قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية امراطورية الرجال للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الرابع والستون

رواية امراطورية الرجال للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الرابع والستون

رواية امراطورية الرجال للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الرابع والستون

شمس قاربت أن تغيب بموسم الشتاء القريب، الدفء حل بمشارق العاصمة، وبدأ هواء يطوف يحجب ضياء النهار قليلًا وكأنه أروغ عليه وضوح...
دلف وجيه لمكتبه بالشركة، أتت خلفه السكرتيرة مُسرعة وبيدها حافظة ورقية تدون بها كل ما يخص المواعيد القادمة، بدأت في القول حتى قاطعها وجيه وهو يجلس أمام مكتبه: -
اجلي كل المواعيد نص ساعة، مش عايز أي أزعاج دلوقتي
تطلعت به السكرتيرة سريعاً وهزت رأسها بموافقة ثم أجابت: -.

خلاص يا فندم، تمام
ذهبت من المكتب وأغلقت الباب خلفها بهدوء...
تطلع وجيه أمامه للحظات، شارد بتيه، هناك أمر يؤرق قلبه، شيء غامض بعينيها مضى إليه وسكن حتى انتقلت عدوى القلق اليه، ما بها حبيبته؟
حائرة، تائهة، حزينة!
شاردة دائمًا!
تظل صامته وكأنها تعهدت أن لا تتحدث!
هل برد توهج الحب في قلبها اتجاهه؟
أم اكتشفت أن لم يوجد حب من الأساس؟
تقل كلمة أحبك على أسطر مستقيمة وعينيها مائلة القلم!

منذ الأمس وهو على يقين أنها تخبأ شيء، شيء لا تريد أن تعترف به!
شيء تخافه حد الصمت القاطن على شفتيها...
شعور مرعب أنك في وهج جنونك بأحدهم يكتشف هو بنصف الطريق أنك لم تكن الحب الذي آمن به وبحث عنه.
الأمر أكثر تدميرا للرجل، والأكثر عندما يكن رجل مثله، اربعيني قد مال الشيب رأسه وقلبه لم تخونه امرأة...
عاصفة من الظنون تصفع جميع الأيام الفائتة من لهيب العشق بينهما، اظلمت ضياء الأمل به...

تنهد وجيه بقوة، وحدة، بملامحه قاتمة من العبوس والضيق، من الخوف من الآت، نعم خائف
خائف أن تصح ظنونه وتكن حبيبته مزاجية العشق، موسمية المشاعر، تارة تكن نارية بهجيج يشعل محبته ويوقد نيران قلبه محبة، وتارة تكن برداً وممطرة الأحزان والفراق...
ويلًا لقلبه إذا صدق ظنه...

صدح صوت هاتفه الخاص، أخرج الهاتف من الجيب الداخلي لسترته الكحلي الزاهية، نظر لشاشة الهاتف وابتسم كأن احرف اسمها كونت الأمل من جديد، أجاب بلهفة: -
تعرفي أنك وحشتيني وكنت هتصل بيكِ؟
ابتلعت لِلي ريقها بقوة واجابته بنبرة تخللها شيء غامض: -
سبقتك واتصلت أنا
اجفل وجيه من أجابتها الفاترة، ما كانت تقابله بذلك الجفاء في الأجوبة، مابها؟ قال وتغافل عن ظنه: - كنتِ عايزة تقولي إيه؟

تلعثمت في القول ولم تجد إجابة، ظلت صامته للحظات ثم قالت: -
لا أبدًا حبيت اطمن عليك، واتطمنت الحمد لله، اسيبك بقى عشان ما اعطلكش عن الشغل، مع السلام
أجابها ببطء وانتهى الاتصال سريعاً، وضع وجيه الهاتف وعادت نظرته الحائرة لعينيه، اتصالها لم يطمئنه بل زاده قلق وحيرة!

نهضت لِلي من مقعدها بعدما انتهى الأتصال، تذرف عينيها دموع القهر، قبل اتصالها بوجيه تلقت اتصال من راشد يهددها بالرحيل من القصر اليوم وطلب الطلاق وإلا سيصلها رد فعل سيكن طعنة تقتلها بالبطء، تعرف ماذا يقصد...
نهضت وأخذت حقيبتها التي اعدتها سريعا دون ترتيب، فاجئها اتصال على الهاتف الأرضي، أجابت بعدما رأت الرقم: - الو
أجاب رأفت سريعا: - أنا أسف مكنتش في المكتب وتليفوني مكنش معايا، ايه الجديد؟

شرعت لِلي في البكاء بقوة وقالت: -
راشد اتصل بيا بعد وجيه ما راح الشغل وهددني لو ما مشيتش من القصر وطلبت الطلاق النهاردة هينفذ تهديده ويأذي وجيه، أنا اتصلت بوجيه وحاولت أعترفله بس مقدرتش لأنه مستحيل يسيبني، بس راشد مجرم ومش هيتراجع عن تهديده ومش هيخاف من حد.
تمتم الضابط بكلمات غاضبة ثم قال بحدة: -
خليكي في القصر ولو اتصل بيكي قوليله مشيتي وطلبتي الطلاق.
لِلي بألم، قالت: -.

كنت هعمل كده بس لقيته عارف كل تحركاتنا، راشد حاطت جاسوس ليه هنا بس مش عارفة مين، هو عارف وحاسب كل شيء.
صمت الضابط بضيق وقال: - هتروحي فين؟
أجابت لِلي وهي تمسح عينيه الغارقة بالدموع: -
هروح شقتي لحد ما أشوف مكان تاني، راشد هيراقبني اكيد وانا مش عايزاه يعرف مكاني...
قال الضابط: - لازم تعرفيني كل شيء أول بأول وانا بشتغل على خطتي وأن شاء الله الموضوع ده يخلص على خير...
قالت لِلي بتمنّي ورجاء ودموع: - يارب.

انتهى الأتصال ووضعت لِلي سماعة الهاتف، نظرت للغرفة باشتياق وحزن شديد، لا تعرف هل ستعود إليها مجددًا أو لا ولكنها لابد أن تأخذ حذرها حتى تمر تلك الطامة عن حياتها...
جرت حقيبتها الكبيرة ووضعت ورقة مكتوب عليها كلمة طعنتها بكل حرف، طلقني
تعرف أنه لن يفعل ذلك دون مواجهة، ستبتعد بعض الوقت حتى تجد حل لهذه القضية بعيدا عن الخطر الذي يلتف حوله...
خرجت من الغرفة ثم خرجت القصر كاملًا...

بفندق القاهرة
ظلت حميدة تمرر يدها على رأسه بحنان حتى أغلق عينيه وتاه بغفوة، ابتسمت له ولم تفارق عينيها ملامحه الحبيبة، ثم صمتت في تأمل تام لهدوء سيماه التي للغرابة بدأت تنكمش بضيق حتى فتح عينيه فجأة واعتدل وهو يأخذ أنفاسه المتسارعة، قلقت حميدة وتساءلت: - مالك يا يوسف؟
ازدرد يوسف ريقه بقوة وقال: -
حلم، لأ كابوس، أنا وجاسر وعمي وجيه كنا بنغرق وفجأة لقيت نفسي...

قاطعته حميدة بخوف ضج بعينيها وقالت: - ما تكملش، قوم اتوضى وصلي واستغفر ربنا وادعي بالخير، مافيش حاجة أن شاء الله
هز يوسف رأسه بموافقة والتيه لا زالت بعينيه، نهض قائلًا: -
هتصل اطمن عليهم وبعدين هروح اتوضا...
تركها واتجه لحمام الغرفة بينما اطرفت حميدة عينيها بقلق وخوف، تعرف أن احلامه نادرا ما تخيب، استغفرت ربها ورددت بعض الأذكار من هذه الوساوس التي تضيقها...

نهض وجيه من مقعده وقرر فجأة العودة للقصر، لم يستطع التركيز على شيء وعقله بهذا الضجيج، تلقى فجأة اتصال من رقم يوسف فأجاب سريعا ببعض القلق: - ايوة يا يوسف
تظاهر يوسف بالمرح بعدما أجابه عمه بسلام: - وحشتني أوي يا عمي وقلت اتصل بيك.
أجاب وجيه بهدوء حتى لا يشعره بشيء: - وأنت كمان يا حبيبي وحشتني أوي، ترجع أنت وولاد عمامك بالسلامة أن شاء الله ونتجمع من تاني بس المرادي مش هتكونوا لوحدكم.

ابتسم يوسف بارتياح وقال: - بأذن الله يا عمي، الحمد لله سمعت صوتك واطمنت عليك، أنا عارف أنك في الشغل، مش هعطلك.
انتهى الاتصال حتى وضع وجيه هاتفه بجيب سترته مجددا وترك المكتب في لهفة غريبة...

بجزيرة سانتوريني، شاطئ كماري
دقت الساعة الحادية عشر صباحاً، لم تكن تعلم أنها ستتأخر بالنوم هكذا والأغرب أنه تأخر أيضاً ولم يستيقظ...
فتحت رضوى عينيها لتجد أنها تغفو على صدره، ويده تحاوطها بضمة حنون كأنه يضم طفلة صغيرة، اعتدلت بارتباك وتمتمت وهي تلتقط أنفاسها من الخجل واستغفرت ربها وكأنها ارتكبت ذنب!، نظر لها رعد بحاجب مرتفع وقال بحدة: - نعم!

التفتت له بارتباك وتلعثم حتى اعتدل أيضا بملامح منفعلة وهتف بغيظ: - أنتِ عندك زهايمر يارضوى! أنتِ بتستغفري ليه هو أنا مش جوزك؟

نظرت له بنظرة متسعة فتابع بغيظ: - أنتِ نسيتي صح؟
هربت بنظرتها ثم هزت رأسها بالإيجاب وبدأت الابتسامة تشق ثغرها، قالت وهي تكتم ضحكتها بسخرية من سذاجتها: -
معلش لسه عروسة جديدة ومش واخدة عليك، يعني بقالي 24سنة آنسة عايزني انساهم كده في يومين!
ظهر الغيظ بنظرته وقال بعصبية: - آنسة! ده على أساس أن حياتك اختلفت! ما أنتِ اللي خزان أحزان وأنا لحد دلوقتي بحاول احتوي أحزانك يا شقائي ودمعتي!

تدرجت ابتسامتها لتنخرط بضحكة عالية رغما عنها من ملامحه الغاضبة وانفعاله، ابتسم ببعض الغيظ وقال: - يا مستفزة!
ارتفعت ضحكاتها لعدة دقائق بطريقة هستيرية عجيبة، شاركها رغما في ضحكاتها ثم قال ليستفزها: - قومي بقى حضرلينا الفطار، اظن دلعتك من ساعة ما وصلنا لهنا...
نهضت من الفراش بموافقة وكاد هو أن يعود للنوم حتى جذبته من يده بضحكة عالية وقالت: - تعالى ساعدني.

نهض مرغما واخفى ابتسامته من مرحها الغير معتاد، تركته يُعد طعام الفطار ودلفت للحمام لتغسل وجهها، نظرت لباب الحمام الذي أكثر من نصفه زجاجي بضيق ثم دخلته مرغمة...
خرجت بعد دقائق وهي تجفف وجهها بالمنشفة فسرق رعد المنشفة من يديها لإغاظتها ودلف للحمام قائلًا: - أخرج الاقي الفطار جاهز.

برمت رضوى شفتيها وتقدمت لزاوية المطبخ لتتفاجئ أنه أعد الطعام بالفعل بسرعة يُحسد عليها، ابتسمت وهي تنظر للأطباق المعدة بترتيب...

بشقة جاسر
دلف لغرفة نومه ليجد جميلة بدأت تُعد حقيبة السفر لقضاء شهر العسل بأحد المنتجعات السياحية، ابتسم وهو يقترب لها وقال: -
شكلك حلو وأنتِ قايمة بدور ست البيت ومنظمة كل حاجة كده.
قابلته بابتسامة واثقة وأجابت: -
أنا طول عمري منظمة.
جلس على الفراش ثم تمدد عليه وأراح ظهره قائلا بابتسامة شاردة: -
كنت مفتقد الدور ده في حياتي من سنين، الاستقرار أمان.

رمقته بابتسامة وراحة من حديثه الذي يتضح انه نابع من قلبه وهي ترتب الملابس بالحقيبة حتى انتبه جاسر لصوت هاتفه بخارج الغرفة، نهض من الفراش وقال: -
هشوف مين الغتت اللي بيتصل...
خرج من الغرفة وتوجه للصالون ليلتقط الهاتف من على الطاولة، انكمشت تعابير وجهه عندما ظهر اسم كاريمان على برنامج اظهار هوية المتصل فقد حذف رقمها من هاتفه سابقاً، تردد في الأجوبة وتوترت عينيه قليلا، تذكر شيء فأجاب ببطء، : - الو؟

هتفت كاريمان بعصبية وقالت: - لسه بتقول الو؟ أنا قالبه عليك الدنيا ومش عارفة اوصلك وحتى البواب مش راضي يطلعني شقتك!
نظر جاسر لغرفة النوم في توتر، ابتعد لأبعد مسافة لا تستطيع جميلة الانتباه لما يقوله ثم قال من بين شفتيه بغضب: -
عايزة مني ايه سبيني في حالي، اللي كنت عايزه منك عرفته وتوتو ما طلعتش حامل، واظن أنك خدتي مني اللي هيكفيكي لشهور جاية يبقى عايزة مني ايه تاني؟
ضحكت كاريمان بسخرية ثم قالت: -.

لا يا حبيبي ما تطمنش أوي كده لأني مش عايزة أصدمك وأقولك أني كنت بكدب عليك عشان كنت محتاجة الفلوس اللي بعتهالي، انما الحقيقة أن توتو حامل وتعبانة بجد وممكن يحصلها حاجة في أي وقت بسبب الحمل، تدفع كام بقى عشان الخبر ده ما يوصلش لمراتك، نص مليون واسكت...

ضيق جاسر عينيه بصدمة، ليس من المبلغ ولكن من صدمته بما قالته عن خبر الحمل، اختنق الصوت بحنجرته للحظات ثم قال بصوت محشرج: - مستحيل، اكيد أنتِ كدابة، دي تبقى كارثة!
قالت كاريمان بذات السخرية: -.

الكارثة دي يا عنيا أنت السبب فيها محدش دبسك! واللي غلط يشيل شيلته، وبما أن توتو دلوقتي جبتها شقتي عشان باعت شقتها عشان تعمل العملية فهتكون مسؤوليتي، يعني حتى لو حبيت تشوفها لازم تستأذن مني الأول، الخيوط كلها في ايدي يا جاسر ولازم استفيد، اديني اللي عايزاه وهعملك اللي عايزه حتى لو عايزني اسقطها هعمل كده...

اتسعت عينيه بذهول وهتف: - أنتِ مجنونة! دي مريضة يعني خطر على حياتها، إياكِ تعملي كده!
كاريمان باستهزاء: - من قلبك! ده أنت منى عينك تخلص من اللي في بطنها عشان ست الحسن والجمال مراتك ماتعرفش! فكر كويس وبص لمصلحتك، هتضرب عصفورين بحجر، هتخلص من اللي في بطنها ومن زني انا كمان بعد ما أخد الفلوس ويمكن تلعب معاك وتوتو تموت فيها ويبقى كده خلصت من كله...
هز جاسر رأسه بعدم تصديق، بذهول الهب عينيه وقال: -.

أنتِ حيوانه مش بني أدمة! اقذر واحدة شوفتها في حياتي، توتو على رغم من اللي بتعمله بس انضف منك
تملك كاريمان الغضب وقالت بتحذير: -
كلمة كمان وهبلغ الهانم مراتك بالخبر وبرضو هتدفعلي الفلوس غصب عنك، وما تتحدانيش عشان أنت ما شوفتش وشي التاني لسه...
اغلق جاسر الأتصال ووقف مصدوما وأثار الصدمة واضحة بعينيه، أتت جميلة ورأته هكذا فوقفت أمامه بقلق وتساءلت: -
مالك يا جاسر في ايه؟

نظر لها بنظرته المصدومة للحظات دون أي رد فعل، حتى جذبها اليه بضمة قوية وكأنها ستفارقه عما قريب، قال بنبرة راجية والحزن يأكل عينيه وخوف يقتلي بهما: -
مافيش يا حبيبتي، احنا لازم نسافر نتفسح ونفرح ونلف الدنيا كلها، مش هسيب مكان غير وهوديكي ليه...
ابتعدت جميلة خطوة واحدة وهي تنظر له، تعرفه وهو خائف من شيء، اخفت قلقها وقالت مبتسمة بتظاهر: -
مش لازم نروح كل الأماكن، كفاية نبقى مبسوطين ومع بعض.

جذبها مرة أخرى اليه وقال بقوة وكأنه يؤكد شيء، أو خائف من الفراق: -
وهتفضلي جانبي، هتفضلي اكيد.

بقصر الزيان...
عاد وجيه للقصر وبداخله اشتياق لرؤيتها، رغم أنه تركها منذ ساعات قليلة ولكن اتصالها جعله يقلق من شيء غامض لا يعرفه...
أسرع حتى غرفته الذي فتح بابها بابتسامة معدة لاستقبالها حتى وجد الغرفة خالية، نظر للشرفة المفتوحة فظن أنها تجلس بداخلها فتوجه اليها بخطوات سريعة...
بشيء يقول أنها هجرت!
ربما هذا الشيء ظنه، أو خوفه!

لم يجدها أيضا بالشرفة فأستدار ليبحث عنها بالخارج حتى انتبه للورقة المثبت عليها زجاجة عطره، أطراف الورقة البيضاء متدلية تترنح بالهواء فجذبها اليه بتوجس، ليجد الطعنة التي كانت طعنة قاتلة لم يسبق أنه شعر بهذا القهر قبلاً...

طلقها ياعمو وهجوزك واحدة من الفانز اسمها بيبدأ بحرف الراء
تفتكروا هيعمل ايه وجاسر هيعمل ايه.

الفصل التالي
بعد 17 ساعة و 10 دقائق.
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة