قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية لازلت أتنفسك للكاتبتان آية عبد العليم و نهال مصطفى الفصل العاشر

رواية لازلت أتنفسك للكاتبتان آية عبد العليم و نهال

رواية لازلت أتنفسك للكاتبتان آية عبد العليم و نهال مصطفى الفصل العاشر

شعاع الشمس كان بالنسبة لها كسفينة النجدة التي انتشلتها من الغرق في متاهة مخاوفها، فزعت من فراشها بجسد مرتجف مما عاشته ليلة الأمس، بدون تفكير وضعت مقعد مكتبها بجوار خزانة ملابسها ثم وقفت فوق لتتناول الحقيبة من فوقها، سرعان ما دلفت من أعلى لتلملم ملابسها بداخل الحقيبة الجلدية على عجل، وأثناء انشغالها بتجهيز الحقيبة لم تخل عينها من ذرف دموع الوجع والخوف معًا.

استيقظ عمر أخيها بجسد هزيل مردفًا بتباطئ
- داليدا ! ماما جات ؟
دارت بجسدها لتخفي دموع عينيها محاول استجماع شتات قواها ثم عاودت النظر له محاولة رسمت ابتسامة زائفة:
- ممكن تصحي زينة جنبك عشان هنمشي .
قضب الصغير حاجبيه بخوف وقلق
- هى ماما خلاص مش راجعه تاني زي ما إبراهيم قالي .. !

سكينة أخرى تمر على ماتبقى من فُتات قلبها ثم تنهدت بمرارة
- ماما في مكان أحسن كتير دلوقغتى ياعمر .. ادعيلها .
ذرفت دمعة من طرف عين الصغير
- طيب هى لما توحشني أعمل إيه ؟!
تنهدت بمرارة وجع وألم، فكيف تُجيب على سؤال يسكنها ! فماذا نفعل عندما نفتقد ونشتاق إلى أشياء لم يعد لها وجود ! الاكتفاء بذكريات !.. أم البكاء على أطلال الماضي .. ! أم نعيد ترميم أرواحنا لمواكبة السير في السباق الدنيوي ! الاشتياق مؤلم ولكن إلى أي درجة من الألم نصل عندما نشتاق لأناس اختفوا من عالمنا !

قربت من أخيها لتقبل جبينه بحنان قائلة
- يلا قوم عشان هنمشي ..
أردف عمر بصوت به نبره البكاء وهو يجفف دموع عينيه بكفيه الصغيرين
- داليدا .. أنا عاوز ماما دلوقت !
احتضنته بحنو وهى تذرف دموع قلة الحيلة والألم قائلة
- حرام عليك ياعمر !
ثم مدت كفها لتوقظ أختها قائلة
- زنون يلا قومي ..
دافنه رأسها تحت وسادتها قائلة بصوت باكى
- أنا صاحيه ياداليدا .. بس خايفة أقوم ملاقيش ماما في البيت ..

كلما غادر ألم أتى غيره ركضًا نحوها، كلما حاولت أن تستقوى تأتي رياح همومًا عكسًا فترجعها للخلف .. أصبح الحزن بالنسبه لها صديق مخلص، مترسخ في صلبها دائما كأنه أقسم على عدم الفراق، تنهدت بتنهيدة رجاء متوسلة له كى. يغادرها، بداخلها أصبح ظلام، كهف هجره الناس من ظلمته، لم تجد عكازًا تستند عليه إلا حزنها ..

نصبت عودها بحماس محارب ممزق الجسد ولكنه وقف في ساحة الحرب ليعاود الصراع بشرف وبسالة، تسلحت بسلاح بسمتها الزائفة قائلة
- وبعدين فيكوا بقى ! احنا من النهارده سوا ومحدش هيقدر يفرقنا أبدًا .. تعالوا نتفق على اتفاق !
اعتدلت زينه من وضعية نومها وهى تجفف دموعها، رفع عمر عينيه ناحيتها باهتمام، كملت داليدا كلماتها لتعيد شحن قوتها مجددًا كأنها قاصده أن تلقي على أذانها الكلام لتنفذه، لعدم استسلامها لضعفها
- أي رأيكم لما ماما توحشنا نقوم كلنا نصلي وندعيلها بالرحمة ..
زينة بحزن: هى ماما خلاص راحت عند ربنا ..

عبثت داليدا في شعرها بحنو
- ااه ياحبيبتى .. وربنا أحن عليها من أي حد، ماما دلوقت قاعدة فالجنة وبتراقبنا من فوق تشوفنا هنعمل إيه ! هنبقى أقوية ونفرحها ولا نضعف وهى تزعل مننا !
عمر ببراءة طفولية: يعني ماما هتزعل مننا لو عيطنا ؟
- ااه ياعمر هتزعل مننا .. وأنت طبعًا مش هيرضيك زعلها !
زينة بتلقائية وبصوت طفولى:
- لا خلاص احنا مش هنعيط تاني خالص عشان ماما متزعلش ..
داعبت شفتيها شبح بسمة انتصار قائلة
- طب يلا قوموا جهزوا لبسكم عشان هنمشي ..
عمر بفضول:
هنسيب بيتنا ونروح فين ؟!
- هنمشي ياعمر .. هروح الشغل نطلب شقة صغيرة كدة ويارب يوافقوا .. المهم إننا مش هنرجع هنا تاني .. يلا قوموا قبل أهل الحارة مايصحوا ..

نهض زين من نومه بحماس ونشاط لتقع عيناه على عبوات النبيذ الفارغة فوق الطاولة الزجاجية، شعر بشيء من الانتصار يملئه،، طيف من ذكريات ليلة أمس مر أمام عينيه كشريط سينمائي معسول، قرب من خزانة غرفته ليختار البدلة التي سيرتديها قائلًا بفرحة
- الستات دول نوع خمرة فاخر هما بس اللي قادرين يغيبوا الجسم كله عن الوعي ..

ألقى رداءه فوق مخدعه ليلتفت نحو مصدر رنين هاتفه .. ليرد بتبسم
- والله ياعم صحيت .. مافيش ثقة فيا خالص ؟!
أكرم وهو خارج من باب غرفته بنشاط
- نص ساعه ياسباعي لو ملقتكش فالشركة مش هيحصل طيب ..
ضحك زين بصوت عالي
- خلاص ياعم .. أهو أنت اللي معطلني .
- أنا بردو ! طب أنا نزلت ..
- وأنا نص ساعه وهتلاقيني عندك ..

انتهت مكالمته مع أكرم لتسقط عيناه على خلفية شاشة هاتفه ليجد صورتها .. ظل يتأملها طويلًا بعيون عاشت طول عمرها في الظلام متعطشة لشعاع نور
- كل مرة كنت أسيبك وبترجعي .. اشمعنا المرة دي مرجعتيش ! اااه ياداليدا لو تعرفي إني عملت كدة عشان احميكي من أنانيتي وظلمي .

شبح كبريائه وغروره ظهر أمامه في المرآه ليقول بصوت قوي
- تستاهل .. مكنش ينفع إنها تحبني ؛ أنا ما أتحبش كان لازم تاخد بالها من تمثيلي وتفهم ..

ليردف صوت آخر بداخله قائلاً
- بس أنت حبيتها ! اشمعنا هى اللي كانت ليك خط أحمر ! اشمعنا هى اللي كنت بتخاف عليها من نفسك ؟
احنا مش بنخاف غير لما نحب ! اعترف ياخى وبطل عند .. أنت مش عاوز تعيش شخص طبيعى أبدًا ! عاجبك القرف اللي أنت فيه ؟! مش يمكن هى شعاع النور اللي عينيك مستنياه !

هز رأسه بقوة ليفوق من ضجيج أفكاره .. أصبح كل شيء يذكره بها حتى مرآته تشكلت بملامحها عندما ينظر بها يجد وجهها وليس وجهه ؛ طرد جيوش أفكاره بانشغاله فى ارتداء ملابسه لينغمس في أعماله معتقدا أنها ستساعدنا على النسيان .. للأسف إذا قتلت وقتك عملًا لنسيان من أحببت فذلك في حد ذاته تبصم له في ذاكرتك..

وصلت داليدا بصحبة أخواتها إلى موقف الأتوبيس لتلقي آخر نظرات وداع عليه، تتفقد أوجه الماره وحالتهم .. همس لها عمر
- داليدا .. احنا واقفين ليه مش هنركب !
هزت رأسها لأسفل ثم اتجهت نحو باب الأوتوبيس ..

وصلت أمام مبنى الجريدة الضخم، في يدها حقيبة ملابسها والأخرى حاضنة بها أخوتها ..
زينة: أنتي بتشتغلي هنا يا داليدا !
أومأت إيجابًا
- اااه .. بصوا هتقعدوا فالجنينه متتحركوش فاهميني، هطلع أشوف المدير وأرتب الدنيا وأنزلكم ماشي ؟

سارت معهم نحو حديقه المبنى لتجلسهم فوق أريكه خشبيه منادية على الجنايني
- عم عباس .. معلش ممكن تاخد بالك من إخواتى ! هطلع فوق نص ساعه ونازلة ..

عم عباس: في عنيا يابتى متقلقيش .. حطي في بطنك بطيخة صيفي ..
أرسلت نظرة عليهما وجدتهم يمرحون مع بعضهم ويركضون بفرحة ثم أردفت قائلة بتوسل
- عم عباس مش هوصيك والنبي ..

تركتهم وسارت نحو المبنى، دلفت داخلة بعجل صوب مكتبها
- سارة .. فؤاد بيه جوه !
هزت رأسها بالنفي
- لسه هيجي الساعه ٩ .. أما أنتى مالك لابسه أسود ليه ؟! ووشك مخطوف كدة ليه ..

ذكريات ليلة أمس تمر أمامها، جعلت جسدها يرتعد ليختل اتزانها فتجلس على أقرب مقعد، ركضت سارة نحوها بلهفة
- مالك يابنتى ! دانتى ضايعة خالص !
مسكت رأسها محاولة تجاوز ألآم رأسها
- ادعيلي ياساره ادعيلي ..
- حصل إيه بقى قوليلي ..
بللت حلقها من مرارة الذكريات التي تركض بداخلها قائلة ببكاء
- ماما اتوفت امبارح، وأنا مش قادرة أقعد فالشقة، شيفاها في كل مكان، جيت أطلب من فؤاد بيه يشوفلي شقة حتى ولو أوضة وحمام تبع الجريدة، المهم مرجعش البيت تاني ..

احتضنتها رفيقتها بحنان
- ياحبيبتي .. هوني على نفسك .. اهدي اهدي إن شاء الله هتتحل ..
جففت داليدا دموعها المنسكبة
- أنا بخير .. متقلقيش .. ادعيلي بس ربنا يسترها عليا ..
- يارب يارب ياحبيبتي .. ربنا يهونها عليكي ..

في فندق بالجيزة

يتقلب فراشه من شدة القلق والرهبة، تراقبه بعيون حائرة أثناء نومه، أرادت أن تسأله، تستكشف ما يقل راحته، ولكنها تعلم جيدًا أن الإنسان عندما يصل إلى مرحلة القلق المكتوم ليس من حق مخلوق أن يسأله عما يشغله، فقد يُحضن .. يُحضن ليطمئن ..

وثب فريد قائمًا فوق مخدعه متجهًا نحو المرحاض، رمقته بنظرة حزينه صامتة، بعد مرور عدة دقائق خرج فريد ليجدها مجهزة له ملابسه التي سيرتديها قائلة بحب بالعربية
- ملابسك جاهزة .. اتفضل .
نظر لها بامتنان واخد ما بيدها ليرتديه، عاونته في ارتداء ملابسه وبعد ما انتهوا صوت طرق على الباب، تبسمت مارتن بحب
- طلبت فطار، غير صحيح خروج بدون طعام ..

في مبنى الجريدة
دلفت داليدا إلى مكتب رئيس الجريدة بعدما انتظرته قرابة ساعة، تسير بخطوات بطيئة راجية إلى ربها كي لا يخيب ظنها .. تبسم فؤاد ثم أردف قائلاً بمزاح
- من أول شهر كدة غياب ياداليدا !
طأطأت رأسها أرضًا ثم أردفت قائلة
- أنا أسفة .. بس ماما اتوفت ووو
فؤاد مقاطعًا
- الله يرحمها ويصبرك .. مطلبتيش ليه أجازة !
أجابته بيأس قائلة
- أنا دلوقتي محتاجة الشغل أكتر من أي حاجة في الدنيا ..
نظر لها بشفقة قائلا
- لو احتجتى أي حاجة فاأنا تحت أمرك ..

تبسمت بامتنان ثم قدمت ما بيدها من أوراق قائلة
- مقال الأسبوع .. اتفضل حضرتك ..
أخد ما قدمته ليمرر عينيه عليهما باهتمام
- تمام ياداليدا .. شكلوا حلو ..
- يارب يعجب حضرتك ..
- كفاية أنتي اللي كتباه ..
فركت كفيها بتوتر ثم أردفت قائلة
- هو أنا ينفع أطلب !
اجابها بتلقائية: طبعا ياداليدا أنتي زي بنتي .. اتفضلي
- اللي أعرفه إن الجريدة بتقدم شقق بسعر مخفض للصحافين المغتربين .. صح .

أومأ راسه إيجابًا
- دا صحيح .. بس الحاجات دى بتحتاج وقت ..
أجابته بلهفة
- يعنى أد إيه !
- مش أقل من ١٥ يوم لشهر .. أنتي محتاجه شقة ..!
طأطأت رأسها بضعف محاولة إخفاء دموعها لتقول بخفوت
- محتاجة شقة ايجار بنص مرتبي .. عشان ظروفي صعبة أوي اليومين دول ..
شعر فؤاد بالأسف والحزن على حالتها قائلًا
- صعب أوي دلوقت ياداليدا .. بس أنا ممكن أصرفلك مرتب شهر مقدمًا .. تمشي بيه أمورك .. وأنا هحاول أدبرلك مع الإداره حوار الشقة دا ..

آخر حبل للأمل بالنسبة لها انقطع، بللت حلقها الجاف قائلة
- طيب ممكن آخد أجازة اليومين دول من الشغل، واشتغل إلكتروني،، والمقال هيوصل لحضرتك في معاده كل أسبوع ..
فكر فؤاد لبرهه ثم قال
- مع إنه ما ينفعش بس تمام .. إن شاء الله صحتك تتحسن وتعوضي كل دا .. أنا هكلمهم دلوقتي يصرفولك الراتب .. وأي جديد في موضوع الشقه هقولك ..

أومات إيجابًا ثم شكرته بامتنان وغادرت .
في إحدى أقسام الشرطة
صفعة قوية تهبط فوق عنق إسماعيل من أحد العساكر قائلًا
- كلم الباشا عدل يلااا ..
تألم إسماعيل من شدة الصفعة قائلاً تحت تأثير مخدره
- ياعم إيدك تقيلة ..
كاد أن يصفعة العسكري مجددًا ولكن الظابط أشار له بالتوقف ثم أردف قائلًا
- قتلت مراتك ليه ياإسماعيل ..
يقف مختل الاتزان أمامه ثم أردف قائلا
- يابيه كانت وليه زنانة فكنت بربيها ..

ضجر الظابط من برودة رده قائلاً
- تربيها تقوم تقتلها ياروح أمككككك !
ساد الصمت لبرهه ثم زفر الظابط بضيق قائلًا للكاتب
- اكتب يا بني، في صباح اليوم .. اكتب التاريخ، تم إلقاء القبض على إسماعيل محروس القط في إحدى إشارات المرور تحت تأثير جرعة عالية من المخدر بواسطة أحد ظباط المرور ملازم أول حمدى السيد ..

بعد ما أنهى الظابط من التحقيق معه أشار للعكسرى قائلاً
- خده يابني على الحجز أما نشوف أخرتها ..
انتهى زين من إعطاء شحنات الأوامر إلى الموظفين، وتدوين ماينقص بداخل مخازنه، وتقسيم الشحنات المطلوبة من أجهزة الكمبيوتر على أيام العمل .

جالسًا مع أكرم في غرفة مكتبه يتفقان على برنامج العمل، أردف أكرم قائلاً
- بص شحنات فريدة رشوان هتكون معايا هى والسيبر .. والراجع الإماراتي وطلبية القاهرة عليك .. تمام ؟
زين باهتمام
- لا مش تمام .. فريدة رشوان دي سيبهالي أنا .. وأنت خليك مع الراجل الإماراتي ..
رمقة بنظرة شك قائلًا
- مش مرتاحلك ياصاحب والله ..
- ياخي .. كله بزنس متقلقش .. ثق ف صاحبك ..
- المصيبة صاحبى مش محل ثقة ..
ضحك الصديقان ثم قطعت مزاحهم السكرتيرة قائلة
- زين باشا في موظفين تحت عشان الإنترفيو للشغل الجديد ..

نظر زين لأكرم باستغراب
- يابني وأنت لحقت !
ضحك أكرم بثقه وفخر
- ياعم مافيش وقت للجرايد والإعلانات .. هو بوست نزلته بالليل على صفحتي .. في ظرف ساعة كان مقفل الألف لايك .. وأهو النتيجة تحت ..
رفع زين حاجبه بتعجب
- لا ناصح .. طب انزل قابلهم واختارهم كويس .. اللي يستاهل بس، ولازم يكون عندهم خبره .. وأنا هعمل إتصال كدة وجاى وراك ..
وثب أكرم قائمًا بحماس
- بس على الله ماتخلعش بعادتك ..

انصرف أكرم ثم أجرى زين إتصالًا تليفونيًا بابن عمه الدكتور عماد
- فينك مختفي يعني !
عماد وهو يرسل نظرة لمراد بالتزامه الصمت
- مطحون فالشغل والله يازين ... مالك فيك حاجة !
تردد زين في حديثه ثم أردف قائلاً
- عماد .. هو انا ممكن أخف من سطوة أوهامي امتى ..
فكر عماد في حديثه مستغربًا لكلماته التي يردفها لأول مرة، فهو يبحث عن كونه إنسان طبيعيًا، إنسانًا مُكتفيًا بشخصٍ واحدٍ في حياته بدون ملل أو كلل، بدون نفور .
ضحك زين بصوت خافت:
- أنت اتصدمت ولا إيه !
- بصراحة جدًا ... احنا لازم نتقابل .

زين بتفكير
- مشغول أوي الفترة دي مش هينفع .. بس عاوز أسألك .. هو أنا ينفع أرجع طبيعي ..
- انت طبيعي يا زين .. مشكلتك مش عارف عاوز إيه، لو رميت نفسك في مكان وأنت عاوز غيره عمرك ماهتعيش مستقر .. فهمتني ؟!
- هرجعلها .. معاها أنا ببقي طبيعي ..
عماد رغم انه يدرك الاجابه ولكنه أردف قائلاً بفضول
- مين هى !
اجابه زين بتلقائية
- داليدا ... هرجع أكلمك بعدين سلام ..
مراد بفضول
- ماله ..

عماد بقلق: حالته بتدمر .. عاوز يرجع لداليدا ..
مراد بفرحة: طيب ما دي خطوة حلوة .. مالك بقى ..
عماد بخوف وقلق بالغ
- داليدا لو ظهرت لزين تاني يبقى بتدمره بتدمر نفسها ! فاهمني يامراد ..
مراد باهتمام
- لا براحة عليا كدة وفهمني ...
قرب عماد من ساعة البندول العالقة فوق الحائط
- زين عنده طفرة شاذة، الطفرة دي تملكيه زيادة بمعنى إن ماتخلقش اللي يقوله لأ ... حاجة جواه بتصحى تفكر وتلعب في دماغه عشان يوصل للحاجة اللي بعدت عنه .. زين كان طبيعي لحد ما طردها من حياته .. لأنه حب .. واللي بيحب من حقه يحمى حبيبه من نفسه، لكن زين اللي كلمني دلوقتى على أول سلمه الخطر .. زين عاوز ينتقم من داليدا بس خياله المريض دخله من حتة كونه إنسان طبيعي ..

فكر مراد بقلق قائلاً
- معاك حق .. هتعمل إيه ؟
- داليدا لازم تختفي من حياة زين .. لازززم .
- طب أنت معاك رقمها ؟
- مابتردش طول الوقت مقفول .. وأنا معرفش عنها غير اسمها وشكلها ..
مراد بثقه
- والجريدة اللي بتشتغل فيها ..
عماد بحماااس معاك حق .. لازم نروحلها قبل مايوصلها ونفهمها حالته .. يمكن توصلنا لحاجة ..

في حي إمبابة
وصل فريد إلى الحارة محاولًا استرجاع ذكرياته الأليمة التي قضاها في هذا المكان .. ظل يتفقد المنازل القديمة، والزحمة وتصادم المارين بين الأزقة، وصل عند بوابة العمارة مشققة الجدران مدلفًا داخلها بحماس مستعدًا للمواجهة التي في انتظاره .. صعد لأعلى محاولًا أن يتذكر الشقة .

وجد أمامه إحدى السيدات تضع سلة القمامه أمام شقتها مردفة
- أنت مين ؟ وعاوز مين !
أجابها فريد قائلاً
- الست سعاد أم داليدا .. فين! مش دي شقتها ؟
ضربت أم ابراهيم كف على الآخر قائلة
-ألف رحمة ونور عليها .. الموت خطفها من وسطينا .. إنما أنت فين يااخويا ..
صاعقة سقطت على آذان فريد، لم يستوعب ما قالت السيدة ردد بخفوف
- سعاد .. مااتت !

ألقت السؤال نحوه مرة أخرى بفضول
- ماقولتش أنت مين يابيه !
رفع عينيه نحوها قائلاً
- أنا طليقها وأبو داليدا ..
تفتنته باستغراب قائلة
- أنت لسه عايش! قصدي داليدا جوه استنى أخبطلك عليها ..

تركت أعتاب شقتها متوجهة نحو باب الشقة المقابل لتدق الباب بقوة
- ياداليدا اصحي .. أبوكى رجع .. عوضك يابتى على حرمان أمك ... افتحي كل دا نووم !
فريد بقلق: أنتي متأكدة إنها جوه ؟
- اااه دانا بنفسي سبتها بالليل .. تلاقيها نايمة وقافله باب الاوضو مش سامعة ..

مرت دقائق على انتظار فتح داليدا للباب دون جدوى، أصيب فريد بخيبه أمل جديدة ثم قال بقلق
- يمكن جرى ليها حااجة، انا لازم اكسر الباب ..
اخترق حديثهم قدوم صبي يحمل طاقة الخبز فوق كتفه قائلًا
- العيش ياأم إبراهيم ..
أم إبراهيم: شالله تعيش ياعبده .. إلا قولى أنتوا وبتفتحوا الفرن الصبح ماشوفتش ست داليدا
عبده: اااه مشت هى وأخواتها الصبح بدري، وكان في إيدها شنطة كبيرة .
ضربت السيدة فوق صدرها بقوة
- يامري .. البت راحت فين باخواتها وهى ليها مين تروحله .

قرعت طبول الخوف على فقدان ابنته مرة أخرى قائلاً بلهفة
- طب أنا ممكن أدور عليها فين !
أم إبراهيم: في الجريدة .. مكان شغلها ..
- شغلها !
- ااه دى بتشتغل صحفية كد الدنيا وهتطلع على التلفيزيون ..
- طب اسمها إيه الجريدة دي .. أو عنوانها اييه ؟
- استنى ياخويا آخد العيش من الولا وادخل اصحي ولدى أجيب منه العنوان.

على شاطئ إسكندرية
دلفت من _التاكسي_ الذي صف أمام شاطئ بصحبة أخواتها وهى تجر خيبات الوجع والألم بداخلها، لم تُدرك لماذا أقدامها تقودها دومًا لذلك المكان، ما العلاقة بين المكان وراحتها ! ربما الذكرى الوحيدة الملموسو الباقية لها، ملأت صدرها بهواء إسكندرية كي يطيب ما بداخلها من أوجاع ..

ظلت تتفقد البحر بعناية كأنها تروي عليه ما فعلته بها الدنيا، تشكي له همها، كانت تراه يصاب بهياج في أمواجه المتراطمة بمجرد ما تردف عليه أوجاعها .

أردف أخيها الصغير بصوت ممزوج الهواء القوي قائلاً
- احنا جينا هنا ليه ياداليدا .
رمقت أخيها بنظرة خاطفه فقالت
- هنعيش هنا كام يوم وهنرجع تانى القاهرة .
زينة ببراءة: أنتي عندك بيت هنا !
وطأطأت رأسها بخزي ثم أردفت قائلة
- اااه ياحبيبتى عندى .. وهنروحه حالاً .. يلا بينا.

وصل فريد إلى مبنى الجريدة ليبحث عن ابنته كالتائه، أوقفه نداء الحارس قائلاً
- انغت ياافندينا .. رايح فين ..
وقف فريد ليجيبه
- داليدا .. داليدا فريد فوق ؟!
طافت عيني الحارس بتردد
- هو في ناس كتير جات اشتغلت هنا جديد .. مش عارف إذا كانت فيهم ولا لا ... بس استنى اسألك عم عباس ..
نظر فريد لأعلى راجيًا ربه، فالتفت لنداء الحارس قائلًا
- في واحده هنا اسمها .. اسمهاا ..

أكمل فريد بلهفة
- اسمها داليدا فريد ..
عباس بتلقائيه: اااه ست داليدا .. كانت هنا الصبح ومعاها عيلين .. إنما أنت مين يابيه !
فريد بلهفة
-متعرفش راحت فين !
هز رأسه بالنفي قائلاً
- لا يابيه معرفش .
خيبه أمل جديدة صوبت نحو قلبه، جعلته يتألم من الداخل قائلاً
- سامحينى يابتي سامحيني أنا السبب.

غادر فريد مبنى الجريدة كالهائم على وجهه يبحث عن بنته، منسكب عليه شلالات من الحسرة والندم والوجع .

بعد مرور أكثر من ساعتين وصل عماد بصحبة مراد إلى مبنى الجريدة ليفقوا أمام بوابه المبنى باحثين عن حارسها ..
مراد باهتمام: أهو هو دا اللى هناك ..
دلف داخل المبنى نحو رجلين يجلسون بصحبة بعضهما فأردف عماد قائلاً
- كنت عاوز أسأل على واحدة بتشتغل هنا .
الحارس باهتمام: مين دى ؟!
عماد: اسمها داليدا .. داليدا فريد ..
ضرب الحارس كف على الآخر قائلاً
- هى الست دي كله بيسأل عليها ليه ..
مراد باهتمام: قصدك اييه .
أجابه الحارس بتأفف
- معرفش يابيه عنها حاجه ولا أعرف شكلها .. بس هى بتشتغل فوق .. على حسب كلام عم عباس .. ومحدش عارفلها طريق ..
تبادلت الأنظار بين عماد ومراد بقلق وحيرة ..

أمام شقة زين
في مساء اليوم صف زين سيارته أمام إحدى البُنيات الراقية ليدلف منها بجسد متعب وهزيل، يجر أقدامه بتثاقل من شدة الوجع، ألقى التحية على البواب الذي ركض نحوه بعجل
- يابيه في واحدة سألت عليك !
:مين دي؟
البواب: ماخابرش .. بس هى قالت هتستنى حضرتك فوق .. وأنا منعتها بس مقدرتش عليها ..

علامات استفهام تراقصت فوق ملامحه بفضول عن هوية الفتاة التي بانتظاره .. قرب من مصعد العمارو ضاغطًا على الزر الأيسر .. فتح الأسانسير ليدلف داخله، شبح طيفها رُسم أمامه ليفق من شروده على صوت فتح باب المصعد ..

اتسعت حدقة عينيه بذهول عندما وجدها جالسه أمام شقته بصحبة طفلين صغيرين كلاهما منغمسين في سُباتهم ..

تأملها بذهول وصدمة، رجفة قلبه تجذبه إليها، لمع بريق عينيه، شعر بشيء ما بداخله يغمره، لم يفهم مغزى شعره ولكنه كان سعيدًا جدًا ..

نكث على ركبته واضعًا كفه فوق وجنتها بحنان ليفقيها
- داليدا .. داليدا

رفعت عينيها بتكاسل شديد بعينين متورمتين، ترى منه طشاش، أضغاث أحلام ظله أمامها .. أردفت اسمه بخفوت ..

تأملها بشفقة بالغة ثم مرر إبهامه على عينيها ليزيح الدمعة الهاربة منها .. شعرت بأنامله فوق وجنتيها كبذور ورد ألقيت فوقهم أوشكت أن تزهر .

همس بخفوت: أنتِ هنا بتعملى إييه !
اعتدلت في جلستها، ورفعت رأس أختها الصغير لتريحها فوق الحقيبة، مسك كفيها برفق ليساعدها على النهوض، وقفت أمامه بجسد هزيل هرم وهى تنظر في عينيه لتستمد القوة منهما ..

بللت حلقها الجاف بصعوبة بالغة فضغطت على كفه أكثر ثم ذرفت دمعة أخرى خدشت بها وجنتها قائلة بتوسل
- عندي قلب ما بيجريش غير عليك .. لما يكون فرحان أو حزين أو خايف أو حتى زعلان منك، أعمى عن كل الطرق إلا طريقك .. وفي الوقت دا هو مش محتاج غير ليك يازين .. زين ما تسبنيش تاني أنا اتكسرت وأنت الحاجه الوحيده اللي بقيلي...

الفصل التالي
جميع الفصول
الآراء والتعليقات على الرواية