قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية صغيرتي للكاتبة فاطمة حمدي الفصل الأول ( مدللته )

رواية صغيرتي نوفيلا للكاتبة فاطمة حمدي كاملة

رواية صغيرتي نوفيلا للكاتبة فاطمة حمدي الفصل الأول

( مدللته )

خرجت من غُرفتها تسير بخطوات مدللة مثلها، وقفت في منتصف الرواق تُراقب غرفته وتنتظر خروجه بفارغ الصبر..
نظرت إلى ساعة معصمها ثم زفرت بغيظ قائلة بحنق:
- كدا يا يوسف نايم لحد دلوقتي!

تلفتت حولها في حذر وعبرت المسافة القصيرة بين غرفتها وغرفته في سرعة، ثم طرقت باب الغرفة بهدوء فلم يأتي رد..
قررت اقتحام الغرفة، فأدارت المقبض وولجت، تعالت دقات قلبها وهي تناظره ببسمة عريضة على شفتيها الناعمتين، اقتربت أكثر وتأملت ملامحه عن قرب بنظرات شغوفة..

ملامحه تذبذب كيانها وتفقدها صوابها..
ذاك الوسيم الأسمر ذا البشرة الخشنة صاحب الجسد الضخم والشخصية القوية...
تعشقه حد الموت، تهيم به ولديها هوس غير طبيعي بشخصه، حُبه وحنانه الجارف معها...
حاولت استعادة ثباتها قليلًا وهمست بإسمه وهي تدنو منه:

- يوسف..
وكررت بصوت أكثر نعومة:
- يوسف..
لم يستجيب في البداية، فعادت تكرر بنبرة أعلى:
-يوووسف..
هُنا فتح عينيه منزعجًا، وراح يلقي نظرة خاطفة عليها متمتمًا بنعاس:
- في إيه.. يا روما!؟

تنهدت " مريم" بعمقٍ وهي تجلس جواره بجراءة معهودة منها.. معه، لتقول بتذمر ودلال في آن:
- أنت نسيت إن النهاردة أول يوم لي في الجامعة؟ والمفروض إن حضرتك تقوم عشان توصلني!
تململ في فراشه، ثم تمطع بأريحة قائلًا بابتسامته الرجولية:

- صباح الفُل الأول.
بادلته الابتسامة باتساع وقالت:
- صباح الورد.
نهض جالسًا على الفراش وفرك عيناه، ثم عاد يتطلع إليها فاتسعت عيناه في غضب جم، بينما يهتف بزمجرة:
- إيه دا؟!
سألته مستغربة:
-إي؟
نهض عن الفراش بعنف وعيناه قد تحولتا لجمرتان:

- أنتِ راحة الجامعة بالزفت دا؟ بتستهبلي؟
انكمشت ملامحها بحدة وهي ترمقه بعتاب؛
- أنا في أولى جامعة، يعني كبرت مش صغيرة، من حقي أحط الميكب اللي يعجبني وألبس برضوه اللي يعجبني!
هدر بها بتعنيف:
- أنتِ مش من حقك أي حاجة، أنتِ ترجعي أوضتك فورًا، تمسحي المهرجان دا اللي في وشك وتغيري لبسك بلبس محتشم عن كدا، ويا كدا يا إما مافيش جامعة، مفهوم ولا لا؟

نكست رأسها قليلًا وقد أدمعت عيناها في حزن، ثم بكّت في رقة دائمًا ما تُذيب قلبه وتبعثر ثباته، لكنه بقى ثابتا بملامحه الجامدة ولم يتحرك، لم يراضيها كعادته، فيما كرر بنبرة صارمة:
- سمعتيني قلت إيه؟
أطاعته واستدارت خارجة من الغرفة وهي تمسح دموعها بظهر كفها، أما هو ذهب إلى الحمام وهو يهمهم غاضبًا:
- مبقاش ألا أنتِ اللي مطلعتش من البيضة وتقولك حقي ومش حقي! ٱل ميكب ٱل!

ضحك وهو يغلق باب الحمام خلفه، فتمر نصف ساعة ويُكن بهيئته الجذابة بعد أن ارتدى ملابسه الأنيقة، خرج من غرفته فتقابل مع والدته التي قالت بحنق واضح:
- المزغودة دي كانت بتعمل عندك إيه؟!
سار خطواتين للأمام مع قوله الجامد:
- بتصحيني..
أخذت تسير خلفه وهي تهتف بغضب:
- بتصحيك؟ إزاي تسمحلها تصحيك، دي بنت قليلة الأدب أنا لازم أشوف شغلي معاها!
قال بصوته الأجش في صرامة:
- شغلك معايا مش معاها يا أمي، مريم ماحدش له دعوة بيها تمام؟!

وصل إلى مائدة الطعام وجلس ليتناول قهوته التي وِضعت له خصيصا كعادة كل يوم، راحت والدته تجلس قبالته وعيناها تطلقان شرر غاضب وهي تستكمل بحدة:
- أنا مينفعنيش كلامك دا، دا يمشي على نفسك مش علينا يا يوسف، أنا المسخرة دي ماتحصلش في بيتي..
صمت يوسف ولم يعقب، إنما أخذ يرتشف من فنجان قهوتهُ في هدوء، بينما أقبل عليهما والده " همام " وراح يهتف بجديته المعتادة:
- صباح الخير..
ردت "تهاني" في غيظ:
- صباح النور..
قال همام بعد أن جلس يترأس الطاولة:
- إيه مالك يا تهاني زعلانة ليه؟!
أجابته حانقة والضيق يطغي على ملامحها:
- يرضيك اللي بيحصل دا يا همام؟

سأل متعجبًا:
- إيه اللي بيحصل يا تهاني؟!
- بنت أخوك وإبنك مش ناويين يجبوها البر معايا يا همام! تخيل إنها بتدخل عليه وهو نايم رغم إني حذرتها أكتر من مرة متتجاوزش حدودها معاه!
نظر همام إلى إبنه شزرًا وقال متجهما الملامح:
- أمك كلامها صح يا بيه! أنت ناسي إن مريم أمانة في رقبتي ولا إيه؟
تأفف يوسف وقد وهجت ملامحه بصرامة قائلًا:
- بقولك إي يا بابا أنت عارف إن ماحدش بيخاف على مريم وبيحبها أدي، فياريت بلاش الكلام دا أنا عارف بعمل إيه وبحافظ عليها إزاي، وقولتلك أكتب عليها أنت مش موافق.. براحتك بقى!

زجرته أمه بشدة:
- تكتب على مين يا ولد؟ أنت مجنون؟.. دي أصغر منك ب 12 سنة!، ثم إن مش هي دي اللي بتمناها ليك زوجة، دي حتة عيلة لا راحت ولا جات!
- عجباني يا أمي أنتِ زعلانة ليه!
تحدث بهدوء استفزها، لتتابع جازة على أسنانها:
- لا يمكن يحصل أبدًا، أنا أمك ومن حقي إنك تسمع كلامي ولو تم والله لأنا سايبة البيت وماشية من هنا!
وما إن أتمت جملتها حتى أسرعت إلى غرفتها وهي تهمهم في غضب شديد، تقابلت مع " مريم " على الدرج فحدجتها بشراسة قاسية، فابتسمت الأخيرة بدلال وهي تكمل هبوط الدرج كأن شيء لم يكن..

اتجهت نحو طاولة الطعام وهي تهتف بصوتها الناعم:
- أنا جاهزة..
التفت يوسف يتطلع إليها بابتسامة ارتسمت على شفتيه في رضا، بينما يقول بغزل:
- أهو كدا، إيه الجمال دا؟!
فكانت هادئة بملابس أكثر حشمة دون وضع أي مساحيق تجميل فبدت وكأنها طفلة في برائتها ورقتها، ورغم نظراته المعجبة كانت عابسة الملامح لا تنظر له فهي غاضبة الآن.. غاضبة وبشدة. !
أردف السيد همام في حزم رفيق وهو يُشير لها بيده:

- إقعدي يا حبيبتي إفطري يلا..
رفضت وهي تحرك رأسها سلبًا:
- لا مش هينفع يا عمو، إتأخرت على صحباتي، لازم أمشي..
ثم نظرت إليه في غضب طفولي قائلة:
- ممكن لو سمحت تقوم توصلني بقى؟!
غمز لها بعينه قائلًا بهدوء:
- مش قبل ما تفطر يا جميل..
تخضبت وجنتيها بحمرة الخجل وهي تطرق رأسها، بينما قال والده في شدة حازمة:
- يوووووسف..!
تنحنح يوسف وهو مازال محدقا بها:
- سوري يا بابا، أنا عاوزها تفطر بس..
والده بصرامة:
- يوسف إتعدل بدل ما أقلب عليك!
أومأ يوسف برأسه موافقًا ثم قال زافرًا:
- إتعدلنا أهو..
همام بجدية:

- لينا كلام مع بعض، المهم قوم دلوقتي وصل مريم عشان متتأخرش ومش عاوز أي استهبال.. فاهمني طبعا!
نهض يوسف عن مجلسه وأومأ برأسه مجددًا متابعا بابتسامة عابثة:
- أنت تؤمر يا باشا..
والده بعدم ارتياح:
- متتأخرش، ورانا شغل كتير النهاردة في الشركة..
هز رأسه إيجابًا وسار خارجا من - فيلتهم العريقة- لتتبعه مريم في سرعة، عبرا الحديقة ليصلا إلى سيارته في الجراج، ركب يوسف أولا وفتح لها الباب كي تدخل، فركبت جواره ومازالت تتصنع الغضب حتى يُراضيها..
انطلق بالسيارة وهو يرمقها من حين لآخر بنظرات متسلية، بينما هي تبادله النظرات باغتياظ وقد احتقن وجهها من تجاهله وبروده المستفز ذاك..
ضحك مستمتعًا لرؤيتها غاضبة هكذا، فازدادت غيظًا منه ونهرته بتذمر:

- بتضحك على إيه.!
توقفت السيارة فاختل توازنها لتجد نفسها بأرض السيارة على ركبتيها، أما هو فكان مواصلا لضحكاته ثم دنا منها ورفعها مجددًا على المقعد قائلًا من بين ضحكاته:
- سوري يا روما، قلت أوقف العربية عشان أعرف أصالحك بضمير..
زفرت بضيق وهي تردد:
- زعلانة منك أوي..
- أموت أنا..!
قالها وهو يميل عليها قليلًا متابعا بنبرة أشعلت مشاعرها:
- أموت أنا لو زِعل حبيبي...
ابتسمت كالبلهاء من غزله وراحت تميل عليه هي الأخرى بسعادة.. سعادة لم تذقها إلا معه وقربهُ..
ابتعد هو وقد ازدرد ريقه قائلًا بتنهيدة حارة:
- بقول نعدي على أي مطعم عشان تفطري ولا إيه؟
تذمرت وهي تقول:
- لا مش عاوزة..
أردف بصيغة آمرة:
- لا لازم تفطري..
لم ترد عليه والتزمت الصمت، فابتسم لها وأدار محرك القيادة وانطلق بسيارته مجددًا، إلى أن وقف أمام مطعم ما ليترجل بصحبتها من السيارة، جلسا معا وطلب لها إفطارًا خاصًا ثم أخذ يتأملها وهي تتناوله بنهم وشهية..

ضحك قائلًا بمزاح:
- وأما أنتِ جعانة كدا بتعاندي ليه؟ دماغك ناشفة يا روما..
رمقته بنظرة غاضبة وهي تواصل تناول الطعام، فاستطرد هو بتنهيدة قوية:
- زعلانة مني ليه؟
ابتلعت الطعام الذي بفمها، ثم نظرت له مواصلة:
- أنت عارف عملت إيه..
تابع بابتسامتهُ التي تخصها وحدها:
- عملت إيه يعني؟ زعلانة مني عشان خايف عليكِ؟ مش عاوزك ملفتة للأنظار وكل من هب ودب يبص عليكِ، أبقى أنا كدا غلطان؟
صمتت مجددًا وهي تتحاشى النظر إليه، فسألها بصرامة:

- ردي؟ أنا كدا غلطان؟!
أومأت برأسها سلبًا دون كلام، فقال متصنعا الغضب:
- بس لو عاوزاني مأتكلمش معاكِ تاني براحتك عادي، ولو عاوزني مأعلقش على لبسك وشكلك عادي برضوه، بس تنسي حاجة إسمها يوسف خالص!

- لا لا، خلاص أنا هعمل اللي أنت عاوزه يا يوسف بس بليز أوعى تقولي أنساك..
قالت جملتها بصوت ناعم ودلال كعادتها، فتنهد بحرارة وحاول ضبط أعصابه الثائرة جراء دلالها وبراءتها الشديدين..، ليقول مبتسما:
- أوك يا رومتي، ممكن تكملي أكلك يلا عشان متأخرش على شغلي..
نظرت له بشقاوتها المعهودة وعبثت في خصلات شعرها قليلًا وهي تزم شفتاها بدلال، بينما رفع يوسف أحد حاجبيه قائلًا بنبرة ذات مغزى:
- عاوزة إيه؟
افتر ثغرها عن ابتسامة وردية ذات تأثير قوي عليه مع قولها:
- مش عاوزة أروح الكُلية النهاردة، إيه رأيك لو نتفسح؟
نظر لها بصدمة مستطردا:
- نعم! من أول يوم يا مريم مش عاوزة تروحي الكلية؟!
- بليز يا يوسف، عشان خاطري،..
توسلته بدلالها، فنفى هو بإصرار:

- لا لا مستحيل أنا كدا هبقى بضرك يا حبيبتي، يوم أجازتي بخرجك المكان اللي أنتِ عاوزاه إنما كدا لا وكمان أنتِ وعدتيني إنك هتاخدي السنة من أولها جد، كفاية إنك عايدة الثانوية العامة يا مريم.
أومأت برأسها ونهضت تقول:
- ماشي، أسفة إني بعطلك عن شغلك دايمًا وأسفة إني عدت الثانية العامة أسفة على كل حاجة..
أنهت جملتها وخرجت متجهة إلى السيارة، فنهض خلفها وهو يكتم ضحكاته بصعوبة، دائمًا ما يشفق عليها ويود توفير الراحة لها بشتى الطرق، حيث أنها فقدت والديها منذ الصِغر وتربت معه وشقيقته ووالديه، ولم تسلم من والدته التي تبغضها بشدها بإعتبارها إبنة من كانت تبغضها أيضًا...
- أه منك يا مريم، هقول إيه ما أنا اللي دلعتك!

قالها يوسف وهو يميل عليها ليحكم حزام الأمان عليها وعيناه تحتضن عينيها بدفئ جارف، ثم يهمس بصوت أذابها:
- ليكِ عندي خروجة حلوة جدا يوم أجازتي، بس دلوقتي عشان خاطري مش هينفع تمام؟
وفي لحظة أزال غضبها لتبتسم برضى تام وهي تومئ برأسها موافقة على كلامه، لتهمس بعفوية:
- بحبك..

اعتدل فورًا على كُرسيه وهو يلملم شتات نفسه الذي تبعثر عقب كلمتها التي أصابت قلبه في الحال، ليقول بصوت خشن:
- وأنا كمان يا مريم..
قاد سيارته وهو يتمتم:
- الصبر يارب..

 

- تهاني! لمي الدور وكفاية بقى على البنت..
هكذا تحدث السيد همام في حزم شديد، لترد عليه بحدة عارمة:
- البنت دي بتتحداني، نظراتها معايا كلها تحدي، هي عارفة إني مش عاوزاها لإبني ومع ذلك ماسكة فيه، وأنا قلت على جثتي يوسف يتجوزها، أنت ناسي إن دي بنت عدوتي!

ضرب كفا بكف متعجبا لأسلوبها ليهتف:
- لا إله إلا الله، أمها وأبوها ماتوا في حادثة وسبوهالك مخضرة، عاوزة إيه وبتتكلمي في إيه يا تهاني!
تهاني بتهكم شديد:
- أه ماتت بس سابتلي بلوة زيها وأهي طالعة لها بالظبط...
همام هاتفا بضيق:
- إتقي الله يا تهاني دي يتيمة الأب والأم ملهاش حد دا بدل ما تعطفي عليها؟
تابعت بنفس التهكم:
- ما كفاية أنت قايد صوابعك العشرة شمع ليها، ولا إبنك المهووس بيها كأن مافيش في الدنيا غيرها!
همام بصرامة:
- إبنك بيحبها ولحد الآن مش راضي يتجوزها إلا برضاكِ، فياريت تراجعي نفسك وخليكِ عارفة إن دي بنت أخويا ومش هفرط فيها مهما حصل سامعة!

وما إن أنهى حديثه برح المكان، ليتركها تنظر إلى الفراغ بحقد جلي..
لتهمس في وعيد:
- ماشي يا همام، أنا هعرف أشوف شغلي معاها!

 

وصل أمام باب جامعتها وصف سيارته، وما لبثت مريم أن ترجلت من السيارة والابتسامة تملئ شدقيها، ترجل ليهتف بنبرة متلهفة:
- روما..
التفتت له بنظرة شغوفة، فقال بحزم رفيق:
- إلبسي الجاكيت الجو برد..

أومأت في طاعة وبالفعل أخذت ترتدي معطفها الثقيل، ثم تحركت وهي تلوح له بيدها، فأوقفها مرة أخرى حين هتف:
- روما..
نظرت له مجددًا، فأرسل لها قبلة مفاجئة في الهواء، جعلها تتورد خجلًا وتبتسم بنعومة...
ابتعدت وراحت تسير بخطوات متمهلة، بينما ظل هو يتابعها بعينيه العاشقتين متنهدًا تنهيدًا ممدودًا، ركب سيارته مرة أخرى، فتفاجئ بهاتفه يصدح عاليا معلنا عن اتصال، أجاب بهدوءٍ، فآتاه صوت أنثوي يهمس:
- جوووو، وحشتني أوووي...

الفصل التالي
جميع الفصول
الآراء والتعليقات على الرواية