قصص و روايات - قصص بوليسية :

رواية كن ملاكي للكاتب عبد الرحمن أحمد الرداد الفصل الخامس والثلاثون

رواية كن ملاكي للكاتب عبد الرحمن أحمد الرداد

رواية كن ملاكي للكاتب عبد الرحمن أحمد الرداد الفصل الخامس والثلاثون

الجزء الثاني من بنت القلب

وصل إلى الشركة وترجل من سيارته ثم اتجه إلى الأعلى وسط نظرات العاملين بالشركة له، توجه إلى مكتب «نائل» وما إن وصل حتى طرق الباب فأتاه الصوت من الداخل:
- ادخل
فتح الباب وتقدم خطوتين إلى الداخل، رفع «نائل» بصره ليرى من فتفاجأ به أمام عينيه، نهض بغضب ونظر إليه بتهديد قبل أن يتحدث «يوسف» بهدوء:
- نائل ممكن تسمعني ؟

نظر له بجمود وهو يتذكر إهانته له ومحاولة قتله ثم ردد بجفاء:
- أسمع ايه؟ أنت جاي هنا ليه وبعدين غريبة يعني بتنطق اسمي .. مش كنت بتناديني ابن الخدامة ! أهي الخدامة ماتت واستريحت من الدنيا كلها والشياطين اللي بتتكلم عنها أمثالك
التقط أنفاسه بصعوبة وتقدم خطوتين وهو يقول بندم:

- طيب اسمعني وبعدين احكم والله أنا مش هنا علشان أقلل منك ولا أهينك زي زمان
رفع إحدى حاجبيه وجلس على كرسيه مرة أخرى وهو يقول:
- امال جاي هنا ليه ؟
أجابه بكل وضوح دون أي تمهيد:

- علشان أعتذرلك يا نائل .. أنا آسف إني غلطت فيك وفي والدتك، آسف إني قللت منك وعاملتك وحش والله أنا ندمان على ده وأنا بقيت كويس، أنا عارف إنك صعب تتقبل كلامي لأني هنتك كتير وحاولت أقتلك بس والله يوسف اللي قدامك ده غير يوسف بتاع زمان وندمان على كل حاجة عملتها وعايزك أخ، بجد أنا محتاجك جنبي وتنسى يوسف القديم خالص لأن اللي قدامك ده بني آدم تاني خالص نضيف وبحاول أصحح كل حاجة عملتها غلط وأنا واثق إنك محترم وقلبك طيب وهتسامحني، خليني أخوك الكبير وأوعدك مش هتندم أبدا على كدا.

لم يكن يتوقع هذا الاعتذار منه وهذا ما جعله صامت لا يتحدث، تفاجأ بهذا الأسلوب المهذب من شقيقه الذي اعتاد إهانته في كل وقت، ظل لبضع ثوانٍ يفكر في هذا الأمر، هل يقبل اعتذار من حاول قتله وأهانه وأهان والدته ! لكن هذا شقيقه الأكبر ويبدو عليه الندم حقًا، وقف والتف حول مكتبه إلى أن أصبح مواجهًا له وقال بهدوء:
- تعرف أنا مصدوم بس فرحان في نفس الوقت، لو كلامك ده صدق ومن قلبك فأنا فرحان ومسامح بس لو خطة جديدة علشان توقعوا الشركة فده مش هيحصل وهتندم أشد الندم.

اقترب منه ووضع يده على كتفه بحب قائلًا:
- أقسم بالله ما بكذب عليك ولا خطة علشان الشركة، ربنا يعلم اللي في قلبي وأنا بجد ندمان وعايزك تسامحني ونبقى أخوات بجد مش مجرد كلام
ابتسم «نائل» وهز رأسه بالإيجاب قائلًا:
- أنا مسامح في كل حاجة علشان احنا أخوات وأنا محتاج لأخ كبير.

حضنه «يوسف» بحب ثم ابتعد ونظر إليه بابتسامة قائلًا:
- الحمدلله كدا قلبي استريح أهم حاجة مايكنش فيه حاجة في قلبك ناحيتي ولو محتاج مني أي حاجة قول أنا أخوك الكبير
ابتسم وربت على كتفه بحب وهو يقول:
- تسلم يكفي إنك جنبي بس ممكن أسألك سؤال ؟

ضم حاجبيه وهو يقول بتساؤل:
- سؤال ايه ؟
جلس على طرف مكتبه وقال متسائلًا:
- ايه اللي غيرك بالطريقة دي وخلاك يوسف اللي واقف قدامي ده ؟
ابتسم وسحب كرسي ليجلس أمامه وهو يقول:

- الحب يا سيدي .. من أسبوعين كان في بنت شغالة في كافيه قريب ولما كانت مروحة متآخر لقيتها واقفة على الطريق ومش لاقية مواصلات خالص ولما عرضت عليها أوصلها لأنها مش هتلاقي مواصلات رفضت وخافت مني فقلت تمام ومشيت بس بالصدفة بصيت من مرايا العربية لقيت في عربية وقفت قدامها وخرج منها شابين وبيركبوها العربية غصب، ساعتها وقفت العربية ونزلت جري عليها وكان معايا مطواة أنت عارف إني مش بمشي من غيرها تحسبًا لأي ظرف..،

المهم العيال كانوا سكرانين وشافوا المطواة في ايدي قاموا سايبينها وهربوا بالعربية وعرضت عليها تيجي أوصلها وفعلا وصلتها وكانت بنت بسيطة جدا وساكنة في منطقة صعبة وعشوائية .. بعدها بيوم روحت كافيه وشوفتها بالصدفة شغالة فيه وبعدها عرفنا بعض وكل يوم كنا بنتكلم وحكيتلها عن الماضي بتاعي كله، الصراحة البنت دي نضفتني وعرفتني إن البني آدم مش بفلوسه ولا مكانته..،

البني آدم بقلبه الأبيض وحبه للناس وللحياة وهي السبب بعد ربنا في يوسف اللي قاعد قدامك ده
شعر «نائل» بالسعادة لأنه الآن أمام شقيقه الذي تمنى أن يكون كما هو الآن، شعر بالراحة لأنه قص عليه ما حدث في حياته الخاصة ومع تلك التي أحبها فقال بسعادة:
- الحمدلله إن ربنا بعتهالك وأرشدك للصح، ربنا يحفظكم ويخليكم لبعض ويجمعكم على خير يارب
رفع يده إلى السماء وآمن على دعائه:
- آمين.

استقل سيارته استعدادًا للذهاب إلى العمل إلا أنه توقف بسبب طرقات على زجاج السيارة فنظر ليرى من فوجدها «نايا»، خرج من سيارته وقال بابتسامة:
- ايه المفاجأة الحلوة دي ! تعرفي إني لما بشوفك قبل ما أروح الشغل بيبقى يومي حلو وبقبض على العصابة بسهولة ؟
رددت بعدم رضا بعدما عقدت ذراعيها أمام صدرها:
- لا والله .. كل بعقلي حلاوة كل
رفع إحدى حاجبيه بتعجب وهتف متسائلًا:
- ايه ده أنتِ زعلانة مني ! في ايه بس يا حبيبتي ولا زعلانة من ايه بس..

أجابته وهي على حالتها تلك:
- سعادتك المفروض كنت هتبقى جوزي من حوالي أسبوع لكن بعد اللي حصل كل حاجة راحت، كنت هتبقى ملكي لكن دلوقتي مفيش
ابتسم ورفع وجهه إليه بهدوء قبل أن يقول بحب:
- يا حبيبتي اللي حصل كان صعب وبعدين أنا اتفقت مع خالتي وأبوكِ إننا هنأجل الفرح لغاية ما القضية اللي أنا ماسكها دي تخلص لأنك شوفتي حصل ايه بسببهم ويقدروا يعملوا ايه، مش هسيب الجمل بما حمل وأتجوز يعني، أوعدك القضية دي تخلص وهنتجوز بعدها على طول وهعملك فرح ولا في الأحلام..

أمسكت بقميصه وقالت بحزن:
- بس أنا خايفة عليك تروح مني، شغلك ده مش مضمون و...
وضع أصبعه على شفتيها ليمنعها من تكملة حديثها وقال بهدوء:
- الأعمار بايد ربنا يا روحي يعني لو مكتوبلي أموت هموت من غير شغلي، كلها أسباب مش أكتر، سيبيها على الله وإن شاء الله خير .. يلا بقى هضطر آسفًا أسيبك علشان الشغل وأوعدك كل حاجة هتخلص قريب أوي إن شاء الله تمام ؟

هزت رأسها بالإيجاب وابتسمت وهي تقول:
- تمام .. لا إله إلا الله
بادلها نفس الابتسامة وهو يقول:
- محمد رسول الله.

استقل سيارته مرة أخرى ووصل إلى مقر الاجتماع السري الذي أعده اللواء «أيمن» وأبلغهم بالأمر قبل ساعات قليلة حتى يكون كل شئ سري وغير معروف، ترك سيارته ودلف إلى الداخل فوجد الجميع عدا اللواء «أيمن» فقال بصوت مرتفع:
- السلام عليكم يا بشر
ردوا عليه السلام ورحبوا به بعد انضمامه للفريق السري وصاح «طيف» بصوت مرتفع:
- نورت التيم يا بطل تعال اقعد اللواء أيمن بيخلص حاجة في المديرية وهيجي على هنا على طول .. معاك كوتشينة ؟

رفع إحدى حاجبيه بتعجب وقال:
- كوتشينة ! لا اشمعنا
ردد بحزن:
- كنا هنلعب الشايب عقبال ما سيادة اللواء يجي بس مالناش نصيب
هنا تحدث «رماح» الذي قال بصرامة:
- ياابني كوتشينة ايه احنا في شغل ومعنى إن في اجتماع يعني في موضوع مهم وأنت عايز تلعب.

رفع «طيف» إحدى حاجبيه وقال بعدم رضا:
- يا باشا أبوس شعر راسك شعراية شعراية فرفش شوية .. احنا قاعدين مابنعملش حاجة نهزر شوية نرغي نلعب مش ندي وش خشب كدا
خبط بيده على يده الأخرى قبل أن يرسم ابتسامة على وجهه ويقول:
- أهو ابتسمت مبسوط كدا.

أجابه بابتسامة واسعة:
- جدا .. شوفت لما ابتسمت وشك نور ازاي
عبست ملامحه مرة أخرى وأشار إلى «نيران» قائلًا:
- والنبي سكتي جوزك
أجابته بابتسامة واسعة:
- جوزي يقول اللي هو عايزه .. ما تقولي حاجة لخطيبك يا فاطمة
صاح «فهد» وهو ينظر لهم:
- عااا كفاية يا جماعة خناق..

كان «زين» يتابعهم وهو يضحك بشدة فنظر إليه «طيف» قائلًا:
- اضحك اضحك احنا كدا على طول هتشوف كمية تفاهة ماشوفتهاش في حياتك
تحدث وأكد على كلامه:
- الصراحة ماشوفتش ولا هشوف بس وربنا أنتوا رايقين .. كان نفسي أشتغل مع ناس فرافيش كدا وربنا كرمني وبعدين يا باشا ابتسم على رأي طيف محدش ضامن عمره
هز «رماح» رأسه وقال بعدم رضا:

- اه أنت هتعوم على عومه، مش صاحبته وأنتوا مخطوفين أشرب أنا بقى
ضحك الجميع وقطع ضحكهم دخول اللواء «أيمن» الذي ردد بمرح:
- ربنا يديم الضحكة يا أبطال

وقفوا جميعًا إلى أن جلس على الكرسي المقابل لهم وأشار لهم بالجلوس وهو يقول:
- اتفضلوا
جلسوا جميعًا وسيطر الصمت على المكان انتظارًا لحديثه المهم الذي أبلغهم عنه، نظر إلى كلٍ منهم بتمعن وأردف بجدية:
- استعدوا يا أبطال النهارده نهاية قضيتنا
صاح الجميع بفرح وسعادة وكأنها نهاية كل شر بسبب ما عانوه في الشهور الماضية وتحدث «رماح» بلهفة:
- أخيرا سعادتك كنا مستنيين اليوم ده من زمان .. فهمنا الخطة وأوعدك إن كل واحد فينا هيأدي الدور المطلوب منه بكفاءة عالية جدا.

هز رأسه بالإيجاب وفتح ملف أمامه ثم رجع بظهره إلى الخلف وهو يقول:
- المصدر اللي بيوصلنا معلومات عندهم بلغني إن النهارده الساعة 1 بالليل هيبقى في محفل أو زي طقوس كدا لعبادة الشيطان وهيقدموا حاجات زي قرابين والخ وهيحضر تقريبا كل عبدة الشياطين في مصر لأن المحفل ده بيعملوه كل سنة ولازم كل رءوساء الجماعة دول يكونوا موجودين، دلوقتي احنا عارفين المكان والوقت ناقص الخطة اللي هنحطها علشان نقضي عليهم كلهم بس الخطة بدايتها هيبقى فيها مخاطرة.

عقد «زين» حاجبيه بتعجب وقال بتساؤل:
- مخاطرة ازاي سعادتك ؟
شبك أصابعه أمامه وردد بجدية:
- لازم نتأكد إن رءوساء جماعة عبدة الشيطان موجودين في المكان ده لأن من غيرهم كأننا ماعملناش حاجة لأن سبق وقبضنا على ناس موالين ليهم وشغالين معاهم وكلهم ماتوا مسمومين يعني بدون الرءوس الكبيرة كأننا ماعملناش حاجة وكل اللي بنعمله هيروح على الفاضي..

الخطة بقى هتكون كالتالي .. طيف ونيران هيدخلوا المحفل عادي كأنهم من أتباعهم عادي وهيبقى معاهم الدعوة علشان محدش يشك فيهم .. الدعوات دي هديهالكم قبل العملية مباشرة .. المهم هيدخلوا ويلفوا في المكان عادي لغاية ما يتأكدوا إن كبار الجماعة دي موجودين ساعتها هتقولوا كلمة سر والقوة هتهجم على المكان ونقبض عليهم كلهم، المخاطرة كلها في جزء طيف ونيران .. لازم مايتكشفوش نهائي..

هنا تحدث «طيف» الذي قال متسائلًا:
- بس هم عارفين أشكالنا ازاي هندخل ؟
ابتسم وأجابه بثقة كأنه كان يعرف السؤال:

- الدخول للمحفل مابيبقاش عادي، اللي بيدخل لازم يبقى لابس عباية سودا طويلة مخبياه من راسه لرجليه ووشه بيبقى لابس عليه قناع طالع من الجنب زي قرون كدا رمز للشيطان والوش نفسه بيبقى مدهون بلون أبيض خفيف والقناع ده استحالة يتقلع لأنه بيبقى زي إهانة لإبليس ده بالنسبة للبس الرجالة .. البنات بقى بيبقى نفس كل حاجة ماعدا العباية السودا بتتبدل بعباية لونها أحمر غامق شوية علشان يعرفوا الذكر من الأنثى وبالطريقة دي محدش هيعرفكم نهائي..

اقتنع الجميع بالخطة وسألت نيران:
- تمام سعادتك كدا فهمنا كل حاجة ناقص نعرف كلمة السر
أغلق الملف الموضوع أمامه ونظر إليها قائلًا:
- كن ملاكي، دي هتبقى كلمة السر لأن السلام بتاعهم بيبقى عبارة عن "كن ملاكي" والمقصود بيها إنهم بيقولوا للشيطان كن ملاكي اعتقادًا منهم إنه ملاك مش إبليس وإنه مخلصهم، ودي برضه كلمة السر بتاعة دخول المحفل .. اللي واقف بيشوف الدعوة ويبصلك فأنتِ تقولي على طول كن ملاكي أو لو حد أجنبي يقول
"Be my angel"

اقتنع الجميع بالخطة ونظر «طيف» إلى نيران ليقول بابتسامة:
- مش كنتِ عايزة اشتباك ! ادينا هندخل معجنة مش اشتباك
ضحكت وأمسكت بيده وهي تقول:
- المهم إني هدخل المعجنة وأنا معاك

- كلمتها واعترفتلها قالتلي كلم أهلي وإن شاء الله هاخد منها رقم أبوها بكرا وأكلمه علشان أتقدم لها
قالها «يوسف» الذي أجاب أخاه عن سؤاله باعترافه لها أم لا فابتسم «نائل» وردد:
- ربنا يتمم على خير
- يارب
نهض من مكانه وقال:
- يلا أسيبك لشغلك بقى علشان سايب الشركة لوحدها وبابا مسافر
- تمام ربنا معاك .. سلام
فتح الباب لكي يرحل لكنه تفاجأ بـ «ياسمين» أمام عينيه وأسرعت لتسأله بغضب:
- أنت بتعمل ايه هنا ؟

التفت لينظر إلى أخيه ثم نظر لها مرة أخرى وقال:
- نائل يقولك، المهم أنا آسف على أي حاجة ضرت الشركة أو ضرتك أنتِ شخصيًا، أنا بجد آسف .. بعد اذنك
تركها ورحل على الفور بينما هي تقدمت وسألت «نائل» بتعجب:
- هو ماله وكان عايز منك ايه ؟
ابتسم وأجابها:
- كان بيعتذر عن كل حاجة عملها قبل كدا، يوسف الحمدلله اتغير وقلبه نضف
اتسعت حدقتاها وقالت بعدم تصديق:
- أنت عايز تقولي إن يوسف محمد الهواري قلبه نضف واتغير وجه اعتذرلك ؟

هز رأسه بابتسامة وأكد على ذلك:
- أيوة ما اعتذرلك أهو، وقع في الحب وطلعت بنت حلال وفوقته عن اللي هو كان فيه
لوت ثغرها بعدم تصديق أو استيعاب:
- يمكن .. الله أعلم

مر الوقت واندمجا في العمل إلى أن دقت الساعة الخامسة موعد رحيل جميع الموظفين العاملين بالشركة، أنهت «ياسمين» كل شيء وأغلقت جهاز الحاسوب الخاص بها ثم اتجهت إلى مكتب «نائل» وطرقت الباب قبل أن تدخل وتقول:
- نفسي في مرة تخلص شغلك على 5 وتروح على طول لكن لازم تتآخر ساعة
ابتسم وقال:

- أعمل أيه مابحبش أسيب حاجة ليوم تاني، لازم أخلص كل اللي مخطط أعمله في يومها علشان اليوم اللي بعده أعمل حاجة جديدة وأنجز الشغل
اقتربت بضع خطوات منه وقالت:
- طيب سيب كل حاجة دلوقتي وابقى كمل بكرا علشان ورانا ميعاد ولا ناسي .. هنروح لسهى
تذكر هذا الأمر ونهض على الفور وهو يقول:
- اه صحيح نسيت والله، طيب أسيب الجهاز كدا عادي هيفضل مفتوح لتاني يوم ؟
هزت رأسها بالإيجاب وقالت بابتسامة:

- أيوة طبعا هيفضل مفتوح سيبه ماتقلقش
كان على وشك التحرك إلا أنه توقف مرة أخرى وهو يقول:
- بس ممكن الكهربا تقطع !
أجابته بتلقائية:
- أعمل save احتياطي علشان لو قطعت مفيش حاجة تضيع
هز رأسه بالإيجاب وعاد إلى جهازه وقام بحفظ ما قام بكتابته ثم عاد إليها وهو يقول:
- يلا بينا أنا جاهز...

انطلقا إلى العنوان الخاص بها وكان في إحدى المناطق المتوسطة، نظرت من نافذة سيارتها وقالت بتساؤل:
- هو ده المكان ؟
هز «نائل» رأسه بالإيجاب وهو يقول:
- أيوة نفس اللي الراجل وصفه لينا على أول الشارع، أعتقد ده بيتها يلا بينا
ترجل من السيارة وتبعته هي واتجها إلى تلك البناية المدون عليها رقم كما كان في العنوان، صعدوا إلى الأعلى حيث الطابق الخامس وطرق هو الباب بخفة ففتحت طفلة صغيرة الباب وهي تقول:
- أنتوا مين ؟

انخفض «نائل» وقال بابتسامة:
- ده بيت سهى يا حبيبتي ؟
هزت رأسها بالإيجاب دون أن تنطق فقال هو:
- طيب هي فين ؟
نظرت إلى الأسفل بحزن وقالت:
- عند ربنا
سيطرت الصدمة عليهم ونظر «نائل» إلى «ياسمين» فوجد حدقتيها متسعة بصدمة، ظلت نظرات الصدمة تلك إلى أن حضرت امرأة كبيرة في السن وقالت بتعجب:
- حضراتكم مين ؟

لم تستطع «ياسمين» النطق فأجابها «نائل» بهدوء:
- دي مديرة شركة الحيار وأنا نائب رئيس مجلس الإدارة وكنا جايين نطمئن على الأنسة سهى علشان غيابها وكدا
انهمرت دمعة من عينيها بمجرد ذكر اسم ابنتها ورددت بحزن:
- سهى بنتي اتوفت من أسبوعين، اتفضلوا اتفضلوا
دلف «نائل» ومن خلفه «ياسمين» وجلسا بجوار بعضهما، خرجت أخيرا عن صمتها وقالت بصوت مهزوز:
- ازاي ده حصل حضرتك وهي خدت إجازة ليه ؟

أجابتها والدتها بحزن:
- كانت بتشتكي من صداع على طول وعملنا ليها إشاعة على المخ واتفاجئنا كلنا إن عندها سرطان على المخ، خدت إجازة علشان تبدأ رحلة العلاج لكن للأسف عدى فترة صغيرة وسابتنا
ازدادت دموعها في الانهمار فتحدث «نائل» ليخفف عنها:
- البقاء لله، بدل ما تعيطي ادعيلها .. هي استريحت من تعبها، احنا من النهارده أهلك وأي حاجة اطلبيها مننا يا أمي
هنا تحدثت «ياسمين» وهي تربت على كتفها:

- مرتب سهى هيوصلك كل شهر وزيادة كمان كأنها شغالة في الشركة بالظبط
هنا تحدثت والدتها بحزن:
- بس يابنتي ..
قاطعتها «ياسمين» وهي تقول:
- ما بسش أنتِ في مقام أمي وسهى الصراحة كانت شايلة شغل الشركة كلها وجه الوقت اللي نردلها حتى جزء من الجميل ده
وضعت يدها في حقيبتها وجمعت جزء من المال ثم مدت يده به وهي تقول:
- اتفضلي ده مرتب سهى الشهر ده وكل شهر هيوصلك زيه
ربتت على يدها بحب وقالت:

- ربنا يكرمكم ويرزقكم من وسع، كنت فاكرة الدنيا مابقاش فيها خير بس أنتوا موجودين
ابتسم نائل وقال بحب:
- تسلمي يا أمي احنا ماعملناش حاجة، دي أقل حاجة نقدمها لسهى الله يرحمها وللست المحترمة اللي ربتها
- تسلم ياابني .. ربنا يكرمك ويرزقك ويوقفلك ولاد الحلال دايما
أدمعت عيناه لأن والدته دائما ما كانت تدعو له بتلك الدعوة لكنه أسرع وأخفى ذلك وهو يقول:
- تسلمي يا ست الكل.

انتهى اللقاء ورحل الاثنان معًا واستقلا السيارة، ظلت شاردة إلى أن تحدث هو:
- مالك ؟
فاقت من شرودها ونظرت إليه وهي تجيبه بحزن:
- صعبت عليا أوي .. سهى كانت في عز شبابها ربنا يرحمها
هز رأسه بأسف وهو يقول:
- ربنا يرحمها، بس كويس أوي اللي عملتيه .. هم في أشد الحاجة للمرتب ده وبصراحة الحركة دي فرحتني جدا ربنا يجعله في ميزان حسناتك
ابتسمت ورفعت يدها إلى السماء:
- يارب

مر اليوم وأصبحت الساعة الثانية عشر منتصف الليل، كان «يوسف» في الخارج طوال اليوم بسبب عدة اجتماعات بالشركة وأخيرًا استقل سيارته ليعود إلى المنزل لكنه تفاجأ برنين هاتفه فأسرع وأجاب عندما رأى رقم حبيبته «مي»:
- أيوة يا مي
أتاه صوتها المتوتر والخائف:
- الحقني يا يوسف ماما تعبانة أوي وبابا مش موجود وبرن على موبايله مقفول
أدار سيارته وانطلق بسرعة شديدة وهو يقول بلهفة:

- ماتقلقيش يا حبيبتي أنا جايلك أهو .. خلال عشر دقايق هكون عندك بس قوليلي أنتِ في أنهي بيت علشان المرة اللي فاتت وصلتك لأول الشارع بس
أسرعت وأخبرته بعنوان المنزل:
- هتدخل الشارع ده آخر بيت على ايدك الشمال هتلاقي أول دور مدهون باللون الأحمر
- طيب طيب مسافة السكة.

أنهى المكالمة ثم قام بتسجيل رسالة صوتية إلى والدته عبر تطبيق واتس آب، أكمل الطريق إلى أن وصل، ترجل من سيارته وسار في هذا الشارع إلى أن وجد المنزل الذي أخبرته عنه فاقترب وطرق الباب بخفة، فتحت له وهي تقول بلهفة ووجه خائف:
- تعالى ادخل
بالفعل دلف إلى الداخل والتفت وهو يقول:
- هي في ...

قاطعته بطعنة قوية من خنجر بيدها وهي تقول:
- مفيش حد
نظر إلى هذا الخنجر وإلى الدماء التي تسيل منه ورفع رأسه لينظر إليها بصدمة وتألم في آن واحد:
- ليه ؟

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الآراء والتعليقات على الرواية
W