رواية تشابك أرواح للكاتبة أمنية محمد الفصل الرابع
أيعاني المرء من ضغوط الحياة، أم من ضغوط العائلة، أو كليهما معًا فينفجر كبالونٍ لم يتحمل كثرة النفخ فيه.
كانت تقف تستند على الحائط باكية بعدما علمت من الطبيب أن أباها تعرض لجلطة قلبية ولكنها مرت بسلامٍ، تنظر نحو الفراغ بدموعٍ ساخنة لا تتوقف عن النزول، تفكر ألف مرة في كل شيء حدث وما سيحدث وكأنها تعلم أن لا يد لها بالأمر، ولكنها تحمل نفسها الذنب.
أقترب جوارها وتنهد وهو ضاممًا يديه ببعضهما يواسيها بنبرة حنونة ودّ لو تدخل قلبها فتواسي الصغير النابض بألم: تسنيم، الحاج الحمدلله كويس، كفاية عياط.
لم تنظر له بل ظلت شاردة كما هي، بينما تحدثت الثانية تُحمّلها ذنب ماحدث: هي السبب أصلًا ف اللي حصل لبابا، فضلت تجادله في كلامه لحد ما وقع مننا، هي السبب!
كررت كلماتها على مسامع أختها التي بكت بعنفٍ أكثر، بينما هو مرر نظره على «تارا» بحنقٍ: ماتهدي كدا يا أخت تارا الله يرضى عنك، العملية مش ناقصة شعللة على فكرة، أبوكي كويس ولحقناه الحمدلله، وكان مصيره ده اللي يحصل على فكرة.
كادت أن تتحدث ولكن اقتحم المكان أخوهما «تامر» الذي هتف بلهفة متوترة: بابا ماله يا عبدالله؟
وضع «عبدالله» يده على كتف صديقه يربت عليه وتحدث بنبرة تحمل بين طياتها التهدئة: متقلقش يا تامر، أبوك كويس الحمدلله، هو بس اتعرض لجلطة بس فاق منها!
جلطة؟
قالها «تامر» بصدمة وهو يطالع الاثنتين أمامه ثم أكمل حديثه: طب فين الدكتور أطمن على حالته، وهو فين دلوقتي؟
أجابته«تارا» بتنهيدة حزينة: الدكتور نقله غرفة عناية لحد ماحالته تستقر كدا إن شاء الله، وممنوع الزيارات دلوقتي على بابا، وكل ده بسبب الأخت تسنيم!
قالت آخر كلماتها وهي تمرر نظرها على «تسنيم» بسخطٍ، بينما الأخرى لم ترفع بصرها على أحد ولم تتفوه بحرفٍ واحد، وهذه المرة تحدث «عبدالله» أيضًا بنفاذ صبرٍ: ما قولنا خلاص يا تارا، ولا هو كتر كلام عالفاضي وخلاص، محدش السبب!
لا يتحمل أن تتحدث عنها أختها بتلك الطريقة أمامه، بالأساس لا يتحمل الهواء البارد الذي يمسها فيُشعرها بالبرد، تمنى ألف مرة لو يضمها له يخفف عنها الحزن ذلك، ولكن أخوها فعل ذلك بدلًا عنه هو يضمها له يمسد على ظهرها بحنان، وكأنها كانت تنتظر ذلك لتنفجر أكثر بالبكاء، همس «تامر» بحنانٍ مواسيًا إياها: أهدي ياتسنيم، متعيطيش كدا بابا هيبقى كويس وكل حاجة هتكون كويسة!
تمسكت بملابس أخيها بقوة وهي تتحدث من بين شهقاتها: تارا عندها حق، أنا السبب فضلت أجادل فيه، بس والله ما قصدي يحصل كدا والله العظيم يا تامر ماقصدي، أنا تعبت أنا كمان أوي والله، يارب كنت أنا وهو لا.
نهرها أخاها بغضبٍ هادئ: بتقولي إيه ياهبلة أنتِ، بعد الشر عنك، حقك عليا والله من كل ده، أوعدك قريب كل حاجة هتبقى كويسة والله.
عند هذا الحد وأغمض «عبدالله» عينيه بقوة لتلك التي تقول بأنها تود أن تَمت، ألا تعلم ما الذي قد يمس قلبه لو حدث لها شيء أو إن أذاها شخص؛ لأنهى وجود ذلك الشخص بالأساس وأحرق كل من سيفكر بأذية قلبها، يطالعها بين أحضان أخيها الذي يواسيها فيتألم قلبه غير قادر على فعل شيء لها.
بعد وقتٍ من المواساة والبكاء، كانت تجلس على كرسي المستشفى الذي يجاور غرفة أباها تتذكر المناقشة الحادة التي حدثت بينهما قبل أن يمرض، والتي كانت عن منعها للذهاب لمنزل «عبدالله»، فهو يريد أن يمنعها عنهم جميعًا ولكنها لم ترغب بذلك؛ فتلك السيدة «فاطمة» تذكرها بالمرحومة أمها وبها رائحة أمها التي لن تنساها ابدًا، تحمل حنانها ورقة قلبها؛ فتخفف على قلب الثانية مِن صعاب الحياة، وكانت تحاول إقناعه بأنها لم تعد تتحدث مع «عبدالله» ولا حتى تناقشه في شيء، ولكنه أبى الاستماع لها فزادت بينهما الحدة والصراخ.
ذهب للمجلس ليراها ويلعب بأوتارها قليلًا، فالحكاية بالنسبة له ليست مجرد انتقام من أشخاص سلبوا منه من يحب، بل سلبوا حياة عائلات في الحارة عندما قاموا بهدّ بيوتهم ليبني مصنعه الخاص دون أي تصريح وحتى وإن كان بتصريح أين التعويض لهؤلاء الناس الذين تشرد معظمهم في الشوارع.
وجد الباب مفتوحًا فقوص حاجبيه بقلق خوفًا أن تكون هربت، هرول ناحيتها ليجد «فتحي» يقف أمامها وهي تطالعه برهبة وتهمس: ممكن تمشي
نطق أخيرًا بصوت حاد: فتحي أنت بتعمل إيه هنا؟
انتفضا على أثر كلماته والتفت «فتحي» يطالع «مروان» الذي اقترب نحوه وهو يبرر بتلعثم: أنا بس، أنا جيت أشوف البت دي لأنها كانت بتحاول تهرب!
لحظات صمت لتحاول هي التبرير ولكن أوقفها «مروان» بكلماته الصارمة: لا ياباشا متقلقش، هي متقدرش تتحرك لأن إحنا بنقفل عليها الباب وهي عارفة لو أتحركت ممكن يحصلها إيه، متحطش في بالك أنت يافتحي
كان حديثه موجهًا لهما سويًا، تهديدًا «لفتحي» حتى يبتعد عنها فهو يعلم أنه ليس بأخلاق جيدة، والثانية حتى تعلم إن هربت ما الذي سيحل بها، وكان ذلك ما وصل لهما بالفعل كما أراد.
حمحم «فتحي» بتوتر قائلًا: ماشي يا مروان، بس برضو متنساش إن ده حقنا كلنا مش أنت والحاج إبراهيم بس!
أشار له «مروان» بنظراته الصارمة بأن يصمت، وتحدث وهو يكز على أسنانه: عارف إنه حقكم كلكم، بس الحارة مش هتتجمع كلها في المجلس عشان ترجعوا حقكم من حتة بت، امشي يا فتحي شوف وراك إيه وشوف رزقك.
زفر الثاني وطالعها وغادر بينما هي نظرت له سريعًا لتهمس براحة: شكرًا جد.
لم تكمل حديثها بسبب مقاطعته لها وكأنه يتعمد عدم التحدث فيما صار منذ دقائق، وطالعها مبتسمًا بسخرية: إيه يا بنت الحرامي عاملة إيه هنا؟ معلش مقدرناش نجيبك في جناح فندقي غالي يليق باللي خلفك!
طالعته بعبوس واضحٍ؛ فهي للآن لا تفهم شخصيته ولا تفهم إلى ماذا يُرمّي أساسًا: متتكلمش معايا please، طنط فاطمة قالتلي إنك مش هتتعرضلي، so go out!
ضحك عاليًا بسخرية واضحة وهو يقوم من مكانه ويتقدم نحوها: وأنتِ اللي هتأمريني أعمل إيه ومعملش إيه، والله عشنا وسمعنا لعيال الحرامية كلمة!
زفرت بحنقٍ وهي تطالع تلك الملامح الشرقية التي يمتلكها، كانت نظراتها جريئة له في تفحصها فاستغفر في سره وهو يرمي عليها كلماته اللاذعة: اسمعي يابت، حوار إنك تخرجي من هنا قبل ما أبوكي يرجع الحقوق لصحابها تنسيها خالص، الحاج بيخلص كذا حاجة وراه وهيجي يتصل بأبوكي نعرفه إنك معانا وأما نشوف هيكون ردة فعله إيه الحرامي.
أجابته بتوعد وهي تضيق عينيها: بابي مش هيرحمكم والله العظيم، وهتندموا انكو خطفتوني وقتها بس الندم مش هيفيدكم!
بابي؟
نطقها بسخرٍ وهو يطالعها بملامح بها الاشمئزاز، وأكمل على حديثه: أما نشوف بابي بتاعك ده هيعمل إيه، انا مستني ويبقى بس يقرب من ناحية الحارة عشان هو عارف هيتكهرب إزاي.
تأففت بصوتٍ عالٍ حانقة، بينما هو التفت ليغادر ولكنه التفت مجددًا ينظر لها ويرمي عليها بقية كلامه: يارب مايكون نهايتك متقطعة وحاطينك في شكارة ونرميكِ عند أبوكي، شوفتي بقول يارب أهو عشان بس شوية الطيبة اللي عندي يبانوا.
وتركها وغادر وهي تأكل بنفسها خوفًا من أن يفعلوا ذلك فعلًا، يبدو شخصًا ليس له بالاجرام ولا بالتقطيع كما أخبرها، ولكن قد يخبر أحدهم ويفعلوا ذلك بها، همست وهي تأكل أظافرها رُعبًا: يامامي.
عاد من المستشفى مطأطأ الرأس بحزنٍ بالغ على ما سيحدث، لا يعلم كيف سيتحدث بذلك مع أمه ولكنه سيفعل لتصبح «رنا» بخير، فهذا ما تريده منه لينجب الأطفال ولكنه عاقدًا قرارًا بينه وبين نفسه بأن زواجه من «مرام» ابنة خالته لن يكون فقط للانجاب، فهو لن يسمح لنفسه بفعل ذلك بها إن كان لن يسمح للغريب، بل سيكون زواجًا رسميًا كاملًا، إلا في حالة طلبها هي منه بالطلاق.
غادر من سيارته بعدما وصل أسفل بنايته ووجد صديقه آتيًا نحوه عندما رأه: إيه يا آسر، مراتك مالها؟
سأله بقلقٍ فأجاب «آسر» بتنهيدة وهو يمرر خصلاته للخلف بأصابعه: تعبت فجأة والله يامروان، بس الحمدلله يعني هي دلوقتي أحسن بس هتبات الليلة دي فالمستشفى؛ فسيبتها مع أمها وأختها وجاي أخد شوية حاجات.
أخرج «مروان» تنهيدة عميقة ووضع يده على كتف صاحبه يواسيه؛ فما عند الصاحب لصاحبه سوى كتف يسند إن مال، وعين تراقب إن أخطئ، وقلب يواسي إن حَزِن: متقلقش هتبقى كويسة بإذن الله، ربنا يتم شفاها على خير يا أخويا، أنت عارف لو احتجت أي حاجة هتلاقيني موجود، ولو محتاج فلوس عرفني.
ابتسم «آسر» بودٍ لصديقه وهو يشكره: تسلم ياحبيبي، متقلقش أنت عارف لو فيه حاجة هقولك فورًا.
بادله «مروان» الابتسامة وأخبره عما حدث مؤخرًا في الحارة تلك التي تجمعهم جميعًا: عمك ابو تامر نقلوه المستشفى تعب.
ياستار يارب، ليه كدا؟
قالها «آسر» بفزعٍ فهز الآخر كتفيه وهو يجيبه بلا علم: والله يابني ما أعرف، ده لسه عبدالله قايلي ومستني يرجع من هناك ونشوف.
عند ذكر اسم «عبدالله» تذكر «آسر» شيئًا فقطب حاجبه وسأله: هو أنتو نفذتوا اللي اتفقنا عليه كلنا؟ خطفتوا بنت وليد؟
حرك «مروان» رأسه بتنهيدة: مافيش حل تاني يا آسر ولو إني مكنتش حابب، هي آه البت ملهاش ذنب بس أهو قرصة ودن «لوليد الأنصاري»!
تحدث «آسر» بغلٍ وملامحه تبدلت لغضبٍ مكتوم: وهي عهد كان ليها ذنب؟
للحظة تجدد الحقد بقلب «مروان» ولكنه تحكم بتلك الغصة المؤلمة التي اجتاحت قلبه: لعله خير، لعله خير يا آسر، أنا همشي عشان المحل مفتوح وحاتم فيه لوحده، لو فيه حاجة كلمني!
وتركه مُغادرًا بينما الثاني تنهد بعمقٍ، وصعد لشقة أمه التي وقفت سريعًا تسأله: إيه يابني، مراتك عاملة إيه؟
أجابها يطمئن قلبها وهو يلف يده حول كتفها: أحسن الحمدلله اتحسنت، اومال مرام فين؟
قطبت أمه حاجبيها باستغراب واجابته: في شقتها فوق، ليه؟
جذب أمه وجعلها تجلس بينما هو جلس جوارها ومرر كف يده على وجهه يمسحه بتفكيرٍ ليرمي كلماته على أمه: عاوز اتجوزها.
إيه؟
هتفت ابتسام بصدمة وهي تضع يدها على صدرها، فأجابها سريعًا قبل أن تغضب: أهدي بس واسمعي، رنا هي اللي عاوزاني اتجوز عشان أخلف وسبب تعبها النهاردة إني رفضت اتجوز أي حد أصلًا منعًا للمشاكل وعشان ميحصلش أي حاجة غلط بعدين، بس هي اتكلمت عن مرام وقالتلي إنها ممكن توافق ومرام مننا ومش هيحصل مشاكل، وهي طبعًا ليها الحق للرفض والقبول.
اردفت والدته ومازال تأثير الصدمة عليها: بس ده لوحده هيعمل مشاكل يا آسر لو مرام رفضت، انتو علاقتكوا من هترجع زي الأول.
استند بظهره على الأريكة وهو يقول بنبرة مُتألمة: جربي يا أمي كلميها وشوفي، لو رفضت هدور على بنت حلال تانية أشوفها، وأنا ناوي سواء الجواز منها أو من غيرها هيبقى جواز كامل ومكملين، ما أنا مينفعش أقول لواحدة خلفي واخد منها العيل أديه لرنا واطلقها.
انهى حديثه بأخراجه تنهيدة عميقة من داخله، ثم أكمل بنبرة مقهورة: أنتِ عارفة أنا بحب العيال قد إيه، وكان نفسي يبقالي عيل ولا اتنين يلعبوا حواليا ويسندوني لما أكبر لو ليا عمر، ومحصلش نصيب عشان تعب رنا.
ربتت «ابتسام» على قدم أبنها وحبيب فؤادها وهي تواسيه: ربنا يرزقك يابني يارب بذرية صالحة، وتربيهم في عزك، أنا هشوفها كدا وهرد عليك متقلقش
اعتلت ابتسامة خفيفة على ثغره واقترب مقبلًا رأس أمه بحنانٍ وتوجه نحو شقته يجمع ما يريد لأجل «رنا» وغادر نحو المستشفى مُجددًا.
كان جوار سيارته التي يفتحها كمقهى متنقل ليأتي بالمال الذي أصبح شيئًا أساسيًا بحياتنا الآن، جزء لا يتجزأ ودونه لا حياة.
كان يعد كوبًا من الشاي لواحدٍ من الشباب المارة وهو يتحدث معه كعادته، لعل حديثه مع شخصٍ يأتي له بالفوائد بحياته أو بمعلوماتٍ ليغتنمها: وأنتَ بعد الكلية عملت إيه؟
سأله الشاب بهدوءٍ، ليجيبه «حمزة» بضحكة ساخرة
تحمل بين طياتها مرار الأيام: ولا حاجة ياسيدي، زي ما أنت شايف فاتح عربية اشتريتها بالقسط وبسدد فلوسها من فلوس الرزق اللي بيجي!
ثُم مد له كوب الشاي ليتنهد الآخر الذي يحمل بين يده أوراقًا يعبر عنها الآن بقوله: مافيش شغل في البلد فعلًا، والله اللي معهوش كلية سلكان بمصلحة اتعلمها وخلاها صنعته من وهو صغير، واللي أتعلم بيتمرمط في بلاد الله يدور على شغل هنا وهناك، وأهي الورق لسه فايدي جاي من شركة مقدم فيها عشان اشتغل، واترفضت للمرة السابعة عشان لازملي واسطة.
طالع «حمزة» السيارات المارة خلفه بشرودٍ وبفمٍ متنهد قال: ويقولك بتسيبوا بلادكوا ليه، الوسايط ملت البلد. نفس الحال يا أخويا والله، قدمت كتير في شركات مع إني متخرج من تجارة إنجليزي بس أهو ربك عاوزني اكون فالمكان اللي أنا فيه دلوقتي ده.
ونعم بالله، ربنا يرزقك
قالها الشاب وأخرج من جيبه نقودًا أعطاها «لحمزة» الذي حمد الله عليها فورًا ووضعها بجيبه، ورفع بصره على ضجيج سيارات حول المكان يخرج منها رجالًا كالألواح موجودين في كل مكانٍ كأنهم يراقبون شيء أو يبحثون عن شيء، لم يخطر بباله سوى شيء واحد ألا وهو أنهم هُنا ليبحثوا عن أي دليل خاص بالحادث الذي حدث «لرزان».
مَثل بأنه غير مهتم ولهم ولكن أتى شابًا يبدو بالثلاثينات من عمره وقف أمامه وهو يتحدث بنبرة متعجرفة: مساء الخير!
رفع «حمزة» بصره له وهو مازال جالسًا مكانه وبهدوءٍ بالغ جعله سيد الموقف أجاب: مساء النور ياباشا، تحب أعمل لحضرتك إيه تشربه؟
تفوه شارحًا له الموقف: لا الحقيقة مش جاي أشرب، بس حابب أعرف أنت موجود هنا كل يوم؟ ولا إيه!
هز «حمزة» كتفه ببرودٍ وابتسم ابتسامة خفيفة: على حسب يابيه، ليه هو في حاجة ولا إيه؟
زفر الآخر بنفاذ صبر وهو يخبره ويراقب المكان حوله: بصراحة فيه، امبارح حصل هنا حادثة كبيرة كان فالعربية بنتين و،.
قاطعه «حمزة» بنبرة سريعة يحاول اغاظة الذي أمامه: آه تقصد الحادثة بتاعت امبارح وكان فيها بنتين مبيعرفوش يسوقوا دول ووقفوا الطريق فترة طويلة؟ لا معرفش عنها حاجة الحقيقة!
لحظات صمت بين ابتسامة «حمزة» المستفزة ونظرات الثاني الحادة الذي قال: بس أنا جاي اسأل على حاجة، أنت شوفت الإسعاف وهو بياخد البنتين في العربية ولا بنت واحدة؟
لا مشوفتش
قالها دون تفكير مع نفس الابتسامة المستفزة وهو مازال جالسًا مكانه لم يتزحزح.
زفر الواقف أمامه وهو يقول بسخطٍ في محاولة تعريف عن نفسه ولكن بين تلك الرسالة تهديد صريح للمسكين «حمزة»: عامةً أنا نادر المصري، أظن اسمي معروف في البلد بس أعرفك بيا، أنا صاحب شركة المصري للمقاولات واللي كانوا في الحادثة امبارح مراتي وأختي، أختي في العناية ومراتي مفقودة، ف لو يعني لو تعرف حاجة عن الموضوع ياريت تبلغني فورًا وهتاخد اللي فيه النصيب وقتها.
ضرب كفًا على كفٍ وهو يقول بزفيرٍ حانقًا: لا حول ولا قوة الا بالله، مع إني قولتلك معرفش بس حاضر ياسيدي، وبالمناسبة أنا «حمزة الشافعي» صاحب الكافية المتنقل ده يعني على باب الله بسترزقك، ممكن بقى تبعد أنت وعربياتك دي من وشي عشان قافلين عليا باب رزقي!
كور «نادر» يده كقبضة يود أن يفتك وجه الذي أمامه فهو يلعب بوتيرة أعصابه، ولكنه تحامل وأخرج من جيبه بطاقة تعريفية تحمل اسمه ورقمه وهو يقول بغضب: همشي ربنا يرزقك.
ثم أشار لرجاله وغادروا المكان بينما «حمزة» تصفح البطاقة بتنهيدة عميقة وهو يهمس: ربنا يعديها على خير يابنت الناس.
عاد حيث منزله وموطنه وأمانه الذي يلجأ له من العالم بأسره، فتح الباب ودلف ليجد القطتين يهرولا ناحيته ليضحك عاليًا باستمتاع لشكلهما الجميل: أهلًا أهلًا بالحبايب، جعانين صح؟
مال ناحيتهما يربت على رأسيهما بحنانٍ وهو يبتسم بملء ويتابع كيف هما أليفان معه، تنهد للذكرى العابرة التي أتت على باله وهو شارد الذهن بنظرٍ ثابت على القطتين أمامه: ربنا يرحم حبايبي
تنهد بعمق بعدما أخرج ما بداخله الآن في هيئة مواساة لنفسه بوجود «مشمش» و«مشمشة» جواره الآن يسحبان منه الطاقة السلبية كاملة.
تحرك ناحية المطبخ وهما خلفه في سباق لمعرفتهما بأنه سيضع لهما الطعام، وبالفعل وضعه في اطباقهم التي تجاور جلسته المفضلة في شرفته وجلس جوارهما يتابع كل حركة منهما وهو يبتسم للون الذي يكسوهما وهو يردد: سبحان الخالق المبدع، سبحان الله.
كان القط الذكر بلونه البرتقالي يتداخل به اللون الأبيض في شكل مُلفت ومميز، بعينين خضراوتين كأن النعيم داخلها، كان مختلفًا بشكل مميز عن سائر القطط البرتقالية، بينما الأنثى كانت لونها أبيض ناصع بعينين بُندقية مُلفتة، ككقطعة غَيم متحركة أمامه.
ظل جالسًا في مكانه المفضل رافعًا نظره للسماء يُناجي ربه بالصبر والثبات على مابه.
بعد قليل من الوقت تحرك من مكانه ناحية المرحاض يتوضئ، وعاد لتلك الزاوية التي صنعها بنفسه للعبادة وأمسك مصحفه وبدأ يرتل آيات الله بصوته العذب حتى موعد صلاة العشاء.
(وَالَّذينَ صَبَرُوا ابتِغاءَ وَجهِ رَبِّهِم وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقوا مِمّا رَزَقناهُم سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدرَءونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُم عُقبَى الدّارِ).
في الحياة إما أن تخسر الكثير وتكسب حب الناس لكَ، أو يحدث العكس تمامًا فلا تتمتع بما كسبت، ولا تعيش في حب الناس، ينطبق ذلك على الحب؛ أما أن تناله، أو ينال منك.
غادرت شقتها نحو شقة خالتها بالطابق الأول وطرقت الباب ثُم دلفت بهدوء وهي تبتسم لها: مساء الخير ياخالتو.
طالعتها خالتها بابتسامة واعتدلت في جلستها وربتت جوارها لتجلس «مرام» كما أشارت لها: مساء النور ياحبيبة خالتو، عايزة أتكلم معاكِ في حاجة مهمة ياحبيبتي.
عقدت «مرام» حاجبها باستغراب وهي تتساءل: اتفضلي طبعًا، في إيه؟
لحظة صمت مرت عليهما لتحاول خالتها تجميع الكلمات التي سترميها عليها: بصراحة جايلك عريس!
عريس؟
تفوهت بها «مرام» بتساؤل وكأنها لا تعلم بأن سنها هذا الذي يأتي به العرسان ليطلبوا يديها للزواج، ولكن بالفعل هي شعرت بتلك الكلمات تقع على مسامعها في شعور مُريب، ليس لأنها تحب «آسر» بل لأن قلق خالتها يوتر أعصابها الآن وملامحها المتوجسة ناحيتها، وقعت كلمات خالتها على مسامعها في صدمة تلي الأخرى: بصي يا مرام، العريس حد أنتِ تعرفيه يابنتي، مش عايزة اسمع منك رد دلوقتي أنتِ ليكِ كامل الحق تفكري براحتك وتبقي تديني إجابة، وقبل أي حاجة أنتِ بنتي اللي أنا ربيتها وكبرتها،.
قطعت «مرام» حديثها بقلق وهي تسألها باضطراب بسبب الهلع الذي تسلل لها وأصابها بحيرة: هو في إيه ياخالتو، إيه المقدمة دي كلها عشان تقوليلي مين العريس!
تنهدت «ابتسام» وهي تبرر حديثها: العريس هو آسر ابني.
اصفر وجه الأخرى وتجمد الدم في عروقها لما تقوله خالتها الآن، أي «آسر» تتحدث عنه؟ حبيبها الذي لطالما أحبته خفية بينها وبين نفسها، أم مَن؟
وبالفعل ذلك السؤال الذي نطقت به من شفتيها المرتجفتان: آسر ابنك إزاي؟
أمسكت «ابتسام» يد «مرام» بين راحتيها وهي تقول: عشان كدا قولتلك مش مستنية منك رد دلوقتي، آسر ابني طالب إيدك وعاوز يتجوزك يا مرام، أنا عارفة إنه متجوز رنا وكل الكلام ده؛ هي اللي عيزاه يتجوز تاني أصلًا عشان يخلف.
أبعدت بصرها عن خالتها نحو اللاشيء تُفكر بعقلٍ كاد ينفجر مما وُضع به الآن، اهتز قلبها بين أضلعها بعنفٍ لتلك الفكرة، حقًا؟
سمعت صوت خالتها الخافت كأنها بمكانٍ بعيد عنها، وكان ذلك لشرود فكرها وعقلها: فكري ياحبيبتي، فكري براحتك أنا ولا آسر مستنين منك إجابة دلوقتي عشان دي حياة ومستقبل!
فقط اماءة صغيرة برأسها لخالتها وهي تهمس بتنهيدة قوية: ماشي ياخالتو، ان شاء الله. عن أذنك أنا طالعة شقتي
وتحركت بخطواتٍ غير متزنة نحو شقتها تجلس وحدها قليلًا تُفكر ألف مرة بكل شيء، حبها له لم يكن بإرادتها بل القلب من أحب، وهي كانت بعيدة تمام البُعد عن كل شيء حتى لا تخرب له حياته بعدما أحب وتزوج، وتأقلمت على الوضع وتمنت في قلبها بأن يرزقها الله زوجًا يحبها وتحبه كمن لم تحب سواه.
كانت جميلة بملامح مُلفتة، رقيقة وهادئة، ولا تُرهق من حولها بتاتًا، كانت «مرام» كاسمها الرقيق وكأنه وُصف ليكون لها، ولم تكن تتمنى بأن تعيش مرحلة حب من طرف واحد لشخصٍ لم يرها سوى أخت له!
وصل أمام شقته وكاد يفتح ولكنه تذكر الضيفة التي تقبع داخلها معهما، فرن الجرس حتى إن كانت نائمة أو شيء تعتدل ثم دلف وهو يطالع أجواء المنزل حتى استقرت عينه عليها تجلس على الأريكة تبتسم له إبتسامة خافتة التمعت عينيها على أسرها، بينما هو لا يعلم كيف جذبته تلك اللمعة ولكنها راقت له كثيرًا: مساء الخير، عاملة إيه يا رزان؟
أجابته بكل هدوء وعلى محياها نفس الابتسامة: بخير الحمدلله، وأنت عامل إيه؟
خطف نظرة منها ثُم أشاح ببصره وتوجه ناحية الطاولة يضع أغراضه عليها والتي كانت علبة سجائر ومفاتيح سيارته والقداحة خاصته، والتي يبدو وكأنها مميزة بسبب حالتها التي كانت عليها، طالعت تلك الأشياء ورفعت بصرها له عندما أجابها: أنا كمان كويس الحمدلله، أومال أمي فين؟
اردفت بتنهيدة: دخلت تنام، هي عملت الأكل وكلت أنا وهي وبعدين نامت، فيه أكل جوا أحطلك؟
رفع بصره لها سريعًا مما سبب لها إحراج وحاولت تبرير حديثها الذي أخرجته بعفوية: مش قصدي حاجة، أنا بس عشان طنط نايمة.
جلس على الأريكة التي جوارها ثم سحب من علبة السجائر واحدة وأشعلها وهو يسألها بملامح هادئة: عمومًا لا مش عاوز أكل، أنا عاوز أعرف الراجل اللي كنتي متجوزاه هربتي منه ليه؟ أنا سيبتك ترتاحي شوية وتهدي عشان تقدري تحكيلي!
دخان السجائر الذي يخرج من فمه تتابعه بملامح خائفة، لا تعلم كيف أصابها الرعب فقط من شكل الدخان المتصاعد في الجو، أسبب لها «نادر» كل ذلك الرعب لدرجة أن الأشياء التي كان يفعلها تخاف منها أيضًا، لمح الرعب الذي احتل ملامحها وجسدها الذي أرتجف في جلستها بحاجبين منعقدين لتلك الحالة، وهمس يطمئن: مالك؟ أنتِ كويسة؟
رفعت بصرها بعيدًا عن الدخان لعينيه مباشرةً وابتلعت غصة توقفت في حلقها للحظات وتحدثت بتلبك وضعف: آه كويسة، كويسة، هو نادر كان شخص قاسي معايا، مكنش شخص كويس، كان بيضربني كتير، وكان بيهين فيا، ومنعني أشوف أهلي وصحابي واطلع من البيت حتى، منعني من كل حاجة بحبها!
لوحده كدا؟ يعني هو بيعمل كل ده فيكِ ليه؟
سألها باستنكار لدرجة جعلتها تشعر بأنه لا يصدقها، ففي الحقيقة لن يفعل هذا سوى شخص مريض نفسي بالأساس، أجابته بتنهيدة عميقة: آه، لوحده عمل كدا، عشان هو إنسان مريض.
همهم «حمزة» بتفهم وهو يخرج من فمه الدخان المتبقي وسألها مجددًا: وأخته اللي كانت معاكِ في الحادثة، مش شايلة ذنبها؟
احتدت ملامحها وهي تطالعه مما جعل نبرتها تعتلي قليلًا: لا مش شايلة ذنبها، راحت لخالقها ومتعزش عليه، وهما يستاهلوا اللي حصلها.
رفع حاجبيه الاثنين في وضع الاستعجاب لحالها بضحكة ساخرة، وقبل أن يتحدث همست هي: بس أنا، أنا مبكذبش يا حمزة، والله مابكذب عليك.
بس انا مقولتش إنك بتكذبي يارزان
قالها بكل بساطة وتنهيدة عميقة ثم أكمل: أنا لازم أسأل وأفهم بيحصل إيه، أنتِ دلوقتي قاعدة في بيتي ووسط أهلي ومع أمي، أكيد لازم أقلق وأكون عامل كل احتياطاتي.
أومأت برأسها له تأكيدًا على حديثه مع انتكاسة برأسها بسبب الحالة التي وصلت لها وهي تخبره بكل بساطة: ده حقك طبعًا.
غرس سجارته أمامه وهو يسألها: هنوصل لأهلك إزاي؟ عرفالهم مكان أروحلهم فيه، رقم نتصل بيهم أي حاجة.
توسعت ابتسامتها سريعًا عند ذكر عائلتها وتجدد داخلها الأمل منعكسًا على ملامحها واجابته: آه أنا عارفة حسابات السوشيال بتاعتهم وهنوصلهم عن طريقها يعني، هما هيردوا علطول.
أخرج هاتفه وفتحه وأعطاه لها بينما هي بحثت على اسم حساب والدها ووجدته ثم فتحت المحادثة بينهما وسجلت له: بابا، أنا رزان يابابا، أرجوك لما تشوف المسج دي تكلمني ضروري على الأكونت اللي أنا بكلمك منه ده، ومتعرفش نادر بحاجة ولا تحاول توصله، بليز شوف الرسالة بسرعة وكلمني.
حديثها كان مرتجفًا مهزوزًا ثُم رفعت بصرها نحوه وأعادته مجددًا لهاتفه وبحثت عن حساب باسم «روان شوكت»، وجدته بالفعل وسجلت لها: روان، أنا رزان. أنا عايزة أكلم بابا ضروري بليز يا روان، ممكن لما تشوفي المسج دي تبلغيه وتخليه يكلمني على الأكونت ده ومتقوليش أي حاجة لنادر، أنا هربت منه ومحتاجة أتواصل مع بابا، وحشتيني أنتِ وبابا وماما أوي أوي.
أرسلتها بتنهيدة عميقة خرجت من داخلها ووضعت الهاتف على الطاولة وهي تبتسم له بهدوء: شكرًا جدًا ياحمزة، ليك ولطنط، بجد شكرًا.
أخذ هاتفه بابتسامة وتحرك من مكانه: العفو، خدي راحتك أنا هدخل أوضتي.
وتركها وغادر نحو غرفته وضمت هي قدميها لها وجلست تفكر بالحالة التي وُضعت بها عندما وجدته أمامها يدخن، أتت ببالها ذكرى بشعة، مؤلمة.
هي
مقيدة أمامه. متألمة. تأن بصوتٍ مسموع
يخرج الدخان بوجهها. ثم يلكمها في وجهها.
اعتدلت في جلستها عندما وجدت الباب الخاص بالغرفة التي محبوسة هي بها يُفتح، تابعت الحاج «إبراهيم» يدلف وخلفه الذي يسبب لها الرعب «مروان» وهو يطالعها بحقدٍ، ابتلعت غصتها بخوفٍ رهيب لنظراته تلك ثم أبعدتها عنه بسرعة.
تحدث «إبراهيم» بثباتٍ: إحنا هنتصل بأبوكِ دلوقتي يابنت الناس، هتقوليله إننا خاطفينك ومقابل إننا نرجعك له سليمة يتنازل عن الأرض بتاعتنا.
حاولت أن تكون عنيدة تعارضهم: ولو مقولتش كدا؟
وجدت الرد مِمَن تنتظره بالفعل منه وهو يتحدث بنبرة حادة عالية: هنقتلك ونبعتك له ان شاء الله
زفرت بضيقٍ وهي تطالعه بحنقٍ: على فكرة أنا بتكلم مع عمو مش معاك، you are evil -أنت شرير-.
لم تجد منه سوى حاجب مرفوع بنظرات مخيفة منه، فوضعت لسانها بفمها تعلن الصمت الذي احتلها الآن بسببه، بينما «إبراهيم» أشار «لمروان» بتنهيدة: خلاص يابني، اتصل بيه يلا خلينا نخلص.
أخرج «مروان» هاتفها الذي أخذه عندما أتت هي لهنا وتقدم منها: كلمة السر إيه؟
خمسة وعشرين سبعة ألفين وواحد
قالتها بتنهيدة عميقة، برغم أن ذلك التاريخ تكتبه دومًا لهاتفها إلا أنها استشعرت به أكثر الآن، بينما هو لم يكترث وبحث عن رقم والدها «وليد» واتصل به.
لا إجابة في الإتصال الأول، وفي الثاني أجاب: أيوه ياسيلين، خير؟
أجابت بلهفة سريعة: بابي أنا مخطوفة.
بتقولي إيه، مخطوفة إزاي؟ أنتِ فين!
تحدثت بخوفٍ وهي تطالع «مروان»: مش عارفة فين يابابي، بس أنا مع ناس بيقولوا لازم ترجعلهم الأرض بتاعتهم عشان يسيبوني، بليز يا بابي رجعها ورجعني، I m so scared.
لحظات صمت من والدها الذي قال: متقلقيش، أنا هخليهم يسيبوكي وهبعتلك السواق كمان يجيبك لحد البيت، محدش هيقدر يلمس شعرة منك، هقفل دلوقتي وأنا هتصرف!
وبالفعل أغلق الإتصال، بينما هي ظلت تنظر ناحية الهاتف لبعض الوقت تحاول تجميع ما قاله والدها!
لماذا لم يعبر عن خوفه عليها وصرخ بهما بأن يتركاها وإلا أحرق العالم بأسره، لماذا لم يحاول تهدئتها من خوفها؟
رفعت بصرها تطالع «مروان» وهي تمصمص شفتيها بتوتر وسمعته يقول: أنا بقول نجيب اتنين نسوان زي الفل كدا، يدوها العلقة المظبوطة ويصوروها ونبعتها لأبوها وهي مضروبة عشان يتحرك، ولا إيه رأيك ياحاج؟
طالعته بصدمة ثم وجهت بصرها ناحية «إبراهيم» الذي استمع له ثم نظر نحوها!