قصص و روايات - قصص رائعة :

رواية هدوء بعد العاصفة بقلم فاطمة حمدي و شيماء علي الفصل الثالث (اعتداء)

رواية هدوء بعد العاصفة بقلم فاطمة حمدي و شيماء علي

رواية هدوء بعد العاصفة للكاتبتان فاطمة حمدي و شيماء علي

الفصل الثالث بعنوان: اعتداء

تصارعت أنفاسها ما إن سمعت صوت سهر- وما لبثت أن أغلقت الخط سريعاً ومضت تتنهد بتوتر، نظرت سهر إلى الهاتف بشكٍ وتغضن جبينها بغضب، قلبها يخبرها بشيء خفي؟، من الذي يتصل بزوجها في هذا الوقت؟، ولمَ لم يرد عليها.. لم تدع الشكوك تحاصرها وسارعت تهتف منادية على زوجها، ثم صاحت بانفعال:
-شريييف، مين بيتصل بيك دلوقتي؟؟؟.
ذُهل شريف الذي خرج من الحمام الآن وهو يقوم بتجفيف شعره، ثم سألها بعدم فهم:
-في إيه؟؟.

تحدثت سهر مجددًا بحدة عارمة :
-رقم غريب رن عليك وأنا رديت سمعت صوت أنفاس بس وماحدش بيتكلم وبعد كدا الخط اتقفل!
التقط هاتفه ومضى ينظر إلى الرقم، فرمش بتوتر، يعلم أنه رقم - ليلى- ولم يسجله نظرا لغيرة زوجته الشديدة، قال زافرًا بضيق:
-أنا معرفش مين، ماتشغليش بالك يا حبيبتي ويلا ننام عشان هصحى بدري.

-شريف.
-سهر!
هتف بها وهو يتجه نحو الفراش منفعلا، اتجهت خلفه وهي تقول بجدية:
-ممكن تتصل على الرقم دا تاني وتفتح الاسبيكر؟!
ضغط على نواجذه، وبرقت عيناه بغضب فيما يهتف محتدا :
-لا أنت اتجننتي بقى، انت بتشكي فيا يا سهر؟؟
لم تهتم كثيراً وقالت مصممة:
-ريحني واتصل!
-مش هتصل يا سهر، انتِ مريضة بجد بغيرتك الأوفر دي!
لم يدعها تتكلم مجددًا وصاح بها:
-ولا كلمة زيادة أنا هنام سامعة!!

غفت ليلى بين لحظاتٍ حزينة وهي تؤنب ذاتها على مهاتفتها ل مُعلمها في هذا الوقت، تعلم أنه متزوج ومحب لزوجته، بل تعلم منه أن زوجته مغرمة به حد الجنون، ولطالما أجابت عليها عبر الهاتف مؤكدا سيحدث بينهما خطب ما...
ولكن ما هذا الشعور؟ تشعر بالحنين إليه كلما ابتعد، وبالاشتياق كلما تأخر، وبالحب كلما اهتم بها، ما هذا؟، سألت نفسها عدة مرات.. ما هذا الشعور ولم تجد سوى إجابة واحدة....
أنها تحبه وتحب وجوده.. فهل أغرمته به، أم أنه يملأ مكان والدها الراحل فقط؟...

صباح يوم جديد..

نهضت بإرهاق عن فراشها بعد ليلة طويلة مليئة الدموع، ارتدت ثيابها بعد أن اغتسلت ومشطت شعرها الذي عصقته كعكة أعلى رأسها، ومضت تنظر إلى ساعتها وهي تتجه إلى الباب، سمعت صوت والدتها وهي تنادي عليها بلهفة:
-ليلى!، استني يا حبيبتي افطري قبل ما تنزلي..
رمقتها باستهجان، وخرجت بلا مبالاة دون أي كلمة، ضغطت نادية على شفتيها بغضب عارم، ثمة تتحدث بحزن عميق:
-يارب يهديكِ يا بنتي وتعرفي إني مأجرمتش ولا غلطت في حقك.

-صباح الخير.
همس شريف الذي توجه نحو طاولة الطعام لتوه بهدوءٍ، ولم يتلق من زوجته سوى الصمت الغاضب، زفر زفرة طويلة حانقة، وقال محتدًا:
-وبعدين يا سهر؟
-وبعدين إيه يا شريف؟، أنا متكلمتش، أنا قايمة من بدري ومجهزة كل طلباتك، أي أوامر تاني؟؟.
-سهر، بلاش الطريقة دي من فضلك.
-بلاش أنت الطريقة دي ولازم تعرف إني مراتك ومن حقي أعرف مين بيكلمك في وقت متأخر زي إمبارح!
نهض عن مقعده وقال بعنف:
-أنتِ لسة مصممة؟؟، تفكري يعني هيكون مين بيتصل ويا ترى أنا بخونك مثلا يعني؟؟

التفتت توليه ظهرها وأردفت باختناق:
-أنا ماقولتش كدا، بس كان ممكن تريحني وتتصل تاني وتسمعني، دا تصرف أي راجل واثق في نفسه!
أطاح بالأطباق الموضوعة على الطاولة بيده ومضى يسير إلى الباب بحدة عارمة، ثم سمعت صوت الباب يُقفل بعنف شديد، عاتبت نفسها قليلًا رغم القلق الذي ينهش بقلبها.. قلبها الذي يُخبرها أن هناك خطب ما، وأن تلك المكالمة تحديدًا لم تكن عابرة...

ولجت ليلى بصحبة صديقتها علا إلى الفصل، وجلستا كلا منهما جوار بعضهما، كانت ليلى صامتة في توتر ملحوظ ووجهها شاحب أصفر اللون، تدعي أن لا يأتي اليوم وإلا ماتت خجلًا منه، لن تستطيع النظر إلى وجهه وعينيه، كيف ستواجهه وتتحدث معه ثانية بعد فعلتها البارحة؟.
وجدته يتوجه داخل الفصل وينظر إليها بنظرة ذات معنى، ووقع قلبها بين قدميها حين أشار لها أن تأتي إليه، نهضت وهي ترتجف بشدة، خرجت معه من الفصل وازدردت ريقها بصعوبة بالغة، مضت معه عدة خطوات في صمت إلى أخر الرواق، ثم سألها وهو يواجه عينيها بقوة:
-ليلى أنتِ اتصلتِ بيا امبارح بعد نص الليل؟!

لم تعرف بم تجيبه؟.. نعم هاتفته.. ولكن لمَ؟؟
توترت بشدة وزاغت عيناها هُنا وهُناك.. قبضت على كفيها وحاولت تهدئة خافقها، ثم أردفت بارتباك شديد :
- أنا.. أنا كنت بذاكر.. وكان في جزئية مش فهماها، وحضرتك قولتلي لو وقف قدامي أي حاجة أكلمك.. صح؟
ابتسم مستغربا وقال:
-بس مش في الوقت دا يا ليلى!، كمان ليه لما مراتي ردت عليك سكتي وقفلتي الخط؟؟!
أجابت على استحياء:
-بصراحة خفت أعمل لحضرتك أي مشكلة، أنا آسفة جدا .

-حصل خير يا ليلى.
ثم واصل مراوغا:
- ها بقى ياستي أنهي جزئية اللي أنتِ مش فاهمها؟
أغمضت عيناها بشدة، ثم أعادت فتحهما ببلاهة وقالت:
- أه حاضر في الفسحة هاجي لحضرتك وأقولك عليها.
-أوك يا أنسة ليلى.
قالها ضاحكًا وتابع:
- يلا الحصة الأولى بدأت!!.

-يرضيكِ اللي ليلى بتعمله دا؟
أردفت نادية بتلك الكلمات شاكية للجدة تحية، التي ابتسمت برقة رغم تجاعيد وجهها الكثيرة، تابعت وقد تنهدت بعمق:
- مايرضنيش أكيد، بس عاوزاكِ تعذريها، أنتِ عارفة هي كانت متعلقة بأبوها أد ايه الله يرحمك يا حسن.
-أنا عارفة بس أنا ذنبي ايه؟.
-فاهمة إن عمها خد مكان أبوها، معلش دي صغيرة برضوه وعلى قد فهمها بتترجم المواقف.
دمعت عينا نادية، وقالت بحزن:
-نفسي بنتي ترجع زي ما كانت، أنا بموت كل يوم بسبب معاملتها ليا يا حاجة تحية، أبوس إيدك كلميها وحنني قلبها عليا شوية، هي بتحبك وهتسمع كلامك.
ربتت على يدها وأخبرتها بنبرة حنون:
-حاضر يا بنتي، حاضر.

انتهى اليوم الدراسي، وسارت ليلى بصحبة علا تخرج من بوابة المدرسة، وكما تعودت من هذا السمج الذي يراوغها يومياً، تأففت وحاولت أن تتجنبه قدر استطاعتها لكنه لم يمهلها، استمرت محاولته في مضايقتها وتطاول وتجرأ..
حيث مد يده يلتقط ذراعها ويجذبها نحوه، اتسعت عيناها ذعرا من فعلته ولم تدر بنفسها إلى وهي تصفعه وتسبه، تجمهرت الناس متفرجيين، واشتعل الأخير غضبا، ثم رد لها الصفعة، حاول الناس فض المشاجرة وصرخت صديقتها علا مستنجدة بأي أحد كان، توقفت سيارة فارهة أمامهم واشرأب منها شخص ما وهو يقول بهدوء :
- دي شكلها خناقة يا فارس بيه!.

فتح زجاج النافذة وأشرف بوجهه على الواقفين، لمح ذاك الشاب وهو يصفع ليلى مجددًا، استفزه المشهد وفتح الباب سريعا وهبط بحركة عنيفة، توجه إليهما في سرعة الفهد وانقلب حال المشهد.. ففي لحظة كانت ليلى خلف ظهره وهذا الشاب ملقى أمام قدميه!!...

الفصل التالي
جميع الفصول
الآراء والتعليقات على الرواية