قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية همس السكون للكاتبة فاطمة علي محمد الفصل الثامن

رواية همس السكون للكاتبة فاطمة علي محمد

رواية همس السكون للكاتبة فاطمة علي محمد الفصل الثامن

شقة "عبد العزيز".
دلفت إلى غرفتها والحزن والألم يخيمان على ملامحها، فتصرف أهوج من أناس عديمي المسئولية جعل سيرتها علكة في فم الجميع، جعل أمن الجامعة يتهمها بالسلوك السيئ والإنحلال، الجميع يرمقونها بنظرات سخرية، شماتة، وبعضهما نظرات ذات مغزى آخر.

أوصدت الباب خلفها بهدوء مُغاير لما داخلها من نيران تنهش روحها، لترتمي على فراشها فقد آن وقت الإنهيار، فقد إستنزفت كامل طاقتها للسيطرة على قوتها وصلابتها أمام الجميع، أما الآن فلا سبيل للمقاومة.

ترددت كلمات ضابط الأمن بالجامعة بكل قسوة:
إنتي فرحانة بنفسك، وبلمة الشباب حواليكي.
إنتي فرحانة بنفسك، وبلمة الشباب حواليكي.
إنتي فرحانة بنفسك، وبلمة الشباب حواليكي.

وضعت كلتا يداها على أذناها بقوة لتمنع إختراق هذا الصوت القاسى إلى أذنيها، إنهمرت دمعاتها بقوة، وتعالت شهقاتها تدريجيًا.
فإلتقطت تلك الوسادة، لتكتم بها صرخاتها المؤلمة.
دقات عشوائية تصدح بالأجواء، تزداد في الإرتفاع،و يزداد الطارق إصرار.
كلما زادت دقاته، إنخفض نبضها، خارت قواها، زاد فقدانها لوعيها وإدراكها، لتزداد الدقات ذعرًا، رعبًا، فتفقد هي كامل وعيها وتهوي بفراشها كجثة هامدة.

تعالت صيحات "عمر" ودقاته، وتسارعت ضربات قلبه الهالعة، ليصرخ مذعورًا:
"همس"... إفتحي يا"همس".
بينما بدأ بدفع الباب بكامل جسده بقوة مضطربة، يحاول مرة، وأخرى، حتى فتح الباب محدثًا ضجة عالية.

إتسعت مُقلتاه صدمةً، ليركض نحوها وقد تملك القلق من ذرات روحه، يحركها يمينًا ويسارًا برفق، هاتفًا:
"همس" إصحي... "همس".
... لكن لاحياة لمن تنادي!

ركض نحو طاولة الزينة الخاصة بها، وجذب عطرها الهادئ، ناثرًا قطراته بالقرب من أنفها.
فتبدأ في التململ بفراشها، مستعيدةً وعيها بهذيان، الرؤية ضبابية أمامها، إزدواجية الأشياء تجذبها بقوة للاوعي.

ضرب "عمر" وجنتها برفق عدة مرات، هامسًا:
"همس"... فوقي ياحبيبتي، مالك؟!
لترتمي بأحضانه، دافنةً رأسها بعنقه تستشعر بعض الأمان الذي إفتقدته لساعات، فتنهمر دمعاتها أنهارًا بصمت حارق.

ربت "عمر" على ظهرها بحنان، وشدد من إحتضانها علّه يخفف عنها آلامها.
لتهتف ببكاء يخنق كلماتها بقوة:
أختك... النهاردة... كانت فيلم... والجامعة كلها بتتفرج عليه...

فتتعالي شهقاتها كلما تذكرت ذلك المشهد وتلك الكلمات:
اللي إسمه "أحمد" جه الجامعة ووقفني يكلمني في وسط الناس، والحيوان اللي إسمه "قاسم" جه هو كمان وضربوا بعض... والجامعة كلها كانت بتتفرج... وكل واحد كان بكلمه... والأمن أخدنا لحرس الجامعة، وتحقيق...
تعالت شهقاتها أضعافا، فهمست:
أختك.. إنكسرت... وإتذلت النهاردة.

لتتمرد تلك الدمعات من مُقلتاه بألم ينخر بثنايا قلبه، فشدد من إحتضانها بقوة، تمنى أن يجذب ألمها ودمعاتها ويأسرها داخله، فهو من تسبب لها بتلك الكارثة، بعد إلحاح شديد ورجاء من "أحمد" بعدما أقسم له بأنه ينتوي خيرًا، ويريد التقدم لخطبتها من والدها، ولكن تلك الخطوة مرهونة على موافقتها... يلوم نفسه بقسوة، فكل ماحدث لم يكن بالحسبان، ليردد بثبات:
لا عاش ولا كان اللي يكسرك أو يذلك ياحبيبتي.

برلين - أحد أفخم المطاعم بالمدينة
إسترخي في مقعده بسعادة المنتصر، وإعتلت تلك الإبتسامة الشيطانية وجهه ببذخ، لينفث دخان سيجاره الغليظ بالهواء بهدوء متقطع، ويراقب تلك الدوامات التي صنعها الدخان بالهواء، ليهتف بفحيح: Tschuss Thaer.

ليجد قبضة قوية تعتصر كتفه بقوة، هاتفًا بإستنكار:
طب ليه كده؟! إنت لسه قولتليWillkommen.. عشان تقوليTschuss .
كده أزعل منك سيد "أرثر".
( رجل أعمال ألماني ذو ٣٨ عامًا، يكره "ثائر" ويحقد عليه، يتمنى تدميره، حاول كثيرًا محاربة وخاصة بالصفقة الأخيرة، لكن دائما كانت جميع محاولاته تأتي بالفشل)

إنتفض جسد "أرثر" بقوة، لتسري رجفة قوية بأوصالة،و تتسع مُقلتاه ذعرًا، ويتدلي فكه من الصدمة، فإذا كان رجاله أكدوا له سقوط "ثائر" بسيارته من أعلى الجسر، وإنفجارها، وتفحمها تماما.
إذن... فمن هذا؟!
أو كيف نجي من ذلك الحادث؟!
كيف يقف أمامه بكامل أناقته ولياقته البدنية؟!
فهو لم يخدش قط، ولم تهتز له خطوه، أو يرف له جفن.

إحتل "ثائر" المقعد المقابل له بكبريائه وشموخه المعهودين، ليرمقه بنظراته الحادة، الثابتة، مبتسمًا إبتسامته الجانبية الساخرة، ومردفًا بألمانية سليمة الحوار مترجم)
في المرة القادمة... أتمنى أن تختار رجالك بعناية سيد "أرثر"، فهؤلاء قد تغلبت عليهم بطرفة عين، لم يرهقوني ولو قليلًا.
فكنت أتعامل معهم كقطع الشطرنج الذي أُلقيها خارج اللعبة قطعة تلو الأخرى، فأتمنى منك حُسن الإختيار لرجالك.

"فلاش باك"
بدأت السيارة الأخرى بالإصطدام به، مرة وأخري و أخرى لتدفع سيارته تجاه السور الحديدي للجسر، تراجعت السيارة للخلف كثيرًا، في تلك الأثناء فتح "ثائر" باب سيارته، وألقي بجسده خارج سيارته بلمح البصر، لكن أحيانا قد تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فهاهو قد إختل توازنه، ليسقط من أعلى الجسر ويهوي جسده بقوة، لكن سرعان ماتمسك بأحد حلقات أعمدة الجسر، وتشبث بها بقوة ليتوازن بجسده، مراقبًا سقوط سيارته وإنفجارها، وتفحم السائق بالكامل، وكانت تلك الغصة التي تؤلمه حقًا، فكان يتمنى أن يرقد جسده بسلام.

تحرك بخفة ورشاقة مذهلة بين أعمدة الجسر حتى إستطاع الوصول إلى أعلاه لكن قد إستنزف هذا بعض طاقته، لكنه بالأخير نجح في ذلك، ليستوقف أحد السيارات الأجرة فتُقله إلى قصره.

قصر السيوفي ببرلين
ترجل "ثائر" عن السيارة بغضب وتوعد بالثأر والإنتقام. دلف إلى قصره ليقابله مدير المنزل بإبتسامة وُئدت بين شفتاه بمجرد إشارة غاضبة من سبابة "ثائر".
صعد "ثائر" الدرج بخطواته الواسعة، ليصل إلى غرفته، فيلتقط الهاتف ضاغطًا على أزرار محددة به، ليهتف بصرامة:
اللعب بقا ع المكشوف، عايزك تجيب خط سيره، وكل نفس داخل وخارج من صدره.

ليُلقي الهاتف أرضًا، متجهها نحو الحمام، نازعًا عنه ملابسه الممزقة، والملوثة بدماء السائق.
ليُلقي كامل جسده تحت المياه الدافئة ويحني رأسه قليلًا، فيسبح بتفكيره نحو ذلك الخائن الذي يُفشي أسراره، فقليل جدا من يعلم بأمر تلك السفرة، يكاد يُعدون على أصابع اليد الواحدة.

ما أصعب أن تأتيك الطعنة من الداخل؟!
لكنه لايريد أن يصل بتفكيره إلى تلك النقطة، فلا يتحمل مثل هذه الحماقات، فتلك الدائرة الأولى والأخيرة بحياته، فهو لايسمح لأحد بإختراقها أيًّا ما كان يكون.
لكن لابد من إنقشاع الظلام، وظهور شمس الحقيقة عاجلا ولي آجل .

إنتهي من حمامه أو بالأحرى وقفته مع نفسه وإعادة ترتيب أفكاره.
وغادر متجهها صوب خزانة ملابسه لينتقي حلة سوداء صُممت خصيصا له، إرتداها، وخطى نحو مرآته ليصفف شعره بأناقة، ناثرًا عطره المؤكد لكبريائه وصرامته، ويغادر هابطًا الدرج بشموخ، هاتفًا بجدية:
أعتذر منك سيد "ستيفن" فالموعد كان بالفندق، لكني إضطررت لتغير المكان نظرًا لظروف طارئة.

("ستيفن" رجل أعمال ألماني ذو ٥٥ عامًا، رجل جادي وعملي جدا، فهو يكن الإحترام "لثائر"، كثيرا مايتمني أن يكون لديه إبن كذلك)
رمقه "ستيفن" بإبتسامة إعجاب، لينهض من مقعده مصافحًا إياه بحرارة وحفاوة، ويعانقه بمحبة، مردفًا: (الحوار مترجم)
لا عليك سيد "ثائر" لقد وصلني أنك لَقنت رجاله درسًا قاسيًا، لكن الدرس الأكبر ستقدمه أنت مباشرة إليه، دائما ما كنت أفتخر بصداقتك، والآن إزداد فخري بشراكة رجلًا قويًا مثلك.

شدد "ثائر" على يده بود، وبادله نفس الإبتسامة، مردفًا:
الفخر لي سيدي، فشراكة رجل أعمال نزية مثلك حلم للجميع.
تعالت ضحكات "ستيفن" المتهكمة:
ليس الجميع سيد "ثائر"، فالبعض يريد إزالتي من طريقه مهما كلفه الثمن.

هتف "ثائر" بحزم:
هؤلاء أيامهم بمجال الأعمال محسوبة، فلابد أن تأتيهم النهاية العادلة لامحالة.
ثم أشار بيده نحو مكتبه الخاص وتلك الإبتسامة لازالت تزين ثغره، وأردف:
تفضل سيدي كي نوقع العقود ونبرم الإتفاقية.

(عودة للمطعم).
تنهد "ثائر" براحة، ليلتقط سيجارًا غليظًا ويشعله بالقداحة بين أنامله دون أن يمس شفتاه فذلك "الثائر " لم يسحب دخان سيجارة يومًا، وإلتقط ذلك السيجار الذي أوشك على حرق يد "أرثر"، ليضع الآخر محله، مردفًا بإستنكار:
تؤ تؤ تؤ... ستُحرق يدك سيد "أرثر"، أم أن نيران صدمتك أقوى كثيرًا من نيران سيجارك فلا تشعر بها، أتمنى أن تُنفث غضبك بهذا.

أما "أرثر" فقد فقط السيطرة على جميع حواسه، لم يستطع أن يُرسل إشارة إلى لسانه للإفراج عن بعض الكلمات، أو حتى أن يرفع يده قليلًا من موضعها، لكن نظراته الزائغة هي من جابت معالم وجه" ثائر" بتعجب، وإستنكار.

نهض "ثائر" من مقعده ليغادر المطعم، إلا أنه دنى إلى مستوى ذلك المُغيب، ليربت على كتفه بسخرية، قائلًا:
يجب أن تُبارك لي سيد "أرثر" فقد أتممت الصفقة التي أتيت لأجلها.

لينطق بعربية ساخرة:
تعيش وتاخد غيرها يا معلم.
ويستقيم بوقفته المُهابة، واضعًا كلتا يداه بجيبي سرواله، مُغادرًا المكان بثباته القاتل لذلك الأحمق، فما إن وطأت قدماه خارج المطعم، حتى دفع "أرثر" تلك الطاولة صارخًا بغضب شيطاني:
سأقتلك "ثائر السيوفي"... أقسم بأني
سأقتلك.

قصر "السيوفي" القاهرة
هوت "نجلاء" على الأريكة، لتنهمر دمعاتها شلالات، وتكتم شهقاتها بيدها المرتعشة، صارخةً بألم:
ماما فين؟!
من إمبارح الصبح وهي برة البيت وبقينا داخلين على عشرة بليل، ومحدش عارف يوصل لحاجة.

جلس" حمزة" إلى جوارها، ليربت على كتفها في محاولة لتهدئة قلقها، مردفًا:
ياحبيبتي الشرطة مش ساكتة من إمبارح وهي شغالة بحث.
ليهتف "خالد":
متقلقيش والله يا"نونا" أكيد هتبقى كويسة، "فريدة" هانم ما يتخافش عليها.

بينما هتفت "هيا" ببكاء:
لو أبيه "ثائر" كان هنا كان زمانه وصلها من بدري... وكان زمانها في حضننا... وكان زمان القلق والخوف ده مش موجود، كان زماننا عايشين بأمان.

لتطعن قلب معشوقها بخنجر مسموم، ألهذا الحد تفقد ثقتها به؟!
أتراه غير قادر على حماية أفراد عائلته؟!
أم أن" ثائر" هو الأحق بكل تلك الثقة؟!

صدح رنين هاتف" حمزة" ليلتقطه مُسرعًا.
"حمزة" بجدية:
ألو... أيوه يافندم.
المتصل:
"حمزة " بإستنكار:
يعني إيه؟!
المتصل:...

"حمزة" وقد بدأ اليأس يتسلل إلى فؤاده:
أوك... تمام.
لينهي إتصاله وتعابير وجهه تتحدث آلاف الأحاديث، فترفض "نجلاء" اليأس والتسليم لما سكن قلبها.
فتعتصر ذراع إبنها بقوة ودمعاتها تأبى الجفاف، مردفةً:
قالك إيه؟!

زفر" حمزة" زفرة قوية، وأردف:
لسه ماوصلوش لحاجة... بس بيأكد إنها ماخرجتش بره القاهرة.

لتصرخ "نجلاء" بغضب جليّ:
يعني إيه؟!
ها... يعني إيه لسه ماوصلوش لحاجة؟!
وإزاي جوه القاهرة ومحدش عارف يوصل لها.؟!

ليردف "خالد" بحيرة:
ناس صحابي كمان بيدورا عليها، مستني إتصالهم في أي وقت.
لتتعالي صرخات "هيا" الحانقة:
هتفضلوا إنتوا الإتنين قعدين في البيت ومقضينها مكالمات وبس... ده أخركم.؟!

رمقها "خالد" بغضب، هاتف:
إحنا بقالنا يومين في الشارع بندور عليها يا "هيا" هانم... مش نايمين في البيت يعني ومقضينها مكالمات.

فيجدها تهرول باكية، لتستقر بأحضان أمانها الذي أفتقدته طويلًا، لتكن تلك الطعنة أقوى بأضعاف، فقد إستلت سيفها وغرسته كاملًا ليمزق ضلوعه بقسوة، ويشق قلبه لنصفين.

إحتضنت "ثائر" بقوة لتتعالي شهقاتها، وتذوب كلماتها المؤلمة بدمعاتها الحارقة، لتتلعثم:
ت... تي... تيتة... يا أبيه.
تلك المرة الأولى التي تتملك تلك الرجفة القوية خلاياه، لتعتصر قبضة قوية قلبه بلا رحمة، حمم بركانية تحرق روحه بلا هوادة، ليردف بصدمة:
مالها؟!

تكمل "هيا" ببكاء:
خرجت من إمبارح الصبح... ولسه مارجعتش، ومحدش يعرف عنها حاجة.
إقتربت منه "نجلاء" بنظراتها المتوسلة، لتلتقط يده برجاء:
لو سمحت عاوزة ماما يا "ثائر"... وعشان خاطري يا إبني إنسي، وسامح... ربنا بيسامح... إحنا نكون إيه؟!
ليطلق زفرة قوية أودع بها جم مشاعره العاتية، بتضارب وتلاطم، أحرق ثنايا قلبه.

شقة "حاتم"
دلف إلى شقته حاملًا باقة كبيرة من الورود الحمراء وإبتسامته الجذابة تُرسل إشارات السعادة للكون، ليهتف بعشق:
موني... موني...
أتاه صوتها الأنثوى:
أنا هنا في الأوضة ياحبيبي.

خطى بخطوات سابقه بها ذلك الأهوج بعشقها، ليدلف إلى غرفته وعلامات الإنبهار تسيطر على جميع حواسه، فتهوي تلك الباقة الحمراء أرضًا، وتتسع مُقلتاه بهيام، ليُغلقها ويفتحها مرات عديدة ببلاهه، من ذلك الملاك الذي تأنق بفستان قصير أزرق كأمواج محيط هائج يلاطم موجاته بإنتصار، وحزام أسود لامع يحتضن خصرها بتملك أثار غيرة ذلك العاشق، وتلك الحمرة التي تأكل كرزتاها المناجية له.

لتقترب منه بدلال محتضنة عنقه بذراعيها هامسةً بعشق:
وحشتني... إتأخرت ليه؟!
دنى بنظراته لتلك الباقة، مشيرًا برأسه:
كنت بجيبلك دي.
رمقته بنظراتها المتذمرة، وجبينها المعقود، هاتفةً:
جايبهالي ولا جايبها للأرض؟!

إنحني قليلًا ليلتقطها بأسف:
أسف يا موني... بس إنتي السبب.!
لتهتف مستنكرةً:
أنا! ... أنا قولتلك ترميها ع الأرض.
طافت نظراته العاشقة وجهها، ليهمس بهيام:
ماهو مفيش قمر كده برضه !

إشتعلت وجنتاها خجلًا، لتهرب بنظراتها العاشقة، وتلتقط يده جاذبةً إياه نحو طاولة الطعام:
طب يلا الأكل هيبرد.
تبعها بعشق هامسًا بإستنكار:
الأكل؟! طب يلا يا أختي.
لماذا تخططين يافتاة بتلك الطاولة المُذهلة، المزينة بالشموع الملتهبة، والزهور التي تفوح بعطرها الآثر؟!
وما كل هذا الطعام أتقصدين مضاعفة وزني كي أبدو أكثر بشاعة؟!

ليجذب مقعدها برُقي، مشيرًا برأسه، فتحتله هي بكبرياء أنثى عاشقة للأمان.
ويحتل هو الآخر المقعد المقابل لها، ليذوب بعسليتاها المُدمرة، ضاغطًا زر بجهاز التحكم فتعلو تلك الموسيقى الهادئة لتكتمل تلك الأمسية المُهلكة.

تناولا طعامهما بعالمهما الخاص، لتحمحم "منة" بتلعثم:
حبيبي... عملت إيه في إقتراح "فريدة"
هانم إننا نعيش معاهم في القصر؟

سرعان ماتحولت تلك المعالم الناعمة، الهادئة، العاشقة، لملامح غضب جامح، فهتف:
مش عايز أتكلم في الموضوع ده.
هتفت "منة" بإصرار:
ليه بس ياحبيبي؟!
فيها إيه لو روحنا نعيش في القصر مع العيلة كلها، بدل ماأنت بعيد عنهم، أكيد هما وحشينك... وأكيد أنت كمان واحشهم...
هنعيش هناك بدل الشقة الصغيرة دي، القصر هناك كبي...

هبّ من مقعده، وقد توطن الغضب بذراته، ليُلقي الأطباق أرضًا، صارخًا:
قولتلك ميت مرة مالكيش دعوة بالموضوع ده... ودي آخر مرة أسمعك بتتكلمي في
الموضوع ده... فاهمة.

عالم" همس"
دلفت إلى عالمها بإنكسار لازال يأكل روحها بلا شفقة، لتخطو بخُطي ثقيلة، وأقدام ترفض التخلي عن موضعها والإنتقال إلى آخر، لتنهمر دمعاتها بحزن "أعتذر فلم تجف بعد" فهي دائما ماتخفيها بحجة إعداد الطعام وتقطيع حبات البصل، دائما ماتهرب إلى غرفتها مُدعية النوم من أجل صداع مزمن.

أما تلك المرة الأولى التي تقتحم عالمها منذ يومين كاملين، لتقترب من تلك الأرجوحة، فترتمي بجسدها بألم، وتسمح لشهقاتها بالإرتفاع، وصرخاتها الصامتة بالخروج.

بكت وبكت علها تُنهي ذلك الألم الذي إستوطن قلبها، لترفع عيناها تتأمل تلك النجمات التي كثيرا ما كانت تحدثها عن سعادتها، أحلامها، مغامراتها، أما الآن فقد آن الأوان لتستمع إلى شكواها وضعفها، لتُناجي ربها:
ياااارب... يارب ماليش غيرك... يارب... أنا طول عمري ماشية بما يُرضيك، عمري ماتجاوزت حدودي، دايما بحاول ماظلمش حد، دايما بحاول أكون أحسن.. وأبعد عن أي حاجة تُغضبك... يارب
دول إتهموني... وصفوني بصفات أبعد مايكون عني... صفات تجرح أي بنت وتوجع قلبها...

لتجد يد حانية تربت على كتفها بود، هامسة:
طول ماأنتي مع ربنا دايما هينصرك...
إنتفض جسدها بقوة، وإلتفت خلفها بذعر كاد أن يوقف دقاتها لتتسع مقلتاها بصدمة:
إنتي؟!
إية اللي جابك هنا؟!

دارت حولها بهدوء وتلك الإبتسامة الحانية تعتلي معالم وجهها، لتستقر إلى جوارها بتلك الأرجوحة، هاتفةً:
أيوة أنا...
وجيت هنا إزاي؟!
العمارة دي بتاعتنا، أو الأصح... ده ورثي من والدي الله يرحمه.
لتشير برأسها نحو تلك الغرفتين الذي رفض مالك البيت حسب إعتقادها تأجيرها لها:
وعايشة في الأوضتين دول.

إزدادت صدمة همس، لتصيح:
عمارتك منين.؟!
لا طبعا...
أنا عارفة صاحب البيت، وحتى لسه مأجرلي الروف ده...

لتُكمل "فريدة" مُقاطعة:
ورفض يأجرلك الأوضتين دول، أو بمعنى أصح... أنا اللي رفضت تأجيرهم لأي حد...
زي ماتقولي كده كنت بفكر في يوم زي ده... يوم أحتاجهم فيه.

لتشرد بحزن، وتتمرد دمعاتها بمرارة، فتقترب منها "همس" وتربت على كتفها بحنان:
مالك؟!
أنا كل ماأشوفك تكوني حزينة وبتبكي!
رفعت "همس"يدها بحنان وتزيل تلك الدمعات بأناملها الرقيقة، هاتفةً بتذكر:
صحيح... حفيدك اللي كان بيعمل عملية أخباره إية؟!
صحته إتحسنت؟

إبتسمت "فريدة" إبتسامة مكسورة، متهكمة، فتلك الكلمة لم تذكرها سوي بذلك القاسي:
حفيدي؟!...
لتتنهد براحة:
آه الحمد لله بقا كويس وخرج من المستشفى.
"همس" بسعادة:
طب الحمد لله على سلامته... أومال مالك زعلانة ليه؟!

أردفت "فريدة" بشرود:
عارفة لما تغلطي غلطة بدون قصد... وتفضلي تتحاسبي عليها طول عمرك! .
أنا كده... تهوري وإندفاعي وعدم مسئوليتي زمان... خسروني ولادي...
وحفيدي لسه بيعاقبني للنهاردة... لسه شايفة كرهه ليّا ساكن عنينه...

لتبدأ بالبكاء الذي أدمي قلب "همس"، مكملة حديثها:
نفسي يسامحني... كلهم سامحوني إلا هو...
إحتضنها "همس" بحنان، مقبلةً جبينها برفق:
متزعليش... أكيد هيجي اليوم اللي يسامحك فيه... ربنا بيسامح... وأكيد حفيدك بيحبك... إستحالة ست في طيبتك وحنيتك دي وماتتحبش.

إبتعدت "فريدة" عنها قليلًا، لتثبت أنظارها بحدقتاها، مردفةً بنبرة مستنكرة:
طيبتي؟!
إنتي ماشوفتيش حاجة، أنا زمان كنت إستحالة أفكر أعيش هنا، ولا حتى أفكر أتكلم معاكي ولا أقعد القعدة دي.
إزدادت إبتسامة "همس" إتساعًا، لتردف بيقين:
ربنا هو اللي بيهدينا لطريقه، هنفضل طول عمرنا نغلط ونتوب وربنا يغفر لنا... ونغلط ونتوب وربنا يغفر لنا...

رددت "فريدة" بتذكر أحرق روحها:
كنت عاملة حفلة في الشالية بتاعنا في العجمي،و كان موجود في الحفلة أكبر رجال وسيدات الأعمال والمجتمع الراقي في الوقت ده، بس طبعًا ولادي وزوجاتهم رفضوا يحضروها، وبقيوا في القاهرة.

رقص وشرب وقرف لوش الفجر، بعدين فجأة لقيت النار ماسكة في كل حاجة في الشالية، الناس بدأت تصرخ وتجري، وأنا وقعت تحت رجليهم وداسوا عليا، لحد ما أغمى عليّا، وفوقت لقيت نفسي في المستشفى.

بس كان فيه حد إتصل بولادي، وقاللهم إن الشالية إتحرق و إن أنا في المستشفى، "أحمد"، و" صلاح"، و" زوجة صلاح" جم جري والقلق هيموتهم، كانوا يادوب لسه في الطريق راجعين من الشركة... أصلها خلاص كانت بتفلس وكانوا بينقذوا مايمكن إنقاذه.
تخيلي حد يسوق المسافة دي وهو بقاله يومين مانامش عشر دقايق حتى.

لتتنهد بأسي:
فجأة عربية نقل طلعت قدامهم، ماقدرش "أحمد" يعمل حاجة، والعربية تخبطهم والتلاتة يموتوا في ليلة واحدة، وأكون أنا السبب... إن عيالي يموتوا... وأحفادي يتيتموا..
لا مش كده وبس، لازم يشيلوا كمان هم سداد الديون اللي كنت السبب فيها بحفلاتي وسهراتي وسفري، كنت بصرف من غير حساب ولا وعي...
وكمان يشيل هم بيت بالكامل وهو لسه يادوب ١٩ سنة.

إنهمرت دمعاتها بألم، فتلك الفاجعة موجعة حقًا، وتسارعت دقات قلبها بقوة غامضة، رعشة خفيفة تجتاح أوصالها، شعور غامض عجزت عن تفسيره يقترب منها، و بإصرار.

الفصل التالي
جميع الفصول
الآراء والتعليقات على الرواية