهرائيل المُتلذذ، طالعونها بتعجب فوجدوها تتذوق الأرز باستمتاع، ثم نظرت إليهم بتشفي وهي تقول: الرُز طعمه تحفة، طعمه جميل، طعمه يهبل.
طالعتها سهيلة بسخرية والتي أردفت مُغتاظة: خلاص يا حبيبتي كلها بكرة وهنفطر، النهاردة الوقفة وبكرة العيد وكل سنة وأنتِ طيبة.
اعترضت مهرائيل بقوة قائلة: ولو. ولو برضه لازم أغيظكم.

طالعها الفتيات بإشمئزاز فيما تسائلت أهلة بانتباه: بنتك برضه لسه متعلمتش مصري؟
هزت مهرائيل رأسها بالنفي قائلة: لأ، مع إننا بنتكلم قدامها كتير، و نوح حتى اتعلم عربي بسبب إن يونس وسهيلة بيتكلموا دايمًا قدامه مصري، بس مش عارفة البت دي طالعة غبية وفهمها تقيل لمين!
حدجها الجميع باستنكار فوبختهم هي بقولها المُغتاظ: في إيه مالكم بتبصولي كدا ليه؟

تلك المرة ردت عليها شقيقتها لوسيندا بقولها الساخر: ولا حاجة يا حبيبتي كملي أكل.
مرت عدة ساعات وانطلق مدفع الإفطار يضرب عاليًا، تجمع الجميع حول السُفرة الكبيرة وكل رجلٍ تجلس بجانبه زوجته وأطفاله، الجميع كان ملهيًا في طعامه حتى انتهوا أخيرًا.
صعد كل واحدٍ منهم إلى شقته الخاصة ليرتاحوا قليلًا، فغدًا لديهم يوم طويل منذ بدايته، حيث سيقومون بذبح عِجلٌ كبير سيتشاركون به جميعًا.

جلس قاسم على الأريكة مُتنهدًا وعلى قدمه تجلس صغيرته فيروزة والتي لا تتركه بتاتًا، بينما غيث ومُغيث أتوا أمامهم على الأرض وجلبوا مصاحفهم وبدأوا بحفظ الوِرد اليومي كما علمهم قاسم في صغرهم، و حوراء دخلت إلى غرفتها دون أن تتكلم مما أثار انتباه الجميع!

نظر غيث ومغيث إلى بعضهما البعض، فأشار مغيث لشقيقه بالذهاب إلى توأمتهم لمعرفة ما بها أو ما يُحزنها، لكن قاسم أوقفهم بقوله الهاديء وهو يسير إلى غرفتها: خليكم هنا أنا هروحلها.
أومأ له ولديه بالإيجاب لكنهم مازالوا قلقين على شقيقتهم، فقررت أهلة إلهائهم لحين عودة زوجها وهي تقول بصوتٍ مازح: ها يا كتاكيتي الحلوين، مين اللي هيخلص حفظ الجزء الأول كله؟

رفع الأخوان يديهما بحماس، فتحدث مُغيث وهو ينتفض جالسًا بجانب والدته بشغف: أنا فاضل ليا سورة واحدة وأخلصه يا ماما.
اقتربت منه أهلة تُقبل وجنته بحب وهي تقول بفخر: شاطر يا حبيب ماما.
فانتفض غيث هو الآخر من مكانه وجاور والدته في الجلوس على الأريكة وأردف بحماس يُماثل حماس شقيقه: وأنا كمان يا ماما زي مغيث، فاضل ليا سورة واحدة وأخلصه.
وكذلك قبلت أهلة وجنته بحنان قائلة: روح قلبي شطور خالص.

صدح صوت فيروزة الحانق والتي وقفت على قدم والدتها تُطالعهم بضجر، ثم رددت بطفولية: ماما وأنا.
ضحك كُلًا من غيث ومغيث، بينما أهلة تسائلت ضاحكة وهي تسندها من ظهرها: وأنتِ إيه يا عين ماما.
اقتربت منها فيروزة حتى قبَّلتها، ثم ابتعدت عنها مُجددًا وهي تقول بملامح حانقة: كدا.

علت ضحكات أهلة بصخب قبل أن تهجم على وجنتيها تُقبلهما بقوة، فارتفع صوت ضحكات فيروزة بعلوٍ عندما انضم أخويها لوالدتهم وبدأوا في دغدغدتها.
وبالداخل.
جلس قاسم على فراش حوراء التي تجلس صامتة أمامه وتحني رأسها للأسفل، انتقل من مكانه وجلس مُتربعًا على الفراش واستند بظهره عليه، ثم جذب ابنته إليه وأجلسها على قدمه المُتمددة قبل أن يتسائل بحنو: حوريتي زعلانة ليه؟

كانت على نفس حالتها السابقة، تخفض رأسها للأسفل وتلعب بأصابعها معًا دون النظر إليه، فهزت حوراء رأسها بالنفي وهي تقول بملامح وجه حزينة: مفيش حاجة يا بابا.
اقترب منها مُقبلًا إياها من وجنتها بحب، ثم تسائل بصوتٍ حنون بعد أن ضمها لفؤاده: مش اتفقنا مش هنخبي حاجة على بعض أبدًا؟

رفعت حوراء عيناها المُهلكة تُطالعه بتردد، فابتسم لها قاسم يحثها على الحديث بقوله: احكيلي يا حبيبتي زعلانة ليه، وأوعدك إني لو ملقتش حل هنقعد نفكر في حل سوا.
بدا التردد واضحًا على وجه حوراء، لكن تصميم والدها على الحديث جعلها تردف قائلة بصوتٍ خافت: بصراحة يا بابا أنا بحس إنك بتحب فيروزة أكتر مني.

لم يتغير ثبات قاسم الخارجي رغم تزعزعه من الداخل، صغيرته تظن بأنه يحب فتاته الأخرى أكثر منها؟ ماذا فعلت قاسم بحقك؟
وبصوتٍ هاديء حنون تسائل مُجددًا: إيه اللي خلاكِ تحسي بكدا؟
ردت عليه حوراء بصوتٍ حزين: عشان دايمًا بتلعب معاها أكتر مني، وبتشيلها كتير وبتهزر معاها، مهتم بيها أكتر مني وأنا بحبك وبكون عايزاك تحبني أنا كمان.

اقترب قاسم مُقبلًا رأس صغيرته قبل أن يتحدث بهدوء: تعرفي إن الكلب النهاردة كان هيعض أختك لولا إن ربنا ستر وأنقذها في الوقت المناسب!

رفعت حوراء عيناها لوالدها تُطالعه بقلق، فأكمل هو حديثه وهو يُربت على خصلاتها بحنو: اليوم اللي فكرت أسيب أختك فيه كان هيحصلها كدا، ما بالك بقى لو أهملتها خالص! ماما مشغولة بسبب ترتيبات العيد فمينفعش تاخد بالها من أختك وتاخد بالها من الترويق وكمان تطبخ وتغسل وتمسح، فيروزة أختك لسه عندها سنتين، يعني صغيرة خالص عشان تاخد بالها من نفسها، دلوقتي لو سيبتها وحصلها حاجة وحشة أنتِ هتكوني مبسوطة؟

هزت حوراء رأسها بالنفي، فيما أكمل قاسم حديثه بهدوء وكأن كل حنان العالم تجمع داخل فؤاده: كُلنا بيجي علينا فترات بيكون لازم ناخد بالنا من فيروزة، مش أنا لوحدي اللي لازم أعمل كدا، أنتِ و غيث ومغيث المفروض تاخدوا بالكوا منها كمان، لما انتوا كنتوا صغيرين أنا وماما كُنا بناخد بالنا منكم زي عنينا، وأنتِ بالذات ليكِ حب لوحدك في قلبي يغرق العالم كله، أول مرة شيلتك فيها كنت حاسس إن أكتر واحد في الدنيا دي مبسوط، وقتها قولت إنك أول طريق نجاة ليا من النار، أنتِ من المؤنسات الغاليات وأغلى حد على قلبي يا حوراء.

كانت حوراء تستمع إلى حديث أبيها بأعين مُلتمعة عاشقة، والدها هو حبها الأول الذي لن يتكرر طيلة حياتها مهما فعلت، لا يكتفي بالتبرير فقط، بل يشرح لها وجهات نظره وسبب أفعاله ليُطمئنها مهما كلفه الأمر، سنها صغير وكان من الممكن تجاهلها لكنه لم يفعل، بل أتى خلفها راكضًا ليعلم ما بها فتاته حزينة، طالعته حوراء بأعين حزينة وهي تقول:.

أنا مش عايزاك تزعل مني يا بابا، بس أنا والله بحبك وبكون عايزاك تحبني زي ما أنا بحبك.
ضمها قاسم أكثر إليه وهو يقول بصوتٍ مليء بمشاعر الأبوة: وأنا بحبك أكتر ما أنتِ بتحبيني بكتير أوي، بحبك قد الدنيا كلها يا حوريتي.

ابتسمت حوراء باتساع وهي تُحيط بعنق أبيها، فقبَّل وجنتها في المقابل وهو يمد يده لفتح درج الكومود، ومن ثَم قام بالتقاط ألبوم الصور منه، أبعدها عنه ثم مال بظهره للخلف على الفراش، ثم جذبها مُجددًا إليه لتستند برأسها على صدره وهو يُحيط بخصرها، وباليد الأخرى قام بفتح الألبوم وهو يقول بمرح: تعالي نتفرج بقى على صورك وأنتِ صغيرة.

ضحكت حوراء بسعادة وثبتت أنظارها على مُجلد الصور الخاصة بها هي وأخواتها ووالديها، ضحك كلاهما عندما جاءت صورة ل غيث حينما كان في الثانية من عمره يسير بدون أي ملابس، تعالت قهقات قاسم عقب قول حوراء المُمازح: غيث كان قليل الأدب.
رد عليها بضحك ويداه مازالت تستمر في التقليب بين الصور: ولحد دلوقتي قليل الأدب مفيش حاجة اتغيرت.

ضحكت بصخبٍ، ثم انتبهت إلى صورتها التي كانت تجمعها مع أبيها في أحد المصايف، كانت يحملها على رقبته والشاطيء من خلفهما، سعادتهما كانت واضحة في أعينهما، مال عليها مُقبلًا إياها ثم تشدق بحنين: شايفة كنت بحبك إزاي وأنتِ صغيرة في سن فيروزة؟ دا علشان أنتِ بنتي حبيبتي وكان لازم أهتم بيكِ أوي في السن دا.

وكان هذا هو المغزى من فعلة قاسم، أن يُريها حبه الشديد لها بطريقة غير مُباشرة، هي تحتاج الرعاية والاهتمام والحب وهو لم يُقصِّر في ذلك، لكن صغيرته تغار من اهتمامه الزائد على شقيقتها الأخرى، أخفضت حوراء رأسها بخجل وبصوتٍ خفيض أردفت: أنا أسفة يا بابا، أنا بحبك أوي والله.
تصنع قاسم الضيق والذي أردف بوجهٍ مُمتعض: لأ أنا زعلان.

رفعت حوراء أنظارها إليه بلهفة، ثم اعتدلت مُستندة على رُكبتيها وهي تقول سريعًا: طيب عشان خاطري مش تزعل مني، أنا بحبك وبحب ماما وبحب فيروزة وغيث ومغيث كمان.
أصرَّ قاسم على موقفه بعنادٍ وهو يتنهد بيأس: لأ أنا زعلان، يلا مش مشكلة، أنا كنت مجهزلك مُفاجأة بس ملكيش نصيب.
فتحت حوراء عيناها على وسعهما وأردفت بحماس: مفاجأة إيه؟
أجابها قاسم بتلاعب: لأ مش هقولك أنا لسه زعلان.

ولم تمر ثانية أخرى إلا وهجمت حوراء على وجه أبيه تُقبله وهي تعتذر له من بين قُبلاتها مما أدى إلى ارتفاع صوت ضحكاته عاليًا، التقط أنفاسه اللاهثة وأردف من بينها: خلاص خلاص هقولك.
توقفت حوراء عن تقبيل أبيها وعلى ثُغرها يرتسم ابتسامة سعيدة، فأكمل قاسم حديثه وهو يُبعثر خصلاتها القصيرة بكف يده: يلا قومي إلبسي عشان نخرج ونجيب لبس عيد بدل اللي مش عاجبك، نجيب كمان حلويات وشيكولاتة كتيرة.

صرخت حوراء بفرح وتلك المرة هجمت على والدها تحتضنه، لكن بحب شديد، بسعادة بالغة، ونقاء داخلي، لم ييأس قاسم من أطفاله وأفعالهم الطفولية من قبل، بل حرص كل الحرص على مُعاملتهم كجواهر يخشى خدشهم، يريد أن يجعلهم أسوياء نفسيًا دون وجود أي عقود في حياتهم.

وفي تلك اللحظة فُتح باب الغرفة ودلفت إليهم فيروزة راكضة بشكلٍ مُضحك نتيجة لقصرها، التقطها قاسم بين ذراعيه ثم قبَّل وجنتها المُنتفخة بحنان وهو يقول بمرح: حبيبة عين أبوها.
وكذلك مالت حوراء على فيروزة تُقبل وجنتها بحب، ثم نظرت إلى أبيها طالبة منه بحماس: وهناخد معانا فيروزة كمان يا بابا.

امتلأ قلب قاسم بالسعادة بعد نجاح حديثه مع صغيرته وتبديد الضغينة والغيرة التي كانت قد بدأت بالتشكُل بداخلها، فتح فاهه ليُجيبها، حتى دلف الغرفة كُلًا من غيث ومغيث ووهم يُصيحون بتهليل: وإحنا كمان هنيجي معاكم.
نظر إليهم قاسم بتفاجئ وحوَّل أنظاره إلى أهلة التي أكدت على حديثهم بتهليل: أيوا يا قاسم عايزين نيجي معاكم.
التوى ثُغر قاسم بسخرية وهو يقول: إيه يا هولا أنتِ بقيتي تلمعي أُوكر ولا إيه؟

نفت أهلة بقوة أثناء قولها المُبرر: لأ طبعًا، دا أنا كنت راحة المطبخ أشرب فسمعتكم بالصدفة البحتة.
قالت حديثها الأخير تزامنًا مع جلوسها بجانبه، فأمسك هو بأذنها يجذبها نحوه بقوة طفيفة وهو يقول: إحنا فينا من كدا يا هولا؟
تأوهت أهلة بخفة ثم أبعدت يده عنه، وبعدها جذبت يد حوراء أثناء قولها: بس بقى يا قاسم، يلا يا ولاد قوموا غيروا هدومكم وأنا هاخد حوراء وفيروزة أغير ليهم.

اختفى أثرها من أمام قاسم الذي هز رأسه بيأس ثم شرع بتبديل ثيابه.

بقى أنت يلا عايز تأكل البت للكلب! عايز قاسم يدفني أنا وأنت؟
برر له يامن بقوله المُبرر وهو يأكل من البسكويت الذي أعدته والدته: يا دادي الكلب كان هياكل حِتة صغنونة خالص وهيسيبها ليا.
لم يُبالي رائد بحديثه، بل كرر كلمته الأولى بوجهٍ مُتشنج ومعالم مُشمئزة: دادي؟ إيه دادي دي يلا! لأ بقولك إيه أنا عايز ابني راجل كدا، متعلم الكلمة دي منين!

رد عليه يامن يشرح له بعقلانية غبية: اتعلمتها من مكسيم ابن عمو آلبرت.
اقترب منه رائد وأمسكه من ياقة ثيابه، ثم أردف وهو يهزه بعنف: ولا سيبك من العيال الطرية دي، أنا عايزك خشن كدا، قولي يابا، يا حَج، يا زفت، أي حاجة بس بلاش دادي دي.
أومأ له يامن بالإيجاب وهو يقول بإحترام: حاضر يا زفت.
فتح رائد عيناه على مصرعهما فصرخ به ينهره: يا سافل يا عاق يا قليل الأدب! أنا زفت يا حيوان؟

تأفف يامن والذي تململ بين يديه قائلًا بضجر: يوه بقى! هو مش حضرتك اللي قولتلي أقولك يا زفت؟
انكمش وجه رائد باشمئزاز ثم دفعه للخلف على الأريكة فوقع يامن على ظهره، وبعدها تشدق ساخرًا: حضرتك! حضرتك إيه بقى دا أنت اللي حضرتك.
ضجر الصغير منه، فاعتدل آخذًا طبق الكعك بين أحضانه ثم شرع بتناوله بلامبالاة، تاركًا أبيه يكاد ينفجر من الغيظ!

فُتِح باب المنزل ودخلت بعده ملك التي كانت تُغني بسعادة وهي تتراقص بجسدها: العيد فرحة، يا سلام. وأجمل فرحة، يا سلام، العيد فرحة وأجمل فرحة يملى قلب قريب وغريب.

اندفعت جرعة كبيرة من الحماس داخل جسد يامن عقب رؤيته لوالدته ترقص، فوضع الطعام من يده ثم هبط من الأريكة واتجه نحو والدته يرقص ويقفز معها، ارتفعت ضحكات ملك بسعادة فور رؤيتها لفرحة صغيرها المُشاكس، لم تشأ أن تُفسد سعادته واتجهت نحو التلفاز وقامت بتشغيل إحدى القنوات التي تعرض الأغاني الخاصة بالعيد.

ذهبت ملك إلى رائد وجذبته من يده وحركت ذراعيه تحثه على الرقص معهم، وبالطبع لم يُمانع، بل راقصها وهو يُغني مع ألحان الأغنية بسعادة، ثم هبط لصغيره وحمله على كتفه وراقصه هو الآخر، رفع يامن كفيه الصغيرين يُصفق بسعادة وهو يُقهقه بفرح، كانت بهجة العيد مُختلفة كُليًا على الجميع، خاصةً عند وجود أطفالهم معًا.

العائلة تُعطي للحياة نكهة خاصة، نكهة بطعم الحبِ والفرح، تُدخل السرور والسعادة للقلوب، ومهما كَثُرت مشاكلك تجد خلف حائطًا منيع يمنعك من السقوط والتحطم، البهجة المُنتشرة في الاجواء ما هي إلا سعادة العائلة وجموع الأطفال المُبعثر هُنا وهُناك، عبقهم الطفولي وصوت ضحكاتهم يعلو فتتغلغل الراحة للأنفس والقلوب.

بما إن النهاردة الوقفة وبكرة العيد فأنا قررت أقولك شِعر مجهزه ليكِ مخصوص يا يمونتي.
كانت يمنى جالسة أمام مرآتها تضع ماسك القهوة على وجهها استعدادًا للعيد غدًا، وفور استماعها لحديثه انتفضت من مكانها فزعًا قائلة بصراخ: لأ بلاش، أتوسل ليك بلاش، أرجوك يا زوجي وقرة عيني بلاش.

انكمش وجه يحيى بضيق والذي وقف من مضجعه ثم أمسك بها من كفها وسحبها خلفه حيث الفراش، أجلسها رغمًا عنها أمامه ثم تشدق مُعاندًا: تعالي بس دا أنا مجهزلك شِعر بالفصحى من إمبارح بكتب فيه.
نظرت إليه يمنى بريبة وهي تتسائل: بجد يا يحيى ولا بتضحك عليا؟
رد عليها بثقة مؤكدًا: بجد طبعًا يا يمونتي، أنتِ مش واثقة فيا ولا إيه؟
وبسرعة أومأت قائلة: بصراحة آه.
هنعتبر إني مسمعتش حاجة، المهم ركزي بقى في اللي جاي.

انتبهت له واعتدلت في مكانها، بينما حمحم يحيى بجدية وثبت عيناه على عسليتيها بهيام أثناء قوله العاشق:
لا تستطيع ضحكاتك أن تتسع لكل أضلعي، فقد بات الفؤاد مُتلهفًا لضمكِ، بِتِ أنتِ الحياة وأنتِ كلِ الأحبةِ، حتى أصبح الوجدان يهفو منكِ ولكِ.
رمشت يمنى بأهدابها عدة مرات وهي تُطالعه بعدم تصديق، حدجها باستغراب لحالتها ثم تسائل بتعجب: إيه الشِعر معجبكيش؟

مدت يمنى كفها إلى رأس يحيى ثم قاست حرارته بظهر يدها، ظلت ثوانٍ ثم ابتعدت قائلة باستغراب: أنت مش ساخن أهو، أومال في إيه؟
امتعض وجه يحيى من حديثها ثم هب من مكانه قائلًا بضجر: تصدقي إن أنا غلطان إني تعبت نفسي عشان أقولك حاجة تفرحك!

ابتعد عنها خطوتان فهبت من مكانها راكضة خلفه ثم سبقته حتى وقفت أمامه، كان وجهه يظهر عليه الضيق فاقتربت هي منه ثم أحاطت به من خصره قائلة بحب: يحيى! دي سادس سنة نقضيها سوا وفي بيت واحد، عمري ما زهقت ولا مليت منك، تصرفاتك وجنانك بقى عندي منهم نسختين تانيين ورغم كدا أنا معترضتش، دا يا سعدي يا هنايا إن بقى فيه نسختين من يحيى.

ارتسمت ابتسامة عاشقة على ثُغر يحيى، فبادلها العناق بقوة أشد قائلًا بنبرة عاشقة: هفضل محظوظ طول عمري بيكِ يا يمنى صدقيني، رغم إنك ولية قادرة ومفترية إلا إني بحبك وبموت فيكِ.
ضحكت يمنى بخفة ثم ارتفعت برأسها وطبعت قبلة على وجنته ثم ردت عليه بمشاكسة: والله أنا برضه اللي مفترية ولا أنت اللي بتكون عايز تولع فيا بتصرفاتك وهزارك معايا؟
اعترض يحيى بضجر وقال ساخطًا: وأنا عملت إيه لدا كله يعني؟

ابتعدت عنه يمنى مُطالعة إياه بعدم تصديق ثم تشدقت بجنون: هو أنت مش عايز تعترف بغلطك لحد دلوقتي؟
هز يحيى رأسه بالنفي قائلًا مُدافعًا عن ذاته: أنا مغلطتش على فكرة، دي البت آلاء بنتك هي اللي مقترحة الفكرة وأنا مرضتش أزعلها.
جزت يمنى على أسنانها بغيظ وهي تقول: مش عايز تزعلها تقوم فاتح عيون البوتوجاز ومالي الشقة بالغاز عشان تشوف ردة فعلي؟
تأفف يحيى بحنق: يوه ما بنتك هي اللي وزتني وأنتِ عارفة الشيطان شاطر.

تنفست يمنى بعمق وهي تُغمض عينيها تحاول التقاط أنفاسها الهاربة بسبب يحيى وأولاده، لكن فتحت عيناها مُجددًا عندما استمعت إلى صوت ابنتها التي تبلغ أربع سنوات تُهرول نحو والدها قائلة أثناء إمساكها بالهاتف: بُص يا بابي الفيديو دا! عايزين نعمل زيه.

حملها يحيى على ذراعه ثم نظر للفيديو الذي يعرضه الهاتف، ذهبت إليهم يمنى ووقفت جانبهم حتى ترى محتواه، لكنها فتحت عيناها بعدم تصديق عندما رأت أن الهاتف يعرض مجموعة كبيرة من الهواتف وهُناك أحد الأشخاص يقوم بتدميرها سعيًا لإغاظة الآخر! وضعت يمنى يدها موضع فؤادها وهي تهمس بألم:
يارب صبرني على ما بليتني، والله كدا كتير وأنا مش هقدر أستحمل، مش هيبقى العيال وابوهم.

انتهت من تحدثها لذاتها وبعدها وجدت الصغير آسر يفتح باب الشقة ويُهرول للداخل مُسرعًا ثم أغلق بابها مُجددًا، قطب يحيى جبينه بتعجب فتسائل باستغراب: بتجري كدا ليه يا آسر؟
أجابه آسر وهو يتنفس بعنف: عمو سيف بيجري ورايا عشان ببوس بنته چنى.
اعترض يحيى على فعلة سيف المشينة وتشدق ساخطًا: يعني إيه بيجري وراك عشان بتبوس بنته؟ إيه التسيُّب والاستهتار دا؟

فرغت يمنى فاهها وحدقت بزوجها بعدم تصديق، بينما يحيى أخذ ابنته ومعه آسر وهبط للأسفل لرؤية ذلك ال سيف الذي يركض خلف ابنه من أجل شيء كهذا!

عمو صهيب هتديني عيدية كام بكرة؟
نطق معاذ تلك الكلمات ببراءة، فطالعه صهيب الذي كان يُبدل ثيابه لتيشيرت أبيض صيفي، ثم أردف قائلًا: كل واحد عشرين جنيه.
كانت حبيبة تقوم بتسريح خصلات سما الطويلة، فاعترضت الصغيرة قائلة بقوة: إيه دا يا عمو لأ طبعًا، أنا عايزة 200 جنيه.
استدار لها صهيب بوجهٍ مُتشنج وتسائل مُستنكرًا: عايزة كام ياختي؟ ليه شايفاني قاعد على بنك ولا شغال حرامي؟

ردت عليه سما بلامبالاة ممزوجة بالوقاحة وهي تهز كتفها بلامبالاة: والله أنت أدرى يا عمو، المهم أنا عايزة 200 جنيه.
ردد صهيب كلمتها بعدم تصديق: أنا ادرى! بت أنتِ متعصبنيش هي عشرين جنيه وفُل أوي، وبعدين أنتِ هتعملي إيه بالفلوس دي كلها؟
نفخت سما في اظافرها المطلية باللون الأحمر وهي تقول: هجيب بيها هدية ل مُغيث ابن عمو قاسم.

علت ضحكات حبيبة بصخبٍ على شقاوة الصغيرةة، ثم مالت على وجنة سما تُقبلها بقوة وهي تقول: ياختي بطة! وأنتِ عايزة تجيبي هدية ل مغيث ليه؟
أجابتها سما ببراءة: عشان عيد ميلاده يا بيبة ولازم أجيبله هدية زي ما جابلي.
انتفض معاذ من مكانه يعترض بقوة ذكورية: لأ طبعًا أنا معنديش إخوات بنات تجيب لأي ولد هدية، دي اسمها قلة أدب.
طالعته سما بأعين بريئة قائلة: هجيبلك معاه يا معاذ.

رجع معاذ عن تعصبه وأردف بشموخ: إذا كان كدا أنا معنديش مانع.
كان صهيب يُطالع ما يحدث بأعين مُتشنجة، فذهب إلى الصغيرة وأمسك بها من ياقة ثيابها هامسًا أمام وجهها بفحيح: اسمعي يا بت أنتِ، مفيش هدايا، إحنا مش بتوع الكلام الماسخ وقلة الأدب دي.
هبت سما من مكانها ثم اعترضت بصراخ: لأ بقى كدا حرام وظُلم، وبعدين أنا مبقتش صغيرة على المُعاملة دي، أنا في تانية ابتدائي وهعرف اعتمد على نفسي كويس.

قالت حديثها بعصبية ثم انحنت مُقبلة وجه حبيبة التي تكتم ضحكاتها على مشاكسات الأطفال الدائمة مع صهيب، وبعدها تبعها معاذ الذي صرخ بدوره قبل أن يتبع شقيقته: عاجبك كدا يا عمو؟ أديها مش هتجيبلي هدية أهو.
نظر صهيب إلى أثرهم بفاهٍ فارغ يُطالعهم بصدمة، فحوَّل أنظاره إلى حبيبة قائلًا باندهاش وهو يُشير بإصبع سبابته إلى الباب: إيه العيال دي؟
أجابته حبيبة بضحكة مكتومة: معلش يا حبيبي دول أطفال.

التوى ثغره بسخرية قائلًا: هما مين اللي أطفال؟ دا إحنا اللي أطفال.
ردت عليه حبيبة ضاحكة: خلاص بقى يا صهيب زهقت العيال في عيشتهم.
تنهد صهيب بقوة ثم ارتمى على الفراش وهو يتسائل: أومال فين يزيد وسديم.
ردت عليه حبيبة وهي تتمدد بجانبه: حميتهم وناموا عشان يصحوا فايقين الصبح.
ضمها صهيب إليه ثم قبَّلها من وجنتها وهو يقول بحب: أشطر بسكوتة وأجمل أم في الدنيا.

ردت إليه قُبلته أثناء قولها العاشق: وأنت أجمل إنسان في الدنيا كلها.

مرت ساعتين على قاسم وعائلته وهم يشترون الثياب الخاصة بالعيد وانتهى مشوارهم بجلوسهم في أحد المطاعم المشهورة الخاصة بالبرجر، كان الحماس يقفز من أعين الأطفال وخاصةً حوراء التي قرر أبيها لتعويضها عن ذلك الشعور البشع الذي شعرته اليوم.
مال قاسم على وجنته حوراء يُقبلها بحنان وبعدها تسائل بحب: مبسوطة؟
رفعت حوراء أنظارها السعيدة إليه ثم أومأت له بحماس وهي تقول: أوي أوي يا بابا، أنا بحبك أوي.

شاركتهم فيروزة في الحديث ورددت كلمة شقيقتها بسعادة رغم أنها لا تفقه شيء مما يُقال: بابا.
تأففت أهلة بضيق وهي ترى الفتاتان تجتمعان حول زوجها فتشدقت صارخة: ما خلاص يا حبيبتي أنتِ وهي، كل شوية بوس وأحضان وبحبك وبموت فيك، ما عرفنا.

طالعت فيروزة والدتها باشمئزاز مما أدى إلى إغاظة أهلة أكثر وارتفاع صوت ضحكات قاسم رغمًا عنه، وقف مُغيث من مكانه ثم طبع قُبلة رقيقة على خد والدته قائلًا: متزعليش يا ماما أنا كمان بحبك.
أيده غيث والذي قبلها هو الآخر بقوله: وأنا كمان بحبك يا هولا.
لوى قاسم شفتيه ساخرًا: جتك أوه في جنابك أنت وهو، يلا كلوا عشان نشرب فراولة باللبن.

وعلى بُعدٍ آخر. جلس يونس على طاولة المطبخ ومعه عائشة ومكسيم ابن آلبرت وأمامهم الكثير من المأكولات، وكما ذُكِرَ مُسبقًا فأن مكسيم يأخذ كل صفات يونس: ناولني كدا يا يونس النص فرخة دي!
قالتها سهيلة بفمٍ مُمتليء بالطعام، فأعطاه يونس ما طلبته، وبعد أن ابتلع ما في حلقه من طعام تسائل بريبة: متأكدة إن فيه أكل ليهم بكرة؟
أكدت له سهيلة بثقة وهي تقول: طبعًا، أنا عاملالك حلة المحشي دي مخصوص أصلًا.

طالعها يونس بحنان شديد ثم أمسك بكفها وقبله بحب وبعدها أردف بحنو: تسلم إيديكِ يا ح...
توقفت الكلمات بحلقه عندما وجد مكسيم يُقبل يد عائشة التي ضحكت بخجل وخبأت وجهها بكفيها الصغيرين، انتفض يونس مُمسكًا إياه من ياقة ملابسه وهو يصرخ به: ما تفعل أيها الصغير المُغفل!
نظر إليه مكسيم صاحب الأربع أعوام مُجيبًا إياه بطفولية: أفعل مثلما تفعل عمي.

رد عليه يونس بسخط: هذه زوجتي، وتلك ابنتي، وأنت ابن أخي وبمثابة ابني، لكن ابنتي لا تحل لك.
طالعه الصغير بعدم فهم فردد بجهل: لا أفهم.
ضحكت سهيلة عاليًا، فجذبت مكسيم إليها تُقبله بمشاكسة وهي تقول: أنت بتعمل إيه يا يونس مش هيفهمك هو لسه صغير.
استفاق يونس لذاته والذي تشدق بتذكر: أيوا صح.
قالها ثم نظر ل مكسيم قائلًا: حسنًا يا صغيري أكمل طعامك الآن، وحين تكبر سأشرح لك كل شيء.

عاد قاسم وأطفاله إلى المنزل وارتموا بتعبٍ على الأرائك، بينما أهلة صرخت بهم قائلة: استنوا متناموش هجيب حاجة من جوا وهاجي على طول.
هب قاسم من مكانه قائلًا: يلا كله يقوم يغير هدومه عشان نصلي القيام سوا.

أومأ له جميع أولاده مُسرعين دون الاعتراض، فتلك هي عادتهم الذي علمها لهم قاسم منذ الصغر، ارتدى قاسم وغيث ومُغيث بيجاماتهم التي أتت بها أهلة خصيصًا من أجل ليلة العيد، بينما أهلة والفتيات ارتدوا الإسدالات الخاصة بالصلاة، وبعد انتهائهم من الوضوء صلى بهم قاسم كإمام.

كان صوته خاشعًا يُجبرهم على الاستماع والخضوع للمولى عز وجل، لقد زرع بأفئدتهم حب الصلاة والقرآن، وكان هذا أفضل إنجاز قام بفعله، أنهى الركعتين وجلس للتشهد، فجاءت إليه صغيرته المُشاكسة فيروزة وقبَّلت وجنته بمرح ثم ضحكت بخفة، وبعدها جلست على قدمه تعبث بأصابعه التي يضعها على قدمه، وتارةً أخرى تقف على قدمه لكن تلك المرة كادت أن تقع، فضمها قاسم مُسرعًا لصدره قبل السقوط، وأكمل صلاته وهو يحملها.

انتهوا من الصلاة فدغدها قاسم بوجهه من رقبتها وهو يقول بمرح: مش هتسكتي يا بت أنتِ بقى.
تعالت ضحكات فيروزة بقوة أثناء مُحاولتها لإبعاده بكفه الصغير، فابتعد عنها قاسم وهو يضحك ثم أشار جهة حوراء وهو يقول: روحي اقعدي على رِجل أختك لحد ما أشوف أمك بتهبب إيه في الحمام.

ذهبت فيروزة إلى شقيقتها تجلس على قدمها بسعادة، فمالت عليها حوراء تُداعبها بمرح مما يؤدي إلى ضحك فيروزة، وقف قاسم من مكانه وما كاد أن يخطي خطوة واحدة، حتى وجد أهلة تخرج من المرحاض وتُمسك بصحن صغير نسبيًا، قطب جبينه بتعجب ثم تسائل وهو يُشير لما تمسكه:
إيه دا؟
أجابته أهلة مُبتسمة والتي بدلت ثيابها إلى أخرى جديد، والتي كانت عبارة عن تيشيرت بحمالات رفيعة وبنطالًا ضيق لركبتيها: دا ماسك العيد.

ضيَّق قاسم عيناه بريبة وهو يتسائل: ودا هتحطيه أنتِ لوحدك صح؟
أجابته نافية بقوة: لأ، هنحطه أنا وأنت والعيال.
تشنج وجه قاسم والذي تحدث بسخط: أنا لا يمكن أحط القرف دا.
بعد خمس دقائق.
هتفت أهلة بضيق وهي تُعدِّل من وجه قاسم: يا قاسم اثبت بقى مش عارفة أحطلك الماسك.
نفخ قاسم بضيق وهو يصرخ بها: يا ستي متجيش ناحية وشي يا ستي متعصبنيش.
أومأت له أهلة قائلة بمُجاراة: حاضر أنا أسفة اثبت بقى.

نظر قاسم لليمين حيث أولاده فوجدهم مُنشغلين بوضع الماسك لبعضهم البعض، فاستغل هو هذا وأحاط بخصر أهلة يُقربها منه، ثم تشدق بعبث: مش هتقوليلي برضه سر حلاوة عينيكِ إيه؟
غمزته أهلة بعبث مُشابه له وهي تقول: لما تقولي سر حلاوتك أنت يا جميل.
ضحك قاسم بخفة قبل أن يحك أنفه المُلطخ بالماسك من أنفها المُلطخ كذلك، وبعدها تشدق بعد أن تنهد بقوة: السر إن مصدر الحلو في حياتي.

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إيَّاهُ، مُخْلِصِين له الدين ولو كره الكافرون، اللهم صلِّ على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أنصار سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذرية سيدنا محمد وسلم تسليمًا كثيرًا.

كانت تلك تكبيرات العيد التي صدحت عاليًا في جميع المساجد والجميع يُردد خلفها بتهليل وفرحة واضحة، كان الرجال يأخذون الصبية، والفتيات معهن الصغيرات، وبعد أن انتهوا من التكبير والصلاة عادوا إلى منازلهم، لكن لن يعودوا بسهولة هكذا، بل سيعودوا للذبح!
تجمعت جميع الفتيات أمام المنزل ينتظرون بكل حماس الشباب الذين دلفوا للمنزل لتبديل ثيابهم، وبعد عدة دقائق خرجوا وهم يرتدون جلابيب بيضاء!

ضحكت لوسيندا بصخب وهي ترى چون يرتدي ثياب الذبح، ورغم أنه كان وسيمًا إلا أن مظهره كان مُضحك كثيرًا، بدأ الرجال بإحاطة العِجل الضخم مَعًا يُحاولون تصفيده، لكن يحيى ورائد وقفا بعيدًا خوفًا من بطش الثور!
طالعهما قاسم باشمئزاز لكنه ركز على الذبيحة أكثر، فقام هو و آلبرت بالهجوم عليها معًا، بينما فور وجون وسيف كبلوه من رأسه، لكن ولسوء حظهم أفلتوا زمام الأمور وهاج الثور بغضب وهرول منهم بعيدًا!

علت صرخات يحيى بولولة وهو يُهرول بكل قوته عندما رأى الثور يركض خلفه بغضب: يالهوي إلحقوني يا بشر عندي عيال عايز أربيهم.
كان آسر يُتابع أبيه الذي يُهرول فارتفع صوته مُشجعًا إياه: يعيش بابا يعيش، قطعه يا بابا.
وبالمقابل صرخ يحيى بدوره: اسكت يابن الهبلة اسكتت، هتتيم بدري يالهوي.

توقف مُتنهدًا براحة بعد أن صعد الدرج ودخل إلى أحد المنازل الغير معروفة، وبحسرة تمتم مع ذاته: يا ربي أعمل إيه في المصايب اللي بتتحدف عليا دي؟
وبالخارج، على صوت رائد قائلًا بصراخ: ولا يا آلبرت إلحق مراتك يلا، دي لابسة أحمر.
انقبض فؤاد آلبرت بهلع فنظر ل سيف الذي كان يُجاوره يسأله بخوف: ودا معناه إيه؟
أجابه سيف ساخرًا: نقطة ضعف التيران اللون الأحمر، وأنت ما شاء الله مراتك متتوصاش.

لم يسمع آلبرت بقية حديثه، بل هرول بكل قوته نحو زوجته الحمقاء التي لا تنتبه لشيء، ثم التقطها بين ذراعيه ودخل إلى أحد الأركان، لقد كادت أن تطير بضعة مترات كثيرة إن بقيت لثوانٍ أخرى، طالع آلبرت زوجته بسخط ثم صرخ بها غاضبًا: أمعتوهة أنتِ أم ماذا؟
كانت مهرائيل هائمة به ولم تستمع لتوبيخه، بل أردفت بكل حماقة: ابقى فكرني أجيبلك جلابية بيضة عشان شكلك حلو بيها أوي.

تشنج وجه آلبرت بسخط، ثم دفعها للداخل ثم خرج للرجال مرة أخرى وهو يهمس بغيظ: جروٌ أحمق، مُغفل، وعديم الأدب.
مرت دقائق أخرى حتى تمكن الرجال أخيرًا من السيطرة على الثور، وبعدها قام قاسم بذبحه وسط سعادة وتهليل من الجميع، اليوم أكثر من مُميز لاجتماع العائلة، ومرح الأطفال، وسعادة الرجال والنساء.

انتهوا من مراسم الذبح ودلفوا للداخل، وهُنا بدأ موسم آخر، حيث بدأ كل طفل بطلب العيدية الخاصة به، أعطى صهيب كل طفل 20 جنيهًا كما قال، لكن تلك السليطة سما اعترضت وبقوة، فاضطر آسفًا لإعطائها 50 جنيهًا، وفي نهاية المطاف صرخت قائلة بحنق: على فكرة يا عمو أنت بخيل.
قالتها ثم هرولت من أمامه غاضبة تاركة إياه يصرخ: خُدي يا بت هو مين دا اللي بخيل؟ دا فيه يجي عشرين عيل هنا يا ولية يا صغيرة أنتِ.

قهقهت حبيبة بصخبٍ ثم جذبت زوجها مُجددًا ليجلس جانبها، فاستدار لها يقول بعدم تصديق: البت دي مش معقولة، دي هي اللي بتحاسبني!
ربتت حبيبة على كتفه ضاحكة: معلش يا حبيبي أنت الكبير خلاص بقى.
بينما قاسم وزَّع عيديته على الأطفال وأعطى كل منهم عشرون هو الآخر، خرجت أهلة من المطبخ ووضعت أمامهم صينية الكحك والبسكويت، فبدأ الجميع بتناوله، نظر قاسم لها بمشاكسة فغمزها قائلًا: هُما مش دبحوا الجِمال الصُبح ولا إيه؟

كتمت أهلة ضحكاتها بخجل، فاستغل قاسم انشغال الجميع عنهم ثم سحبها بعيدًا، لكن غيث مازال موجودًا في الحَلبة، والذي بدوره غمز ل أولغا وهو يقول بعبث: مهما تلف وتدور مسيرك هتحن يا بيتيفور.
وعلى الجانب الآخر شهقت أهلة بهلع من جذبه لها، ثم تسائلت بريبة: في إيه يا قاسم؟
رد عليها وهو يستند بجبينه على خاصتها: فيه إني بحبك قلب وروح قاسم.

هدأ فؤاد أهلة قليلًا وطالعته بابتسامة عاشقة، بينما هو أكمل بصوتٍ مُنهك مُعبق بالمشاعر: أنا وقعت جريح على حد سيوف عيونك وملقتش اللي ينقذني.
أحاطت أهلة وجهه بكفيها، ثم همست بنبرة مُتيمة: أنت عوض ربنا ليا بعد سنين عذاب كتيرة، بحبك ولو الحب كلمة قُليلة فأنا بقيت معتبراك روحي وكل حياتي.

كان فؤاده يقرع بعنف بين جنبات صدره، يشعر به يُريد أن يخرج ليحتضن خاصتها، لكن تلك الضلوع تمنعه من حلمه، ارتفع برأسه قليلًا ثم قبَّل جبينها، وبعدها همس بصوتٍ عاشق:
إن كان الفؤاد يُرى؛ لرأيتِ في فؤادي عالمًا بأكمله لكِ، وإن كانت الروح تتبادل؛ لاستقرت روحي بداخلك وتشبثت قاسمة على عدم الرحيل.

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة