قصص و روايات - نوفيلا :

نوفيلا حطام فريدة بقلم زينب محمد و آية عبد العليم الفصل الثاني

نوفيلا حطام فريدة بقلم زينب محمد و آية عبد العليم

نوفيلا حطام فريدة بقلم زينب محمد و آية عبد العليم الفصل الثاني

صباح جديد وجالسة هي على فراشها وأغاني الشهير عمرو دياب تصدح بأرجاء الغرفة قطع ذلك صوت جدتها وهي تناديها تردد: بت يا فريدة أنتي يا مقصوفة الرقبة قومى اعمليلي شاي
نظرت لجدتها بحنق متمتمة: حاضر يا مرات أبويا أنتي مش جدتي لأ
توجهت للمطبخ وعلى شفتيها ابتسامة عريضة تتذكر كل ما مرت به أمس.

فلاش باك
ينظر لها بحقد وغضب مرددًا بصوتٍ عالٍ: أنتي مفيش عندك كرامة
وقع الحديث علي مسمعها كجمرة من النار لتردد بصوت متقطع: أنت بتقول إيه كرامة إيه ؟!
هز رأسه بغضب وقال: لما أقول ماما هي اللى تدخله وأنتي تتحججي عشان تدخليها يبقى إيه، يبقى معندكيش كرامة .
أخفضت رأسها تغمغم بضعف وبكاء: خالتو قالتلي رجليها وجعاها وأدخله أنا
أشار لها وقال بحدة: طب لو سمحتي انزلي تحت، ولما تلاقي هنا أي حد من صاحبي متجيش عشان متغباش عليكي
سقطت دمعة وراء الأخرى وهى تغادر قائلة بعتاب: ماشي
زفر بقوة ثم جذبها من مرفقها وقال: بصي متزعليش، أنا مش عارف ببقى معاكى قفل وجعفر ليه...

صمت لبرهة ثم قال: ما أنتي بردو بتعصبي أهلي بأفعالك دي..
ثم دفعها للخارج وقال: امشي يابت، لأ أنا مش هاعتذرلك
عقدت ذراعيها بحركة طفولية قائلة بعناد: مش ماشية، اعتذر لو سمحت
رفع أحد حاجبيه وقال بعبث واضح في نبرته: اعتذراي مش هيعجبك، بلاش
ردت بعناد أكبر: لا معلش اعتذر أنت وملكش دعوة
ردد بنفس نبرته وقال: متأكدة .

هزت رأسها بقوة وهي ترفعها بكبرياء، فجذبها بسرعة لزواية في البلكون تنخفض بها الإضاءة ولثم خدَّها بقبلة رقيقة، ثم همس بأذنها: يالا يا حلوة على تحت .
تعجبت من فعلته المجنونة وظهرت الصدمة على ملامحها وهى تقول بتعلثم: عارف، عارف أنت قليل الأدب تدري ليش لأني ما ربيتك ما ربيتك
قالت جملتها الأخيرة وهربت لمنزل جدتها تحتمي به ووقف هو يراقبها وهى تختفي عن أنظاره
صدعت ضحكاته عاليًا وقال: وأقسم بالله هبلة.
باك

فاقت من ذكرياتها على يد جدتها تدفعها بقوة وهى تقول: عوض عليا عوض الصابرين يارب ربنا رحمها نوسة ومختار منك ومن هبلك يا بنت بنتي
نظرت لها بوجع متمتمة: الله يرحمهم يا تيتا
تركتها وذهبت لغرفتها وألم قوي في قلبها بكت بصوت مكتوم عند ذكر سيرة والدها ووالدتها الراحلين وهى ترى صورتهما المعلقة أعلى الحائط وهى بينهم طفلة لم تتعدً الخمس سنوات، يئن قلبها كلما تذكرت يوم تشيع جنازتهم سويًا بعد تعرضهم لحادث سيارة قضت على حياتهم، التقطت إحدى فساتينها بعدما دخلت جدتها لغرفتها وخرجت من المنزل وقادتها قدميها لمكان ما.

تقلبت الجدة يمنيًا ويسارًا مرارًا، لتنهض وهي تقول: أنا زعلتها ولا إيه، باين عليا زعلتها بكلامي مكنش لازم أجيب سيرتهم وأنا عارفة إنها حساسة من ناحيتهم..
زفرت ثم قالت: وأنا أقعد أفكر ليه، أنا أقوم أروحلها وأراضيها..
نهضت واتكأت على عصاها ببطء متجهة صوب غرفتها، طرقت الباب بهدوء وقالت: بت يا فريدة افتحي عاوزكي في موضوع.
انتظرت ثوانٍ تسمع ردها ولكن لم يأتها صوت، فقررت فتح الباب وعيناها تجوب الغرفة بأكملها لم تجدها،قطبت جبينها وقالت: راحت فين دي...
خرجت من الغرفة وهي تصيح بصوتها وتبحث في أرجاء المنزل: بت يا فريدة، أنتي فين!

لم تجدها وقفت تفكر ثوانٍ ثم قالت: تلاقيها طلعت تشتكيني لنبيلة، أما أطلع أراضيها فوق.
صعدت درجات السلم وهي تأن بتعب وتمسك ركبيتها،وصلت عند باب الشقة فدفعته بعصاها ثم دلفت تبحث عنها بلهفة، فوجدت نبيله ورأفت يجلسان يتابعان فيلمًا باهتمام، أما خالد فكان يتابع شئ ما في هاتفه بتركيز، حولت بصرها نحو باقي الشقة ببطء ليقطع صمتها صوت خالد: أنتي واقفة ليه كدة يا تيتة، ما تيجي تقعدي.
مازالت تبحث بعينيها وهي تتحرك ببطء قائله بنبرة مهزوزة: فريدة فين؟، طلعت هنا!.

التفتت إليها نبيلة وقالت: لا يا ماما فريدة مطلعتش، في حاجة.
لاحظ رأفت شحوب وجهها وارتجافة جسدها، اندفع نحوها وهو يجلسها على أقرب كرسي لها وقال: في إيه بس مالك، اهدي كدة.
رفعت بصرها له ومقلتيها مليئة بالدموع: فريدة راحت فين يا رأفت، أنا زعلتها ومشيت، مشيت زعلانة مني، والله ما كنت أقصد.
تحرك خالد نحوها بطوله الفارع وجثى على ركبتيه ثم ربت على يديها قائلًا بهدوء: تلاقيها راحت عند نهال صاحبتها، هانزل أجبهالك وأهزقها عشان تبقى تخضك تاني كدة.
هتفت سريعًا ببكاء يتخلله رجاء: لا يا خالد، جيبها ومتكلمهاش خالص أنا جيت عليها أوي.

جعد جبينه وسألها باهتمام: جيتي عليها إزاي؟!..
قال رأفت بقلق: مش وقته يا خالد، روحلها عند نهال كدة بسرعة، وأبقى طمنا...
هز رأسه بإيجاب وأخذ متعلقاته ثم ذهب صوب منزل نهال، فبحث بعينيه في الحديقة المجاورة لمنزل نهال، لعله يجدها هناك، فهي مجلسها الدائم هي وصديقتها لمح بطرف عينيه أدهم ونهال يجلسون على أحد المقاعد، هبط من سيارته سريعًا وذهب باتجاهم ليقول بصوته القوي من خلفهم: فريدة فين يا نهال .
التفت أدهم وقال: يخربيتك يا خالد إيه الدخلة بتاعت بوليس الأداب دي، خضتني يا جدع.

فوضعت نهال يديها على قلبها تهدأ من ضرباته العنيفة وقالت: خضتنا يا خالد.
زفر خالد بقوة وقال: سيبكوا من خضتكوا وقوليلي فين فريدة؟!.
هزت كتفيها وقالت: معرفش أنا مشوفتهاش طول اليوم، أنا مع أدهم من الصبح.
قال أدهم والفضول يكتسح ملامحه: في إيه، مالها فريدة!.
تحرك خالد سريعًا نحو سيارته وقال بصوته المرتفع: معرفش، لو كلمتك يا نهال قوليلي..

استقل سيارته والتقط هاتفه وأجرى اتصالًا بوالده، فآتاه صوته بعد ثوانٍ قائلا بلهفة: ها يابني لقيتها عند نهال.
حاول أن يكون نبرة صوته هادئة حتى لا يثير القلق في نفس والده وقال بلهجة حاسمة: أنا عاوز أعرف تيتة قالتلها إيه بالظبط زعلها!.
وصل إلى مسامعه صوت والده الخافت: جابت سيرة أمها وأبوها بالهزار فالظاهر هي زعلت ومشيت.
زم خالد شفتيه بضيق وقال: طيب اقفل يابابا، أنا خلاص عرفت هي فين!..

وقبل أن يسأله والده بفضول أين هى، أغلق الاتصال واتجه صوب مقابر العائلة عازمًا كل العزم على تكسير رأسها إلى نصفين بسبب تصرفها ذلك،ليقول لنفسه: الهانم رايحة المقابر المغرب، والله لأكسر راسها الكلبة دي.
وصل إلى المقابر بعد عشرون دقيقة ثم دلف إلى الداخل بملامح وجه غاضبة ليجدها تعطيه ظهرها وتقف أمام قبر والديها
كاد أن يقترب منها حتى تحدثت بصوت البكاء يغلبه وقلبًا يئن من الألم وضيق يحتل صدرها: بابا، ماما وحشتوني أوى وحشني أنام فى حضنك زي زمان يا ماما وحضنك يا بابا أنا محدش هيحبني ويحس بيا قدكم تيتا شايفة إن موتكم رحمة ليكم مني كل ده ليه علشان بحب خالد والله غصب عنى يا ماما طلعت لقيت نفسي بحبه وهو هو مبيحبنيش يا أمى الكل بيسهتين بمشاعري ومخلييني لعبة في إيديهم أعمل ده ومعملش ده عشان خالد يحس وياريته بيحس، قلبي واجعني أوي يا ماما أنا عايزة أجيلكم أنتوا أحن منهم خدوني عندكم عشان خاطرى.

أغمض عينيه بحزن على حديثها، لقد شقت قلبه تلك الصغيرة بحزنها وبكائها، ولكن لا ولن يضيع الفرصة دون توبيخها على ما فعلته، لقد جف حلقه من شدة خوفه وقلقه، فاقترب منها وصفعها على مؤخره رأسها بخفة قائلًا: بقى أنتي هنا بتشتكي لأمك وأبوكي مني، وأنا بلف عليكي ياعديمة الإحساس
مسحت دموعها بأكمام سترتها وهى تلتفت له بصدمة من تواجده قائلة: أنت هنا من امتى، وعرفت مكاني منين، ثم إنى مليش غيرهم أشتكي ليهم يا خالد
صفعها بخفه للمرة الثانية على رأسها وقال: هنا من وقت ما كنتي قالبة نكد وبتعيطي عليا، وعرفت مكانك منين أنا عارفك أكتر من نفسك عشان كدة بقولك الحب اللي في قلبك ده، ده وهم، اممم معجبه بيا وبشخصيتي وبوظيفتي مش أكتر.

مسحت على وجهها عدة مرات وقالت: أنت أناني يا خالد أناني ومؤذي مش شايف غير إني معجبة بيك وبشخصيتك ووظيفتك ما تغور وظيفتك هعمل بها إيه أنا، أنت حابب الدور اللي أنت عايش فيه ده إن بنت خالتك بتحبك وأنت مدوخها وراك عندك حق ما أنا اللى رامية نفسي عليك مش أنت
اقترب منها عدة خطوات وقال بتحذير شديد اللهجة: لسانك ميطولش، وميتعداش حدوده معايا ماشي، وحسابي معاكي بعدين، ويالا عشان عم الحج اللي وراكي ده اتخنق مننا.

لفت رأسها ترى من خلفها، لم ترَ أحدًا فقالت: عم الحج مين مفيش حد
أشار خلفها وقال بتعجب زائف: أهو إزاي مش شايفة !، حتى واقف بيضحك.
استغفرت أكثر من مرة وقلبها ينتفض من الرعب قائلة: خالد متهزرش مفيش حد والله متخوفنيش
اتسعت عيناه وهتف بنبرة متلعثمة: احييه ده جاي وراكي
بحركة سريعة كانت بين ذراعيه ترتجف من الرعب والخوف وهى تردد بصوت متقطع: يا نهار أسود يلا نمشي من هنا انصرف انصرف يلا نمشي يختاي
صدعت ضحكاته عاليًا وقال وهو يحتضنها: امشي يا عبيطة، ده مثال بسيط عشان أثبتلك إنك مازالتي هبلة وصغيرة ومكبرتيش..

لم يعجبه تمردها عليه أو لهجتها الحادة معه، فعل بها ذلك حتى يشعر باحتياجها له وضعفها وقوته هو ورجولته تطغي أكثر ويتزلزل كيانها بوجوده
وصلا إلى منزلهما، صعدا درجات السلم وكل منهم يلتزم الصمت، فتفاجئا بأدهم ونهال في وجوههم: بخ..
انتفض خالد وفريدة معًا، فقال خالد موبخا: أنت مجنون يا أدهم، يخربيتك.
غمز أدهم لنهال بطرف عينيه وقال بفخر: شوفتي أهو خليته يقطع الخلف..
اتسعت ابتسامتها لتقول بحماس طفولي: أحسن، عملتها تجنن.

هدر خالد بعنف وقال: أنتوا ياجوز المجانين أنتوا، امشوا برة لو سمحتوا عشان مش ناقص فقعه مرارة.
تجاهلت نهال حديثه وكأنها معتادة على طريقته الفظة معهما ووجهت حديثها لفريدة وقالت وهي تقرصها من وجنيتها: كنتي فين يابطة خضتني عليكي.
قال أدهم: شوفتي يا فريدة مش أنا بس اللي بحبهم، البت نهال بتعشقهم بردو..
زمجر خالد بغضب قائلًا: لا كدة كتير، امشي ياض قدامي.. امشي.

جذبه خالد بقوة خلفه فالتفت أدهم وراؤه: نهال خلصي بسرعة عشان بتوحشيني..
كان قاصدًا حديثه حتى يثير غضب صديقه أكثر فتلك متعته بالحياة...بينما ابتسمت فريدة بحزن فجذبتها نهال وجلسا معًا على الدرج وقالت بفضول: ها بقى إيه مزعلك كدة، احكيلي كل حاجة بالتفصيل ..

الفصل التالي
جميع الفصول
الآراء والتعليقات على الرواية