قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل العشرون

رواية لعبة عاشق الجزء الثاني يسرا مسعد

رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل العشرون

- أنا آسفة اتسعت عيناها متعجبة واقتربت منها لتربت علي ذراعها وهي تتأمل رأسها المتدلي بذنب:
- آسفة علي إيه آشري ؟
تنهدت الأخرى الغارقة في بحر من الندم والضياع وما يسحب الهواء من صدرها بحق ذاك الشعور بالإثم- أنا اللي شجعتك على الخطوة دي، لولا زني كان زمانك معاه وأردفت ساخرة وفي الواقع من حالها:

- كنت فاكرة أن الطلاق ده " بيس أوف كيك " لو لم يكن اليوم مأساويا بامتياز، ولو لم تكن عاصرت مشاعر وأحاسيس طاحنة مزقتها وأعادت ترتيب أشلائها على نحو جديد وغريب عليها لأطلقت الضحكات المتعالية وسط جنوح الليل ولم تبالي لأعراف ولا لتقاليد اقتربت منها ورفعت رأسها لتواجهها ومزقت ذنبها الفاضل بعناق طاحن ووضعت قبلة قوية على وجنتها وسط ذهول بقية معالم وجهها:

- بالعكس، ده أنا اللي بشكرك، حقيقي ومن كل قلبي، أنت أنقذتيني من نفسي ولازالت الدهشة تقتات على أنفاس صدرها المتلاحقة:
- أنا ! أنا حاسة إني ضيعتك زيي لم تظن أنه قد يأتي اليوم وتتبدل فيه الأدوار ولكن اليوم أضحى أعظم معلم عرفته منذ سنوات اليوم حملت من كانت تحمل لها دوما الحقد والعداء إلي قبرها راضية داعية لها بالخير واليوم أيضا تقف أمام من دفعتها دوما لتدفعها هي بالمقابل:

- أنا ماضعتش یا آشري بالعكس أنا لقيت نفسي اللي توهت عنها من زمان، أنت اللي دلوقت محتاجة تفصلي بين حالتك وحالتي أومأت بالموافقة:
- فعلا زیاد مش جاسر، بس أنت حملك أكبر مني، ولادك . . . . ضحكة خافتة انفلتت منها ليست ساخرة بقدر ما كانت مريرة:
- هيبقالهم أخ أو أخت، المدام حامل . كان زماني قاعدة أسمع منها عن تعب الوحم، وتقوليلي آسفة فاتسعت عينا آشري بذعر وهتفت بإنجليزية خالصة:
he is an idiot- التفتت سالي لتطالع وجوه أطفالها المتعبة التواقة وبشدة للخلود للفراش والنوم وقالت:

- ماعدتش تفرق . . . أنا هروح إبقي طمنيني عليكي، سلام رفعت كفها لتودعها وقد اطمأن قلبها أنها لم تكن مذنبة بحقها أنها لم تدفعها دون قصد لتعيش تلك المرارة التي تذوقتها مؤخرا ولم تدري أنها كالعلقم لإختبار كسر أقوى مايكون على ظهر المرأة وبالأخص عندما تفقد أبنائها فالكسر يكون مضاعفا    ودعت درية آخر النسوة اللاتي كن يتسامرن حتى ظهور السائق الخاص بإبتسامة صفراء فيما كان رنين هاتفها يتصاعد إلحاح مزر فأخرجته من حقيبتها متأففة لتجيب بصوت جاهدت لتجعله لطيفا قدر الإمكان:

- أيوه يا بابا أنا خلصت نص ساعة وأكون في البيت رد والدها منفعلا:
- ماتتحرکیش منغير طارق هوا جايلك في السكة فاشتعلت النيران في عروقها فأبيها أصبح يفرضه فرضا بين أدق خطوط حياتها اليومية وبالتالي أصبح الرسم الذي كانت تتعامل معه سابقا شاذا غير مألوف لعيناها:
- يا بابا ماکنش له لزوم تتصل بيه تكلمه يجي فقال الأب مدافعا بمكر:
- یعني أسيبك تيجي لوحدك في أنصاص الليالي نظرت درية مرة ثانية لساعة معصمها وقالت وهي تجز على أسنانها الأمامية بغيظ:
- الساعة عشرة إلا ربع تنصل والدها سريعا من التبريرات التي لا طائل منها وقال:
- خلاص اللي حصل حصل وهوا جاي، استنيه مايصحش الراجل ياخد المشوار على الفاضي وما أن أنهى إتصاله حتى رن هاتفها مرة أخرى فتمتمت درية بغيظ:
- طبعا ما أنت كمان لازم تديله نمرة تليفوني خرجت درية للحديقة الواسعة ولمحت أضواء سيارته تشق عتمتها وفيما كانت تتجه نحوها سمعت إسمها يتردد خلفها فالتفتت له ولاحظت إقترابه العابس نحوها قائلا:

- أنا كلفت عم عيد السواق يوصلك أنت ومدام هدی ولكن بدلا من أن تتعالی موجاتها الصوتية الرقيقة بإعتذار تصاعدت نغمة صوته الخشنة بتحية المساء مقاطعا:
- مساء الخير يا درية فالتفتت أسامة ليطالع الرجل الفارع الطول والمرتسمة على وجهه إبتسامة مضيئة خصها فقط ل " درية " بشيء من الحيرة ردت درية تحية المساء بخفوت قائلة لأسامة:
- مافيش داعي سيادة العقيد هيوصلني، متشكرة وعند ذكره مد يده مصافحا أسامة معرفا بنفسه:
- عقيد طارق الأسمر، خطيب مدام درية وعندما لمح الذعر المرتسم بعيناها قال مصححا:

- أقصد بإعتبار ماسيكون تقبل أسامة مصافحته بإقتضاب وعيناه لا تفارق درية التي هربت بأنظارها بعيدا وداخلها فعليا تخطى مرحلة الغليان وسارت إلى جوار طارق بعدما تمتمت بوداع وشبه کلمات تقبلها أسامة شاكرا لجهدها في تلك الليلة العصيبة وظلت طيلة الطريق صامتة فقط لأنها تدرك جيدا أن الكلمات ستكلفها إنفجارا مأساوي النتائج حتى وصلا للشارع الذي تقطنه وتوقف بسيارته أمام العقار الذي تسكنه فتمتمت بتحية لتنصرف ولكنه أستوقفها قائلا بنبرة إعتذار:
- أنا آسف إن كنت دايقتك لكن . . . . فالتفتت له وقد حان موعد الإنفجار بتوقيت درية المسائي بعد مهازل تلك الليلة التي يبدو أنها غير منتهية:
- اللي حضرتك يا سيادة العقيد صرحتله بخبر الخطوبة واللي أنا ما أعرفش عنها حاجه ده يبقى رئيسي في العمل، حضرتك فاهم ده معناه إيه ؟
هز رأسه مذعنا وقال راجيا:

- درية أنا بقالي كتير بحاول أقرب منك وآخر مرة كنا في المزرعة سوا أظن إني وضحت رغبتي في القرب ده ويكون بشكل رسمي همست غاضبة:
- وأظن إني وضحت إني ما بفكرش في الارتباط نهائي فاعترض طارق:
- لكن والدك . . . قاطعته بحزم:

- والدي ! أعتقد إني أنا صاحبة القرار، وأنا مش لسه عيلة صغيرة فاقترب منها وعيناه مركزة على ملامح وجهها الغاضبة وقال ا بإفتتان:
- أكيد أنتي صاحبة القرار لكن أنا طمعان أنك تغيري رأيك وتديني فرصة فتحت باب السيارة وقالت قبل أن تنصرف:

- كان ممكن تطلب قبل ما تصرح بحاجة بإعتبار ماسيكون، وعموما أنا متشكرة على تعبك فترجل هو الآخر واقترب منها بخطوات مسرعة وقال بإنفعال ملح- أنا آسف وبعتذر منك حقيقي لكن أرجو أنك فعليا تديني فرصة، لينا إحنا الأتنين نظرت حولها بتوتر فالوقت قد تأخر وليس من المناسب أن تطيل الوقوف برفقته فهزت رأسها وانصرفت مسرعة نحو الدرجات التصعد للأعلى     حد الإنهاك حد الألم حد الفقد حد الوحدة حد البعد رغم القرب حد الذنب رغم الكبرياء حد الإشتياق حد الكرامة حد النهاية حد البداية حد المجهول حد الأمل حد الظلام الذي يقبع به منذ ساعة بعد إنصراف الجمع الغفير يبكي بصمت، دموع قهرت عزيمته وانسابت لتعلن معها حد الضعف وبسنوات عمره التي تخطت الأربعون، ضعف يختبره ولأول مرة ضعف يجده ساکنا بأضلعه، أليفا ترتاح له نفسه أليس من حقه أن يشعر ولو لمرة بالحرية في كونه ضعيفا ؟

لقد رحلت من كانت ترفض ضعفه تحاربه قبل أن يعد هوا نفسه للحرب تركته رغم أنها تركت له دوما مؤشرات بقرب الرحيل ربما منذ سنوات ولكنه كان عنيدا لدرجة ظن معها أنها لن ترحل أبدا هل كان عنیدا ؟
، لا بل كان غبيآ كما نعتته مؤخرا رحلت ورحل معها اليوم الأخير ليبدأ من جديد وليست له أي رغبة في تلك بداية خطوات تسحق الحصى من خلفه ولم يحتاج أن يلتفت ليعرف هوية صاحبها فقال:
- قريت كل في الأظرف وأديت أخوك بتاعه ؟

جلس وافترش الأرض إلي جواره:
- أخده بس أظن مش هيقراه دلوقتي فالتفت له جاسر:
- بس لازم علي الأقل يعرف محتوى الباقي، ده حقه نظر له أسامة وشعور بالشفقة مثير للإشمئزاز والحنق داخله يتصاعد نحوه رغم غضبه الشديد منه، مشاعر مختلطة ارتسمت على معالم وجهه ففضحت ما هو مختبأ بين حنايا صدره حتى قال جاسر منزعجا:
- مالك ؟
أنت مفكر أني قولتلها تعمل كده ؟

هز رأسه نافيا وبشدة:
- أكيد لاء، لأنه ده مش في مصلحتك تنهد وقام فقد سأم الجلوس والتراخي:
- لا مصلحتي ولا غير . . ولا هيفرق معايا فرفع أسامة قامته هو الآخر وقال مؤنبا بغيظ:
- واضح، ولا يفرق معاك حتى أن يكونلك من كل ست مرت في حياتك ابن ولا بنت يشيلوا عاهات تفكيرك حد الغضب ومشاعر أخري على الجانب الموازي، خيانة وكشف، وتوقيت سيء والأدهی تورط- وأنت عرفت منين ؟

والضحكة الساخرة دقت أجراس الليل والظلام ورغم أنف التقاليد، كانت من نصيبه:
- هوا أنا بس اللي عرفت؟!
فكان حد الإنتقام وذراعها القابع بين قبضته بصرخ ألما ولسانها يصطرخ:
- جاسر أنت اتجننت ؟
وهسیس صوته المنبعث من بين إصطكاك أسنانه الدامي أثار ذعرها:
- أنت إزاي تجرؤي تقلبي عزا أمي لصوان تهاني . أنت مابتحسيش فامتقع وجهها وغادرت الدماء ولا رجعة قريبة لها على مايبدو:
- بيبي أنا ماقصدتش- أخرسي أنا مش بيبي، أنا جاسر سليم وإن كنت نسيتي مين هوا جاسر سليم يبقي أنت محتاجة اللي يفكرك هل ظنت أنها سترى الشيطان يوما رؤى العين بوجهه المتجهم؟!

هل ظنت أنها ستكون يوما على مقربة من أبواب الجحيم بأنفاسه الملتهبة؟!
هل ظنت أنها ستفقد أنفاسها رغم أن كل ما يحتبسه بين أنامله غليظة الملمس والقوة، ذراعها الأيسر؟!
والسبب نظرة عيناه وفقط- أنا آسفة، حقيقي أنا آسفة، صدقني أنا آسفة همست راجية، فجل ما ترجوه هو النجاة خشیت وإن علا صوتها فستفر شیاطین غضبه من معقلها ويقبض على أنفاسها لأنها تجرأت فقط وارتفعت حد الكراهية- مافيش خروج من باب البيت وهتحترمي ذكرى أمي وسيرة الحمل ده ماتجيش سيرته على لسانك وبذراعها السليم احتضنت الأيسر مثيله ونظرة رعب خالصة تلقي بظلالها على عيناها فلقد عاد بضعة خطوات للخلف وبصوته الساخر المتوعد تابع حديثه:
- أنت مفكرة إنك كده بتربطيني، غيرك مشيت وغصب عنها سابته لأنه ببساطه أصبح يخصني وأنا اللي يخصني مابيتلویش دراعي بيه تحشرجت أنفاسها وعقلها يرفض أنه يلخص أمنيتها بكيونة الأمومة لطفل يكن هو والده لمجرد ملكية لا نزاع عليها، لقرار بالتحفظ والأسر، لعقاب إن أراده يوما كما فعل بسابقتها:

- ده ابننا على فكرة مش ليك لوحدك والرد كان فوريا حد الإقرار ولا مجال للنزاع- بيتهيألك، صلبي وملكي ملكية لا نزاع عليها ملكية لن يفرط فيها فالنساء بحياته وضع مؤقت ومن تردن منهن الرحيل يمنحها حريتها وفورا ولكن من تسري بعروقه الدماء فلا مجال لرحيله إلا بإرادة الله عز وجل هو ليس بظالم وليس بذلك المتجبر بل هو دیکتاتور بنزعة ديموقراطية خالصة قد يظنها البعض تهاونا وتخاذلا ولكنه فقط يدرك حدود ملكيته أتظن نفسها امتلكته بطفل لتصرح بحملها علنا حتي يعرف القاصي والداني أتظن نفسها صاحبة القرار، ألا تدري أنه هو الآمر والناهي؟!

   تعويضا مناسبا، هكذا كانت تفكر فأنفاسهم الهادئة المطمئنة بالقرب من صدرها كانت أكثر من تعویض مناسب لما مرت به منذ بداية اليوم مدت ذراعها لتحتضنهم أكثر وأكثر، فكم اشتاقت لدفئهم لا تريد التفكير في الغد وما يليه وتبعاته الغامضة التي كانت ترهق لياليها سابقا هي الآن تشدو فقط للراحة والنوم بأحضانهم ففيها سكينتها ورغم ذلك شهد الفراش تقلب جنباتها بغير راحة حتى سمعت آذان الفجر يشق سكون الليل فقامت لتوضأ وتفرغ ما في جعبة قلبها في سجود مطول وبكاء لا تدري مصدره ولا سببه ولكنها شعرت بالراحة في طرد الدموع خارج مقلة عيناها وارتاح قلبها بالتخلص من ذلك العبأ وفي الصباح استيقظت متأخرة وبالكاد تستطيع اللحاق بموعد عملها وسمعت أصواتهم الضاحكة برفقة أمها فخرجت من غرفتها وعلى وجهها ترتسم إبتسامتها المشرقة، وارتمى الصغار بأحضانها وقبلها سليم بقوة وهو يلقي عليها بتحية الصباح وسلمی تقول بإنفعال ضاحك:

- المدرسة راحت علينا ابتسمت لها سالي وقالت:
- وواضح أنك مبسوطة ألقت تحية الصباح على والدتها وقبلت رأسها ولم يغب عن ناظريها نظرة أمها المتأملة والمتألمة لحالها وقالت هاربة:
- أنا يادوب ألحق الشغل فعبست مجيدة:
- ما تاخدي أجازة وريحي يابنتي النهاردة واقعدي مع ولادك هزت رأسها بإعتراض:
- مش هينفع يا ماما أنا غبت إمبارح ممكن بكرة أو بعده، بس ححاول أرجع بدري ماتقلقيش تناولت فطورها برفقة أسرتها الصغيرة سريعا وارتدت ملابس الحداد کالأمس دون تفكيير، فقط لم تستطع الخروج من المنزل بملابسها المعتادة    قطعة من الورق هذا ماتبقى له بحوزته کلمات تحمل له ذکری غالية ووصية ثمينة تعوضه بجزء يسير من فقدان ثروته ولكنها فشلت في تعويض روحه التي تشعر بالخواء دون أنفاسها لم يكن قريبا منها ولكن كان يكفيه مجرد المعرفة بأنها موجودة في إنتظاره بأي وقت واليوم ماعادت بإنتظاره عودته كما إعتاد لقد رحلت ورحل معها شعوره بالاطمئنان لقربها سمع طرقا على الباب فرفع رأسه ومسح عيناه بسرعة وطالع وجه أخيه المتجهم الذي ما أن رآه مرتديا حلته حتى قال:

- أنت رايح على فين على الصبح كده ؟
فرد بإقتضاب:
- راجع القاهرة فزجره أسامة ساخرا:
- مستعجل ليه ؟
وراك إيه هناك أهم من اللي هنا ؟
تنهد زياد بتعب وقال:
- ماعدتش تفرق يا أسامة صدقني، عموما أنت معاك أكيد نص من الوصية ورقم حسابي في البنك أنت عارفه ولو جاسر مش عاجباه الوصية فأنا هاخد نصيبي کفایه قبض أسامة على ذراعه وقال غاضبا:

- أنت مش كل موقف تتحط فيه تهرب منه . اتحمل مسئوليتك للآخر أنا وأخوك مش مسئولين عنك فرد زیاد بغضب أكبر:
- أنت بتسمي ثقتي فيكوا تنصل من المسئولية يا أسامة فعقد أسامة حاجبيه غاضبا:
- أقف وواجهه، أطلب حقك، دي شركتك فهم زیاد ما كان يرمي له أخيه فقال مستهزءا:
- وفكرك هيدهالي وبعدين ملعون الفلوس اللي هتخسرنا بعض، خليهاله، أنا الحمد لله ماشي في حياتي كويس ومش ناقصني حاجة هز أسامة رأسه وقال معنفا:
- وأنت فاكر أخوك طمعان في فلوسك، هوا عاوز يحس أنك خايف على أملاكك واتعلمت الدرس فمضى نحو الطاولة ورفع الظرف الذي خطته أمه بيدها وقال بأعين دامعة وأنفاس مختنقة:

- صدقني أنا اتعلمت حاجات كتير أوي خصوصا بعد ده، ده أعظم درس فنكس أسامة رأسه وتمتم معتذرا:
|- أنا مش قصدي . . . . فقاطعه زیاد بصوت هادیء:
- أنا عارف أنك بتخاف عليا، علينا، بس اطمن أنا كويس وراجع إن شاء الله قريب   غيابها المفاجيء بالأمس بالإضافة لهيئتها المتشحة بالسواد صباحا أثار قلقه، ولم يستطع منع نفسه من إستراق السمع لهمهمات العاملين حولها حتى اقتنص فرصته بالإقتراب عندما كانت بمفردها في العيادة طرق الباب بخفه وابتسم لها على حذر وهو يقترب:
- البقاء لله هزت رأسها وقالت بأسف:
- أنا آسفه على غيابي المفاجيء إمبارح والنهاردة كمان جیت متأخر و جلس وعيناه لا تحيد عنها:
- مايهمكيش، أنا عرفت أنها كانت حماتك، أأقصد اللي كانت هزت رأسها متفهمة وقالت لترفع عنه الحرج:
- آه الله يرحمها فقال بفضول لم يستطع كبحه:

- هيا كانت مقربة منك ؟
إرتسمت الحيرة على وجهها، ولم تدر لوهلة ما الإجابة هل كانت يوما مقربة منها ؟
حسنا، إذا كان الشجار اليومي والمشاكل التي كانت لا تحصى ولا تعد، تقاربا فنعم هي مقربة وللغاية كان ينظر إليها محدقا بكل خجلاتها والانفعالات المتابينة التي تمر على وجهها مرور الكرام تباعا حتى قال:
- للدرجادي الإجابة صعبة؟!
ضحكت ساخرة رغما عنها وقالت وهي تشعر بالحزن لأنها وأخيرا تلقنت الدرس على نحو جيد ومؤسف في الوقت ذاته:
- یعني أحيانا بتعيش مع ناس عمرك كله ماتحسش بوجودهم أو ساعات بتتمنی تبعد وساعة الفراق تحس أن العشرة كانت حاجة مهمة أوي هز رأسه متفقا معها وزم شفتيه مستاءا:

- الفراق بيعيد ترتيب حساباتك، بيخليكي تشوفي اللي ماكونتیش عاوزه تشوفيه قبل كده صمتت لبرهة، بالفعل لقد أعادت هي ترتيب حياتها بعد الفراق أبصرت تغيرات جذرية أطاحت بما كان في مأمن ومسكن ومستقر أطفالها في المقام الأول ولكن هل خسرتهم بالفراق ؟
لم تشعر بخسارتهم ولكنها باتت تشعر الآن وعلى نحو يومي بقيمتها بحياتهم بقيمتها هي في الحياة ولكن مع ذلك تتوق لمعرفة قيمتها بحياته، هل يفتقدها ؟
سخرت من نفسها وبشدة عند تلك الخاطرة فالزوجة المصونة تحمل بأحشائها بذرة تنمو، فأي إفتقاد يشعر به ؟
لقد محيت من حياته وشرع هو بإستئناف مسيرته على أكمل وجه كل ذلك وملامحها باتت مدروسه بإتقان بين ثنايا عقل کریم الذي أصبح متعلقا دون يدري بخباياها حتى قال دون مورابة:

- سالي أنت انفصلت عن زوجك إمتی ؟
إنتشلها من بحور حيرة أفكارها لترتسم الدهشة على ملامحها بل والصدمة، إذ أنه لم يسأل فقط عن أمر شخصي يخصها بل رفع أيضا الألقاب الرسمية بينهما ونادها بإسمها ومع ذلك لم تتمالك لسانها الصريح وأفصحت عن ما يدور بخاطرها:
- مش شايف أنك بتسأل في أمر شخصي جدا؟!
هز رأسه وقال بإصرار وعيناه مركزة على تورد وجنتيها الخفيف:
- عارف، بس على نحو ما حاسس أنه حقي ماتسأليش إزاي فضحكت رغما عنها وقالت:
- أنت صريح أوي هز رأسه متفقا معها:
- مش بيقولو الصراحة راحة، وبلطف أردف:

- ماجاوبتيش عن سؤالي فأجابته ببساطة:
- بالظبط 91 يوم فلمعت عيناه وهو يكرر بهمس ورائها:
- شهور العدة زائد يوم فهزت رأسها صامتة وساد الصمت بينهما لوهلة حتى قام فجأة وقال قبل أن ينصرف:
- عشان كده النهاردة وشك باين عليه أنفاس الحرية فعبست متعجبة ولم تفهم ماذا يقصد أو فهمت ولكنها لم تصدقه هل تحررت بالفعل من أسر جاسر سليم؟!
هل باتت تطير حرة في سماء الكون بعيدا عن فلكه؟!
  ببساطة لا يوجد تعريف آخر على ظهيرة الأرض سواه فهذا هو جاسر سليم يدفن أمه بالأمس القريب وفي اليوم التالي يظهر بكامل عنفوانه حلة أنيقة قاتمة ذقن حليق عطر يصيب المحيطين بالدوار وخطوات واثقة كأنما تخضع حدود جاذبية الأرض لقوانينه الخاصة راقبته درية وهو يتقدم منها ملقيا عليها بتحية الصباح بنبرة صوته الهادئة وأتبعها بأمر حاسم:

- کلمي مجدي المحامي خليه يجي، واتصلي بأسامة بلغيه بالمعاد اللي هيوصل فيه مجدي هزت درية رأسها وشرعت بالفعل في أداء ماطلبه منها وماكانت سوی ساعة من الزمن حتى كان يجلس برفقه أخيه والمحامي الذي كان يقلب أوراق الوصية التي تركتها الراحلة متحيرا وإمارات العجب مرسومة بوضوح على وجهه حتى قال:
- أنتوا یعني موافقين على الوصية بالشكل ده إحنا ممكن نطعن فيها لأنها مش مستوفيه الشروط القانونية زجره جاسر بنظرة نارية ونبرة صوته إحتدت:
- الوصية هتتنفذ بحذافيرها أنا جايبك عشان تبدأ في الإجراءات نظر له مجدي ومن ثم لأسامة الساكن والذي كان يبدو أنه متفقا مع أخيه فقال مرة أخيرة:
- وزیاد موافق هوا كمان ؟

فرد أسامة مؤكدا:
- أيوا ماعندوش إعتراض حمل المحامي الأوراق وقال بعملية وهو يهم بالإنصراف:
- إذ أنا محتاج أقعد مع دادة نعمات ومدام سالي وزياد مفروغ من أمره وبالنسبة لبقية التركة فهبتدي في إجراءات إعلام الوراثة | فورا خرج مجدي مسرعا وهم أسامة بالإنصراف وراءه ولكن جاسر استوقفه قائلا:
ا- ماکنش قادر يستنی كام يوم كمان ؟

تنهد أسامة والتفت له مؤنبا:
- زیاد بیمر بوقت صعب يمكن أصعب مننا وأنت الوحيد اللي تقدر ترجعه هو المتهم الأول والأخير كان حريا بهم القول " فتش عن جاسر سليم " وليس عن المرأة كما قال نابليون فابتسم متهكما وهو يخرج من درج مكتبه مظروفا ألقاه ليد أخيه فتلقفه عابسا بعجب:
- إيه ده ؟
فرد بإقتضاب:
- افتحه تطلع أسامة للأوراق التي تثبت ملكية زياد لشركته وعقد البيع الذي خطته " داليا " بتوقيعها لجاسر مباشرة ومن ثم بتاريخ لاحق عقد بيع من جاسر لصالح زیاد فغمغم أسامة خجلا:
- کنت مفكر أنك . . قاطعه جاسر غاضبا:

- على فكرة لولا أن الشركة كانت محتاجة شغل كتير مني وطبعا أخوك لغي التوكيل اللي كان بيني و بينه أنا كنت خليت عقد البيع من داليا ليه مباشرة، أول ما أمور الشركة أتعدلت عينت مجلس إدارة وعضو منتدب مسئول عن أمور شرکته اقترب منه أسامة وأعاد له المظروف:
- خليه معاك، كده ولا كده أنا حاسس أنه ماشي في طريق ومش هيغير مساره دلوقتي رفض جاسر عرضه وقال مصرا:
- خليه معاك أنت، أنت اللي هتدهوله وقت ماتحس أن مساره أتعدل وهمس وهو يعود للوراء متنهدا بعتب:
- أنا فيا اللي مكفيني جلس أسامة وأنظاره مرتكزة على وجه أخيه يحاول إستنباط مايدور في عقله من أفكار معقدة:
- سوسن الله يرحمها عقدتهالك، خمسة مليون لحساب سالي مش مبلغ هين رمقه جاسر بغيظ:
- ده الشماتة هتطق مع عينك يا أخي فضحك أسامة بصخب قائلا:

- قال يعني أنت هتغلب بكرة تلاقي طريقة تعيد بيها الوصال، هيا يعني هتعرف تعمل حاجة بالفلوس دي كلها وأقطع دراعي إن ماكنتش ترفضهم تألقت أنظاره وكأنما بعثت النشوة من جديد بخلاياه، ودبت الحماسة بأوصاله فمهما تقطعت الخيوط بينهما ومهما صارت لعبته بعيدة عنه ومهما شعر بیدیه عاجزتين عن الإمساك بها فستتجدد الخيوط بينهما تلقائيا وللقدر تدابیره فغدا تعود لعبته بمكمن بين أصابعه وتلك المرة سيحرص على جذب الخيوط وشدها بقوة فلن تبرح مكانها بين أنامله ذلك قدرها المرسوم منذ البداية فهي دائما وأبدا لعبة عاشق أنظاره قاتمة سوداء كحلته خرج ولم يبرح مكانه من أمام مكتبها المستطيل فرفعت أنظارها الحذرة نحوه وقالت ببرود:

- خیر یا باشمهندس؟!
فرد ببرود يماثلها:
- من هنا ورايح إطبعي نسخة زيادة من التقارير المالية للمجموعة تعجبت وقالت:
- ليه ؟
فقال ساخرا:
- بعني علي إعتبار ماسيكون رفعت رأسها بغتة واحمرت عيناها وارتسمت ملامح الغيظ على وجهها وقالت:
- وياترى إيه اللي سيكون ؟

فاقترب منها وبفحيح صوته أجاب:
- ده اللي مستني أعرفه منك يادرية فقامت وانتصبت قامتها نحوه بتحدي:
- شؤوني الشخصية مش من حق أي حد يحاسبني عليها فاكفهر وجهه بطوفان غضب وقال بصوت جعلها تهتز في وقفتها رغم أنه لم يكن مرتفعا بل بالكاد مسموعا:
- إلا أنا...

الفصل التالي
جميع الفصول
الآراء والتعليقات على الرواية