قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية امراطورية الرجال للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الثاني والستون

رواية امراطورية الرجال للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الثاني والستون

رواية امراطورية الرجال للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الثاني والستون

سانتوريني...
علي بُعد 10كم من مدينة فيرا عاصمة الجزيرة الأشهر. يقع شاطئ كماري ذو الرمال السوداء، وهو الأشهر بين شواطئ الجزيرة.
تتلاطم الأمواج تحت أشعة الشمس الدافئة وكأنها تمرح كالصغار بينما هجرت العواصف تلك الفترة الموسمية من العام...

هناك عائلات يلتفون أسفل مظلة تضم بظلها مساحة مقاعدهم بينما يركض آخرون إلى الشاطئ في مرح، اجساد الرجال والنساء من الغرباء جعله تنظر بعيدًا بحياء، تسير بجانبه على استحياء وبقبضة يديه...
خشيت أن يلتفت إلى أحدى الفاتنات ويتركها هي، وهي تلك الفتاة البسيطة، السمراء الشرقية ولكنها لا تدرك سحر الشرق بالغربة...
سمرائه مرتبكة...
يديها ترتجف بقبضته...
حياء أم كبرياء؟

أن ظنت أنه سيلتفت لأحداهن العاريات فستكن حقًا غبية...
بعض الرجال لا تجذب انظارهم العاريات، بل يجد عمق الأثارة في التستر، بماذا تخبأ تلك العذراء الخجول من فتنة ودلال...
بخاطرة ماكرة يعرفها الرجل الذكي بأن كلما احتشمت الفتاة كلما ادخرت فتنتها لرجلًا واحد فقط...

رجل قلبها وعمرها حتمًا، محظوظ من حظى بإمرأة محتشمة تعرف متى تكشف عن فتنتها بما يرضي ربها، لتكن له الجنة التي شيدت لأجله من صالح أعماله ليتنعم باقي العمر بها
ضم أنامل يدها بقوة، لافتة حنون يقصد بها الدعم، بأنها وحدها لا غيرها، علها تبتسم ولو قليلًا، أو يهدأ ارتجافها، ويطمئن قلبها الغالي.

كادت أن تتعثر فوقفت فجأة تنظر لحذائها ذو الكعب المتوسط وهو يتأرجح على جانبيه! نظر رعد للحذاء بتعجب لتقل رضوى بضيق: -
الجزمة كعبها اتكسر، الشط هنا صعب جدًا
حديثها كان صحيح فالشاطئ يصعب السير عليه إلا بحذاء مائي مخصص للمقاومة، لم يعنفها رغم شعوره بالغيظ منها فما ينوي عليه يبدو أنه سيتأخر بعض الوقت، نظر حوله قائًلا: -
في هنا محلات نقدر نشتري منهم حاجة مناسبة، ما تقلقيش أنا هتصرف.

ابتسمت بأمتنان لتفهمه فضاع غيظه وبادلها ابتسامتها بهدوء، جميلة هي وهي تبتسم فيضيء غمازتيها مع سحر لون بشرتها الحنطية المخملية!
أخذها لجهة التسوق الخاصة بالزوار الأجانب وابتعد عن الشاطئ...

بعد مُضي بعض الوقت وقد جلست رضوى بداخل متجر كبير للأحذية يضم أشهر الماركات العالمية تنازليًا مع الأقل، أتى البائع ومعه حذاء برقم مقاس قدميها فأخذه رعد منه وتحدثه معه قليلًا، الغريب أن البائع نظر لرعد بنظرة غريبة ساخرة من تحكم الشرقي بإمرأته وغيرته لهذا الحد، ابتعد البائع عن المكان بينما انحنى رعد وبدأ يضع الحذاء بقدميها برفق، تجمدت للحظات وهي تراه يجثو أمامها وتقترب أناملها من قدميها حتى سرت الدماء لعروقها عند لمسة أنامله...

كان يتصرف بتلقائية وتهذيب حتى لاحظ احمراره خديها الشديد إثر لمسته فابتسم بتسلية وراق له بمكر هذا الخجل، فماذا لو...
قطع سير تفكيره الماكر ليتابع ما يفعله حتى انتهى بعد دقائق، قال: -
ها إيه رأيك؟ على مقاسك ولا ايه؟
ابتلعت ريقها بالكاد ونهضت لتعاين الحذاء بعدة خطوات، الحذاء بلا ارتفاع عند الكعب ورغم ذلك شعرت بدوار فجأة!
مرت لحظات سريعة حتى قالت دون تأكيد مما ترتديه: -
تمام، مناسب.

انهى رعد دفع فاتورة الحذاء سريعاً ثم عاد اتجاه الشاطئ مجددًا...
خطواتها تبدو مريحة أكثر بهذا الحذاء وأكثر خفة من حذائها السابق، ظلت تسير بجانبه وتجاذبوا أطراف الحديث الذي كان يشوبه الصمت ببعض الأوقات...
كانت تسير بالقرب من مظلات تتباعد المسافة بين بعضها البعض كلما سارت حتى اختفت تدريجيًا وبقى الصمت بينهما وحولهما...

لاح من بعيد وعلى بُعد أمتار كثيرة كوخ مُخيم صيفي، يبدو وكأن المكان قد هجره البشر فجأة!
أشار رعد لجبل بعيد وقال بحماس: -
السحر هيبتدي من بعد الغروب، مستنيه
ازدردت رضوى ريقها بقوة بعدما شعرت أنه يقصدها هي بكلمته الأخيرة.
ابتسم بتسلية وتابع سيره حتى حرر يدها ليحتل خصرها بيده مسيراً بالطريق وكأنه يدعمها كي لا تسقط!

بعد دقائق كثيرة كثرت أم قلّت لم تشعر! حتى تفاجئت أنه تقترب من هذا الكوخ الذي بدا اكبر عن قرب، صاح رعد بكلمات لم تفهما حتى خرج رجل من الكوخ وكأنه كان ينتظر مجيء أحدهم...
صافح رعد الرجل سريعاً وبدا نقاش بينهما حتى أخرج رعد محفظة نقوده وأعطى الرجل بعض الدولارات ويبدو أنه مبلغ لا يستهان به، ذهب الرجل بينما تساءلت رضوى بدهشة: - أنا مش حاسة أنك اجرت البتاع ده
اتسعت لبتسامة رعد لضحكة فأجاب: -.

حاسة مش متأكدة؟ وبعدين أنتِ تعرفي أن البتاع اللي بتقولي عليه ده إيجاره أغلى من اغلى فندق هنا!
شهقت رضوى بذهول فأكد متابعاً: - عشان بعيد عن الدوشة والمصيفين، مش موجود منه هنا كتير، أنا حاجزه من شهور ولمدة أيام.
رضوى بقلق: - طب والفندق؟
أجاب رعد بتوضيح: -
الفندق فيه كل حاجة تخصنا ماينفعش اسيبها هنا لما نخرج نتفسح، هناك أمان لشنطنا وهنا نقضي كام يوم وبعدين نرجع الفندق عادي...

تسللت نظرة رضوى للكوخ الكبير الذي وكأنه غرفة كبيرة الحجم وشعرت وكأنها بالعالم وحدها معه، شعور ممتع لقلبها ولكنه يربكها بقوة أيضاً...
أخذ يدها بابتسامة وقال: -
تعالي بقى افرجك الكوخ من جوا شكله ايه
داخل الكوخ...
وقفت رضوى وبجانبها رعد ينظران حولهما بإعجاب شديد بينما تخلل شعورها الخجل، كان المكان به باب خشبي داخلي ملون بالأزرق يفصل المساحة المتبقية منه وخلفه حمام صغير بالكاد يساع لفرد واحد...

بينما المساحة الواسعة يفترش الأرض فراش واحد قصير للغاية ارتفاعه بالكاد أقل من نصف متراً وعلى بُعدثلاث خطوات للجهة الأخرى توجد زاوية مكشوفه بها كل ما يخص تحضير الطهي، براد صغير للتبريد وموقد من الغاز على جوانبه رخام يصل طوله من الجانبيه النصف متر...
وسجادة رمادية اللون على شكل دائرة تتوسط المكان ويعتليها طاولة خشبية باللون الأزرق دائرية الشكل لامعة بطلاء أزرق جودته عالية.

وضع رعد حقيبة كتفيه على الفراش بابتسامة وكأنه يرحب بالمكان!
قال: -
حجزته مرة قبل كده بس محستش أني مبسوط للدرجادي.
قالت رضوى بصدق وكأن جمال المكان ارغمها على الأعتراف: -
كأنه حلم! شكله غالي فعلًا
اتسعت ابتسامته وأجاب: - الرحلة دي أنا صرفت فيها كل اللي معايا، يعني هرجع القاهرة مش معايا ولا مليم
قالت بتعجب: - اللي يسمعك مايقولش أنك بتشتغل في شركة اصلًا ملك عيلتك!

اقترب لها والابتسامة لم ترحل من وجهه حتى وضع يديه على كتفيها قائلا بود: - زمان غير دلوقتي يارضوى، زمان كنت بصرف كل اللي معايا ومش هاممني شيء ولا في حد معايا مسؤول مني، دلوقتي أنتِ معايا ومسؤولة مني وبعد شوية هيكون لينا أطفال بأذن الله...
يعني هفكر فيكم قبل أي حاجة تانية.

علي ذكر اطفالهما بالمستقبل أحمر وجهها بحياء بينما بقعة الأمومة بقلبها ابتسمت وتوردت ابتهاجاً لقرب امالها، أمنية كل فتاة بالأصل، الأمومة
ابتعد عنها بابتسامته واتجه للبراد الثلاجة وفتح الباب ليجد الطعام مكدس بالأدراج ويبدو أنه طازجاً والمعلبات الغذائية تتزاحم بجانب بعضها، أخرج رعد مغلف به لحم مثلج ليستعد لطهيه...

وضع المغلف على الرخامة ثم مر بجانب رضوى التي كانت تراقبه بدهشة حتى أخرج من الحقيبة بعض الملابس الأكثر ارياحية من ملابسه.
اتسعت عينيها وهي تراه بدأ يبدل ملابسه فأخفت وجهها بيدها سريعا في خجل وتوتر، ارتفعت ضحكته حتى انتهى سريعاً وقال بمرح: -
يابنتي أفتكري أنك مراتي!
ازالت يدها بالتدريج حتى رأته انتهى وارتدى ملابس صيفية تظهر كتفيه بوضوح ولاحظت أنه قرر أن يعد الطعام بنفسه وبدأ يقطع اللحم، قالت بغيظ: -.

مش المفروض أنا مراتك! يعني أنا اللي اعمل الأكل!
اقتربت له وأشارت له بأمر أن يترك ما بيده من لحم وسكين تقطيع، ترك اللحم وجذبها من معصمها وقبض عليها كالسارق ليقرب السكين من وجهها بابتسامة مرحة وقال: -
الأكل ده لعبتي يا حلوة، وبعدين أنا اللي أامر هنا وأنتِ تنفذي
قالت بتلعثم وخوف من السكين التي تقترب: -
ابعد السكينة دي عني هتأذيني!
هز رأسه بمرح وهو يرفض الأمر بينما صرخت خوفا: -
ابعدها عني!

ضيق رعد عينيه بتعجب من خوفها فرمى السكين بعيداً وأدارها اليه لتواجهه قائلا بضيق: - أنا مكنتش هأذيكي يارضوى! ده هزار!
دفعت يديه بعصبية والتمعت عينيها بدموع ثم توجهت للفراش وتمددت عليه وكأنها تختبأ من شيء!
نظر لها رعد بنظرة طويلة قلقة من خوفها، ما تخفي هذه الفتاة من مخاوف! دموعها حقيقية لا مزاح فيها! خوفها يبدو جليًا بعينيها وملامحها التي انكمشت بضيق!

اقترب خطوة منها ولكنه تراجع عندما لاحظ ارتجافها من قربه وقد والت ظهرها له هاربة بنظراته الدامعة...
عاد لأعداد الطعام ونظراته تأت عليها كل دقيقة...

بقصر الزيان
ظلت لِلي تذرع غرفتها ذهابّا وايابّا بعدما غادر وجيه لعمله بالشركة، نظرت لساعتها حتى وجدت الوقت مناسبًا للأتصال الهاتفي...
مرت دقيقتان حتى أجاب الضابط رأفت: - ايوة معاكِ
أجابته للي بلهفة حتى أنها غفلت عن إلقاء التحية وقالت: -
ياريت تكون لقيتلي حل
صمت الضابط للحظات ثم أجاب بتوضيح: -.

راشد وصل بيته من يومين لأنه كان مسافر برا مع شريكه اللي هو أخ مراته چين ثابت بس ماجد أخ چين مارجعش معاه وده يفسر أن ممكن يكون راشد رجع مصر مخصوص بسببك، ده احتمال ضمن احتمالات، لسه المعلومات الكاملة هتوصلني بكرة.
لم تفهم للي من إجابته شيء فقالت بحيرة: - مش فاهمة!
قال الضابط بإسهاب: -.

يعني لو راشد رجع مخصوص عشانك يبقى هيخليكي تنفذي شرط حسام بأسرع وقت، اللي عايز أعرفه دلوقتي ولازم أعرفه، هل حسام شرط أن راشد يتجوزك ولا شرطه اكتفى أنك تطلقي من وجيه وبس!
قالت للي وهي تحاول تذكر ما قاله راشد: -
كلامه ماوضحش بالضبط بس هتفرق ايه؟ في الحالتين مطلوب أني اطلق من وجيه!

نفى الضابط رأفت وقال: - لأ هتفرق كتير، ياريت يكون اللي في دماغي صح، لو راشد بيلعب بوصية حسام وخدها حجة عشان يتجوزك لما تطلقي من وجيه يبقى هو كده حفر قبره بإيده...
ضيقت للي عينيها بتعجب وبعض الأمل شع بقلبها ثم تساءلت: - أزاي؟
ابتسم رأفت بمكر وأجاب: -.

اللي وقف راشد أنه يقربلك طول السنين اللي فاتت بعد ما اطلقتي هي مراته واهلها لأنه مش قدهم ولا يقدر يقف قصادهم وده اللي فهمته من كلامك، لو ده صحيح يبقى راشد انتهى لأن لو مراته عرفت حقيقة الوصية وغرضه منك مش هتسيبه خصوصا أني عرفت أن جين عملت توكيل رسمي لراشد بورثها في شركات ابوها وراشد بقى شريك ماجد في الشركات وليه اسهم فيها وبشطارته بقى النص بالنص مش بس بورث مراته، مستحيل جين ثابت أو عليتها تسيب راشد يعمل كده بسهولة خصوصا أن چين مخلفتش يعني مافيش أولاد تقدر تضغطهم بيهم عليه، توقعاتي أنهم هيسحبوا كل شيء منه بالتدريج وبعدين يطردوه وده لو ما خلصوش عليه، تاريخ العيلة دي دموي ومعروف لأعدائهم، ويبقى كده ضرب الظالمين بالظالمين وخلصتي منه...

شردت للي بحديثه للحظات ثم قالت بقلق: -
لسه القلق موجود، طالما راشد شريك ماجد أخو جين يبقى الخطر عليه هو كمان وهيحاول يبعده زي راشد وده بطلاقي من وجيه...
قال الضابط بصدق: -.

اللي عايز اقولهولك بمنتهى الأمانة أن استمرارك مع وجيه الفترة دي خطر عليه، بالنسبة لراشد فأن شاء الله توقعاتي تكون سليمة وعليها هنفذ خطتي انما ماجد مش هيسيبك غير لما تطلقي من وجيه، الاحسن تسيبي وجيه قبل ما راشد يتكشف عشان ماجد لما يعرف مايحطكيش في دماغه...
صدمت للي وكاد أن يتوقف قلبها من الصدمة، تسربت دموعها على وجنتيها بحزن شديد فقال رأفت مواسيا: -.

الطلاق مش هيبقى على طول، لحد ما الموضوع يتحل وتقدري ترجغي لجوزك بعد كده
للي ببكاء وقهر: - ارجع! وتفتكر لو طلبت الطلاق من غير ما أقوله الحقيقة ممكن يسامحني! ولو قولتله مستحيل يطلقني! لو قلت يبقى بعرض حياته للخطر ولو كدبت عليه صعب يسامحني!

رأف الضابط بحالتها ولم يجد الكلمات المناسبة لقولها، سمع نحيبها فقال بعد لحظات: - حياته دلوقتي أهم من زعله، عيلة چين ثابت اخطر مما تتخيلي ومستحيل يشوفوا حد ممكن يكون خطر عليهم ويسيبوه، حسام انتحر لأنه متأكد انهم هيوصلوله وهيقتلوه. فكري وقرري، هستنى تليفونك.

انتهى الأتصال ووضعت للي الهاتف من يدها وهي تنتفض من البكاء، وضعت رأسها بين يديها وهي تشهق من البكاء وقلة حيلة عن ايجاد حلول دون الطلاق...

انتهى رعد من إعداد لحم مقدد وبعض الاطباق السريعة والخضراوات ثم غسل يديه من صنبور المياه الجاري واسفله قالب رخامي تسيل فيه المياه عبر أنبوب تصريف...
جفف يديه ورتب الأطباق على الطاولة سريعًا ووقف يتأمل ثباتها وعلى يقين أنها تتظاهر بالنوم، اقترب منها ببطء حتى جلس على الفراش وجذب يديها حتى اعتدلت رغمًا عنها، جلست وهي تنظر للأسفل بأعين مرتبكة، وعلى حين غرة أخذها لصدره قائلًا بحيرة: -.

خوفتي مني ولا من حاجة تانية؟
ثبتت بقربها وهي ترتجف من الخجل فقالت بإعتراف: -
في حرامي دخل بيت خالتي بهية الله يرحمها قبل ما تموت، ولما شافته وصوتت مسكني كده وهددها لحد ما هرب، كنت صغيرة وفضلت أسبوع مش بخرج من حضنها من الخوف...
تنهد رعد وقد خمن سبب خوفها فربتت بحنان على ظهرها ورأسها وقال بمكر: - طب ممكن تعتبريني خالتك بهية ايه رأيك؟
ابتعدت عنه بنظرة خجولة فضحك ضحكة عالية وقال بمرح: -.

فكي تكشيرتك دي بقى وتعالي دوقي عمايل ايديا، وبعدين ده حصلك وأنتِ صغيرة لسه فاكرة!
تمتمت رضوى بضيق: - اللي زيي لا كان ليها ولا أب ولا أم ولا أي حد لازم تخاف، أنا معرفتش في حياتي أد الخوف.
ترقرت عينيها بدمعة المته والمت قلبه، كيف تقل ذلك وهي تنبض بقلبه؟ جذبها اليه مرة أخرى وقال ببساطة: -.

ببساطة أنا مافرقش عنك كتير، الفرق كان في عمي وجيه وولاد عمامي، بس مافيش حد بياخد مكان الاب والأم ابدًا، خصوصًا لما يفارقونا واحنا لسه الشمس بتضحك لبرائتنا وطفولتنا...
الصق جبينه بجبينها ونظر لعينيها بعمق قائلًا بهمس: -
بس أنتِ متأكدة أنك مالكيش حد خالص؟ ماتجربي تنادي عليا كده، عمرك ماهتندمي وعمري ما هتأخر عنك.
رفت ابتسامة على شفتيها بدت مرتعشة ومترددة، قالت بنبرة متهدجة: -.

هو حد بينادي على حد وهو جانبه!
ابتسم بخبث لأجابتها المراوغة الماكرة، وقال بابتسامة: -
الاجابات الجاهزة دي بتاعتي، بس مبسوط أنك بقيت بتاخدي مني، لو عايزاني كلي أنا موافق، هتنازلك عني عن طيب خاطر.
قالت بمكر واخفت ابتسامتها ورجفة قلبها الذي يركض لاهثا بسعادة: -
تمليك بقى ولا ايجار زي الكوخ ده؟
رفع حاجبيه بابتسامة واسعة وأجاب: - دي لماضة بقى! بس بعشق لدغتك، قولي ايجار كده تاني؟

ضحك على تذمر ملامحها وغيظها من سخريته ثم نهض وجذبها معها اتجاه طاولة الطعام...

مرت ساعات حتى وقف السيارة أمام فندق الاسكندرية...
خرج آسر ومعه سما بابتسامات متبادلة حتى دخل الفندق وتأكد من وصول الحقائب...

صعد للغرفة المحجوزة فدلف بداخلها ومعه سما، نظر اليها قائلا: -
هغيب نص ساعة وراجعلك على طول، هروح لأي دكتور أو صيدلية عشان الجرح اللي في راسي ده وكمان هعمل مكالمة بسرعة وابعت حد لخالد، خليكي هنا وماتخرجيش...
وافقت سما حتى تنفست الصعداء بعدما خرج، لم يتركها الارتباك والتوتر من نظرات عينيه...

نظرت للحقائب المسندة بأحد الزوايا بالغرفة وبدأت بتفريغهم لتنتهي بعد دقائق بآخر شيء وهو فستان الزفاف الذي نظرت له بنظرة خجولة وابتسامة
أخذت أحد الملابس ودلفت لحمام الغرفة للأغتسال وأخذ حمام منعش بعد مدة في أتربة الطريق...

خرجت بعد الأنتهاء لتتفاجأ أن آسر قد عاد ويقف مستنداً على الحائط واضعا يديه بجيوب بنطاله بثقة عالية، خرجت وهي ترتدي رداء بيتي باللون الوردي وخجلت أن ترتدي شيء آخر أكثر ارياحية...
ابتسم وهو يتأمل خجل عينيها التي تتهرب من نظراته، وتأمل بدقة قطرات الماء التي تسقط من خصلات شعرها الطويل، لأول مرة يرى شعرها ومدى قتامته، يلتف حول وجهها كأنه يحمي ملامحها الصغيرة من مكره!

اقترب منها وهو يصفر بإعجاب حتى القت المنشفة بعيدا بتوتر وكادت أن تبتعد، اوقفها قائلًا بنظرة ماكرة: -
أول مرة أشوفك بشعرك، شكلك متغير شوية
قلقت من حديثه فقالت بغيظ: - وحش يعني!
ضيق عينيه بطيف ماكر يمر برمقاته حتى رفع يده ليبعد خصلة مبتلة التصقت بعينيها بلمسة رقيقة من أنامله وقال لعينيها: -
زي القمر، أنا شايفك كده.

ابتسمت بالتدريج ونظرت بخجل للأسفل فتحركت خصلاتها بخفة لتنثر عطر فتنتها بعينيه، خجل الأنثى حتى لو زوجة محبب للرجل، يعطيه هالة من السيطرة تصعد بغروره أمام نفسه، هكذا شعر...
نظرت سما للاصقة أعلى جبهته وعلمت أنه تم تضميد الجرح وتطهيره، قال بابتسامة مرحة: -
علي ما الغدا يوصل هكون خدت دوش سريع.

أخذ منشفة من الخزانة وانتقى قميص وبنطال أسود وكأنه يستعد للخروج! تحرك باتجاه حمام الغرفة، بينما توجهت سما بابتسامة مرتبكة الى المرآة وبدأت تمشط شعرها.

أتى الطعام للجناح الخاص بهما فخرج آسر بعد دقائق وهو بكامل هيئته! ينقصه السترة الجلدية الفاخرة والحذاء اللامع وسيبدو كأنه يستعد لزفافه من جديد، استقبل العامل الذي اتى بالطعام متحدثا معه قليلا بخارج الغرفة التي بها سما...

رتب الطعام على الطاولة ثم دلف للغرفة بنظرة غامضة لم يريد ايضاح ما بها، فتح خزانة الملابس على مصراعيها وأخرج فستان الزفاف الذي أخذ حيز كبير من مساحة الخزانة، استدار لسما التي ابتلعت ريقها من التوتر وتقريبا شحب وجهها، قال مبتسما بمحبة: -
فستان الفرح، عايز أشوفه عليكِ
وضعه على الفراش بنظرة مبتسمة بتسلية من ارتباكها وخرج سريعاً...

نظرت سما للرداء الضخم وهي تعرف أنها ستجد صعوبة كبيرة في ارتدائه دون مساعدة، اقتربت على استحياء وبدأت في ارتدائه...

بعد دقائق كثيرة، مرت عليها أقل واحتاجت للمزيد ومرت عليه أكثر بكثير من مجرد دقائق، كاد أن يتوجه اليها بالغرفة حتى فتح الباب ببطء وخرجت منه بردائها الأبيض المسترسل خلفها، ابتسم وهو يتأمل وجهها التي زينته ببساطة وخفة ولكن حمرة حيائها فاقت جميع مساحيق التجميل جمالًا...
ازدردت ريقها بقوة وتكورت غصة بحلقها من فرط التوتر حتى اقترب إليها وقبّل رأسها بعشق وقال: -.

طب تعرفي أنك اجمل من المرة اللي فاتت، طبيعتك أحلى بكتير
ابتسمت بخجل ولم تستطع التحدث حتى استطرد: -
يوم فرحنا ما بدأناش حياتنا بالصلاة وبشكر ربنا، هنبدأ صح المرادي، اكيد اتوضيتي صح؟
هزت رأسها بالموافقة فجذبها حتى زاوية اتجاه القِبلة حيث اعد سجاد الصلاة، كان الأمام للصلاة وكانت خلفه تردد آيات الذكر الحكيم وقلبها يردد بعد كل سور دعاء...
بعد الأنتهاء نظر اليها بمحبة فائقة ونهض ونهضت هي خلفه...

جلست أمامه حول مائدة الطعام وبدأت تأكل ببطء، لحظة تشعر بشهية للطعام ولحظة أخرى تشعر بالضد تمامًا...
انتهت فترة الطعام تحت نظراته المراقبة بصمت حتى نهضت بتوتر عندما وجدته ينهض وقالت سريعا قبل أن تركض: -
أنت اهو شوفتني بالفستان وعجبك، اروح...
قاطعتها يديه التي اوقفتها وقفت وتحاشت النظر اليه فقال بحنان: -
ماينفعش يبقى جواكي خوف مني بعد النهاردة، أنتِ بقيتي مني.

قطع مسافة كبيرة من درب الخوف بداخلها، واعطاها ما احتاجت اليه من أمان واطمئنان حتى حملها بين ذراعيه...
وما مكان للخوف بين ذراعيه فقربه حلله الله له ولها، بقصيدة حياء اعترفت بها عينيها من خجل، وبميثاق شرعي يرضي الله ورسوله...

الفصل التالي
بعد 22 ساعة و 15 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة