قصص و روايات - قصص رائعة :

رواية الطاووس الأبيض الجزء الثاني للكاتبة منال سالم الفصل الثلاثون

رواية الطاووس الأبيض الجزء الثاني بقلم منال سالم

رواية الطاووس الأبيض الجزء الثاني للكاتبة منال سالم الفصل الثلاثون

في نفس ليلة عقد القران، وتحديدًا قبيل الفجر تقريبًا؛ حيث الهدوء الطبيعي في تلك الساعة، والتزام غالبية سكان المنطقة لمنازلهم، ظهر هذا الغريب من بقعة ما، وبثيابه السوداء، وغطاء الرأس الذي أحكم وضعه عليه، بمقدمته المقوسة، ليخفي ملامحه عن عدسات كاميرات المراقبة، تسلل ذلك الملثم بخطوات حذرة نحو البناية التي يعرف مداخلها جيدًا، تلفت حوله يمينًا ويسارًا، ليتأكد من عدم تتبع أحدهم له، وكان الطريق خاليًا من المارة، مجهورًا إن دق التعبير، كما ساعدته الحُلكة السائدة على ستره من الأعين التي يُمكن أن تلمحه، انتظر لهنيهة قبل أن يحمل الجِوال الأزرق المصنوع من (الخيش) فوق ظهره، لم يكن ثقيلاً؛ لكنه بحاجة للانتباه لمحتوياته حتى لا تتبعثر، فتُحدث فوضى دون داعٍ.

توقف عند أعتاب المدخل، ورفع رأسه للأعلى ليلقي نظرة متأملة عن كثب، كل النوافذ مغلقة، لا إضاءة تقريبًا إلا من تلك المنبعثة من أعمدة الإنارة، السكون كان سيدَ الموقف، ابتسم من خلف الوشاح الذي يلثم به وجهه، وواصل السير الحثيث نحو الداخل، اعتلى الدرجات في حذرٍ شديد، عاونته المصابيح ذات الإنارة الباهتة على رؤية مساره، صعد قاصدًا ألا يتسبب وقع أقدامه في إصدار أقل صوت، وبحرصٍ مبالغ فيه، توقف عند الطابق الخاص بعائلة "بدير"، تركزت أنظاره القاتمة على اللافتة النحاسية المحفور عليها لقب "سلطان"، قست نظراته، وغلفها الضيق، وهمس لنفسه، بما يشبه الوعيد:
-النهاية قربت.

تجاوز الباب ليصعد للطابق الأعلى؛ لكنه توقف في منتصف الدرجات، ليسند الجِوال على البسطة الصغيرة التي تتوسط الدرج، استقام في وقفته، ووضع يده على الدرابزين، سمع حفيف أقدام قادمًا من الأسفل، يزداد وضوحًا كلما تقدم، قفز قلبه في رعبٍ، وانحنى متواريًا عن الأنظار، حبس أنفاسه، وانتظر في ترقبٍ، لم يتوقع قدوم أحدهم في تلك الساعة المتأخرة، وآخر من توقع رؤيته هو "تميم"، لمحه وهو يقف عند باب المنزل، يدس المفتاح في قفله، حرص كل الحرص على عدم التحرك، وتابعه بعينين متوترتين، آملاً ألا يشعر بوجوده، وما إن أغلق الباب حتى نهض من جلسته غير المريحة، والتي آلمت قدميه، ليفر هاربًا قبل أن يكتشف أمره، ومثلما جاء في الخفاء، اختفى في الظلمة، دون أن تظهر من ملامحه أي تفصيلة تدل عليه.

جلس في شرفة غرفته، بعد أن عاد متأخرًا من الخارج، على المقعد الخشبي، ممددًا ساقيه للأمام، مكث فيها حتى سطع النهار، يتذكر تلك اللحظات المؤلمة لقلبه، والتي أبت أن تتركه يهنأ بسلامه الزائف، حرك عنقه المتيبس للجانبين، وبين إصبعيه سيجارته المشتعلة، قربها من فمه، وسحب نفسًا عميقًا منها، كتمه بداخله لبرهةٍ، ليحرر بعدها دفعة جديدة من الدخان الحارق لصدره، قبل أن يتوقف عن تدخينها، ويطفئها في المنفضة التي امتلأت عن آخرها بأعقاب سجائره، واحدة تلو الأخرى تناولها، كوسيلة متاحة –ووحيدة- أمامه للتنفيس عما يخنقه، نظر إلى آخر سيجارة أخرجها من علبتها الكرتونية مقوسًا ثغره في سخرية، طوى العلبة بقبضته، وألقاها إلى جواره، وأمسك بالسيجارة بين شفتيه ليشعلها، وأغمض عينيه في إرهاق غطى كامل وجهه.

تصلب في جلسته غير المريحة، حين سمع صوتًا أنثويًا يأتي من الأعلى، وكأنه يتحدث مع أحدهم:
-دي قلة ذوق منه والله، إزاي يسيبها كده؟ ده أنا اتجننت لما ماما قالتلي.
استغرقته بضعة لحظاتٍ ليدرك أنه صوت "همسة"، تتحاور مع زوجها، اعتدل في جلسته، وركز كل حواسه مع جدالهما، فقد خمن أن لنقاشهما المشبع بأمارات الانزعاج علاقة قوية بليلة الأمس، خاصة بعد ترديد اسم طاووسه بقوة على لسانها:
-"فيروزة" ماتستهلش كده!

نهض "تميم" من مقعده، وتراجع للخلف، حتى لا يلاحظا وجوده، ويتوقفا عن سرد التفاصيل المبهمة التي يتطلع لمعرفتها بتلهفٍ واهتمام، أتاه صوت "هيثم" مبررًا بنبرة عادية:
-أكيد حصله مصيبة في شغله، الظروف ياما بتحصل.
ارتفعت نبرتها المتذمرة وهي تعقب عليه:
-ماما بتقولي إنه كان حاجز تذكرة الطيران من قبلها، يعني الموضوع مش مفاجأة بالنسباله.

حاول "تميم" أن يستجمع أطراف الخيوط معًا، ويربطها، ليصل في الأخير إلى صورة أولية تفسر حديثهما الغامض؛ لكن "هيثم" أنهى النقاش قائلاً:
-كبري دماغك يا "هموس"، هما أحرار مع بعض.
على مضضٍ قالت له:
-طيب، بعد ما أكمل نشير للغسيل، أنا هاروح أقضي اليوم مع "فيروزة"، هاخد بخاطرها، أكيد هي زعلانة.
رد عليه "هيثم" بنبرة شبه مستاءة:
-ماشي، بس عايزين نركز في بيتنا.

ردت بتبرمٍ:
-هو أنا هاقعد في الشارع؟ ده من بيت لبيت يا "هيثم".
اقتضب زوجها في رده قائلاً:
-ماشي.
شعور بالاستغراب والاسترابة في نفس الآن تسرب بقوة إلى "تميم"، وحثه على عدم تجاهل الأمر، ودون إعادة تفكير قال لنفسه بنبرة عازمة:
-لازم أعرف الحكاية فيها إيه!

كناجٍ وجد طوق النجاة، بعد معاناة مع الغرق، تلكأ في خطواته بمجرد خروجه من المنزل، وإغلاقه لبابه، ظل "تميم" واقفًا أمام عتبته، منتظرًا نزول "هيثم" من الأعلى، ليسأله بنوعٍ من المراوغة، عن تفاصيل ما سمعه خلال حواره مع زوجته، استطاع أن يسمع صوته وهو يودعها، فاستعد للتحرك، ليبدو كما لو أنه التقاه مصادفةً على الدرج، تنحنح بصوتٍ شبه مرتفع، ليستهل حديثه بعدها، وهو ينظر في اتجاهه:

-صباح الخير.
رد وهو ينظر في اتجاهه:
-صباحك فل يا معلم.
سأله بفتور؛ وكأن التوق لا يحرقه لاستدراجه في الحديث، واستخراج المعلومات التي يحتاج لمعرفتها منه:
-جاي معايا يا "هيثم"؟
رد بنظراتٍ شردت في اتجاه الجِوال:
-أيوه...
ثم تساءل وعيناه مثبتتان عليه:
-هو الشِوال ده تبع حد؟
قطب "تميم" جبينه، ورد متسائلاً في استغرابٍ:
-أنهو شِوال؟
أشــار "هيثم" بيده وبعينيه نحوه موضحًا:
-اللي محطوط هنا.

تحرك ابن خالته في اتجاهه، مُرجئًا ما يفكر فيه لبعض الوقت، حتى يتبين الموضوع، وصعد على مهل بضعة درجاتٍ، ليقف أمام الجِوال المريب، دارت نظراته عليه دون أن يمسه، فحصه من الخارج، وهو يتساءل أيضًا:
-ده بتاع إيه ده؟ حاجة تخص جماعتك؟
نفى على الفور:
-لأ.. وبعدين ده مكانش موجود هنا بالليل.

استراب من جملته الأخيرة، وبدأت الهواجس تساوره، لذا قام "تميم" بفتحه من الأعلى، فوجد نشارة أخشاب جديدة تملأوه، تلك المستخدمة في صناديق نقل الأشياء الضخمة الثمينة، حتى لا تتحطم، مما زاد من دهشته، نظر إلى ابن خالته، وردد بقليلٍ من الحيرة:
-دي نشارة خشب!

زوى ما بين حاجبيه مغمغمًا:
-نشارة! وجايبينها هنا ليه؟
نظر لها بنظراتٍ حادة، قبل أن يعلق بسخطٍ:
-بتسألني أنا؟
لعق شفتيه، وقال وهو يهز كتفيه:
-ما أنا زي زيك مش عارف.
تساءل "تميم" في فضولٍ حائر؛ وكأنه يفكر بصوتٍ مسموع:
-مين اللي جابه من برا لهنا؟ وإزاي ماشفنهوش
ببلاهة أجاب "هيثم":
-مش عارف، وبالليل لما رجعنا مكانتش هنا.

ضاقت عينا "تميم" بشكٍ، فهذه الأنواع من الأجوال، تستخدم في بعض الأحيان، لتهريب المواد المخدرة والممنوعة، هتف مفصحًا عما يدور في رأسه فجأة:
-لأحسن يكون فيه حاجة من إياها!
تحولت تعابير "هيثم" للصدمة، وقال مذهولاً:
-أوبا، ده ابن ... اللي يفكر يعمل كده، لأ وعندنا كمان؟!
-هنشوف.

أوجز حديثه بتلك الكلمة، ولف ذراعه خلف ظهره، ليخرج من جيب بنطاله الخلفي مديته، أشهرها، ونغز بنصلها الحاد –وبعمقٍ- أماكن متفرقة في الجوال، ليكشف بتلك الوخزات عن وجود ما يعيق مرور نصله، وبالفعل علقت مديته في شيء ما، جذبها بخشونة ليحدث شقًا عريضًا في تلك المنطقة، ثم دس يده، وسحب العائق؛ وكانت المفاجأة، وجد كلاهما مغلفًا مريبًا، مصنوعًا من البلاستيك، مخفيًا داخله. تفحصه "تميم" بنظراتٍ دقيقة، واستعان بمديته مرة أخرى، ليفض الكيس المحكم، وهنا تم الكشف عن أشرطة دواء غريبة، تبادلا النظرات المصدومة، نطق "هيثم" أولاً وهو يزدري لعابه:
-يا صباح اللومان، لأ وعشماوي كمان.

وبخه "تميم" بصوته الأجش، وتلك النظرة الصارمة تكسو عينيه:
-إنت هتعدد؟ اسكت، مش ناقصين فضايح.
سأله بسذاجةٍ ليتأكد من صحة ما تفقه إليه ذهنه:
-ده برشام، مظبوط؟
أجاب ابن خالته بنفاذ صبر، وكأنه يزجره:
-أيوه، واهدى على نفسك مش عايزين شوشرة.

هوى قلبه في قدميه رعبًا، فمعنى وجود تلك المواد المخدرة معهما أنهما متورطان فيها، وإن قام أحدهم بالإبلاغ عن وجودها، لوقعا في المحظور، وأصبحا في أزمة خطيرة، لذا على عجالة تساءل في خوفٍ، معبرًا عن هواجسه:
-طب وهنعمل إيه؟

تجاهل "تميم" الرد عليه، ليكمل مهمته في فحص باقي الجِوال، بعد إسناده للمغلف على إحدى الدرجات، ليضمن خلوه من أي مواد مخدرة مخبأة فيه، اعتدل في وقفته، بعد أن أعاد نصل مديته إلى مكانه، ثم أشار بيده لابن خالته المتوتر، ملقيًا بأوامره عليه:
-خد الشِوال ده ارميه في المقلب اللي على أول الشارع، واطلع ورايا على السطح بعد كده.
بإيماءة موافقة من رأسه كذلك، قال "هيثم" بانصياعٍ:
-ماشي.

وبثباتٍ انفعالي يناقض طبيعة الموقف الموترة للأعصاب، صعد "تميم" لسطح المنزل، باحثًا عن إحدى صفائح علب الجبن المعدنية الفارغة، والمخزنة بالأعلى، ضمن الكراكيب المهملة فيه، ليضع بداخلها المغلف، ثم التقط زجاجة البنزين المملوءة بكمية بسيطة منه، والتي أحضرها من الدرج المخصص لأدوات النظافة الموجود أسفل الحوض في مطبخ منزله، ليسكب كل محتوياتها على المغلف، وأخرج ولاعته من جيبه، ثم أشعل النيران بالصفيحة، ليحرق ما بداخلها بالكامل، راقب ألسنة اللهب وهي ترتفع، وتخرج عن حافة الصفيح.

لكنها التهمت المغلف وما يحتويه، ضاقت عيناه أكثر، ولم يتوقف عقله عن التفكير للحظة في ذلك المجهول الأرعن الذي تجرأ، ودس مثل تلك الأشياء المهلكة في بيت عائلته، حتمًا لم يفعل ذلك مصادفةً، ولم يأتِ تصرفه الموجه لشخص العائلة من فراغ، هناك من يتربص في الخفاء قاصدًا إلحاق الأذى بأحد أفرادها؛ ولكن من يا تُرى هذا الوغد؟ قطع استغراقه في أفكاره التحليلة صوت "هيثم" اللاهث وهو يسأله:
-تفتكر مين اللي عايز يلبسنا تهمة تعلق رقبتنا على حبل المشنقة؟

أجابه "تميم" بغموضٍ:
-دلوقتي هنعرف.
تطلع إليه في عدمِ فهمٍ، ولاحقه بالسؤال:
-هتعمل إيه؟
رد على مهلٍ مُشيرًا لخطوته التالية، ونظراته موجهة إليه:
-هكلم الواد بتاع محل الكاميرات، يجي يشوفلنا الليلة دي بدأت إزاي.
لوح "هيثم" بذراعه، وتساءل مرة أخرى:
-طب والقرف ده؟

سكت عن الكلام لثوانٍ، ثم قال بصرامةٍ نافذة:
-اكفي على الخبر ماجور، محدش يعرف عنه حاجة، سامع.
أطبق على شفتيه وهو يعلن في صمتٍ عن اتباعه لأوامره، فهذه المسألة لا تحتاج لجدال أو لفت الانتباه، لكون الخطأ بها يودي للهلاك الحتمي.

بعد أن فرغا من التخلص من تلك المواد المخدرة، ومهاتفة "تميم" للشاب المسئول عن تركيب كاميرات المراقبة، هبط كلاهما للأسفل، وتحديدًا في منزل "سلطان"، شدد الأول على ابن خالته بالتزام الصمت التام، وألا يتفوه بأي حماقة تخص ما اكتشفاه، حتى لا تثار أي ضجة، ونفذ "هيثم" ما أُملي عليه بالكامل، وجلس منتظرًا قدوم الشاب بأعصابٍ متوترة، جاءت "ونيسة" لتحيته متسائلة عن عمدٍ، وهي تضع كوب الشاي أمامه:
-أختك عاملة إيه دلوقتي يا "هيثم"؟

نظر أولاً إلى "تميم"، الذي على ما يبدو لم يكن مهتمًا بسماع رده، وقال بعدها ببسمة مقتضبة:
-الحمدلله أحسن.
تركزت عينا خالته على ابنها الصامت، وأضافت بوجه مقلوب:
-ربنا يصبرها على اللي هي فيه، ويعوضها خير.
علق بإيجازٍ:
-يا رب
تابعت؛ وكأنها تقصد بذلك إخبار ابنها بطريقٍ غير مباشر:
-أنا رايحة اطمن عليها عند أمك، بقالي كام يوم ماشوفتهاش، وهي يا حبة عيني من آخر مرة كانت مش عجباني.

تنحنح بخفوتٍ قبل أن يعقب عليها:
-تنوري البيت يا خالتي.
وجه "تميم" حديثه إلى والدته، فاستطرد قائلاً لها:
-احنا شوية ونازلين يامه، لو وراكي حاجة خلصيها، مش عايزين نعطلك.
نظرت له شزرًا، وبملامح عابسة متجهمة، قبل أن تشيح بوجهها بعيدًا عنه، ثم أخبرت ابن شقيقتها بابتسامةٍ صغيرة:
-إنت مش غريب يا "هيثم"، لو عوزت تاكل ولا تشرب، ماتكسفش، قولي.

تصنع الابتسام وهو يشكرها:
-تسلمي يا خالتي، دايمًا عامر، بس أنا كلت مع "همسة".
تنهدت وهي تعقب على كلامه:
-ربنا يهنيكم مع بعض.
-يا رب.
شيع "هيثم" خالته بنظراته خلال انصرافها من المكان، ثم مـال برأسه نحو "تميم" ليسأله بمزاحٍ حذر، بعد أن لاحظ التوتر السائد بينهما:
-هي خالتي مقطعاك ولا إيه؟
رد الأخير بدون مبالاة:
-متخدش في بالك.

أضــاف "هيثم" بنفس الأسلوب الساخر:
-ماتحسسنيش إن "خلود" السبب.
تجمدت عينا "تميم" عليه، وقال بتحفظٍ:
-ربنا يهديها لحالها.
فهم ابن خالته من جملته المقتضبة، أنه لا يحبذ أبدًا، التطرق لما كان بينهما في يومٍ ما، من شأن خاص، واحترم تلك الرغبة فيه، وانشغل بالتفكير في كشف غموض واقعة المواد المخدرة.

على وجهِ السرعة، جاء الشاب لمنزل "تميم" ليفحص بحاسوبه النقال، ما تم تسجيله على أشرطة كاميرات المراقبة، جلس الثلاثة بغرفة الصالون، وحرص مُضيفهم على توفير الخصوصية، ليتم مراجعة ما دار بسريةٍ؛ كان الأمر واضحًا كالشمس في كبدِ السماء، ذلك الملثم يعرف جيدًا ما يفعله، أخفى وجهه بشكلٍ احترافي، فلا تظهر ملامحه، وتعمد التحرك بظهره، ليزيد من حرصه، ما أدهش "تميم" وصدمه بشدة، وجعل الدماء أيضًا تغلي في عروقه، إظهار الفيديو لوجود الملثم في الطابق العلوي، ومراقبته له بتحفزٍ؛ وكأنه يتربص به، للانقضاض عليه، في حين غفلة، خلال عودته المتأخرة للمنزل، كز على أسنانه مدمدمًا في حنقٍ:

-ابن الـ... كان مرقدلي في الضلمة!
رد عليه "هيثم" بنبرة مغلفة بالقلق:
-الحمدلله إنه معملش فيك حاجة، ده شكله ابن ليل!
التفت برأسه نحوه، ورد بتوعدٍ، وأصابعه قد تكورت على بعضها البعض لتشكل قبضة قوية، تستعد للكم:
-أه لو كنت لمحته، كنت علقته زي الدبيحة.

تأمل "هيثم" هيئته المتحفزة، كان على وشك الفتك بأحدهم، أدار رأسه بعيدًا عنه، ليحدق فيما تعرضه شاشة الحاسوب، لمح شيئًا بدا مألوفًا له خلال مشاهدته، فصاح بغتة، وهو يلكز بيده على كتف الشاب:
-استني كده، وقف الكاميرا هنا.
على الفور تساءل "تميم" في اهتمامٍ كبير:
-في إيه؟

رفع رأسه في اتجاهه، وقال:
-عايز أتأكد من حاجة..
ثم مال على الشاب ليبدو قريبًا من الشاشة، وأمره:
-رجعها لورا..
بقيت نظراته تراقب تفاصيل المشهد بدقةٍ، إلى أن هتف فجأة، عند مقطع بعينه:
-بس وقف.
أوقف الشاب التسجيل، لتتجمد الصورة، وتحتل الشاشة بأكملها، هنا أشــار "هيثم" بسبابته، نحو بقعة فيها، وهتف موضحًا:
-الطقية دي بتاعة الواد "نوح"!

حين أفصح عن هويته، تجهمت تعابير "تميم" بشدةٍ، وسأله بوجهٍ مقلوب، وقد احتدت عيناه:
-إنت متأكد؟
أتاه جوابه الواثق، بما لا يدع أي مجالٍ للشك:
-أيوه أنا اللي جايبهاله، وكانت مقطوعة من الجمب.
توعده ابن خالته بلهجة تحولت للقتامة:
-هيتروق عليه الواد ده، هايشوف النجوم في عز الضهر، والله لهخليه عبرة لمن لا يعتبر.

تعلق "هيثم" بذراعه ليستوقفه قبل أن يتحرك، وأضاف بنبرة شبه مهتزة:
-استنى كده يا "تميم"، دي مش مشيته، ولا ده جسمه، أنا متأكد.
الذبذبة التي استشعرها في صوته، جعلته يرتاب منه، لذا انتزع "تميم" ذراعه من قبضته بعصبيةٍ، واستنكر دفاعه عنه بقوله الفظ:
-ولا عشانك اتأكدت إنه صاحبك؟ وشبهك؟

كان تلميحه –رغم عفويته- وقحًا، ويحمل الاتهام في طياته، بأنه مثل رفيقه، ارتكب من الأمور الطائشة والمخجلة، ما يضعه في موضع شبهة، ابتلع "هيثم" إهانته، وقال بنظرات معاتبة:
-الله يسامحك.. مش هارد عليك، بس عشانه زي ما قولت صاحبي، فأنا عارفه كويس، ودي مش مشيته!
لم يبدُ "تميم" مقتنعًا بما اعتبره لغوًا فارغًا، بينما أصر "هيثم" على توضيح مقصده، فأردف:
-ولما قولت إنها طقيته، مقصدش إنه هو، بس ده واحد غيره لابسها.

زم شفتيه للحظة، قبل أن يعقب بتهكمٍ:
-هنشوف إن كانت بتاعته ولا لأ..
ثم خاطب الشاب قائلاً له، وقد أخرج من جيبه حفنة من النقود:
-خد حسابك يا ابني، ومحدش يعرف سيرة بده.
أغلق الشاب حاسوبه، ورد بهدوءٍ:
-تمام يا معلم.

استغرقهما الأمر خمس دقائق ليصلا إلى عنوان منزله، أوقف "تميم" سيارته على ناصية الطريق، بسبب الزحام الغريب في المنطقة، في هذا التوقيت المبكر، حشدٌ متداخل يسد الشارع تقريبًا، وهمهمات صاخبة تتحدث عن حادثة قتل مروعة تعرض لها أحدهم، ترجل الاثنان من السيارة، وتحركا في اتجاه هذا التجمع، بادر "هيثم" متسائلاً، وهو يشق طريقه بين الأجساد البشرية المتلاحمة:
-في إيه يا جدعان؟ إيه اللي بيحصل هنا؟

أجاب أحد ساكني البناية بقليلٍ من الأسف:
-الواد "نوح" اللي ساكن في السطوح لاقوه مقتول.
تخشب في مكانه مصعوقًا، وحملق فيه بعينين متسعتين في ارتعابٍ، شل وقع الخبر المفجع تفكيره، وأيضًا لسانه، ففقد قدرته على النطق أو التعليق، على عكسه كان "تميم" أقل تأثرًا، وأكثر تماسكًا، فتساءل مستفسرًا عن ملابسات مقتله:
-عرفتوا منين؟

استرسل الساكن يسرد له:
-واحدة من إياهم كانت الظاهر طالعة عنده، ولاقته مقتول وسايح في دمه، صويتها جاب التايهين، ولم كل السكان.
تعقدت تعابير "تميم" في استغرابٍ مليء بالاسترابة والشكوك، وسأله في اهتمامٍ، آملاً أن يعرف منه المزيد:
-وإزاي ده حصل؟

رد الساكن بنبرة عادية:
-محدش عارف لسه! في ناس بتقول واحد ابن حرام اتخانق معاه عشان بت شمال، وناس بتقول ولاد الليل طلعوا عليه، إكمنه ليه في الشم والكيف، قتلوه لأنه ماسددش اللي عليه.
هز "تميم" رأسه في تفهمٍ، وعلق عليه:
-الكلام كتير يعني.
أضــاف الساكن مؤكدًا:
-أيوه، والبوليس والنيابة فوق، ويا خبر بفلوس!
اختتم معه حديثه هاتفًا:
-متشكرين يا سيدي.

ثم استدار في اتجاه ابن خالته، وجذبه بقليلٍ من القوة بعيدًا عن الحشد، متراجعًا به للخلف، وهو شبه يأمره:
-اتحرك معايا يا "هيثم".
كان الأخير متثاقلاً في خطواته، يجر قدميه تقريبًا، رافضًا التحرك، ونطق من بين شفتيه، بنبرة مصدومة:
-"نوح" اتقتل يا "تميم"، اتقتل.
بدون شفقة ظاهرة عليه، غمغم ابن خالته:
-الله يرحمه.

تساءل "هيثم" في صدمةٍ؛ وقد بدا غير قادرٍ على استيعاب ذلك:
-طب قتلوه ليه؟
لم يشاركه "تميم" في إظهار عواطفه نحوه، كان تفكيره مشغولاً بشيء آخر، وردد مع نفسه في حسرةٍ انعكست على ملامحه العابسة:
-مفتاح أول الخيط كان عنده، ودلوقتي ضاع!

وقع المفتاح من يده، وهو يحاول دسه في القفل، ليفتح باب منزله، ما زالت أطرافه ترتجف، بعد تلك الليلة العصيبة التي خاضها، استجمع جأشه، وتمكن أخيرًا من فتح الباب، ولج للداخل، وأغلقه خلفه بهدوءٍ، حاول "محرز" أن يضم طرفي سترته السوداء معًا، ليخفي آثار اللطخات التي تلوث قميصه الكريمي، وطوى في قبضته الأخرى الطاقية التي استعارها، توقع أن يجد زوجته غافلة؛ لكنه تفاجأ بها تتجول في صالة المنزل، حاملة لرضيعهما بين ذراعيها، تهدهده في لطفٍ وحنو حتى يغفو، اندهشت "هاجر" من رؤية زوجها على تلك الحالة الفوضوية، وسألته؛ وكأنها تحقق معه:
-مالك يا "محرز"؟ جاي مبهدل كده ليه؟

ارتبك من حضورها، وجاهد ليبدو هادئًا فلا تستريب في أمره، تشتت نظراتها عنه للحظة حين بكى الرضيع، فلاطفته بكلماتها الرقيقة، قبل أن تركز عينيها من جديد عليه، وهي تلاحق بمزيدٍ من أسئلتها:
-وبعدين إنت مش كنت قايلي هترجع بالليل، إيه اللي أخرك لحد الصبح؟ وقافل تليفونك ليه؟
ادعى كذبًا بصوتٍ مضطرب:
-مش أنا قايلك صاحبي عامل عقيقة لابنه، وهافضل معاه طول الليل.

زمت شفتيها في امتعاضٍ، وأعادت تكرار السؤال عليه بسخطٍ، ونظراتها الغاضبة موجهة لشخصه:
-وموبايلك؟ إيه مكانش عندك وقت تكلمني فيه؟
استمر في كذبه قائلاً:
-موبايلي فصل شحن، وأنا نسيت الشاحن، ما كفرتش يعني.
تباعد طرفا سترته عنه، فظهرت البقع الملوثة على قميصه، شهقت "هاجر" مرددة في استنكارٍ:
-إيه اللي حصل للقميص يا "محرز"؟

لا إراديًا انخفضت نظراته نحوه، وجمع طرفي السترة معًا، ليخفي الآثار الجافة للدماء عنها، لعق شفتيه، وهتف بصوتٍ متلعثمٍ:
-ده.. الخروف، أصل بعد ما .. دبحناه كان لسه فيه الروح، وقام جرى، فأنا مسكته، وبهدلني زي ما إنتي شايفة
كانت على سجيتها، فلم ترتاب مطلقًا في أمره، لهذا اقتنعت بسهولة بكذبته، التي بدت منطقية للغاية، وصدقتها دون أدنى تشكيك في صحة أقواله، وبتلقائيةٍ طلبت منه:
-غير هدومك، وسيبهالي على جمب، وأنا لما أنيم "سلطان" هغسلها وآ...

قاطعها بصوتٍ شبه مرتبك:
-لأ.. متغسلهاش.
تطلعت إليه باستغرابٍ، والحيرة تغلف نظراتها نحوه، في حين بلع ريقه، وواصل كذبه:
-أصلها اتبهدلت، وريحتها تقرف، هرميها، وأبقى أجيب جديد غيرها.
ببساطةٍ ردت عليه:
-ما هي لما هتتغسل هتنضف.
أصر على رأيه مرددًا بعنادٍ غريب:
-مالوش لازمة يا "هاجر"، هي قلة فلوس يعني!

هزت كتفيها في استسلامٍ، وقالت بفمٍ ملتوٍ:
-براحتك، ما أنا اللي كنت هاغسلها، إنت كنت هتتعب في إيه؟
رسم ابتسامة متكلفة على محياه، وعلق عليها بنوعٍ من الدعابة:
-أنا عايز راحتك يا "أم سلطان"، إنتي غاوية شقا ليه؟
-ماشي يا "محرز"، هاروح أحط الواد في سريره.

قالتها "هاجر" وهي تتجه نحو الردهة الطويلة لتضع صغيرها بغرفته، بينما أسرع زوجها في خطاه نحو الحمام، أوصده من ورائه، ووقف في المنتصف ينزع سترته عنه، ثم حل أزرار قميصه، وخلعه بتعجلٍ، امتدت بقع الدماء للفانلة الداخلية، فأفسدت لونها الأبيض، مما أفزعه بشدة، بالكاد سيطر على أعصابه أمامها، جمع كل ما ارتداه من ثيابٍ معًا، في كومة واحدة، ليتخلص منها لاحقًا، ثم تحرك في اتجاه المرآة التي تحتل ظهر باب الحمام.

وقف مطولاً خلفها، يتأمل في انعكاسها قسمات وجهه الشاحبة، كانت تعابيره توحي بخطبٍ جلل، لم ينبس بكلمة، وظل جامدًا في مكانه، مسترجعًا في ذاكرته، ومضاتٍ من مشاهدٍ عنيفة غير متوقع حدوثها؛ لكنها، وللأسف الشديد، أفضت للقتل في الأخير.. ازدرد "محرز" ريقه، وحدث نفسه بهسيسٍ لا يحمل الندم:
-إنت اللي اخترت نهايتك يا "نوح"...!

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة