قصص و روايات - قصص مخيفة :

قصة الحاسة السادسة بقلم بسمة ممدوح الفصل الثالث

قصة الحاسة السادسة بقلم بسمة ممدوح ( نوفيلا )

قصة الحاسة السادسة بقلم بسمة ممدوح الفصل الثالث

تمر ليالي العزاء كئيبة، ويكتسي بيتهم بالهدوء الحزين المغموس في دموع الفراق والحرقة ..تظل كارمن كما هي وحدها رافضة الطعام والشراب وجميع ما يتعلق بالحياة، حاولت بعد مرور الثلاث أيام أن تخرج من قوقعها المظلم ولكنها عجزت، وعجزت اًأيض عن فعل أي شيء يشعرها بانها ما زالت على قيد الحياة ..عادت إلى دموعها بعد محاولات عدة ان تتماسك ولكنها فشلت، باتت نفسها أضعف ما تكون.

جلست فوق المقعد الساكن خلف مكتبها الكائن أمام فراشها الصغير ..أمسكت بقلمها الحبري وشرعت في تدوين بعض الخواطر في أوراق صغيرة لتخفف عما في قلبها وتخرجه على هيئة حبر على ورق من الممكن أن يتمزق أو يحترق، ولكن خارجها  بدلا من أن يحترق داخل قلبها.
"ألقيت الأن بجثتي علي وجه الأرض، وأخذت عزائي من كل فرد فها انا أحيا بلا روح، أكبتُ أوجاعي بلا بوح لا أسمع من حولي أي صوت، أنتظر في كل لحظة الموت
تحطمت من حولي جميع الأشياء،  فأصبحت  مجرد أشلاء لا أشعر ولا أستوعب سوى الخراب، ولا أدرك من عالمي سوى السراب وكل ما يحيط بي هو احساسي، فأصبحت أخشى منه كشيء قاسي.

كل ما أشعر به يحدث بالفعل، فعند احساسي بأي شعور يصيبنُي عُرالز
أصبحت أخشى نفسي، أخشى عقلي، أخشى ما يحدث بسببي
حاولت عدة أن أطارد اهتافي، ولكن للأسف هو شيء خارج ارتجافي
بدأ اليأس بداخلي يتوغل، وبدأت عن شعوري أغفل
وصل بي الحال لفقدان الشعور، فانا أحيا وداخلي ثغور
وجميع أحلامي الأن هي الموت، سأنتظره يأتي في أقرب وقت."

تركت قلمها بهدوء فوق الأوراق، ووضعت رأسها بثقل على المكتب لتهدأ، وبعد لحظات غلبها النوم وغرقت فيه، لتستيقظ بعد وقت ليس بقليل على رنة هاتفها المحمول لتجدها صديقتها، فتجيبها بخمول وعدم رغبة في محادثتها:
-أيوة يا ريم
بدأت ريم "صديقتها "في الثرثرة، وكارمن ملتزمة الصمت لا تريد سماعها ولكن اضطرت:
-زعلانة منك يا كارمن، أخص  عليك  أجي لحد البيت عشان  أعزيك  وما تعبرينيش، الله يسامحك يا ستي وشكراً.
صمتت لوقت لا يتعدى اللحظات، ومن ثم واصلت:
-مش بتردي عليا !ليه كدة يا كارمن؟ عموماً انا مقدرة اللي أنتي فيه، الله يكون في عونك والباقية في حياتك ..انا أتصلت  أعزيك  وأقول لك أنى واقعة في مصيبة ومحتاجة لك ضروري، وانت عارفة.

أني ماليش غيرك بس شكلك كدة مش هتساعديني، مع السلامة.
لاحقتها في هذه اللحظة كارمن بالكلام، حيث أنها صديقتها المقربة ولا يمكن أن تتركها وحدها في ورطة:
-أستني..
قبل أن تكمل، استيقظت على صوت "حياء "زوجة أبيها وهى تنادى عليها وتحركها بيدها ببطء:
-كارمن يا حبيبتي قومي، ريم صاحبتك بتتصل.
فتحت جفونها محاربة ثقلهما، ونظرت لها بخمول، لتواصل:
-عيب يا كارمن دي تاني مرة تكلمك النهار ده واجب تقدريها.

صرخت كارمن في هذه اللحظة في وجه حياء صرخة عاتية عندما أستعاب ذهنها ما تقوله، فهي لم تكن تصدق أن أدق وأصغر التفاصيل أيضا تطاردها في أحلامها، لتلقي حياء بالهاتف المحمول على المكتب من فزع صيحة كارمن التي التصقت بوجهها، وهرولت مسرعة على الفور خارج الغرفة.
قبل انتهاء رنين الهاتف بلحظات قررت كارمن أن تجيب على المكالمة  فضولا لما تخبئه ورائها، حتى تختبر أحلامها في تلك التفاصيل أيضا.

أجابت كارمن وبالفعل سمعت المكالمة بتفاصيلها ولكن عند سماع كارمن جملة ريم "انا أتصلت  أعزيك  وأقول لك أني واقعة في مصيبة ومحتاجة لك "صاحت فيها لتخرسها، وتكمل هي:
-خلاص خلاص قبل ما تقولي سلام ..شوفي نتقابل فين وأمتى.

تعجبت ريم من رد فعلها، ولكن سرعان ما أجابت وكأن الرد عالق على أطراف ذهنها لتلقيه فور السؤال عنه:
-النهار ده الساعة ٦ في الكافية بتاعنا اللي عند الشغل بتاعى.
زفرت كارمن نفساً  طويلا بضيق، ثم أجابت باستسلام:
-ماشي  ..يالا سلام.
لم تترك لريم مزيداً من الفرصة لتتحدث وأنهت المكالمة على الفور.

نهضت من مقعدها، وخطت بهدوء على الأرض متوجهة نحو الفراش الذي يبعد بخطوة أو أثنين من المكتب، ولكنها شعرت أن المسافة كبيرة لما تحمله من هموم، جلست على طرف الفراش وطرحت بجسدها للخلف عليه، وكأنها تنفض همومها لتتساقط من فوق الجانب الأخر للفراش ..حدقت بعينيها الهادئة التي انطفئت في السقف شاردة لتفيق بعد ثواني أو دقائق على ملاحظتها لخطوط في السقف تشبه رسمة الوجه الكاريكاتيري، فتدوي صرخة منها دون قصد بفعل الرعب الذي هز كيانها ..تقتحم حياء الغرفة في الحال لتجدها مكومة فوق فراشها بفزع، فتجلس بجوارها، وتحتضنها، ثم تتحدث متسائلة بحنان:
-مالك يا حبيبتي؟ فيكي أيه!

تجيبها كارمن وهي تشير لسقف الغرفة واصفة ما رأته ..تضحك حياء مخففة عنها وتخبرها أنه بفعل الإضاءة وأنه أشاعها يتناثر على السقف اًمكون
ذلك الشكل لا أكثر، ثم تحاول تهدئتها حتى تستجيب وتطلب ولأول مرة بعد وفاة والدها طعام:
-انا جعانة يا ماما.
تنظر لها حياء ببهجة وحب، وتقبلها بحنان وتتحدث بلهفة:
-يا عيون ماما، عينيا يا نور عيني ..ثواني والأكل يبقى جاهز.

نهضت حياء من جانبها وخرجت من الغرفة مسرعة نحو المطبخ، بينما كارمن توجهت إلى خزانة ثيابها "الدولاب "لتحضير ملابسها السوداء، عازمة على مقابلة "ريم "صديقتها المقربة.

بعد انتهائها من تناول الطعام التي أعدته لها حياء، قامت بارتداء ملابسها مسرعة حيث أن الساعة اقتربت على الخامسة والنصف مساء،ً ومعادهما في السادسة ..انتهت وأخبرت حياء بأنها ذاهبة لمقابلة ريم، وبالفعل خرجت موجهة شطرها نحو الكافيتريا المفضلة لديهما.
فور وصولها رأت ريم جالسة في انتظارها ويبدو على ملامحها التوتر، ذهبت نحوها وجلست فوق المقعد المقابل لها، ثم تحدثت بهدوء حيث المعروف عنها:
-مالك يا ريم؟ قلقتيني عليك ، وشكلك قلقانة من حاجة  فعلا.

أجابت ريم في انكسار دّول لدى كارمن كثير من القلق:
-طمنيني الأول  عليك  ..بعدين هفهمك.
تبادلا الحكايات المعتادة عن حالهما الخارجي وكونهما بخير، بينما الإجابة عن الحال الداخلي دائماً ما تكن خفية، وفى معظم الأوقات إن لم يكن دائماً فهي عكس الحال الخارجي تماماً.

انتهيا بعد دقيقتين تقريباً من الحديث المعتاد، وتساءلت كارمن مجدداً عن سبب طلب ريم لمقابلتها، وعن نوع "المصيبة "التي وقعت بها.
أجابت ريم بدموع أخفتها وبدأت تقص على كارمن أحداث الأيام السابقة، حيث أنها هي التي تسببت في بتر ساقى والدتها صاحبة "الداء السكري "عندما حدث بينهما نوع من الشجار المعتاد فركلتها ريم بقدمها بعنف لتهوى مصطدمة بمنضدة كبيرة ويسقط كل ما تحمله المنضدة فوق ساقيها اللذان كانا مملوئين بالجروح المتناثرة والعميقة بفعل هذا المرض اللعين، وثم أصابها ما سقط عليها بجروح أكبر وأعمق سُببلت مع حلول الليل صديداً و مياه تملئ الجروح "غرغرينا "لا يجدوا لها الأطباء  حلا أو دواء سوى "البتر"، تَوعج ز والدتها وهى لا تملك أحداً بجانبها أو أحداً يرعاها، "فريم "أبنتها الوحيدة يسبقها ثلاث رجال منهم المتزوج ومنهم المقيم خارج مصر مع والدها، وريم أكثر الوقت خارج المنزل، وبفعلتها أصبحت والدتها الوحيدة المقيمة بمفردها عاجزة، لا تقدر أن تعول ذاتها ولا هناك أحد يعولها.

قاطعتها كارمن بشهقة حاملة كثير من النفور والغضب والحزن على ما فعلته بوالدتها، فتتحدث ريم باندفاع متلاحق بعدم المسؤولية ليجعل كارمن تصخب في وجهها مستنكرة:
-أستني ..انا المصيبة اللي انا فيها أكبر من ماما بكتير.
-نعم !وهو في حاجة أكبر من أمك ولا أكبر من اللي  أنت  عملتيه فيها؟!
تقاطعها ريم لتواصل، وتنظر لها كارمن بحنق وتعجب، فهي لا تفهم تلك الحمقاء التي تتعامل مع فعلتها على أنها  شيء  بسيط يستحق التهاون كمن سقط منه كوب دون قصد:!

-اللي كنت فاكراه بيحبني من ساعة ما عرف أن أمي عجزت وهو فاكرني خلاص ما بقاش ليا ظهر، وبيهددني.
هُ لتذ كارمن أكثر لرؤيتها لهذه الأمور أنها أكبر وأهم من والدتها نفسها التي تكون الجنة "تحت أقدامها "التي تسببت هي في بترهما، وتعجبت اًأيض لنوع التهديد الذي يقوم به بئر الأوساخ هذا الذي كثيراً حظرتها منه وطلبت منها الابتعاد عنه،
ولكنها تتمسك به كأنه الرجل الأخير في الكون أو المراهق الأخير فيه.
أنصتت لها جيداً مستمعة قصتها حيث بدأت تروي عن محادثتها المسجلة معه وصورها التي كلما تقابلا قام بالتقاطها لهما سوياً، وهو الأن يهددها أما تقبل بالزواج السري منه أم أنه يقوم بفضحها في كل مكان.

بدى الاشمئزاز على كارمن لما سمعته وتساءلت عن نوع هذه الصور، ولكنها أقرت كونها  صور  عادية، ألتقطاها معاً في خروجاتهما العامة وليس أي شيء أخر، فكررت سؤالها ولكن عن نوع التسجيلات، فصمتت ريم ولم تجيب، ففهمت الإجابة كارمن على الفور.

صمتا الأثنان برهة، وثم تحدثت كارمن محاولة تهدئتها وأقناعها أنه لم يفعل  شيء  وأن التهديد خلق للضعفاء حتى ينالوا ما يريدون بسهولة لأنهم لا يستطيعون الحصول عليه بأنفسهم وبأيديهم، حيث أن الجبُن حليفهم وتكوين أساسي من شخصيتهم، ولكن ريم لن تقتنع بكلام كارمن وتراها تطمئنها فقط لا أكثر، فعادت كارمن في محاولة تهدئتها وهي تتوعد لها أن بالطبع هناك حل وحتى إذا اضطرا أن يطلبا من حياء التدخل "زوجة أبيها "ليأخذوا من هذا النذل التسجيلات الصوتية والصور الفوتوغرافية التي يرعبها بهم، حتى يطمئن قلبها.

طال الحديث بينهما وفي أخره حاولت ريم أن تظهر اقتناعها وعدم خوفها، وأنها سوف تستمع لكلمات كارمن وتهدأ وتطرد تلك الموضوع من رأسها، وتنام متناسية كل شيء حيث ينفذا أتفاقهما في الغد، وهو أن يطلبا مقابلة ذلك الشاب
والتفاوض معه، وبعد وقت قليل انتهت المقابلة وذهبت  كلا منهما إلى بيتها.

الفصل التالي
جميع الفصول
الآراء والتعليقات على الرواية