قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية امراطورية الرجال للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الثاني والثلاثون

رواية امراطورية الرجال للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الثاني والثلاثون

رواية امراطورية الرجال للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الثاني والثلاثون

خرجت حميدة من المكتب وانفجرت من الضحك قائلة: -
حلاوتك يا سمكة ده انتي هتخليه يخبط دماغه في الحيط...
ضغطت على زر الاتصال وهي تكتم ضحكتها بالكاد...
بغرفة السطوح
كانت سما ممددة على الفراش بأعين دامعة، تضع احتمالات كثيرة لردة فعله، غير واثقة تماما أنه سيغضب اشتياقاً بل توجست أن يتقبل الأمر بلامبالاة، يتقبل الغياب!
الأكثر ألم هو تقبل الغياب بين الأحباب، تقبل الفرقة والهجر حتى لو مؤقتاً.

تنهدت بالم يشق صدرها من ثقله، تأففت من هذا الركود الذي يجعل افكارها تعصف بجميع الاتجاهات فنهضت لتشغل نفسها بأي شيء، قررت تنظيف المكان...
كادت أن تخرج من الغرفة حتى انتبهت لرنين هاتفها، توجهت إليه بخطوات كسولة حتى تفاجئت أن المتصل حميدة
ابتلعت ريقها وفكرها يتخبط بين الأمل وفقدانه، أجابت سريعاً: - الو؟
احبت حميدة التلاعب بالحديث قليلًا فقالت بخبث: -
عاملة إيه دلوقتي يا سمكة؟

الهدوء التي تتحدث به حميدة لا يبدو أنه سيريح قلبها وأن ما تنتظر سماعه قد حدث، أجابت بيأس: - كويسة
غمغمت حميدة بشيء لم تستطع سما كنّه أو الانتباه له فتساءلت: -
مش سامعة، بتقولي إيه؟
ابتسمت حميدة بمرح وأجابت: - خايفة عليكي تيجي بكرة والله
تعجبت سما ودق قلبها بتوتر هائل، قالت بتلعثم: -
ليه حصل إيه؟ طردني؟

قالت حميدة بضحكة: - بصراحة اللي يشوفه يقول كده بس هو اتعصب أوي عشان ما اتصلتيش بيه وعرفتيه أنك هتغيبي، اتعصب زيادة عن اللزوم بصراحة.
اطرفت سما بظل ابتسامة وقالت بلهفة: - طب وده معناه إيه؟
قالت حميدة بصدق وهي تجلس على مقعدها امام المكتب: -
بيقول أن في حاجة من ناحيته، حسيت كده، أنا بقولك كده عشان عارفة نفسيتك عاملة أزاي بس ده يخليكي تبدأي تتقلي بقى وتعرفيه أنك مش سهلة...

قالت سما بحيرة: - طب اعمل إيه دلوقتي؟ اتصل بيه ولا أطنش؟
صمتت حميدة للحظات ثم قالت: -
سبيه النهاردة وكده كده بكرة شبكتي ومش جاية الشغل أصلًا، اعتبري نفسك اجازة معايا ولو كلمك في الخطوبة أبقى اعتذري بس بطريقة جد أوي، ماتحسسيهوش انك مهتمة.

ضيقت سما عينيها بابتسامة خبيثة وشعرت برغبة عارمة بالقفز فرحا فقالت: - فهمتك يا حميدة يا عسل، مش هكلمه خالص خالص، وهعمل كل اللي هتقوليلي عليه بس قولتيله سبب غيابي إيه؟
اجابت حميدة بضحكة: - ماقولتش عشان احيره شوية، لما يسألك قوليله أنك كنتي مضايقة شوية ومخنوقة من الشغل لدرجة أنك فكرتي تقدمي استقالتك، خوفيه عشان يبطل يعلي صوته عليكي.

سما بسخرية: - ما انا عملت كده من كام يوم وفعلًا بقى كويس يومين ورجع أسوء من الاول، أنا بس لو أعرف اللي بيضايقه مني مش هعمله.
حميدة بدهشة: - لازم يكون ليكي شخصية معاه أكتر من كده يا سمكة ماينفعش آمين كده في كل حاجة! عموما لما ارجع من الشغل لينا كلام تاني، هسيبك دلوقتي بقى مع السلامة...
اغلقت حميدة الهاتف بابتسامة وقد تأكدت من ضحكة سما أنها كانت تتلهف لسماع ما حدث، غريب أمر الحب!

وضعت سما الهاتف من يدها وفعلت من رغبته وقفزت ضاحكة، هو الآن يشتعل غيظاً للغياب، عادت لتنظيف المكان بهمة عالية وابتسامة لم تهجر ملامحها...

بمكتب جاسر
يوم بعد يوم تتحول هذه الفتاة لأكثر جمالًا بعينيه، لا يعرف لمَ يراها الأفضل؟
ربما لأنها ترى نفسها هكذا...
جزء من قيمة الأخرين بأعيننا هو ثقتهم بأنفسهم...
لا يعرف سر هذا الشعور الذي يجعله يبتسم بشوق مجنون عندما يتخيلها بين ذراعيه!
تبدو أنوثتها متواضعة، ولكنَّ دفء عينيها عاصف الإغراء.

خرج من شروده عندما لمح ضوء هاتفه يعلن اتصال، رفع الهاتف أمام عينيه ليتفاجئ بأتصال من توتو حمد ذلك الحذر الذي جعله يفضل الوضع الصامت للهاتف والا كانت ستلاحظ تردده في الرد!
نظر اليها بحيرة وهي تتفحص بعض نتائج المتابعة للمواقع ثم نظر للهاتف، نهض بتوتر وقال: -
اطلبلك حاجة تشربيها قبل ما نروح الموقع الجديد؟
هزت جميلة رأسها بالرفض قائلة: - لأ، لسه شاربة لمون.

قال جاسر وهو يفتح باب المكتب: - طب هروح اعمل فنجان قهوة بنفسي، بحب اعمله بطريقة معينة
خرج سريعاً من المكتب فرفعت جميلة رأسها من الأوراق بتعجب، نبرته مرتعشة ومتوترة! لم تعتاد أن تراه هكذا!
عادت للأوراق مرة أخرى وتركت هذا الأمر جانبًا فربما توهمت بذلك...

اتجه جاسر للمطبخ ليجد رضوى ترتشف قطرات من كوب ماء ويبدو انها كانت تتحدث مع عامل البوفيه العجوز...
نظر لهما بضيق ثم قال للرجل: - اعملي قهوة ياعم مرزوق لو سمحت
أومأ الرجل موافقاً برأسه ثم تركت رضوى المكان وعادت لمكتب رعد، ولم تعطي للأمر اهتمام فالموقف يبدو طبيعياً...

لم يفطن جاسر أن رضوى ربما تخبر جميلة بذلك فتشك الأخرى، قال للرجل العجوز: - ممكن تجيبلي مسكن للصداع من الصيدلية اللي جنب العمارة ياعم مرزوق؟ وانا هعمل القهوة
وافق الرجل وذهب بعدما اعطى جاسر بعض النقود له، تنفس جاسر الصعداء ونظر للممر أمام المطبخ الذي يقع على بُعد مناسب من جميع المكاتب يساعده فأن لا يسمعه احد، نظر للهاتف ليبحث عن آخر مكالمة فائته ثم ضغط على زر الاتصال...

اجابت توتو وبدا صوتها مرهقاً: - ايوة يا جاسر، مش بترد ليه؟
قال جاسر وشعر بشيء غريب من سماع صوتها بعد هذه المدة من عدم التواصل، أجاب بعجالة: - مش هينفع نتقابل يا توتو الفترة دي
قالت بسخرية: - سمعت أنك هتتجوز، مش كنت تقولي!
تعجب من المرارة التي تتحدث بعدها وقد غلفتها بالسخرية فقال: -
واقولك ليه؟ اللي بينا كان مدفوع حقه قبل ما يحصل، واظن دي شغلتك أنا ماضحكتش عليكي!
ارتعش صوتها ببكاء وقالت بصدق: -.

انا محتاجة أشوفك واتكلم معاك يا جاسر، في حاجات كتير لازم تعرفها، وأظن أنت بتقابل كريمان لسه اشمعنى أنا اللي مش عايز تقابلني؟
هتف بعصبية: - كاريمان عارفة حدودها ومابتديش لنفسها أهمية أكتر من اللي بديهالها، لكن أنتي وصلتي لدرجة أنك كنتي فكراني ليكي لوحدك...

صاحت بغضب: - ولما أنت توبت وخلاص عايز تستقر ليه بتقابل كاريمان؟ هو أنت فاكرني متمسكة بيك للدرجادي؟ فوق يا جاسر مش أنت لوحدك الشاب الغني الوسيم اللي معاه فلوس والبنات هتموت عليه! فيه زيك كتير ماتقلقش عليا، أنا مش بكلمك عشان زعلانة انك هتتجوز
تساءل بضيق: - اومال بتتصلي ليه؟

اجهشت توتو بالبكاء قائلة: - أنا حامل منك، عارفة أنك هتتصدم وممكن ما تصدقنيش، لكن هي دي الحقيقة، انا اجهضت مرتين منك وماقولتلكش ومكنش الموضوع هاممني اصلًا، بس المرادي الدكتور رفض لأنه اكتشف أني مريضة وممكن الاجهاض يبقى خطر على حياتي وأني ممكن ما اخلفش تاني كمان وده أخف النتايج، النهاردة بس حسيت أني قذرة وأنت كمان قذر وكل اللي عرفتهم زيك، محدش شاف فيا غير اللي عايزه وبس ولا حد حاول ياخد بإيدي...

يمكن لو حد نصحني كنت فوقت وما اترمتش بين ايدين كل واحد فيكوا شوية، مش عارفة لو جرالي حاجة هقابل ربنا أزاي وهقوله إيه؟
انا ما عملتش حاجة حلوة في حياتي اصلًا استحق عليها الرحمة...
تجمد جاسر مكانه من الصدمه، حاول استيعاب ما سمعه للتو، فقال بغضب بعدما خُيل له خداعها: -
حامل! وأنتي فاكرة أن الكدبة الغبية دي هتدخل عليا؟ طبعا ده المتوقع منك لما عرفتي أني هتجوز وأنك خلاص مش هيكون ليكي وجود في حياتي...

يمكن لو مكنتيش توتو كنت صدقتك!
قال هذا الحديث بسخرية لاذعة فأشتد بكائها وقالت: -
مش بقولك أني كنت عارفة أنك مش هتصدقني! صدقني أنا مش عارفة مع مرضي هقدر اكمل الحمل ولا لأ، بس لو في قلبك رحمة تعالى بنفسك ليا وهتتأكد من كلامي، أنا مش عايزة ابني يتقاله زي ما كان بيتقالي ومايعرفلوش أهل...
هتف جاسر بعنف دون أن يدري مدى ارتفاع صوته: -
أنا مش عايز أعرفك ولا أشوفك تاني أنتي فاهمة؟

وكل كلامك ده مايدخلش دماغي ولا هيأثر فيا، أنا قرفت منك ومن كل اللي عرفتهم أصلًا، كفاية كده بقى وسيبيني في حالي
أغلق الهاتف بعدما كادت أن تتحدث، تنفس بحدة وتوتر فار بعينيه، هل كانت تقول الحقيقة؟ كيف لعاهرة أن تصدق في القول فهي آلة للمجون وكل ما هو قبيح، استدار ليخرج من المطبخ حتى اتسعت عينيه بوجود جميلة، انتفض قلبه بذعر وهو يترقب نظراتها الثابته عليه...

منذ دقيقة فقط قد اتت لتستمع إلى حديثه الآخير، ورغم أنه يتضح أنه يتحدث مع إمرأة ولكن ما قاله دون دراية أنها تسمعه أرضاها، قالت جميلة مبتسمة: -
مكنش قصدي اسمعك، بس أنا مبسوطة باللي سمعته
ضيق عينيه بذهول وردد: - مبسوطة؟
هزت رأسها بتأكيد وقالت: - اكيد، لأنك بتحاول تبعد عن كل اللي فات، بس كلامك اوحالي أن علاقاتك مكنتش مجرد
قاطعها بقلق وصحح ظنها بتوتر: -.

لا ما تخليش دماغك تروح لبعيد يا جميلة، ده، يعني. عادي زي شباب كتير بتعرف بنات بس مش للدرجة اللي في دماغك...
نظرت له قائلة بلطف: - صفحة ولازم تنساها عشان انا كمان انساها، يلا بقى يا استاذ نروح الموقع
قالتها ببعض المرح فابتسم على مضض، ابتسامة لم تصل لعينيه، حتى لا يثير شكها بينما هو وكأنه وقع من منحدر مرتفع...

بقصر الزيان
أخذ وجيه طعام الفطار من خادمه العجوز خارج الغرفة ثم دلف للداخل مرة أخرى...
ابتسمت للي وهي ترقبه يتوجه إليها والطعام بين يديه فقالت: -
هو مافيش حد في القصر غير عم نعيم بس؟
وضع وجيه صينية الفطار على الفراش وقال بلطف: -
في بس انا مش بثق في حد غيره، لكن من النهاردة هخلي واحدة مسؤولة عن طلباتك، ماينفعش حد يطلع هنا حتى لو كان عجوز زي عم نعيم كده...

ابتسم وهو يجلس بقربها وبدأ يطعمها بمهل، مضغت الطعام بابتسامة وقالت: - مش هتاكل؟
ابتسم بخبث وأجاب: - خلصي أكل وبعدين اكليني بإيدك.

هربت بعينيها من فرط الخجل التي تشعر به من نظراته واحاديثه الماكرة حتى اتسعت عينيها بذهول وقد انتبهت لرداء آخر غير الذي كانت ترتديه قبل الإغماء، حقا لم تنتبه سوى الآن فقد خطفها حديثه وكلماته عن التركيز بأي شيء آخر، كان ينتظر تعليقها على الأمر ولكنه ابتسم بمزيح من المرح والمكر الذي يتمايل بمقلتيه لتقل بحدة: -
فستاني راح فين؟ وأزاي لبست الفستان ده؟

أخذ وجيه كوب العصير الخاص به ثم نهض بنظرات متسلية قائلا بهدوء: - فستانك اديته لبنت بتشتغل في القصر عشان تجففه
تنفست الصعداء وقالت: - هي اللي غيرتلي صح. اكيد صح
ارتشف كن كوب العصير بابتسامة ماكرة ثم أجاب ببساطة: - لأ مش صح
حملقت للي بذهول، ارتجفت وقد فهمت الاجابة من نظراته الماكرة فأشارت له بتردد قائلة: - تقصد أنك أنت اللي.

هز رأسه بالإيجاب بابتسامة واسعة متسلية بإرتباكها وخجلها وارتشف قطرة أخرى من كوبه بثبات...
نظرت للي للطعام أمامها وظهر عليها الضيق والاستياء فقال وهو يجلس أمامها مرة أخرى: -
اكيد مستحيل كنت اخلي حد يعمل كده حتى لو بنت، وبعدين مش معقول بعد ما غرقتي في حمام السباحة كنت اسيبك كده! هو أنتي ناسية أنك مراتي ولا إيه؟

هزت رأسها بالنفي وهي تنظر للأسفل بخجل شديد واعتلت وجنتيها حمرة شديدة من الخجل، اجابت بتلعثم: - لأ مش ناسية
ثبت نظرته عليها بابتسامة ماكرة حتى ارتجف ونهضت من الفراش لتذهب من أمامه بأقصى سرعة، شعرت بقبضته على معصمها عندما كادت أن تركض للشرفة ليجذبها إليه ببطء...
همس بأذنها قائلا بصوت خفيض وهو يرفع دبوس شعرها الفضى ويتركها مسترسلا على كتفيها بحرية: -
خلي شعرك كده، يمكن يداري كسوف عنيكي اللي بعشقه.

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة