رواية قلبي وعيناك والأيام للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل السادس عشر
أنا لا أخاف منه، أنا أخاف من شوك الطريق إليه...
ولكن هجوم خطواته على قسم العناية يعلن أنه يعرف أنها هنا!
النبضة التي كانت هادئة منذ لحظات انتفضت بقلبها...
وهنت ساقيها وكأنها لا تستطع الوقوف لأكثر من دقائق آتية، حمدت تلك الكمامة الطبية التي تخفي معظم معالم الخوف والذعر على وجهها...
باستثناء اتساع حدقتيها وبؤبؤ عينيها التي انفرجا بصدمة...
اسرع وجيه اتجاه والدها ولم يدرك أن تلك الممرضة المتخفي وجهها خلف كمامة هي، تظل عينيها بالنسبة إليه مميزة، بالتأكيد إذا نظر إليها سيشك على الاقل...
تعمدت اسقاط قرص دواء كان على طاولة خشبية صغيرة بجانب الفراش وانحنت لتلتقطه وتباطئت بتعمد...
نظر وجيه حول المريض التائه بغيبوبة ولم يرَ سوى تلك الممرضة وممرضة أخرى!
أين هي؟
يشهر برحيقها يحوم حوله؟
كان ترك الباب الرئيسي مفتوح دون حراسة ضمن خطته لتسهيل دخولها دون مجهود...
ترك الفتاة المنحنية للأسفل بلا اكتراث وقال لأحد الحراس وهو ينظر لجميع الجهات: اقلبوا المستشفى حته حته لحد ما تلاقوها، واقفلوا كل ابواب الخروج، طالما ظهرت في االكاميرا ودخلت المستشفى ومخرجتش يبقى اكيد لسه موجودة هنا، بس الحرس اللي هنا راحوا فين؟
هتف بعصبية بوجه الحارس فقال الآخر بتوتر: ليهم خمس دقايق راحة عند كل وجبة، في بنت عاملة هنا بتفضل لحد ما يرجعوا وبتحرس الباب في الدقايق دي...
وضع وجيه يديه على رأسه بعصبية وقال: هي فين؟ ابعتوهالي فورًا وراقبوا المكان هنا ما تتحركوش لحظة واحدة...
انتفض جسد ليلى بخوف، لو رأى صغيرتها ماذا سيكون الحال؟
استقامت وهي تنظر للأسفل بتعمد حتى تبعد وجهها عنه وهو منشغل بالتحدث مع الحراس...
كانت بالكاد تسير ولكن اسرعت خطاها حتى اوقفها صوت الممرضة الأخرى من داخل القسم وقالت: استني، ماينفعش تخرجي وقت النباطشية!..
لم تتعرف الممرضة على هوية ليلى ولكنها حسبت انها احدى زميلاتها، وبوجود طبيب كبير مثل وجيه واهتمامه بالقسم لهذا الحد كان الألتزام بالعمل يبدو زائد أمامه، كاد قلب أن يقف ولو استدارت ستكن مخاطرة ومجازفة...
ومع تكرار سؤال الفتاة كان لابد أن تلتفت ليلى وخصوصا أنها سمعت صوت وجيه يتحدث مع الرجل...
استدارت وكادت أن تتحدث لتصطدم بعينين وجيه وهي مثبته عليها رغم انه يتحدث مع الحارس...
جف ريقها مع نظرته الضيقة على عينيها ولم تستطع أن تقف خصوصا وهي ترى قدميه وكأنه تستعد للأنقضاض عليها...
لم تدرك إلا عندما وجدت نفسها تركض للخارج وبأسرع ما في قوتها وسرعتها، زم وجيه شفتيه بغضب واندفع خلفها تاركا الحرس بالقسم وأمرهم بأغلاق أبواب المشفى...
من التفات وصمت وارتباك بعينيها الحبيبة، كان الأمر أكثر من كافِ ليعرف أنها هي!
كان الممر خارج غرفة العناية طويل وبه غرف على جانبيه، خرج وهو يلتفت بجميع الجهات بنظرات يتطاير منها الشرر والغضب ولكنها اختفت بلمح البصر!
أين هي؟، أين اختفت؟، كأنها لم تكن!
اندفع يفتح الغرف بحركة غاضبة جنونية بأن يجدها، فتح أثنين وعندما فتح باب الغرفة الثالثة وجد الممرضة منى تدثر طفل نائم بالأغطية ذو عشر سنوات كان مصاب بكسور في عظامه منذ أيام...
قال وجيه بعصبية لها: محدش دخل هنا؟
تظاهرت منى بالثبات وقالت: لأ يا دكتور محدش دخل...
كاد وجيه أن يخرج حتى شعر بحركة داخل حمام الغرفة فوقف وهو يمعن النظر اتجاه الحمام، ثم نظر لمنى التي شحب وجهها من الخوف ليقول بحدة: مين اللي هنا؟
أشار اتجاه الحمام فقالت منى بتلعثم: دي أم الطفل ده...
ضم شفتيه في ضيق شديد ثم خرج من الغرفة متابعا بحثه...
تأكدت منى أنه ابتعد بالفعل بالممر ثم اسرعت اتجاه الحمام وفتحت بابه وهي تقول إلى ليلى التي كانت تبكِ بصمت وهي تضع يديها على فمها تكتم شهقاتها: الحمد لله عدت على خير، بس لازم أعرف عملتي إيه خلى دكتور وجيه كده!
استندت ليلى على مقبض باب الحمام ودموعها تتساقط وارتخى جسدها وكادت أن تسقط بإعياء: معملتش حد اطمني، أنا مشيت وكنت وعدته أني مش همشي، دي كل الحكاية...
قالت منى بشك: حاسة أنه بيحبك!، دكتور وجيه من وقت ما أختفيتي وهو مش طبيعي وحاله اتقلب!
من صمت ليلى ونظرتها الساقطة بحزن للأسفل تأكدت منى من ظنها فقالت بعطف: طالما كده يبقى تمام، مش هجبرك تقولي حاجة وخصوصا دلوقتي...
تاهت ليلى في حيرة وخوف فقالت: بنتي، عايزة بنتي، بنتي مع بثينة، هروحلها أزاي دلوقتي وهنخرج أزاي اصلًا!
امتلأت عين منى بحيرة وتردد ثم قالت: هحاول اتصرف، بس ما تطلعيش من هنا لحد ما ارجعلك، ربنا يستر وتعرفي تخرجي من هنا...
خرجت منى من الغرفة وليلى تحاول ايجاد مخبأ بالغرفة من اقتحام أي غريب الغرفة...
طاف وجيه بالطابق بحثا ولم يجد لها أثرًا، تلاحقت أنفاسه واصبحت عينيه گ الجحيم وكاد أن يبتعد من أمام غرفة العناية ليوقفه صوت بكاء طفلة،!
اتجاه الباب المقابل لقسم العناية!
الصوت مألوف لديه، ليس بغريب، جذب قلبه مباشرةً، توجه للغرفة وفتح بابها ليجد بثينة تحاول أن تهدأ من بكاء الصغيرة ريميه!
عين الطفلة الحمراء بالبكاء رق لها قلبه، قال بحنان عندما رآها وأشرق قلبه من شمس برائتها: ريميه؟
التفتت الصغيرة سريعا لمصدر الصوت وتوقفت فجأة وهي تطرف عينيها لتتأكد من ظنها...
وقفت بثينة وهي تحمل الطفلة وقالت بخوف شديد أقرب للبكاء: دكتور أنا...
تبدلت نظرة وجيه عليها بعصبية وقال: ليلى فين؟..
كانت نظرة كفيلة أن يفهم أنها تآمرت مع ليلى للدخول إلى هنا دون علمه وهو من يجن بحث عنها...
قطبت بثينة حاجبيها برعب من نظراته الغاضبة وقالت بتلعثم: هي، هنا، بس مش عارفة راحت فين...
قال وجيه بعصبية وأمر: سيبي البنت وأمشي، اعتبري نفسك مطرودة...
تلألأت الدموع من عين بثينة بشعور الظلم، لم يكن هو بذلك الجبروت أبدًا، ولكنه اعتبر تصرفها مؤامرة عليه...
تركت بثينة الصغيرة على المقعد وخرجت من الغرفة واغلقت الباب خلفها...
التفت وجيه للصغيرة التي ابتسمت ووجهها غارق بالدموع.!
اقترب اليها بلهفة، وضم قبضتيها الصغيرة التي رفعتها اليه بيديه الدافئة وقال وهو ينحني بعض الشيء، همس وهو يقبل رأسها الصغير بحنان: ريميه، أميرتي الصغيرة...
قالت ريميه وهي تطرف عينيه المبتسمة: بابا وجيه، وحشتني أوي أوي، كنت بعيط عايزة أشوفك، فين ماما؟
تنهد وجيه بعمق، ذات السؤال يتردد بعقله كل ثانية، ويهتف به القلب، أجاب: أنتِ عايزة ماما؟
قاطعته ريميه باجابة سريعة وعفوية: عايزة ماما، وعايزاك أنت كمان، عايزاكم مع بعض...
اجابة بريئة، غير مقصودة من طفلة بعمرها الصغير الذي لم يتعدى الخمس سنوات، ولكنها حملت ما يتمناه قلبه بجميع الأماني...
صمت وجيه للحظات وشرد بعينيه حتى نظر للصغيرة من جديد ويشبع عينيه منها، فقط اشتاق لها بشدة، اشتياق أب لأبنته الغائبة، قال بدفء: لو بعدتِ تاني هزعل منك، عشان أنتِ وحشتيني أوي، مش أنا بابا؟
ابتسمت الصغيرة ورفعت يدها ترفع خصل شعرها التي تسقاطعت على وجهها وقالت ببراءة: أيوة أنت بابا، أنا حلمت بيك وأنا بقولك يا بابا، كنت بتحضني أنا وماما...
سرى الدفء بعين وجيه، ليت حلم الصغيرة يتحقق، ورغم كل شيء فأن غضبه من ليلى دفن مؤقتٍ برؤية الطفلة...
تسللت ليلى بعد نفاد صبرها عبر الممر، لتجد بثينة تسير متجهة لغرفة المنظفات وهي تمسح عينيها الدامعة فاوقفتها متسائلة بخوف: بنتي فين؟
نظرت لها بثينة وقالت بعصبية: بنتك مع دكتور وجيه، وبسببك أنا اتقطع عيشي، مش عايزة ادعي عليكِ يا ليلى، سيبيني بقى أمشي...
احترقت غصة بحلق ليلى، يكفيها عذاب، لن تحتمل عذاب الضمير أيضا وهي من تسببت بطرد زميلتها المسكينة، قالت بطلب: طب ممكن اعمل اتصال من تليفونك؟، لمكتب دكتور وجيه...
لم تخف بثينة، لم يعد بالأمر أي خوف بعدما تم طردها فقالت وهي تعطيها الهاتف: لو تقدري تكلميه يرجعني يبقى كتر خيرك...
ردت ليلى بتأكيد: هحاول اصلح اللي عملته، هو اكيد ميعرفش رقمك، تعرفي رقم تليفون مكتبه؟
اجابت بثينة بالايجاب وتم إجراء المكالمة على الهاتف الأرضي للمكتب، وبعد عدة محاولات كان قد دلف وجيه للمكتب وهو يحمل الصغيرة التي ارتسمت الابتسامة على وجهها بثبات، وضع وجيه الطفلة على المكتب ورفع سماعة الهاتف بلهفة، فقالت ليلى وهي تقف بغرفة المنظفات بتلعثم وتوتر: أنا ليلى...
تملك منه الغضب مجددٌا، ولكنه تحكم بغضبه بوجود الطفلة، أخذ الهاتف مبتعدًا عنها وقال إلى ليلى بتوعد وحدة: مش بيهرب غير الجبان اللي مش قادر على المواجهة، كان في امكانك تواجهيني وتقولي كل اللي عايزة تقوليه، اكيد مكنتش هسجنك هنا!
كذبت ليلى وقالت: أنا خرجت من المستشفى، وعايزة بنتي ارجوك، ولو ليا خاطر عندك ترجع بثينة لشغلها دي غلبانة، أنا اللي اتحايلت عليها هي مذنبهاش حاجة...
صرّ وجيه على اسنانه بغيظ وغضب وقال: عايزة بنتك يبقى تعالي خديها بنفسك، عايزة ترجعي بثينة لشغلها اقفي قدامي واطلبي مني كده وجها لوجه، أبواب المستشفى هفتحها، وأنا عارف أنك بتكذبي وأنك لسه هنا، بس عارف كمان أنك مش هتقدري تمشي وريميه مش معاكِ، وأنا مش هسلمها لحد غيرك مهما كان...
ابتلعت ليلى ريقها ذو الغصة بخوف من مواجهته، فهتف بها بعصبية مرةً أخرى: جبانة يا ليلى، عيب اكتشفته بخلاف خيانتك وكذبك وعيوب كتير أوي فيكِ، جيهان أفضل منك الف مرة وهي اللي تستحق تشيل اسمي، تعالي خدي البنت اللي فعلًا ما تستحقش أم زيك...
اغلق الهاتف وهي ما زالت تضع الهاتف على أذنيها بقلب يلتهب بالنيران والثورة...
راقبتها بثينة بقلق وترقب، لتجد ليلى تجهش في حالة بكاء وهي تضيق عينيها الغاضبة من ما سمعته منه...
خلعت ليلى الكمامة من وجهها وقالت بنيران تتقلى بعينيها: أنا هروحله بنفسي، وهاخد بنتي ومش هخليه يشوف وشي تاني...
اتسعت عين بثينة بصدمة من مجازفة ليلى بالأمر، وللحظة غفلت عن أمر طردها وانحصر تركيزها كله على المقابلة الصادمة بينهما...
اخذت ليلى ملابسها وخلف حاجز من الصناديق الورقية بدلت ملابس التمريض إلى ملابسها الاساسية...
ودقائق كانت تقتحم مكتبه بثورة مشتعلة تطل من عينيها، نظراته لها كانت ثابته وكأنه لم يكن يبحث عنها منذ قليل،!
ولكنها تطلع به بغضب شديد، ودموع تضرب أي مقاومة عرض الحائط، جالت نظرتها عن ابنتها ولم تجدها!
هتفت به بعصبية مفرطة: جتلك بنفسي ومطلعتش جبانة، بنتي فين؟
اقترب لها ببطء حتى وقف أمامها بثبات وتركها تثور، لتكرر بشكل هيستيري من الغضب: بنتي فين؟، عايزة اخدها وأمشي من هنا، أنا ما استحقش اي حاجة وكدابة وخاينة وبيعتك وغدرت بيك كمان، كفاية ولا أقول تاني؟
ضيق عينيه بنظرة شرسة ورد بثبات رغم غضبه: لسه عندك تاني؟، أكتر من كده؟
تذكرت ما قاله عن زوجته وهتفت بعنف وهي تبك: آه عندي، وقولتلك سيبني في حالي بدل المرة اتنين وتلاته، ولا لازم اقولك أني مش بحبك!
اسودت عينيه بصدمة، اي شيء كان متوقع منها غير أنها تقول ذلك!، اتسعت عين ليلى بعدما قالت ذلك في هوج غضبها، صدمتها كانت من نفسها. ومما قالته!
ابتلعت غصة حارقة وهي تنظر له بقهر وتضرعت أن لا يصدقها ولكنه كاد أن يصفعه وتراجع وارجع يديه جانبه...
لا تسحق يا قلبي، لم تكن تستحق حتى تلك رفة الشوق بعينيه، رجع وجيه خطوة، وتلاها خطوة، مبتعدًا عنها، صدمة زلزلت كيانه بكل صدق...
كان ينتظر منها الاعتراف بالحب، لتصدمه أنها لا تحب!
أي منعطف مال قلبه إليه؟
وأي جحيم وضع نفسه به...
ابتلعت ليلى ريقها بخوف عليه، صدمة رجل كان قائدًا لجيش عظيم وهزم بآخر معاركه،!
حاولت أن تقول شيء ولكنه أشار لها أن تصمت وقال بنظرة انهزام بعينيه: أبعدي عني يا ليلى، أرجوك أبعدي عني، لأول مرة من عشر سنين فاتوا أبقى عايز أخرجك من حياتي بجد، كل مرة كنت بثور وأقول وأقول، كلام كتير مكنتش بنفذ منه حرف مجرد ما بهدا وأحن ليكِ...
المرادي لأ، أنك قولتي كده والمفروض اتمسك، ده مستحيل، بنتك في نفس المكان اللي خصصته ليكِ هنا، والدك تقدري تاخديه في أي وقت محدش هيمنعك، بس ابعدي عني، أنا كرهت قربك...
نطقت اسمه ببطء من صدمته في حالته الغريبة التي لأول مرة تراه بها: وجيه...
قاطعها بحدة: دكتور وجيه، مافيش بينا أي رابط، اتفضلي أمشي من هنا...
لم تتحرك ليلى التي وكأن أصابها حالة من الجمود والتسمر، فتحرك هو وخرج من المكتب وتركها تقف مكانها بلا حركة...
غادر الفريق الطبي من منزل العمدة باستثناء الأربع شباب، شباب العائلة الواحدة، وصاحبهم الصبي نعناعه حتى مندرة الضيوف بجانب منزل العمدة...
مندرة عبارة عن شقة صغيرة بها غرفة واحدة وحمام صغير مع مساحة واسعة لصالة الاستقبال يلفها الآرائك الخشبية التقليدية...
قال نعناعه بحماس: هروح بقى اجيبلكم الشنط وجاي...
كان جاسر يضع يديه في جيبه وينظر للمكان بتمعن، غادر الصبي فتهالك كلًا من رعد وآسر على الآرائك وقال رعد: أنا كلت كتير ومش قادر اتنفس!
شاركه آسر قائلًا: محتاج ساعتين رياضة عشان أقدر أنام، الأكل هنا دسم أوي...
جلس يوسف بجانبهم بضحكة واثقة وقال: أنا بقى زي الفل، نفسي ابعت رسالة شكر لمعدتي بصراحة، بهنيها عليا.
قال جاسر بضيق: بقولكم ايه، مش في سطح هنا؟، اكيد يعني، أنا طالع أشم شوية هوا، بدل الجو اللي اتقلب بط ومحشي وملوخية ده!
توجه جاسر للدرج بخارج المندرة صعودًا لسطوح المبنى، بينما سخر يوسف واستنكر قوله وقال: مش وش نعمة!
شرد رعد وظهرت ابتسامة على وجهه، ضيق يوسف عينيه وهو يتسلل اليها مقتربا وقال وهو ينظر بعينيه جيدًا بوجهه: سرحان في إيه يا رعد؟، ابتسامتك مرسوم فيها فتاة!
قال آسر بسخرية: فتاة! وهنا؟، أحنا بقالنا ساعتين هنا ماشوفناش أي فتاة لحد دلوقتي!
قال يوسف بابتسامة تسخر منه وقال: يابني هنا مش زي المدن، مافيش اختلاط والكلام ده، وبصراحة كده احسن...
قال رعد بابتسامة تتذكر ذلك الوجه ذو السمرة المحببة: هنا البنات جمالها طبيعي، ضحكتها جميلة، وبغمازة كمان، بتتكسف من أقل شيء، شيء كده يشغل البال وأسمر يا أسمراني وربنا يستر...
هز يوسف رأسه بضحكة ماكرة وقال: ما تقول هي مين وتفضفض يا رعدود!
تابع رعد على نفس شروده: بنت شوفتها صدفة، هو أنا مش عارف اتشدتيت ليها ليه تحديدًا، بس لما ضحكت بغمازتها دي قلب أخوك مابقاش على سابق عهده...
اغمض يوسف عينيه بابتسامة شاردة وهو يتذكر حميدة: أيوة، ايوة، كمل كمل، وقفت عند سابق عهده، وبعدين؟
هتف آسر فيهم بحدة ففتح يوسف عينيه بخضة ورمقه بغيظ، ليقول آسر مجددًا: ياريت نفوق لشغلنا كده بدل جو يوم من عمري ده اللي هيجبلنا مشاكل، ويعطلنا...
وقف يوسف قائلًا له بغيظ: أنت اللي جواك ده مش قلب، دي علبة تونة وفاضية!
رد آسر بسخرية: احسن من برطمانات العسل اللي عندكم، بس عسل أسود!
رد آسر وهو قاطب الجبين بغيظ من آسر: يا كئيب يا عدو الفرحة! ربنا يوقعك في واحدة تخليك ماتنامش الليل وتحتار حيرتنا وتسرح سرحتنا قادر يا كريم...
وضع الفتيات الملابس المبتلة على سطوح المنزل، تثاءبت حميدة وقالت: بصراحة أنا تعبت ومش قادرة أنشر هدوم...
وسايرتها رضوى التي كانت تكره هذه المهمة وقالت متظاهرة بالنعاس: وأنا كمان، هموت وأنام...
فهمت جميلة الأمر وقالت ضاحكة: بتخلعوا يعني!، ماشي، انزلوا وأنا هنشر الهدمتين دول واحصلكم...
ركضا كلا من حميدة ورضوى ضاحكين إلى الأسفل، وبدأت تفرد جميلة الملابس المبتلة على الأحبال...
حتى لاحظت ظل لشبح طويل وعريض المنكبين خلفها...
كان جاسر يقف بسطوح المبنى حتى لاحظ اصوات الفتيات، لم يكترث للأمر حتى صدم بتلك الفتاة التي أوقعته بترعة الأرض الزراعية، قفز من على السور الفاصل بين المنزلين، وتسلل بخفاء حتى استطاع الوقوف خلفها دون أن تشعر، ورسم خياله ظل ضخم أمامها...
انتفض جسد جميلة وهي تسمي في صوت مرتعش اسم الله وتتستعيذ بالله، كتم جاسر ضحكته ورفع يديه وكأنه سيخنقها فظهر ظل يديه ضخم جدًا جعلها تكتم صرخة بحلقها...
ضخم جاسر صوته وتظاهر بأنه شبح وقال: أنا عفريت الليل، شيييييييش.
جف ريق جميلة من الذعر ولكنها تعجبت وقالت: شييش!، عفريت القناة الخامسة!
استدارت جميلة وكادت أن تصرخ حتى ضحك جاسر عليها ووضع الرداء المبتل الذي كان بيدها على فمها لتصمت، فقال وهي يحاول أن لا يضحك أكثر من ذلك: أنتِ بتطلعيلي ليه كل ما بكون زهقان؟
حدجت جميلة فيه بصدمة، لا يعقل أنه هنا؟
نظر جاسر لعينيها الملتعمة تحت قمر الليل وقال مبتسما بمكر: عينك الحلوة دي خدت قلبي غسيل ومكوة، زي الغسيل اللي غسلتيه ده، يكونش ده قلبي ومش واخدة بالك! ولا دي...
فجأة وجده نفسه يُدفع بعيدًا والملابس المبتلة تتدافع في وجهه فتأون بألم من اصطدم شيء معدني بوجهه وهي تهتف بعصبية: لأ دي الله يرحمها كرامتك اللي هتتنشر وهتتعصر وهتتفرد دلوقتي، جاك حش وسطك يا بعيد...
الحقوناي، هموته.