قصص و روايات - قصص رائعة :

رواية حارة القناص الجزء الأول للكاتبة شروق حسن فصل ختامي

رواية حارة القناص الجزء الأول للكاتبة شروق حسن فصل ختامي

رواية حارة القناص الجزء الأول للكاتبة شروق حسن فصل ختامي

جلس قاسم أمام أبنائه الستة وكُل واحدٍ منهم يحمل بين يديه مُصحفًا ومُرتصين حوله على شكل دائرة هو مركزها، وإن تسائلتم عن السببِ، فسأخبركم بأن أبنائه الستة أقدموا على حفظ الجزء الأول من القرآن الكريم، وهو الآن مُنشغل في الاستماع إلى حفظهم وتأكده بنفسه!

كانت فرحته عارمة وفؤاده يتضخم ويطرق من السعادة، لقد حاول بقدر الإمكان أن يزرع بداخلهم حب الدين والقرآن الكريم، أخبرهم بأن المهرب والملاذ الوحيد من العالم هو خالقهم، زرعته الصالحة قد نمت وحصدت بعد جهدٍ وعناءٍ كبير، وها قد نال مطلبه.

حاول السيطرة على الغصة التي تشكلت داخل حلقه عندما أتم مهمته، لقد حفظوه بالفعل كما توقع! كانت طفلته حوراء هي آخر مَن قامت بالتسميع، وبسعادة بالغة سألته بحماس: سمَّعت حلو يا بابا؟
ابتلع ريقه بصعوبة ثم ابتسم لها بحبٍ قبل أن يجذبها لأحضانه ويُقبِّل جانب وجهها بقوة، وبتأثر شديد أجابها: فخور بيكِ أوي يا روح بابا.

اتسعت ابتسامة حوراء بقوة، فرفعت ذراعيها وأحاطت بعنقه ثم ضمته هي الأخرى قائلة: بحبك أوي يا قاسومتي.
ضحك قاسم بخفة وهو يُبعدها، ثم تحدث بنبرة مُشاكسة: أمك لو سمعتك هتبيتنا برا أنا وأنتِ.
ردت عليه بعنادٍ مُشابه لعناد والدتها: ومالو ميضرش، وبعدين أنت أبويا أنا وهي مراتك بس.

قهقه قاسم بصخبٍ أثناء إبعاده لها عن أحضانه، ثم اعتدل في جلسته ومد يده للإمساك بمحفظته الجلدية السوداء، وبعدها أخرج ورقة بفئة المئتي جُنيهًا وأعطاها لصغيرته بعد أن قبَّل جبينها مرة أخرى بحب وتشدق: وعدتكم إن لو كل واحد فيكم حفظ جزء كامل من القرآن هكافئه ب 200 جنيه، وأنا بوفي بوعدي.
اتسعت ابتسامة حوراء بسعادة ثم انتشلت من النقود صارخة بحماس: الله كدا هغيظ آلاء بنت عمو يحيى.

صعدت ضحكة خافتة من فاهِ قاسم الذي هز رأسه بيأسٍ، وبعدها استدار ل معاذ وأعطاه النقود هو الآخر، انتشل معاذ المال من بين يديه بسعادة، فجذبه قاسم لأحضانه هو الآخر وأردف بفخر أبوي حنون: ألف مبروك يا بطل، عقبال ما تختم القرآن كله، وقتها هديتك مش هتكون فلوس بس.
كان معاذ يُبادله العناق بتأثر، لكن ما إن استمع لحديثه، حتى خرج من أحضانه مُتسائلًا بحنان: هتجيبلي إيه يا عمو؟

ورغم ضيق قاسم من مُناداته له ب عمي، إلا أنه لم يُريد إظهار ذلك للصغير حتى لا يحزن، وبمشاكسة رد عليه بشغب: حاجة أنت نفسك فيها أوي وبتحبها أوي أوي.
احتلت الحيرة وجه الصغار جميعًا خاصةً معاذ الذي انكمش وجهه بتفكير، وثوانٍ وكانت عيناه تتسعان بصدمة وهو يصرخ بصدمة: هتجيبلي عربية؟

قهقه قاسم بصخبٍ على ردة فعله المُتحمسة، ثم أومأ له بالإيجاب، فرغ معاذ فاهه بعدم تصديق، وبشكرٍ جاء على هيئة عناقٍ قوي تشدق بسعادة غريبة: شكرًا، أنا بحبك أوي أوي.
ضمه قاسم إلى صدره بحبٍ وهو يهمس له: وأنا كمان بحبك أوي أوي أوي.
ابتعد عنه بعد أن طبع قُبلة صغيرة على وجنته، ثم مد يده والتقط ورقة ثالثة من فئة المئتي جنيهًا وأعطاها ل غيث الذي صاح بحماس: أنت تاخد عيني يا قاسومة والله.

التوى ثُغر قاسم بسخرية وهو يرد عليه بقوله: قاسومة؟ تصدق ياض إنك متربتش!
رفع له غيث أنظاره فوجد وجه أبيه مُتشنج، ليُحاول الدفاع عن نفسه بقوله الساذج: لأ يا بابا دا مُغيث هو اللي مترباش أنا في السليم.
وقبل أن يُجيبه قاسم، صعد صوت مُغيث الحانق قائلًا بسوقية: اتلم يالا بدل ما أزعلك، و مغيث طاحون لما يزعل الدنيا بتولع.

طالعه غيث بسخرية ثم أردف هازئًا: لو أنت مُغيث طاحون فأنا كمان غيث طاحون، يعني لدغتي والقبر.
صعد صوت ساخر من فمِ مُغيث الذي تشدق بخبث: مفيش أفعى بتلدغ أفعى يا زميلي.
هدأ الوضع بين اثناهما قليلًا خاصةً بعد حديث مُغيث المُطرز بالخبث، ليغمز له غيث قاسومة بمكرٍ مُماثل للآخر: معاك حق يا شِقيق.

كان قاسم يُتابع ولديه مُفرغًا فاهه بصدمة، من أين تعلموا تلك الكلمات؟ ومنذ متى والخبث ينطوي بين أحاديثهم؟ ابتلع قاسم ريقه بصعوبة وهو يهمس بصدمة: يا مصيبتك السودة يا قاسم؟ ولادك الاتنين نسخة منك!

صمت قليلًا يستوعب معنى حديثه، لكن اتسعت حدقتاه بصدمة أكبر عندما توصل إلى فادحة أقبح، ألا وهي أن حوراء هكذا هي الأخرى! فشخصيتها تجمع بين كيد والدها ودهائه وقوة والدتها وعصبيتها! ما تلك الكارثة التي حلت فوق رأسه؟ ماذا سيفعل إذًا في شبابهم إن كانت تلك الصفات مُترسخة جينيًا في دواخلهم!

خرج قاسم من صومعة أفكاره ناظرًا لطفليه بقلة حيلة داعيًا من داخله أن يهديهما الله، مدَّ يده للمال ثم أعطى مئتي جُنيهًا ل مُغيث، تبعه قوله الناطق بفخر: خُد يا حبيبي فلوسك واتلم أنت وهو بقى بدل ما أطفش منكم.
أخذ منه مُغيث المال ناطقًا: ثانكيو يا دادي.
نكزه غيث في جانبه وهو يقول بصوتٍ خشن: اسمها بابا أو أبا يالا، انشف شوية كدا.

انطلقت ضحكات قاسم عاليًا خاصةً مع حنق مُغيث من شقيقه ونظراته الحارقة التي كان يرميها إليه، ثم انتشل ورقة أخرى من النقود وأعطاها ل سما والتي راعاها منذ صغرها واعتبرها من أطفاله دون أن يُفرِّق بينها هي وأولاده، أخذت سما النقود منه ثم شكرته بابتسامة هادئة: شكرًا يا عمو.

ظنت أن الأمر سينتهي لهُنا، لكنها شهقت بخضة عندما وجدت قاسم يجذبها لأحضانه ثم قبَّل وجنتها بحبٍ شديد وحاصرها بين ذراعيه قائلًا: حبيبة قلبي ربنا يحفظك.

لفت سما ذراعيها حول عُنقه تُحاول السيطرة على تلك الغصة التي تحكمت بحلقها، فبالرغم من كونها صغيرة لكن عقلها كبير للغاية عكس عُمرها القليل، وهذا ما يُرهقها ويُرهق طفولتها، أبعدها قاسم عن أحضانه واضعًا إياها على قدمه، ثم لف يده حول خصرها وهو يسألها بحنان أثناء مُدابعة يده الأخرى لخصلاتها:
ممكن أعرف سمسمة حبيبة قلبي زعلانة ليه؟

أخفضت سما رأسها للأسفل بحزن وكُلٍ من معاذ وغيث ومُغيث يُطالعانها بقلق وخوفٍ على شقيقتهم، لترد عليه بنبرة خافتة: مفيش حاجة يا عمو.
لم يُرِد قاسم تركها حزينة، لم يعتاد أن يجعل أحد من صغاره ينام وقلبه مفتور، لذلك أصرَّ عليها بقوله: مش أنا أبوكِ؟ وأنتِ بنتي؟ يبقى لما أسألك زعلانة ليه تجاوبيني من غير ما تخبي.

شبَّكت سما كفيها معًا وأجابته بنبرة باكية عكست الألم الذي يقبع بين أضلعها: كنت عايزة يكون بابا وماما الحقيقين عايشين، أنا والله عارفة إنك بتحبني وأنا كمان بحبك أوي، بس صحابي بيتريقوا عليا في المدرسة وبيقولولي إن حضرتك مش بابا الحقيقي.

اشتعلت النيران بفؤادِ قاسم عقب اعترافها لسبب حزنها، صغيرته تُعاني من تنمر الكلمات كما كان يحدث معه سابقًا، حاول أن يضبط أنفاسه بصعوبة شديدة، وبثباتٍ يُحسد عليه تسائل: صحابك مين دول؟
ردت عليه سما ورأسها مازال مُنكثًا للأسفل: في الفصل، أنا مش عارفة اسمهم.
وتلك المرة أتاها الرد، لكن لم يكن من قاسم، بل من معاذ الذي تشنج جسده بغضب وتحدث بعصبية: وأنتِ مقولتليش ليه إن في حد بيتريق عليكِ وأنا هجيبلك حقك؟

رفعت سما أنظارها الدامعة إلى أخيها وفتحت فاهها للتحدث، لكن غلبتها روحها المُنهمرة وانفجرت في البكاء!

ازدادت عصبية معاذ أكثر وظهر الغضب جليًا على قسمات وجهه المُتشنجة، فيما أحاط قاسم ب سما ودفنها بين أحضانه أثناء تسديده لنظراته المُحذرة نحو معاذ ليكف عن الحديث، انحنى قاسم على طفلته وقبَّل رأسها بحنان ومازال ذراعيه يُشددان من ضمها ليبث لها شعور الاطمئنان أكثر، وهي كانت تتمسك في ثيابه بكفيها الصغيرين بقوة، لقد شهدت تنمرًا كبيرًا أثَّر في شخصيتها المرحة والقوية، لتُصبح فيما بعد فتاة هادئة تتلاشى الحديث!

كاد معاذ أن يتجه إليها لكن أوقفته يد مُغيث والذي مال عليه مُتحدثًا بصوتٍ هاديء: اسكت أنت دلوقتي واستنى، بابا هيتصرف متقلقش.
قال مُغيث جُملته ثم اقترب من والده وجلس بجانبه، وبعدها استند على ركبتيه واقترب من سما مُقبلًا خصلاتها بحنان مثلما فعل والده منذ قليل، وأتبع فعلته بحديثه الحنون الهاديء:.

متزعليش يا سمسمة وملكيش دعوة بكلام حد، أنتِ عارفة إنك أختنا وإحنا بنحبك، بابا وماما هما بباكِ ومامتك، كُلنا عيلة واحدة وأنتِ من ضمن عيلتنا.
رفعت سما أنظارها الدامعة إليه تُطالعه بحزن، لتقول ببعضٍ من التردد: بس. بس صحابي.
لم تكد أن تُكمل حديثها حتى قاطعها صوت معاذ بقوله المُتعصب: صحابك مين دول؟ وطالما حد بيضايقك ليه مقولتيش أنا عايزة أفهم!
مُعاذ!

ناداه بها قاسم بتحذيرٍ يحمل الحدة، ثم تابع ندائه بقوله الصارم: لما أكون قاعد قدامك يبقى مش من حقك ترفع صوتك على أختك.
ابتلع معاذ بقية حديثه ونظر للأسفل بوجهٍ واجم دون أن يُضيف كلمة واحدة أخرى، ناهيك عن كفه الذي تشكل على هيئة قبضة مُستديرة لكتم غضبه وعصبيته التي لا تُلائم سِنه بتاتًا!

حاول قاسم السيطرة على انفعالات جسده والتحكم بغضبه عما ترويه صغيرته التي تُعاني دون علمٍ منه، وبصوتٍ هاديء بعيد كُليًا عن العاصفة المُشتعلة داخله تحدث قائلًا:.

اسمعي يا سما الكلام اللي هقولهولك كويس، كون إن أنا و أهلة مش إحنا اللي خلفناكِ يبقى أنتِ مش بنتنا، لأ، الأب والأم هما اللي بيربوا مش اللي بيخلفوا بس، وإحنا اتكفلنا بتربيتك أنتِ وأخوكِ من أول يوم جيتوا فيه للدنيا، لا في يوم زهقنا ولا في يوم ملينا، عمرنا ما قصرنا في تربيتك أنتِ و معاذ ولا فرقنا بينك وبين حوراء وفيروزة، كلكم ولادي، وكلكم أنا اللي مربيكم، وكلكم عندي واحد ومفيش حد أحسن من التاني، ربيتكم أحسن تربية واللي ناقصكم بيجي ليكم في نفس اليوم من غير تأخير، لا حرمتك من حنان ولا عاملتك بأسلوب يخليكِ تحسي إنك يتيمة أب وأم، سواء أنتِ أو أخوكِ.

صمت قليلًا يُراقب ردة فعلها، فوجد ملامح وجهها بدأت تلين تدريجيًا وتعود إلى طبيعتها، ليستطرد حديثه بقوله: انتوا لما كبرتوا شوية عرفتكم الحقيقة وإن انتوا ولاد أنس وريماس الأرماني، وأنتِ عنيدة وللأسف تفكيرك أكبر من سنك ومسكتيش غير لما فهمتي معنى كلامي بالكامل إيه، وبعدها اختارتي تناديلي عمي! ورغم إن اتضايقت وقتها سيبتك على راحتك عشان مغصبكيش على حاجة، لكن دلوقتي هغصبك يا سما، وبمناسبة إن أنا أبوكِ وأنا اللي مربيكِ وأنتِ بنتي، فأنتِ وأخوكِ ملزومة إنكم تنادولي بابا و أهلة ماما، لأن دي الحقيقة اللي عمرها ما هتتغير.

رفعت سما نظراتها المُترددة تجاه قاسم علَّها تلتمس منه الصدق، وقد كان! فمعالمه كانت حازمة يُسيطر عليها الصرامة والإصرار، وكأنه فقط يُخبرها ما عليها فعله وليس لأخذ رأيها!

فتحت فاهها للتحدث، لكن قاطعها قاسم بهبوطه لمستواها، وطَبَع قُبلة حنونة استقرت على خدها الأيمن، وأتبع فعلته بقوله الحنون الهاديء: أنا مش عايز عقلك يفكَّر فوق طاقته، أنتِ طفلة لسه، يعني متفكريش في أي كلام سلبي اتقال ليكِ، لكن اللي عايزك تفكري فيه وتعرفيه دايمًا إن إحنا أهلك.

استقر الهدوء والسكينة داخل فؤاد الصغيرة، وكأن قلبها ثار لحاجته للإطمئنان، أراد أن يستمع إلى ما يُخمد ثورته الهائجة ويُبدد من حُزنه، وللحقيقة قاسم لم يُقصِّر!
اقتربت حوراء بدورها من سما، وأمسكت بكفها الصغير المُستقر على قدمها، ثم تشدقت بحنوٍ اكتسبته من حنان والدها: متزعليش يا سمسمة، أنتِ عارفة إن إحنا بنحبك صح؟

أومأت لها سما بالإيجاب دون لحظة تردد واحدة، فتدخل غيث بقوله الداعم والواثق: طالما عارفة إن إحنا بنحبك فملوش داعي الزعل دا كله، وحقك هيرجع.
قال الأخيرة بثقة امتزجت بالتهديد الخفي والذي زرع نبتة القلق داخل فؤاد قاسم من نبرته المائلة للعدوانية، وما زاد الطين بلة هو موافقة مُغيث له ودعمه لحديثه بقوله الخبيث: بالظبط كدا، حقك هيرجع.
فشاركهم معاذ القول بعد أن خمد غضبه قليلًا: ويا ويل اللي لينا حق عنده.

لطم قاسم على صدره وعيناه مُنفتحتان بصدمة ظهرت جلية على محياه، فصاح بهم بصراخٍ بعد أن أجلس سما أرضًا: ولا أنت وهو انتوا بتقولوا إيه؟
طالعه أبناءه الصبية ببراءة مُزيفة لم تُزيد إلا من خوفه، فاستطرد حديثه وهو يقول بتحذير: قسمًا بالله لو ما اتلميتوا أنا هيكون ليا حساب عسير معاكم.
وبخفة دم غير متوقعة تشدق غيث مُمازحًا: عسير ولا لبن هقهقهق.

تجمد وجه قاسم بتشنج من دُعابته المُنحطة، هاتفًا باشمئزاز: مش ناقصة خفة دم أهلك دلوقتي، واللي بقوله يتنفذ.
ادَّعى الصغار الخضوع وأومأ ثلاثتهم بصمت لم يقتنع به أبيهم ولو بنسبة واحد بالمئة، ولأسفه الشديد انشغل بتحذير الصِبية ونسى المُصيبة الأكبر، ألا وهي حوراء، والتي لن تصمت عن حق شقيقتها بالطبع!

في تلك الأثناء فُتِح باب المنزل لتدلف منه أهلة وعلى ذراعها تحمل صغيرتها فيروزة، والتي ما إن لمحت قاسم حتى هبطت من على ذراع والدتها وهرولت إليه وهي تهتف بطفولية سعيدة: بابا!
لان وجه قاسم من وجومه وارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيه فرحًا بالصغيرة، فتح ذراعيه لها ثم التقطها بين أحضانه، وقبَّل وجنتها المُنتفخة بقوة أثناء قوله المُشتاق: فيروزتي! وحشتيني أوي أوي أوي أوي.

قهقهت الصغيرة بعلو خاصةً عندما هبط قاسم بوجهه على معدتها يُدغدغها بمرحٍ، لتُحاول هي دفعه بكفيها الصغيران حتى تستطيع التقاط أنفاسها الهاربة من كثرة الضحك.
وأخيرًا قرر قاسم الرأفة بها والابتعاد عنها، ثم أعدل جلوسها على قدمه، ونظر ل أهلة التي جلست بجانبه هي والأطفال على الأرض الصلبة، وكأن ليس لديهم أرائك او ما شابه، ثم تسائل بهدوء: ها عملتي إيه؟

مدت أهلة أصابعها لفك حجابها ثم وضعته جانبًا، تزامنًا مع حديثها الهاديء الذي تشدقت به قبل أن تهبط على وجنة مُغيث الذي كان يُجاورها لتقبيله:
كله تمام، وزعت الزكاة والتبرعات على الناس اللي تستاهلها، وخدت يمنى معايا عشان مروحش لوحدي.
استحسن قاسم فعلتها، فابتسم بهدوء ثم رفع ذراعه لجذبها لصدره أثناء قوله المُمتن: حقك عليا تعبتك النهاردة، بس أنتِ عارفة إني جاي من الشغل تعبان.

عاتبته أهلة برقة والتي ارتفعت بجسدها قليلًا لطبع قُبلة صغيرة على ذقنه النامية: وأنا وأنت إيه يا قاسم؟ متقولش كدا تاني بقى عشان مزعلش منك.
ابتسم بخفة قبل أن يميل عليها ويُقبل خصلاتها، اعتدلت أهلة في جلستها ثم نظرت إلى أطفالها وهي تتسائل بحذر: مالكم بقى! القاعدة دي مش مريحاني.

كاد قاسم أن ينفي حديثها حتى لا تتصاعد المشكلة أكثر وأكثر ويشتد العِراك، لكن ذلك الغبي غيث سبقه وقام بقص كل شيء لوالدته دُفعةً واحدة، دون حتى أن يغفل عن تفصيلة واحدة!
وبعد انتهاء غيث من الحديث، سخر قاسم بقوله الحاذق: نسيت تقولها إن أنا شربت ماية في وسط الكلام.
ضرب غيث على رأسه بتذكر، ثم تشدق مُؤكدًا: أيوا صح! وبابا شِرب ماية يا أمي.

عمّ الصمت بعدها ولم تتحدث أهلة ولو بكلمة واحدة، بل وكأن حالة من التصنم تلبستها، أغمض قاسم عيناه يائسًا وهو يهز رأسه بسخط بعد أن تأكد أن الأمر لن يمر مرور الكِرام، بل أن زوجته الهادئة ستُشعل العالم إن لزم الأمر لجلب حق ابنتها.

تخلت أهلة عن هدوئها ثم استدارت بعينيها تجاه كُلًا من سما ومعاذ، وبدون أن تتحدث اقتربت منهما وأدخلتهما داخل أحضانه وهي تُشدد من عناقهما، ارتسمت ابتسامة هادئة على ثُغر الجميع من كَم الحب الذي يُحيط بالعائلة، وبصوتٍ حنون أردفت به أهلة بعد تقبيلهم:
طبعًا الكلام دا مش هيأثر عليكم، انتوا ولادي وأول فرحتي، حتى لو مكنتوش من دمي، فأنا اللي ربيتكم.

تسلل الاطمئنان إلى فؤادِ الطفلينِ، فبادلا والدتهما العناق بنفسٍ راضية ونسيمٍ مُطمئن، وبعدها ابتعدت عنهما ثم ضمت أطفالها الثلاثة الآخرون بنفسِ الشغف، استمعت بعدها إلى زمجرة غاضبة، فنظرت خلفها حيث مصدر الصوت لترى ماهيته، وجدت فيروزة تُطالعها بأعين غاضبة ووجهٍ واجم، لتصعد ضحكات قاسم عاليًا وكذلك الجميع، فانتشلتها أهلة من على قدمِ أبيها وقبلتها بقوة كما فعلت مع أشقائها منذ قليل.

رأى قاسم حالة الحُزن المُسيطرة على وجه صغيرته رغم المرح السائد في الأجواء، لذلك هبَّ من مكانه فجأةً مُعدلًا ثيابه، ثم أردف بنبرة يشوبها المشاكسة والمرح: حيث كدا بقى، أنا قررت أخدت بناتي الجميلات ونخرج نتفسح شوية.
ابتسمت أهلة بحنوٍ لعلمها بأسباب فعلته تلك، ثم تشدقت هي الأخرى وهي تضم أطفالها الصِبية إليها: وأنا جايبة لب وفشار وبيبسي وشيبسي وهنقعد ناكلهم وإحنا بنتفرج على كرتون سندريلي.

هلل جميع الصغار بسعادة وفرحة عارمة، بينما قاسم نظر ل أهلة بامتنان لمساعدته في إرضاء الأطفال، فأخذه للستة أطفال معه للتنزه سيكون مجهودًا عظيمًا بالنسبة له، استغل انشغال أطفاله، ثم اقترب منها هويدًا وعانقها برقة هامسًا بعشقٍ: بحبك يا هولا.
حاوطته أهلة هي الأخرى والتي أردفت بمشاعر جياشة: و هولا بتحبك يا قلب هولا.

ابتعد عنها قاسم بعد أن شعر بفتياته يجذبنه للخروج، فأخذهم ثم هرول معهم إلى خارج المنزل، بينما أهلة استدارت للصبية بعد مغادرة زوجها مع الفتيات، ثم صفقت بكلتا يديها بحماسٍ وهي تتسائل باقتراح: نتفرج على كرتون ولا فيلم رعب؟
تملك الحماس من الصغار وهم يفتحون أعينهم الصغيرة على آخرهما، لكن قطع حماسهم صوت مُغيث المُعترض بقوله: لأ. رعب لأ.

طالعته أهلة بابتسامة مكتومة لعلمها بخوفه من تلك المشاهد التي تبث الرعب لفؤاده، لكنها ورغم ذلك تسائلت بجهلٍ مصطنع: ليه يا مُغيث؟ دا حتى الأفلام الرعب جميلة.
ابتلع مُغيث ريقه بالشجاعة الواهية، ثم تشدق بصوتٍ مُتحليًا بالثبات: هي آه جميلة بس حاسس إن المود بتاعي مش مظبوط دلوقتي.
قهقهت أهلة عاليًا، فتشدقت وهي تتجهز لإعداد سهرتهم: طيب هنشوف الحوار دا بعدين، يلا ساعدوني نجهز الصالة للسهرة.

يا دادي افهمني، إحنا كل اللي هنعمله هنخلي مامي خارجة من الحمام ونرش على وشها دقيق ونطقش بيضتين عشان المقلب يكون مظبوط.
هَم يحيى أن يعترض على فكرة ابنته خوفًا من ردة فعل يمنى الغير مُتوقعة بالمرة، لكن قاطعه حديث آسر والذي جعله يفتح عيناه على مصرعهما من شدة الصدمة: وندخلها الفرن بالمرة تاخد وش تحمير بقى.
واللهِ ما فيه حمير غيرك أنت وأختك.

هتف يحيى تلك الكلمات ساخطًا أثناء مُطالعته لوجه طفليه بضجر، لكن تلك السلحفاة الصغيرة لم تصمت، بل تحدثت حانقة: يا بابي لو سمحت اسمع الكلام اللي بقولك عليه ومتعارضنيش.
لم يتحمل يحيى مُعاملتها المُتعنهجة تلك، فرفع سبابته يُشير به أمام وجها وهو يقول بتحذير: أنتِ تتكلمي عِدل يا بت أنتِ أحسنلك، أنا مش شغال عن أمك.

أغمضت آلاء عيناها بهدوء، ثم سحبت نفسًا مُتمهلًا من داخل رئتيها ببطئٍ زافرة إياه على مهل، قبل أن تفتحهما مرة أخرى وهي ترسم ابتسامة صغيرة على شفتيها وهي تقول برقة: لأ طبعًا يا بابي أنت حبيبي، أنا بس بحب أشاركك الحاجات اللي أنا بحبها.

قالت جُملتها الأخيرة وهي تُمسك كف يده بحبٍ، استطاعت تلك الماكرة تبديد غضبه في ثوانٍ لا تُعد، ولا إراديًا ارتسمت ابتسامة صغيرة على ثُغر يحيى، وهو يقول قبل أن يهبط على وجنتيها ليُقبلها: دا أنا عيوني للست آلاء.
تهللت أسارير آلاء بسعادة عارمة، فاحتضنته وهي تضحك بصخب أثناء معانقتها له، اعترض آسر بقوله الحانق وهو يضرب بقدمه على الأرض غاضبًا: طب ومش هنحطها في الفُرن؟

هز يحيى رأسه بالنفي وعقَّب بقوله: لأ طبعًا كدا أمك هتموت، وإحنا مش عايزين نموتها، إحنا عايزين نجلطها بس.
استسلم آسر في نهاية المطاف رغم عدم رضاه الكامل، ثم بدأوا بتفيذ خطتهم الدنيئة، يمنى تتحمم في المرحاض بعد يوم طويل مليء بالتعب، قررت أخذ حمام دافيء لإزالة إجهادها، وبعد أن انتهت لفت جسدها بمنشفة كبيرة غطتها بالكامل، ومنشفة صغيرة أخرى لفت بها خصلات رأسها المُبتلة، ثم قررت الخروج لمصيرها!

وما إن خطت بإحدى قدميها للخارج، حتى وجدت طبق الدقيق يلتصق بوجهها! وصوت ضحكات زوجها وأطفالها يتصاعد في الأرجاء، ظلت ضحكاتهم مُستمرة وانتظروا قليلًا ليروا ردة فعلها، لكن يمنى ظلت صامتة وثابتة في مكانها مما أثار حفيظتهم، خفتت الضحكات تدريجيًا حتى انمحت تمامًا ونفس الحالة مُسيطرة على الأجواء، وهي الصمت!

طالعتهم يمنى بأعين خالية تمامًا من المشاعر وهي مُلطخة بأكملها بذرات الدقيق المُتناثرة، وبدون أن تُضيف كلمة واحدة، عادت مرة أخرى نحو المرحاض وأغلقت بابه بصمت دون أي ردة فعل تُذكر.
نظر ثلاثتهم لبعضهم البعض بصمتٍ مُريب وهواجس كل منهم بدأت بالتزايد، هل يُعقل بأنها حزنت منهم؟
سؤال صغير خرج من أشخاص مُتبجحة، وأول مَن شعر بالذنب هو يحيى، الذي نظر لأثرها بندم شديد لمجاراته لفكرة طفلته المعتوهة.

اتجه ثلاثتهم نحو الأريكة ليجلسوا عليها بهدوء في انتظار يمنى للخروج، مرت الثواني والدقائق وهم ينتظرونها على أحر من الجمر لمصالحتها على فعلتهم السخيفة، ولم يمر الكثير حتى خرجت أخيرًا بعد أن تحممت مرة أخرى، لم تُعطي لهم الفرصة للحديث، بل اتجهت نحو غرفتها مُسرعة وأغلقت بابها خلفها دون الاستماع إلى ندائهم.
نظر يحيى لأطفاله بحيرة، فاستمع إلى صوت آلاء والتي سألته ببراءة: هي ماما زعلت مننا ولا إيه؟

وضع آسر إصبعيه الإبهام والسبابة أسفل ذقنه دلالة على التفكير، ثم أجابها بعد عدة ثواني من الصمت: أنا بتوقع إن ماما قفوشة ومش بتستحمل الهزار.
أنهى جُملته ثم نظر لوالده يسأله: صح ولا إيه يا بابا؟
طالعه يحيى باشمئزاز، وبعدها حوَّل نظره نحو تلك الأفعى الصغيرة وهو يقول بغيظ: كله منك يا وِش المصايب أنتِ، أنا إيه اللي خلاني أسمع كلامك بس!

نفخت الصغيرة بضجر ثم تشدقت بحنق طفولي وغضب: وهو أنا عملت إيه يعني؟ دي مبقتش عيشة دي!
خطَّى يحيى تجاهها حتى وصل إليها، ثم انحنى بجذعه مُمسكًا إياها من ياقة ثيابها يهزها بسخط وهو يقول: مالها العيشة دي ياختي؟ أبقى راجل عِرة لو سمعت كلامك تاني.

قالها ثم ابتعد عنها تاركًا إياها تنظر له بسخط، لم يُبالي بها أو بغضبها، بل اتجه نحو باب الغرفة التي تحتجز بها يمنى ذاتها ثم طرق عليها بهدوء وهو يقول: يمنى حبيبتي افتحي، حقك علينا والله مش قاصدين نزعلك.

انتظر علَّها تُجيبه، لكن لم يأتيه سوى الصمت، كوَّر قبضه ورفعها في نية لطرق الباب مرة أخرى، لكنه توقف عندما شعر بالباب يُفتح و يمنى تظهر من خلفه، تشكلت ابتسامة صغيرة على ثغره ثوانٍ ما انمحت عندما رآها ترتدي كامل ثيابها وكأنها مُستعدة للخروج!
نظر الصغيران لبعضهما البعض بريبة، بينما قطب يحيى جبينه بتعجب وهو يتسائل: لابسة وراحة على فين يا يمنى ؟
أجابته وهي تتخطاه بعدة خطوات: راحة عند ماما.

هرع خلفها مُسرعًا مُمسكًا إياها من ذراعها ليُوقفها قبل أن يسأل بدهشة: راحة عند ماما في الوقت دا؟
نفضت يمنى ذراعها عنه وهي تقول بغضب: آه هروح وهسيبلك الشقة أنت وولادك تعملوا فيها مقالب زي ما انتوا عايزين، إحنا بقينا مش عايشين في بيت، إحنا بقينا في سيرك.

دُهِش يحيى من غضبها والذي نادرًا ما يظهر بتلك الطريقة، فبرر بقوله الهاديء في محاولة لامتصاص عاصفتها: طيب خلاص إهدي أنتِ معاكِ حق، وإحنا أسفين يا ستي، وبعدين أنتِ عارفة إن إحنا بنحبك وبنهزر معاكِ ومش قاصدين نزعلك.
هزت يمنى رأسها بالنفي وداخلها إصرارًا هائلًا لتعليمهم درسًا لن ينسوه طيلة حياتهم، فتشدقت بقسوة وهي تبتعد للخارج: لما تبقى تحترمني أنت وولادك هبقى أرجع.

قالت جُملتها ثم اتجهت نحو الخارج دون أن تنظر خلفها، لا تريد أن تُضعِف من قوتها الواهية والرجوع عن قرارها، لقد يأست من مقالبهم ومزاحاتهم التي لا تنتهي، طيلة اليوم تعمل كالآلة داخل المنزل، تُنظف هذا وذاك وهُنا وهُناك دون التوقف، لذلك قررت حسم هذا الأمر علها ترتاح ولو قليلًا.
بينما يحيى نظر لأثرها بندم، ثم استدار لأولاده ناظرًا إليهم بسخط، قائلًا وهو يجز على أسنانه بغيظ: آه يا ولاد ال.

كان الجميع نيام، والصمت يعم المكان، الهدوء والسكينة يتغلغلان بين الأجواء، لكن الصخب موجود في ذلك المنزل، وخصيصًا داخل غرفة آلبرت ومهرائيل.
وقفت مهرائيل أعلى فراشها مُرتدية بيجامتها البيتية الوردية، ترفع ذراعها للأعلى، والذراع الآخر تضعه موضع قلبها بألم، بينما تُغني بصوتٍ أقل ما يُقال عنه بأنه بشع:
أنا شوفت كتير منك ياللي عليا استقويت،
وأنت مابطلتش توجعني يوم واستكفيت،.

بتنام إزاي وأنت يا ساتر مليان جبروت؟
الله لا يسامحك على جرحك ولا كسرك ليا،
الصبر جميل.
وأهو بكرة تشوف ويجيلك يوم،
والوقت كفيل.
هيجيب حقي دي دعوة مظلوم،
ودعيتها عليك.
من قلبي بقيت كارهاك بضمير!
داين ف تُدان.
أومال يعني انت مفكر ايه!
ودا درس زمان.
ضرب آلبرت باب الخزانة بغضب من بشاعة صوتها، ثم استدار لها وهو يصرخ بغضب: اللعنة عليكِ مهرائيل وعلى صوتك البشع هذا.

توقفت مهرائيل عن الغناء مُحدجة إياه بنارية، ثم صرخت به في المقابل: دلوقتي مبقتش عاجباك؟ ما أنت شوفتلك شوفة بقى ومبقتش مالية عينك، الله يرحم أيام ما كنت بتحفي ورايا عشان بس أبصلك بصة واحدة.
إلتوى ثُغر آلبرت بابتسامة ساخرة وهو يقول: إن نسيتي فهذا ما كنتِ تفعليه أنتِ لا أنا.

كزت مهرائيل على أسنانها بغيظ وقررت استكمال حفلة حدادها على خيانة بإكمالها الغناء: متحاسبنيش. على ذنب عملته إنت يا حبيبي ومتلومنيش. طول عمري بخاف إن أنا أجرح يوم إحساسك. متسبني أعيش. أنا رافضة أرجعلك بعد خيانتك ليا مفيش. عمري ما شكيت لو حتى ثواني في إخلاصك.
يا ما قولت عليك! إن إنت أناني مبتفكرش إلا في روحك. بتقولي عايشلك وإنت عايش بس لروحك. بتقولي عايشلك وإنت عايش بس لروحك.

أنا شوفت عنيك. وكمان بتكدب عيني وجاي تقول حكايات. كل ما قربلك تبعدني عنك مسافات. كل ما قربلك تبعدني عنك مسافات. منك لله!
قاطعها آلبرت مرة أخرى عندما تقدم منها ووقف أمام الفراش، ثم رفع سبابته أمام وجهها وهو يتشدق باتهام: لعلمك أنتِ هي المُخطئة من الأساس!
قفزت مهرائيل من على الفراش حتى توقفت أمامه مُباشرةً، وعاندته بقولها: لأ أنا مش غلطانة، أنا مبغلطش أصلًا.

دفعها آلبرت للخلف بلامبالاة مما أدى إلى وقوعها على الفراش أثناء حديثه القانط: اغربي عن وجهي مهرائيل.
وكأن شيء لم يحدث اعتدلت مهرائيل مرة أخرى في وقفتها، ثم صاحت به مُستنكرة: كلمني عربي زي ما بكلمك يا آلبرت.
عدَّل حديثه للعربية كما أرادت وأردف: غوري من وشي يا مهرائيل.
وبغباءٍ شديد تشدقت ببلاهة: ارجع كلمني روسي تاني يا آلبرت.

جذبها آلبرت من ثيابها أثناء صراخه المُغتاظ: أشُق هدومي منك ولا أعمل في أمك إيه؟
نفخت مهرائيل ساخطة وهي تُجيبه بنبرة يشوبها الحزن: ما هو أنا كل ما أطلب منك حاجة تقولي لأ ومبقتش طايقني.
قطب آلبرت جبينه بتعجب ثم تركها وهو يتسائل بتعحب: مبقتش طايقك! أنتِ شايفة كدا يعني! دا أنا ناقص أقلبلك قرد عشان أرضيكِ أنتِ وولادك.

هزت رأسها نافية وقد بدأت العبرات تتجمع داخل مقلتيها: لأ يا آلبرت لأ، في حاجات معنوية أهم من الحاجات الجسدية.
رمش آلبرت بأهدابه عدة مراتٍ ببلاهة أثناء مطالعته لها بغباءٍ، وبعدم فهم تسائل: أنتِ بتقولي إيه؟
طالعته بصمتٍ مُريب، فتنهد الآخر بيأسٍ قبل أن يقترب منها ويُحيط وجهها بكلتا كفيه قائلًا: ما الذي أحزن جروي الصغير؟
نفت مهرائيل برأسها مُجيبة إياه بلغته: لا شيء آلبرت، انسى الأمر.

والآن تأكد من حزنها، فاقترب منها أكثر مُحيطًا إياها من خصرها ليُعانقها، ثم تسائل بمشاكسة: هل هذا الأحمق فور تناول طعامك مُجددًا؟
نفت، فتسائل مُجددًا: هل أزعجكِ آندريه ولم يُعطيكِ أمواله؟
ولثاني مرة تنفي بصمتٍ حزين، فعاد ليسألها دون ملل: هل تجاهلتكِ لوسيندا واهتمت ب جون أكثر منكِ؟
والإجابة هي نفسها؛ النفي، فتشدق بعدم فهم: إذًا ما الذي يُزعِج صغيرتي لتلك الدرجة؟
عايزة آكل رنجة.

قطب آلبرت جبينه بقرف حاول إخفاؤه قائلًا: أتقصدين تلك الأسماك العفِنة؟
أومأت له بصمتٍ وهي تضربه بقبضتها على ظهره: متقولش عليها معفنة، هي طعمها جميل بس أنت اللي نايتي.
ضحك بخفة وهو يضربها على رأسها من الخلف وهو يقول بمزاح: لسانك هذا مهرائيل عليَّ قطعه، يا فتاة أنتِ مُزعجة حقًا.
آلبرت أنا حزينة منك، حزينة منك للغاية حتى أنني أشعر بفؤادي يبكي ألمًا.

قالتها مهرائيل بنبرة مُتحشرجة أدت إلى ضرب فؤاد الآخر بألم موصولًا بها، أخرجها آلبرت من أحضانه ثم سألها بتعجب: حزينة مني أنا؟ لماذا؟
رفعت أنظارها الدامعة إليه وهي تقول: أشعر بأنك لم تعد تحبني كسابقك، هل أزعجك أو مللت مني بسبب حماقتي؟ أر.

كانت بشرتها مُتصبغة باللون الأحمر لكتمها بكائها أثناء الحديث، فقاطعها هو بإستناده على جبينه وتقبيله لوجنتها برقة شديدة، تزامنًا مع صوته الذي صعد ليعكس عشقًا مخفيًا خلف نزاعاته معها:
ششش كفى هُراءً مهرائيل، أنا لم ولن أمِّل منكِ طيلة حياتي، أنتِ هي روحي، وأنا لا أستطيع العَيش بدون روحي مهرائيل.
هبطت دمعة شاردة من إحدى عينيها أثناء سؤالها له: هذا يعني بأنك لن تنظر لتلك الشقراء التي تعمل معك؟

كادت ابتسامة واسعة أن تتشكل على ثُغره لكنه أخفاها بصعوبة، أسعيدًا بحُزنها الذي ينتج عن غيرتها؟ نعم، أدموعها تُفرحه؟ لا وألف لا، فلا شيء يستطيع أسره سوى دموعها، ولا سلاح يستطيع تحريره سوى ضحكاتها.
مسد على جانب وجهها باصبع إبهامه قائلًا بعشق: أتعلمين مهرائيل؟ أنتِ سلاح ذو حدين، ولأول مرة بحياتي أعشق الأسلحة.

عارضته مهرائيل بقولها الساخط: كُف عن اتهامي بأشياء لم أفعلها آلبرت، مَن الذي لا يعشق الأسلحة بربك؟
ضاعت الرومانسية.
قالها آلبرت بسخطٍ أثناء دفعه لها وهو يشعر بالضجر، بينما مهرائيل ابتسمت له بمشاكسة وها قد عادت لها حيويتها وروحها المرحة من جديد، بعد أن طمأنتها بحتمية وجوده معها، وهي كل ما تُريده هو الإطمئنان.

خطَّى آلبرت عدة خطوات نحو الباب تزامنًا مع قوله الهاديء: سأذهب للإطمئنان على الأطفال قبل النوم.
أومأت له بابتسامة هادئة واستدارت لتُعيد ترتيب الفراش الذي بعثرته، لكنها شعرت بقُبلة حنونة تُطبع على وجنتها برقة، وصعد بعدها صوت آلبرت المُحِب: لا تُفكري في أشياء تُحزنكِ جروي الصغير، فأنا أُحبِك.
ومثلما جاء بهدوء، ذهب أيضًا بهدوء تاركًا ابتسامة حالمة واسعة ترتسم على ثُغرها وهي تنظر لأثره بعشق.

استمعت نبيلة إلى صوت جرس الباب يعلو باستمرار دون التوقف، ذهبت مُسرعة تجاهه وهي تُتمتم بسخط: طيب ياللي عالباب إحنا هنطير!
فتحت الباب لتجد أمامها يمنى والتي هبت في وجهها تتحدث بكل ما في جبعتها: ما هو أنتِ يا إما تشوفيلي حل في العيال وأبوهم، يا إما هطفش وهسيبلكم البلد وهغور.

طالعتها نبيلة باشمئزاز بعد أن هدأت، ثم أردفت ساخطة: هو أنا مش هخلص بقى؟ كل يومين والتاني تيجي تصوتيلي من جوزك وولادك؟ ما أنا قولتلك بلاش الأهبل دا أنتِ اللي مسمعتيش كلامي.
أغلقت يمنى الباب خلفها ولحقت بوالدتها التي جلست بتروٍ على الأريكة، لتعترض على حديثها حانقة: لو سمحتِ يا ماما متقوليش على يحيى أهبل.

اغتاظت نبيلة منها ومن موقفها وحديثها المُتناقضان تمامًا، ثم تشدقت قائلة: طب أهبل ها. دا أهبل وستين أهبل، وبعدين أنتِ مستنية من عياله يبقوا إيه؟ مكتشفين الذرة؟
جعدت يمنى وجهها بضيق وهي تقول: لاحظي إنك بتتكلمي على عيالي أنا كمان يا ماما.
أشاحت نبيلة بيدها أمام وجهها وهي تهم بالوقوف: ياختي وكسة عليكِ وعلى عيالك، دا أنا اللي شوية وهطفش من البيت بسببكم.

قالتها ثم اتجهت نحو المطبخ لتعد لها وجبة العشاء، فعلى الرغم من حنقها من طفوليتها هي وزوجها، إلا أنها تحبهم وتحب مشاكساتهم في النهاية، وقفت يمنى من مضجعها بعد أن قامت بفك حجابها، ثم تشدقت قائلة: متجهزيش أكل يا ماما أنا داخلة أنام.
ردت عليها نبيلة بلامبالاة: أنا أصلًا مش باخد رأيك.

دلفت يمنى إلى غرفتها وارتمت على الفراش بانهاك، مُغمضة عيناها براحة، ورغم الهدوء الذي يعم المكان، إلا أنه هدوء بارد دون وجود زوجها وأطفالها، لكن ماذا عليها أن تفعل؟ تصرفاتهم تُثير حنقها وتُشعل الغضب داخلها أكثر وأكثر، كان عليها أخذ موقفًا حازمًا تلك المرة لتستطيع إيقافهم عِند حدودهم.
مرت دقائق قليلة حتى استمعت إلى صوت طرقة طفيفة على باب الغُرفة، فردت وهي مُغمضة لعينيها: ادخلي يا ماما.

فُتِح باب الغرفة واستمعت إلى صوت خطوات خفيفة، اتبع صوت تلك الخطوات صوت فتح زجاج النافذة، وحديث يحيى القائل: يا ستار يارب إيه الكتمة دي؟
انتفضت يمنى من على الفراش فور استماعها لصوته، وبدهشة رددت اسمه: يحيى؟
استدار لها يحيى غامزًا لها بمشاكسة: أيوا يحيى يا قلب وعيون يحيى.
أخفت يمنى ابتسامتها بصعوبة ثم تحدثت بضيقٍ مُصطنع: إيه اللي جابك هنا؟
رد عليها بعبث: قلبي يا بت.

طالعته يمنى بصمت ثم عادت لوضعيتها المُتمددة وتعمدت تجاهله، استمعت إلى زفرته التي تعكس ضيقه لكنها لم تُبالي، وبعد ثوانٍ معدودة شعرت به يُجاورها على الفراش ويُقبل وجنتها برقة مُتمتمًا باعتذار: متزعليش يا يمونتي.
فتحت يمنى حدقتاها وأردفت بعتاب: مش أول مرة يا يحيى وأنت عارف، المسؤولية بتزيد كل ما الولاد بيكبروا وأنت مش مساعدني.

ما أنتِ عارفة يا يمنى إني مش بحب أزعلهم، من ساعة ما اتولدوا للدنيا دي وأنا واخد. عهد على نفسي إني أخليهم يحسوا بالحنان والأمان اللي أنا اتحرمت منه بعد موت أبويا وأمي.

اعتدلت يمنى من نومتها لتجلس أمامه، ثم أحاطت كفه بكلتا يديها وهي تقول بحنان: أنا عارفة دا كله، وعارفة إنك أحسن وأجمل أب في الدنيا دي كلها، بس لازم نربيهم صح حتى لو هيزعلوا مننا شوية، يعني مرة نشد عليهم ومرة نرخي الحبل شوية، لكن لو فضلنا متهاونين معاهم تربيتنا هتفشل ومش هيكبروا صح.

أومأ لها يحيى عدة مراتٍ بصمت رافعًا كفها إلى ثُغره لتقبيله، فتح فاهه للتحدث، لكن قاطعه تلك العاصفة الهوجاء المُسماة ب آلاء وهي تقول بحنق: هتفضلي زعلانة كتير يا ست ماما؟ دا مش أسلوب دا!
أنهت حديثها تزامنًا مع صعودها على الفراش، ثم جلست على قدم يحيى وتحمل بين يديها عروسها الصغيرة، وإن كانت منذ قليل حانقة، فهي الآن تُسدد ابتسامة لطيفة نحو والدتها وهي تقول برقة: متزعليش مننا يا مامي إحنا بنحبك.

أكد يحيى على حديث صغيرته بقوله: أيوا متزعليش مننا يا مامي إحنا بنحبك.
رفعت آلاء رأسها نحو يحيى قائلة بتحذير: بابي لو سمحت متقلدنيش، بتضايق يا أخي!
حاضر يا لولي، اتفضلي يلا صالحي ماما.
توقفت آلاء بقامتها القصيرة على الفراش بعد أن وضعت دميتها على قدم أبيها، ثم احتضنت والدتها بحبٍ وهي تقول: متبقيش قموصة يا يمنى، إحنا بنحبك.

ضحكت يمنى بخفة وهي تهز رأسها يائسة، ثم بادلتها العناق وهي تقول بنبرة ساخرة: ونِعمَ المُصالحة يا طاهرة، ونِعم المُصالحة يا شريفة.
قهقه يحيى بصخبٍ على مشاغبة فتاتيه الصغيرتان، تستطيعان بأقل مجهود تحويل حُزنه إلى سعادة كبيرة، هُنَّ هدية قد أهداها الله له، وبجانبهم بالطبع صغيره المُشاكس آسر، والذي يُشبهه في كل صفاته تقريبًا!
وعلى ذِكر سيرة آسر، تسائل يحيى بتعجب: أومال في أخوكِ آسر؟

ردت عليه آلاء بلامبالاة وهي تلعب بدُميتها: قاعد مع بسملة بنت عمو رائد، بيقولها كلمة سِر.
.
كانت الجلسة مليئة بالحب والألفة، حيث تجلس أهلة في المنتصف وعلى جانبيها يرتص أبنائها الصِبية يُتابعون فيلم كرتون من أجل خوف غيث.
مال غيث على شقيقه مُغيث هامسًا له: هنعمل إيه؟ هنسمع كلام أبوك ومش هنجيب حق أختنا؟
ابتسم مُغيث ابتسامة صغيرة وهو يرد عليه: هنجيبه طبعًا، وبكرة كمان.
وعلى صعيدٍ آخر.

صعدت ضحكات الفتيات بصخبٍ وهم يلهون بالألعاب في مدينة الملاهي، بعد أن قرر قاسم أن يُنسي صغيرته حُزنها، بسبب حِفنة الأطفال المُتنمرين الذين قاموا بدس السُم بين حديثهم الكاره، صفقت فيروزة بمرح أثناء حمل أبيها لها، فقرر أن يخوض التجربة معها ويُسعدها كما حوراء وسما.

اتجه قاسم ب فيروزة نحو إحدى الألعاب التي تخص الأطفال في مثل سنها، ثم صعد معها ووضعها على قدمه، وانتظرا عدة دقائق لا تُعد وانطلقت ضحكاتهم تعلو في الأرجاء مع صوت الأطفال الأخرى، في البداية، كانت فيروزة تُمسك في ثياب أبيها خوفًا من فكرة وقوعها، لكن بدأت تندمج تدريجيًا حتى احتلت السعادة وجهها.

وبتلك الطريقة استطاع قاسم أن يُنسي جميع أطفاله حُزنهم، استطاع أن يُلهيهم عن بشاعة الحياة، قرر مُسبقًا الحفاظ عليهم، وها هو يفعل كل ما بوسعه ليفي بوعده لذاته.
مرت الدقائق سريعة ما بين صراخ، ضحك، لعب، لهو، وسعادة، وحان أخيرًا وقت الرحيل، ابتاع قاسم لكلٍ منهن غزل البنات، فأضاف فوق سعادتهم سعادة أكبر.
مؤنساته الغاليات، أو طوق نجاته من النار، هكذا يُسميهن دائمًا.

صعدوا إلى السيارة وجلست فيروزة بجانبه، وبالخلف جلست كُلًا من حوراء وسما يتحدثون حول رحلتهم الجميلة بسعادة، انطلق قاسم بسرعة طفيفة وعلى ثُغره ابتسامة مُرتاحة، اتسعت عندما نادته فيروزته بطفولية مُهلكة: بابا!
استدار لها بوجهه مُجيبًا إياها: عين بابا.

تسللت الابتسامة إلى وجه فيروزة، والتي تقدمت منه بجسدها أثناء رفعها لكفها له، فأمسك به برقة، ثم قبَّله بحنوٍ بالغ، هذه هي فعلته الدائمة مع صغيرته المشاكسة، وكالمعتاد بعد فعلته تلك، تخجل بشدة فتسحب كفها بسرعة لتُخفي به وجهها.
انطلقت ضحكات قاسم بصخبٍ وأكمل طريقه بصمتٍ بعد أن تغلب النعاس على فتياته.

مرت نصف ساعة عاد بعدها قاسم إلى المنزل، حاملًا ابنته فيروزة على ذراعه، وكُلًا من حوراء وسما تسيران ببطئ شديد بسبب نعاسهم، وبمجرد دخولهم إلى المنزل، ارتمت كل واحدة منهم على فراشها المُخصص، كذلك وضع قاسم صغيرته على الفراش الخاص بها.

كان الصِبية قد خلدوا إلى النوم أيضًا بعد معافرتهم للإستيقاظ، لكن غلبتهم جفونهم وذهبوا في ثُباتٍ عميق، ساعد قاسم زوجته في وضعهم على فراشهم، ثم خرج لها فوجدها تُرتب مكان جلستهم، ابتسمت له بهدوء وأكملت تنظيف الصالون وهي تسأله: انبستطوا؟
أومأ لها بابتسامة هادئة وأنهاها بقوله: أيوا الحمد لله.

قالها ثم أمسك بحقيبة بلاستيكية سوداء كان قد أتى بها عند دخوله، ثم أعطاها لها وهو يقول: خُدي اعملي لينا الأندومي دا ونكمل سهرتنا أنا وأنتِ.
اعتدلت في وقفتها مُطالعة إياه بسعادة بالغة، ثم اقتربت منه لاحتضانه خاصةً عندما لمحت بعينيها عصيرها المُفضل، ألا وهو الفراولة باللبن!

ضمها لفؤاده الذي يُهلل بسعادة لفرحتها، لم ولن يتهاون في تلبية رغباتها أو إسعادها، هي حياته والأمل الذي سُلِبَ منه سابقًا، لذلك سيُحافظ عليها بكل ذرَّة في وجدانه.
خرجت من أحضانه وتشدقت بابتسامة مُتسعة أثناء ابتعادها عدة خطواتٍ عنه: هكمل ترويق الصالة وهدخل أعملهم.
أوقف سيرها قائلًا: سيبي الصالة أنا هروقها وأنتِ روحي اعملي الإندومي.

اقتربت منه تطبع قُبلة رقيقة على وجنته، ثم ذهبت لإعداد وجبة سهرتهم الجميلة، بالتأكيد ستكون جميلة، يكفي وجوده معها.

بينما قاسم شرع في ترتيب الأرائك والوسائد، وتجهيز قناة التلفاز التي سيُشاهدونها معًا، وبعد عدة دقائق، أتت أهلة حاملة الأطباق وصينية مشروب الفراولة، ثم وضعتهم على الطاولة الزجاجية، ليقوموا بعدها بإغلاق جميع المصابيح، تاركين الضوء يأتي من شاشة التلفاز فقط، وكُلٌ منهم حمل طبقه الخاص به وبدأ في تناوله، أهلة تستند برأسها على كتف قاسم، و قاسم يُقبلها بين الحين والآخر بكلِ حنانٍ وكأنها ابنته الصغيرة، وقد كانت!

في اليوم التالي.
وأثناء إنهماك قاسم في عمله في عيادته الخاصة، استمع إلى صوت رنين الهاتف، فرفع سماعته مُجيبًا بهدوء وهو يقوم بكتابة الأدوية للمريض الذي يقبع أمامه: السلام عليكم!
الأستاذ قاسم هادي طاحون معايا؟
رد قاسم بتعجب مُؤكدًا: أيوا أنا، مين حضرتك؟
أنا الأستاذ محمد مُعلم في مدرسة ()، وبتصل بحضرتك عشان أقولك إن ولاد حضرتك مبهدلين المدرسة.
هب قاسم من مكانه بفزع مُغمغمًا بصدمة: إيه؟ أنت متأكد؟

أجابه الطرف الآخر بضيق: أيوا يا فندم مُتأكد، ومش هما بس، دول معاهم ولاد عمهم وكمان المدام.
أحيه! المدام! هي حصلت!
يا أستاذ قاسم بتصل بحضرتك عشان تيجي تشوف المهزلة دي وتوقفها عند حدها، أنت لسه هتتصدم؟
وعى قاسم لذاته فتحدث مُسرعًا قبل أن يُغلق الهاتف: طيب طيب. مسافة السِكة هكون عندكوا في المدرسة.

أنهى قاسم كتابة الدواء للمريض مُسرعًا، ثم هرول للخارج بعد أن أخبر المُمرضة بتأجيل كل مواعيده الآن، حتى يرى العصابة التي قامت بتدمير المدرسة، وعلى رأسهم زوجته العفيفة!
وصل إلى المدرسة بعد دقائق لا يعلم أهي كثيرة أم قليلة، كل الذي يعلمه بأنه سار بكل قوته حتى يصل مُسرعًا.

وبالداخل. ضربت أهلة على سطح المكتب الخاص بالمدير بكلتا يديها وهي تصرخ بغضبٍ عارم: قسمًا برب العزة لهوديكم في ستين داهية، هدغدغ المدرسة دي فوق دماغكم كلكم.
تحدث المدير بغضب قبالتها: يا مدام اللي أنتِ بتعمليه دا غلط وهتتحاسبي عليه، أنا مش هسيب حقي ولا حق المدرسة وهتخذ إجراء قانوني على الهمجية دي.

صاحت أهلة بكل قوتها شاهقة: همجية إيه يا أبو همجية؟ هو أنت لسه شوفت همجية؟ دا أنا هخربها فوقكم كلكم بس الصبر، وحق بنتي أنا هعرف أجيبه بمعرفتي.
تدخلت إحدى المعلمات بقولها الهاديء: يا مدام أبناء حضرتك نزلوا ضرب فوق الولاد لحد ما عوروهم، أنتِ مش شايفة أشكالهم؟

انتقلت أهلة بأبصارها تجاه الفتاتان والثلاثة أولاد، والذي كان مظهرهم مُشعثًا للغاية، وما كادت أن تُجيبها حتى تدخلت حبيبة قائلة بحدة: لأ شايفين، وشايفين كويس أوي كمان، بس الظاهر إن أنتِ مش شايفة مظهر بنتي عامل إزاي، ولا عارفة التنمر اللي هي بتتعرض ليه بسبب شوية عيال أهلهم انشغلوا في تربيتهم، ولو هما أهلهم معرفوش يربوهم، فولادنا أحق إنهم يعلموهم الأدب.
يا مدام مفيش حاجة بتتحل بالعنف، و.

قاطعتها حبيبة بغضب: لأ بتتحل بالعنف، والمدرسة دي هقدم فيها شكوى، لازم تنقوا طلابكم وتربوهم قبل ما تعلموهم، مش كل يومين بنتي ترجع معيطة بسبب كلام زمايلها ليها لحد ما بقى عندها عقدة نفسية.

كان الأطفال يُتابعون الحديث بصمتٍ و معاذ يحتضن شقيقته التي كانت تبكي بصمت، وعلى الجانب الآخر يقف كُلًا من غيث ومُغيث يرمون فوق أذانها الكلمات المُهدئة، و يامن وآسر بالطبع دورهم لم يقل أو ينقص عنهم للدفاع عن سما، والتي تُعتبر شقيقتهم الروحية، و يزيد يقف بجانب حوراء التي تنظر لإحدى الفتيات بابتسامة شامتة، لقد لقنتها درسًا لن تنساه طيلة حياتها.

كان قاسم مُتابعًا لكل ما يحدث بأعين حادة صامتة، فقرر قطع ذلك الشِجار والتدخل بدخوله، انتقل المدير بأبصاره تجاهه عندما رآه، فتشدق باستنجاد: اتفضل يا أستاذ قاسم، وياريت توقف المهزلة دي عند حدها.
ارتسمت ابتسامة مُخيفة على ثُغر قاسم قبل أن يُغمغم بخطورة: دا أنت يومك أسود.

كان الصمت يعم أرجاء السيارة بعد أن انتهى الأمر بتقديم قاسم شكوى على المدرسة، وذلك بعد دفاع مديرها الحقير عن طلابه المُتنمرين بسبب مركز عائلاتهم الكبير في الدولة، وقام بتقديم محضر ضده وضد معلمين الفصل، وهذا أقل واجب يفعله معهم.
كان صمته خطرًا، بث الرعب داخل أفئدة الأطفال وكذلك أهلة وحبيبة، وذلك بعد أن رأوا ثورته العارمة وغضبه الذي لا يظهر إلا قليلًا، ابتلعت حوراء ريقها ببطئ وأردفت: بابا أنا...

قاطعها قاسم بصرامة: مش عايز أسمع صوت حد لحد ما نوصل.
وبالفعل صمت الجميع ولم يقدروا على فتح أفواههم فب حضرته، وأخيرًا وصلوا إلى المنزل، والذي ما إن صعدوه، حتى ارتج بصوت قاسم الصارخ بهم:
هو أنا مش اتنيلت قولت متتصرفوش من دماغكم؟ أنا عايز أفهم، قولت ولا مقولتش؟

ابتلع الأطفال كلماتهم داخل حلقهم برعبٍ، فحاول يامن التسلل والذهاب إلى والده، ليستمع إلى صوت قاسم يصرخ به: لو اتحركت خطوة واحدة كمان يا يامن والله لهبيتك في أوضة الفراخ.
تصنم يامن في مكانه بهلع، ثم عاد لمكانه بجانب يزيد الذي ينظر لوالده باستنجاد، بينما صهيب طالعه بشماتة وأكمل مشاهدته لما يحدث.
وتلك المرة خرج مُغيث عن صمته وتشدق باحترام: يا بابا مكانش ينفع نشوف أختنا وهي بتتهان قدامنا ونفضل ساكتين.

تقوموا نازلين فيهم ضرب؟
ونكسر دماغهم كمان.
مُغيث؟
صرخ بها قاسم لوقاحته، ليُخفض الآخر رأسه مُغمغمًا: أسف يا بابا.
نفخ قاسم بغضبٍ عارم، ليس على أطفاله، وإنما وضعهم في دور المُخطئين أمام الجميع وهم الذي معهم كل الحق، تثبتت أنظاره على حوراء الصامتة، فتحدث ساخرًا: وأنتِ يا طاهرة! مقطعالي شعر البت ومخرشمة وشها ولا همك؟
ردت عليه حوراء باحترام: هي اللي قليلة الأدب وكانت محتاجة حد يربيها.

تصدقي بالله! انتوا اللي محتاجين تتربوا من أول وجديد يا عصابة يا حَوَش.
تنفس ببطئٍ بعد أن هدأت ثورته قليلًا، ثم رفع حدقتاه نحو أهلة التي سددت له ابتسامة بلهاء زادت من حنقه، فأردف بعدها مُغتاظًا: قوليلي أعمل فيكِ إيه وأنا راضي ذمتك!
عبثت أهلة بأظافرها وهي ترد عليه ببراءة: متعملش حاجة عشان إحنا معملناش حاجة غلط.
حكَّ قاسم وجهه بعنف وهو يهز وجهه هامسًا بيأس: عليه العوض ومنه العوض، هاتلي حقي منهم يارب.

أتى يومٌ جديد، بإشراقة جديدة، وصباحٌ جديد، وتجمع رائع، وسط أصوات الحديث بين أفراد أبناء وأحفاد العائلة الكريمة، لم يكن الذي يربطهم هو رابط الدم، بل رابط أقوى من ذلك، الحب!
يوم الجمعة المليء بالحماس والحيوية والضحكات، يوم التجمع والحب والمشاغبات، يوم اللهو واللعب والمؤامرات، يوم التجمع اللامتناهي بين الأفراد.

اجتمع الأطفال في غرفة الصالون على الأرض، وأبائهم جالسون على الأرائك يتناقشون في بعض الأمور، جلسوا حول بعضهم البعض على شكل دائرة حتى كاد الحماس يقفز من بين أعينهم عندما أخبرهم يامن بأنه اتفق مع آسر للعب إحدى الألعاب!
وتلك المرة تسائلت چنى والتي لم تكن سوى ابنة سيف ومريم قائلة بانتباه: لعبة إيه اللي هنلعبها يا يامن.
رفع يامن رأسه بعنهجية واضحة ثم أجابها بغرور: الصبر يا أخت چنى الصبر.

تأفف نوح بنفاذ صبر والذي كان يجلس بجانب مكسيم الذي لم يكف عن تناول الطعام، وبعدها أردف حانقًا: ما تنجزوا بقى عايز أقوم أذاكر.
لوى مغيث شفتيه بحسرة قبل أن ينكزه في جانبه بقوة طفيفة أدت إلى امتعاض ملامح وجه نوح، فمال عليه مغيث وهمس له: متجيبش سيرة المذاكرة قدام أمي عشان هتلطم مني أنا وإخواتي.
رد عليه نوح ساخرًا: طب ما تذاكر يا حبيبي أنت وراك حاجة؟

اعتدل مُغيث في جلسته ثم رد عليه بلامبالاة: مشغول مش فاضي.
التوى ثُغر الآخر باستنكار، وعادوا بأبصارهم مُجددًا نحو آسر الذي قرر التحدث أخيرًا، لكن حديثه جذب انتباه الكبار ويا ليته لم يتحدث أو يفتح فاهه حتى:
أنا و يامن قررنا إننا نلعب لعبة جديدة، هنلعب ورق حجر مقص، وكل ولد هيكون مع بنت، واللي هيفوز هيبوس التاني.
فرغ الجميع فاهه خاصةً يحيى الذي يرى ثمرة تعبه واجتهاده في تربيته لابنه قد طرحت سُمًا!

فتح يحيى فاهه للإعتراض، لكن قاطعه صوت حوراء التي تشدقت بصرامة وحزم رغم صِغر سنها: لأ طبعًا كدا حرام وربنا هيزعل مننا، بابا قالي مينفعش نبوس أي ولد غير إخواتنا، لكن ولاد عمنا نتعامل معاهم بحدود.

تشكل الفخر داخل أعين الجميع وهم يرون ابنة العائلة وفخرها تُدافع بكل حزم عن الفتيات، لكن لم تكتمل فرحتهم ولأسفهم الشديد، وذلك عندما هبطت فيروزة صاحبة العامين والنصف من على قدم يونس الذي كان يُداعبها، ثم اتجهت إلى نوح وقبَّلته برقة على وجنته، ثم هرولت إلى أحضان والدها تخفي وجهها بخجل وهي تضحك بصخب!

بينما ردة فعل قاسم على الموقف بأكمله هي؛ ضربه بكفه على صدره بصدمة وعبَّر بقوله المصعوق: يا شرفك اللي بقى في الأرض يا قاسم؟
صدحت ضحكات الجميع تعلو في الأرجاء، لا يصدقون فِعلة تلك الصغيرة المُشاغبة! وابنة مَن! قاسم الذي يزرع الدين داخل أفئدة أبنائه، لكن من الواضح أن فيروزة لم تأخذ نصيبها من التربية بعد!

وعلى صعيدٍ آخر، احمرت وجنتي نوح من الخجل، فعلتها بريئة وهو مُعتاد على ذلك، لكن ليس أمام تلك الحشود الكبيرة، ف فيروزة تأخذ حيز لا بأس به من الحب داخل فؤاده، منذ ولادتها وهو قريب منها ودائمًا ما كان يتلهف لرؤيتها هي خصيصًا، وهي كذلك، لكنها مازالت صغيرة، وتحبه فقط لأنه يجلب لها شيكولاه كثيرة ويهتم بها.

وهُنا نعلم أن السعادة تكمن في العائلة، ذلك الحب المُنبثق والعشق القابع بين فؤاد بعضهم البعض يجلب لنا أشخاصٍ سَوية، أشخاصٌ لن يُوجدوا مرة أخرى مهما تعدد الزمن وطالت السُنون، هُنا. حيث الدفيء والحنان، نجد أرواحنا مُطمئنة.
مال قاسم على أُذن أهلة مُستغلًا إنشغال الجميع وهو يهمس: تيجي نهرب؟
طالعته أهلة بتعجب، ثم تسائلت بابتسامة طفيفة: نهرب نروح فين؟
أجابه بهمسٍ: مكان مفيهوش غير أنا والليل ونجومه وقمري!

اتسعت ابتسامتها بحماسٍ وقررت مشاركة جنونه وهي تُوميء له بالإيجاب: يلا نهرب.
أخذها قاسم وتسلل من خلف الجميع مُستغلًا انشغالهم، وذلك بعد أن ذهبت ابنته فيروزة لاستكمال لعبها مع فور.

انطلقا بالسيارة نحو مكان بعيد، بعيدٌ للغاية عن بنو البشر، حيث تلك التلة الموجودة في آخر المدينة، والتي يظهر من خلالها الأضواء الكثيرة من المنازل أو السيارات، ومن حولهم صوت الهواء يتماشى مع تناغم موسيقي رائع يُناسب تلك الأجواء الشاعرية، استند قاسم بظهره على مُقدمة السيارة، وجذب أهلة وأحاط بها من خصرها، لتُصبح هي أمامه وهو مُستندًا بذقنه على كتفها، تاركين لنسمات الهواء العليل رسم يومهم المميز.

بحبك يا كفاءة.
وأنا كمان بحبك أوي، أكتر من أي حاجة في الدنيا.
أدارها لتُصبح في مواجهة له: وأنتِ بالنسبالي الدنيا.
لم تجد كلمات مناسبة لتُجيبه، لكن لمعة عيناها كانت كافية لتصله إجابتها، أمسك بكفها يدعوها بمشاكسة: تيجي نرقص؟
غمزته بعبث: يلا بينا.
أغنيلك إيه؟
فكرت أهلة قليلًا لعدة ثوانٍ، حتى أجابته بحماسٍ وأعين مُلتمعة: أول أغنية أنت غنيتهالي.

حاول قاسم تذكرها، وبالفعل أتت لذاكرته على الفور، فأمسك بها من كفها، واليد الأخرى قام بلفها حول خصرها، وشرع في الغناء:
أنا العاشق لعينيك. برب العشقِ فارحمني،
وخُذ بي بين يديك. نبض القلب أسمعني،
وضمد جُرحيَ الدامي. مني إليك فأخذني،
وشافي مُر علقمكَ. حيث الشؤم يحملني.
وداويني ببعضِ الحب. طمئني وصبرني،
وخُذ مني يا روح القلب. صدِّق ليس يشغلني،
أو حتى فخُذ بالروحِ. حطمني وأخبرني،.

بأن القلب منك ملك. لغيري عنك أبعدني.
كلمات تلك الأغنية أول مرة كانت عادية للغاية، لكن الآن يقصد بها كل كلمة هو ينطقها، هي دائه ودوائه، ألمه وأمله، حطامه وحياته، هي أصبحت كالروحِ، عنها لا يستطيع الاستغناء، وبدونها يرفض العيش ويُفضل العناء.

تمت
نهاية الرواية
أرجوا أن تكون نالت إعجابكم
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة