قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل الثامن والعشرون

رواية ذئاب لا تعرف الحب الجزء الأول منال سالم

رواية ذئاب لا تعرف الحب ج1 للكاتبة منال سالم الفصل الثامن والعشرون

في شاليه عائلة الجندي ،،،،

ساد صمت مشحون بين مهاب وممدوح ، وتبادلا النظرات النارية والغاضبة فيما بينهما .. في حين إرتمت ناريمان على أقرب مقعد وهي تنتحب بصوت مرتفع ، ودفنت وجهها بين راحتي يدها ..
لم يجرؤ ثلاثتهم على التحدث عن أسرار الماضي ، وإكتفوا بالنظرات الغامضة ..
في النهاية زفر مهاب في ضيق وهو ينظر في اتجاه زوجته وصاح بها متسائلاً :
-فين ليان ؟

لم تجبه ناريمان في البداية ، فأعاد مهاب تكرار السؤال ولكن بحدة أكبر وهو ينظر نحو ممدوح وكأنه يتعمد إشعال غيرته :
-فين بنتي ليان ؟

ابتسم ممدوح لنفسه في سخرية مريرة ، ونظر ناحية الشاطيء من جانب الشرفة ليتجنب نظرات مهاب الشامتة ، وغمغم بخفوت لنفسه ب :
-إحرق دمي أكتر لما تنادي بنتك بإسم آآ.... آآ.. ملاكي

أبعدت ناريمان كفي يدها قليلاً عن وجهها ، ورفعت عينيها المنتفختين للأعلى ، وأجابت عليه بصوت مبحوح ومتلعثم :
-م.. م.. آآ... معرفش

رمقها مهاب بنظراتٍ شرسة قبل أن يتابع الحديث معها بعصبية ب ..:
-يعني ايه متعرفيش ؟؟ مش المفروض البنت معاكي ، وإنتي مسئولة عنها ؟

ابتلعت هي ريقها في توتر ، ووزعت نظرها بينه وبين ممدوح ، وحاولت أن تبدو متماسكة حينما أجابت عليه ب ..:
-ماهو .. آآ.. ما أنا بأطلبها على الفون من بدري وهي يا قفلاه يا مش بترد

لوح بيده في وجهها بإنفعال ، وهو يصرخ عالياً ب .. :
-إنتي معندكيش دم ، وفالحة بس تخرجي مع البيه

-بلاش أنا يا مهاب ..!
قالها ممدوح محذراً وهو يشير له بطرف عينه

اقترب مهاب مجدداً من ممدوح ووقف قبالته ، ونظر له بتحدي ، ثم صر على أسنانه وهو ينطق ب ..:
-اخرج من بيتي ، ومن حياتي ، أنا جبت أخري معاك

ابتسم له ممدوح إبتسامة صفراء مستفزة قبل أن يجيبه ب ..:
-إحنا قدرنا واحد يا .. يا صاحبي .. الماضي جمعنا ، وهانفضل كده لحد ما واحد فينا يموت فيرتاح التاني منه ...!

كان مهاب على وشك الرد عليه ، ولكن انتبه لصوت فتح باب الشاليه الخارجي ، فكور قبضته في غضب ، ونظر بتوعد له وهو يقول :
-الماضي إدفن من زمان يا ممدوح ، ها إدفن ، وأحسنلك تسيبه مكانه !

ثم سار بخطوات أقرب للركض خارج الشرفة ليرى من القادم ..
تابعه ممدوح بنظراته الساخطة إلى أن اختفى عن ناظريه تماماً ، فتوجه ناحية ناريمان ، وجثى على ركبتيه أمامها ، ثم وضع كفي يده على فخذيها ، ونظر لها بحنو ، وبنبرة خافتة أردف ب ..
-نيرموو .. مش عاوزك تقلقي ، أنا هافضل معاكي دايما

أزاحت ناريمان يديه بعيداً عنها ، ونظرت له بنظرات متوسلة قبل أن تجيبه ب ..:
-امشي الوقتي يا ممدوح ، بليز ..
أطالت هي في نظراتها الآسفة ، و..
- بليز

تنهد ممدوح في ضيق وهو خافض لرأسه ، ثم رفع عينيه لتلتقي بعينيها ، وبنبرة رخيمة قال لها :
-حاضر ، أنا هامشي الوقتي ..!
-ميرسي بجد ليك

إحتضن كف يدها بكفيه ، ونظر لها بعمق وبنبرة هادئة أوصاها ب :
-خلي بالك من نفسك ، وطمنيني على الوضع ، وإبقي قوليلي وصلتي لإيه مع مهاب

أومأت ناريمان برأسها بخفة وهي تجيبه ب ..:
-اوكي ..

سار مهاب بخطواته الراكضة نحو باب الشاليه ليجد ابنته ليان تجر ساقيها وتسير كالهائمة على وجهها في اتجاه الدرج ، توقف للحظة في مكانه مشدوهاً بحالتها المزرية ، وتأمل لثوانٍ معدودة حالة الجمود الغريبة السائدة على تعابير وجهها ، ولاحظ نظراتها الحزينة ، فإنقبض قلبه ، ومن ثم صاح فيها عالياً ب..:
-ليان .. !

لم تلتفت ليان إليه ، بل تابعت صعودها على الدرج وإكتفت بإلقاء نظرة غامضة نحوه .. فإنزعج مهاب كثيراً من ردة فعلها الجافة عليه ، فهدر بها ب ..
-بنت ! اقفي مكانك ، أنا مش بأكلمك ؟ ولا دي التربية اللي ناريمان هانم علمتهالك ؟!

اتجه مهاب بأنظاره المحتقنة نحو الدرج ، وظل مسلطاً بصره على ابنته التي لم تعبأ بصراخه فيها ..

في حين خرجت ناريمان على إثر صوته من الشرفة ، ثم ركضت نحوه ، ووضعت كفي يدها على كتفيه ، وتوسلت له ب ..
-بليز مهاب ، مافيش داعي تتعصب دلوقتي

أبعد هو يديها عنه بقوة ، ثم حدجها بنظرات مهينة قبل أن ينطق بتبرم ب ..:
-في ايه يا هانم ؟ هو مش من حقي أعرف بنتي كانت فين ولا بتعمل ايه لوحدها ؟

أخذت ناريمان نفساً مطولاً ، وزفرته على عجالة لتهديء من نفسها ، ثم بهدوء مصطنع أجابته ب ..:
-اوكي ، من حقك ، بس مش وإنت منفعل كده

رد عليها مهاب بعصبية وهو يلوح بيده ب ..:
-والله أنا حر في طريقتي مع بنتي ، مش هاتيجي الوقتي وتقوليلي أعمل ايه !!

-حلو دور الأب ده .. مع إنه مش لايق عليك
قالها ممدوح بتهكم وهو يضع يديه في جيبي الشورت الذي يرتديه ..

اندفع مهاب في اتجاهه كالثور الهائج ، ثم أمسك به من تلابيبه ، وحدجه بنظرات نارية قبل أن ينفجر فيه قائلاً:
-إنت ليه مصمم تخليني أرتكب جناية الوقتي ؟!!!!

أمسك ممدوح بقبضتيه ، وأبعدهما عنه ، ونظر له نظرات ساخطة ، ثم بنبرة جامدة أردف ب ..:
-ماتعملش حاجة ، أنا ماشي .. كفاية كده عليك النهاردة

هدر فيه مهاب بصوته الجهوري ب ..:
-في داهية ..!!

نظرت ناريمان بتوسل شديد إلى ممدوح حتى لا ينفعل هو الأخر على مهاب ، فإكتفى الأخير بكظم غيظه ، ثم سار مسرعاً نحو الباب ، وصفقه بعنف خلفه ..

لم تردْ ناريمان هي الأخرى أن تتجادل مع زوجها ، لذا أسرعت نحو الدرج وغمغمت ب ..:
-أما أشوف ليوو كانت فين

في منزل عبد الحق بالزقاق الشعبي ،،،

جلست بطة على طرف الفراش منكمشة على نفسها في رعب جلي ، وثنيت ركبتيها أمام صدرها ، وضمت لساقيها معاً بذراعيها ، ونظرت حولها بريبة وظلت تبكي بحرقة ومرارة إلى أن تورمت عينيها وصارتا حمراوتين ، وكذلك إنتفخ أنفها ..
لم تبدل هي فستان زفافها الذي تلطخ بدماء برائتها ، بل ظلت على تلك الوضعية ترتجف وترتعش وهي تتآلم في داخلها من هول ما مرت به ..
أغمضت عينيها لتنسى ذلك المشهد القاسي الذي مرت به ..
هي لم تتخيل أن ليلتها ستكون دامية بحق ، لم يطرأ ببالها أن يفعل ( شبيه ) الرجال بها هذا ، ولم تتصور أن تشاركه والدته في تلك الجريمة ..
حقاً لقد صدقت حينما حطمتها ، وآلمتها .. وأفقدتها أبسط حقوقها ..

شهقت بطة بصوت مرتفع وهي تتذكر كيف رأت لذة التشفي ونشوة الشماتة جلية في أعين من شهدوا على ذبحها بقسوة ..
إنتفضت في مكانها لأكثر من مرة ، وإختنق صدرها من كثرة البكاء .. ووجدت صعوبة في التنفس بصورة طبيعية .. ورغم هذا لم تطلب المساعدة من أحد ، ولم تحاول حتى النهوض من مكانها ، فالآلم البدني يقتلها ، والآلم النفسي كسرها بحق ..

استدارت برأسها فزعة ناحية باب الغرفة حينما فتحه عبد الحق مجدداً وولج للداخل فنظرت له بإشمئزاز وهو يرتدي ذلك السروال الداخلي المتهدل على جسده ، وشعرت بالتقزز من وجودها معه في نفس المكان ..
لذا أشاحت ببصرها بعيداً عنه ، وكتمت نحيبها .. ومسحت عبراتها في فستانها ، في حين اقترب هو من الفراش ، وألقى بجسده المنهك عليه ، ثم مد كف يده ليلمس ذراعها فإنتفضت كمن لامسه تيار كهربي ، وإنكمشت هي على نفسها أكثر ، فنظر لها بإستغراب ، ثم بصوت متحشرج نطق ب ..
-في ايه يا عروسة ؟

أغمضت بطة عينيها جبراً ، وعضت على شفتيها بقوة ، وحاولت ألا تركز حواسها معه ، فكل صوت يصدره ، وكل حركة يقوم بها تصيبها بالغثيان ، وتزيد رغبتها في النفور منه ..
اعتدل هو في جلسته على الفراش ، ونظر لها بتعجب ، ثم تنحنح بطريقة مزعجة ، وبصوته الآجش قال :
-مالك قالبة سحنتك ليه ؟ ما هي الليلة عدت وخلاص

لم تنظر هي ناحيته ، وظلت على وضعيتها تلك .. فلوى فمه في عدم إكتراث ، ثم نظر إلى الكومود المجاور له ، ولمح شرائط الأدوية المنشطة التي أهداها له رفاق السوء ، فظهرت إبتسامة ماكرة من بين أسنانه ، وسحب شريط منهم ، ثم أفرغ القرص الموجود بداخله ، ودسه في كف يده ، ونظر إلى بطة بجرأة وتفرس ملامح جسدها ببطء ، ثم بنبرة خافتة قال لها ..:
-مش هاتيجي بقى آآ...

ومد يده ليحرر أصابعها المتشابكة معاً ، فشهقت في ذعر ، ونهضت على الفور من مكانها ، ونظرت له بنظرات محتقنة قبل أن تنطق محذرة ب ..:
-إياك تلمسني !
-نعم ياختي ؟

هدرت فيه بطة صارخة ب ...:
-بقولك إياك تقرب مني ، إنت لو كنت راجل ، ولا حتى فيك ذرة رجولة مكونتش تقبل إن ده يحصل فيا

-أوووف ، أعوذو بالله ، هو أنا ناقص غم .. !
قالها عبد الحق وهو ينفخ في ضيق زائف ، .. ثم وضع يده على رأسه وحكها عدة مرات ، ومن ثم نظر إليها وتابع ببرود مستفز ب ..:
-هو إيه اللي حصل يعني ، ماهي كانت دخلة زي أي دخلة

اتسعت عينيها في ذهول ، ثم بكل غضب هدرت ب ..:
-دخلة !!! إنت بتسمي اللي عملتوه فيا دخلة ، يا شيخ حرام عليك ، ده أنا اتفضحت قصاد الناس ، غير ما إنت كسرتني ووجعتني وآآ... آآه
ثم صمتت مجبرة ، وعضت على شفتيها ، وكورت قبضتي يدها في ضيق ، وبدى وجهها منزعجاً ، فقد كافحت لتخفي الوخزات والآلام الحادة في الجزء السفلي من جسدها ..

تمطع بجسده في الفراش ، ومد كف يده تحت الوسادة ليخبيء القرص ، ثم أرخى ذراعيه إلى جوار جسده ، ونظر إلى السقف ، وبتنهيدة إرهاق أكمل ب ..:
-فضيحة ليه ؟ ما إنتي طلعتي زي الفل وبختم ربك

ثم أدار رأسه في اتجاهها ، ونظر لها بنظرات ذات مغزى قبل أن يتابع ب ..:
- وبصراحة كده أنا مقدرش أكسر كلمة أمي

فغرت شفتيها في تهكم وهي تنطق ب ..:
-أمك ..!!!!

أوميء برأسه ببرود :
-أيوه
ثم سألها بخبث ب ..:
-المهم هاتيجي جمبي ولا آآ.. ؟!

أجابته هي بصرامة قاسية وهي تنظر له بعينيها الحمراوتين :
-لأ ..
-يعني الليلة فكست ؟!
-آه ، وإنسى إنك تاخد مني حاجة تاني

-مش عاوز ، أنا أصلاً فصلت شحن من زمان وكنت بتأكد بس .. هاه
تثاءب عبد الحق أولاً بطريقة مزعجة ، ثم أولاها ظهره ونام على جانبه الأيسر ، وأغمض عينيه ، ثم رفع ذراعه في الهواء وأشار لها وبصوت شبه ناعس ومتثاقل آمرها ب ..:
-طب إطفي النور خليني أتخمد لأحسن الدخان والبرشام عموني ، ومش قادر أعمل حاجة .. آآآخخ..

صرت على أسنانها من الحنق ، وحدجته بنظرات شرسة وحاقدة ، ثم همست لنفسها ب ...:
-منك لله يا شيخ إنت وأمك ، منكم لله ، أشوفكم مفضوحين عن قريب يا رب

في طائرة مصر للطيران ،،،،

جلس أوس على المقعد الذي حجزه في درجة رجال الأعمال بالطائرة العائدة إلى القاهرة ، ثم بمهارة ربط حزام الآمان ، وأرجع ظهره للخلف ، وحدق أمامه ..
اقتربت منه المضيفة ، ومالت عليها بجسدها قليلاً بعد أن إستندت بكف يدها على مقدمة مقعده ، ثم همست له ب ..:
-تحب حضرتك تشرب حاجة الوقتي ؟
-أها .. مياه ساقعة
-بس ؟
-أيوه
-حاضر يا فندم

استدارت المضيفة بظهرها ، وقامت بفتح زجاجة مياة معدنية مثلجة ، وأفرغت بعضها في كأس شفاف ، ثم قدمته لأوس وهي ترسم على شفتيها إبتسامة رقيقة ..
ولكن إهتزت الطائرة فجأة فإضطربت المضيفة ، وإرتعشت يدها الممسكة بالكأس ، وتساقطت المياه على بنطال أوس الرمادي الداكن ، فحدجها بنظرات قوية ومخيفة ، فإرتكبت المضيفة أكثر وتوترت وسقط الكأس من يدها ، وبنبرة آسفة تشدقت ب ..
-سوري يا فندم ، لحظة وهاجيب مناديل لحضرتك

أشار هو لها بكف يده ، وبصرامة رد عليها ب...
-خلاص .. إمشي
-أنا أسفة يا فندم ، حضرتك ده .. آآ.. ده مطب هوائي وآآ..

نظر لها أوس مجدداً بنظرات أكثر حدة وهو يرفع أحد حاجبيه ، ثم بصوته الآمر صدح ب ..:
-قولتلك خلاص ، اتفضلي

تنحنحت المضيفة في حرج ، وحاولت أن تسيطر على إرتباكها ، والسخونة التي أعتلت وجهها من طريقته الفجة معها ، ثم بتلعثم واضح ردت عليه ب ..:
-إحم .. آآ.. حاضر ..

ثم بخطوات متعثرة التفتت نحو الطاولة المعدنية التي تجرها ، ودفعتها للأمام وإنصرفت مبتعدة عنه وهي تتمتم بخفوت شديد ..

نفخ أوس من الحنق ، وبطرف كفه مسح بقايا قطرات الماء المتجمدة على بنطاله ، ثم ضيق عينيه قليلاً وهو ينظر ناحية الكأس الملقى أسفل المقعد المتواجد أمامه ، ثم رفع عينيه لينظر من النافذة الصغيرة الجانبية وهو يلوي فمه في إمتعاض ، فرأى جناح الطائرة يخترق تلك السحب الضبابية ، فسلط بصره عليهم وضيق عينيه بتركيز شديد ، وشرد لوهلة في ذكريات بعيدة ، ولمحات من ماضيه ....

نظر ذلك الصغير الجالس على الأريكة الجلدية – ذات الحجم المتوسط - بعينيه الدقيقتين إلى تلك المعدات الغريبة الموضوعة أمامه ولم ينبس بكلمة ، ثم رفع إلى فمه الكوب الزجاجي ليرتشف منه بعض الماء ..
ولكن حينما سمع صوت فتح باب الغرفة إرتجفت يديه الممسكة به وسقط رغماً عنه على الأرض وتناثرت المياه على ركبتيه وأطراف السروال الصبياني – ذي اللون الزيتوني – الذي يرتديه وبللته ..
إندفعت تهاني مسرعة ناحيته ، وأشارت له بالجلوس ، ثم جلست على إحدى ركبتيها ، ومدت يدها لتمسح بنعومة على وجنته ، وبصوتها الأمومي قالت له :
-حبيبي ، متخافش ، مافيش حاجة حصلت

هز الصغير رأسه موافقاً إياها ، وبصوت طفولي أجاب ب ..:
-أها

أمسكت تهاني بكف يده ، وقبلته بشفتيها ، ثم أخذت تداعب أصابعه ، فضحك أوس لها ، ومن ثم نهضت عن الأرضية الرخامية ، و..
-هاجيب شورت تاني يا حبيبي من ال Lucker ( الدولاب ) ورجعالك ، أوعى تلعب في حاجة ، وخليك أعد في مكانك ، أوكي ؟
-حاضر

في نفس اللحظة دلف ذلك الشخص الذي يبغضه الصغير أوس إلى داخل غرفة المكتب ، فزم شفتيه بشدة للأمام ، وضيق عينيه ، وحدجه بنظرات حادة ولم ينطق بكلمة ..
رمقه ممدوح بنظرات لئيمة ، ثم غمز له بطرف عينه وهو يبتسم له بإبتسامة سخيفة من بين أسنانه ، ومن ثم نظر لزوجته تهاني بنظرات مهتمة قبل أن يردف ب ..:
-حبيبتي

إلتفتت تهاني بجسدها كليةً للخلف ، ونظرت له بإستغراب وهي عاقدة لحاجبيها :
-ممدوح ! إنت بتعمل ايه ؟

ثم أمعنت النظر في تلك العربة الصغيرة التي يجرها أمامه ، وفغرت شفتيها في تعجب حينما رأت رضيعتيها الصغيرتين ، ثم سألته بتلهف :
- الله ، إنت جايب البنات معاك كمان ؟ طب ليه ؟
-المربية اعتذرت ومجاتش النهاردة
-اعتذرت !!
-أها .. بتقول عندها برد ، وخايفة تعدي البنات
-ممممم..
-وبصراحة أنا مش هأعرف أركز معاهم ، ما انتي عارفة أنا بأتلبخ في تكة
-اوكي يا حبيبي ، أنا هاجي أشوفهم ، بس أجيب شورت أوس
-تمام

ثم إلتفت برأسه ناحية الصغير أوس ، ورمقه بنظرات متمهلة ومطولة قبل أن يسألها :
-هو هايقضي اليوم معانا ؟

أتاه صوت تهاني من الغرفة الجانبية عالياً ب ..:
-أيوه ، مهاب هيخليه معايا الفترة دي ، أنا مش مصدقة إنه وافق بالساهل على الموضوع ده ، إنت عارف أنا أد إيه استرجيته عشان يخليه يعقد معانا بعد ما اتجوزنا

هز ممدوح رأسه في انزعاج ، ثم بنبرة شبه عادية رد عليها ب :
-أها .. طب كويس

لم يكف أوس عن التحديق هو الأخر في ممدوح ، ولم يتوقف عن صر أسنانه بقوة ..

ولجت تهاني إلى الغرفة مجدداً وهي تحمل في يدها بنطالاً أخراً ، ثم اتجهت نحو إبنها ، ونظرت إليه في حنو ، وبنبرتها الهادئة قالت :
-تعالى يا حبيبي عشان أغيرلك هدومك بدل ما تبرد

جذب الصغير أوس البنطال بعنف من يد والدته قبل أن ينطق بصرامة ب :
-أنا بأعرف لوحدي يا مامي

إبتسمت له إبتسامة رقيقة ، ثم بنفس النبرة العذبة تابعت ب :
-ما أنا عارفة يا قلبي ، بس عشان أقفلك السوستة وآآ..
-أنا كبير دلوقتي
قاطعها أوس بنبرة حادة قبل أن ينهض عن مقعده ويسير في اتجاه الغرفة الصغيرة الجانبية

نظرت لها تهاني بإندهاش ، ثم بنبرة عذبة قالت :
-حبيبي ..

إلتفت برأسه نصف إستدارة ليراها ، ولم يجبْ عليها ، في حين لوحت هي له بأطراف أصابعها ، وبإبتسامتها الحانية نطقت ب ..:
-ربنا يخليك ليا يا قلبي ، وتفضل معايا على طول

ظل الصغير أوس عابس الملامح ، مقطب الجبين ، وسار في اتجاه الغرفة الجانبية وإختفى بداخلها ، ولكنه أصغى بإنتباه لكل كلمة تقال في الخارج بين والدته وزوجها الجديد ..

راقب شخص ما بالخارج ما يحدث داخل غرفة المكتب الموجودة بالمعمل الخاص من تلك النافذة الزجاجية ، وإعتلى ثغره إبتسامة شيطانية وهو يحدث نفسه ب :
-حلو أوي ، زي ما الباشا قالي ، وقت ما يكونوا كلهم مع بعض ، أعمل الماس الكهربي ، وأنا لو نفذت اللي قال الباشا عليه ، هيرضى عني ويديني اللي وعدني بيه ...

اقترب ممدوح من زوجته تهاني التي إستندت بمرفقيها على صدرها ، وأحاطها هو من خصرها بكلا ذراعيه ، ثم نظر في عينيها بنظرات عاشقة ، فبادلته هي تلك النظرات الحالمة ، وبتنهيدة رومانسية قالت له :

-أنا حاسة إني في حلم ، مش مصدقة إن كل اللي بأحبهم معايا ، إنت وأوس .. آآ..
ثم نظرت في إتجاه الرضيعتين الصغيرتين ، وتابعت كلامها ب ..:
-وبيسان وليان ..

ابتسم ممدوح لها ، وهز رأسه وهو يجيبها ب :
-أها

ثم تبدلت ملامح وجهها للقلق والتوتر ، ونظرت ناحية الغرفة الجانبية ، وبخفوت قالت :
-أنا خايفة أفوق من الحلم ده على كابوس

لوى ممدوح فمه في عدم اقتناع ، ثم مسد على شعرها ، و..
-متقوليش كده ، أنا معاكي

مطت شفتيها للأمام أكثر ، ثم قالت بإهتمام :
-بس إنت عارف صاحبك ، مش بالساهل إنه يتخلى عن اللي يخصه ، وخصوصاً إننا عارفين عنه كل حاجة

وضع ممدوح يده على طرف ذقنها ، وضغط عليها قليلاً ، ثم بكل ثقة أجاب ب :
-مهاب مش بيعمل غير اللي بأقوله عليه

ضيقت هي عينيها ، ثم بنبرة جادة سألته ب :
-طب وجوازنا من بعض ؟ كان برضوه إقتراح منك ؟

ابتسك بثقة لها وهو يجيبها ب :
-لأ طبعا ده كان مقدر يا حبيبتي ، وبعدين هو مايستهلش إلا اللي زيه

أرخت هي ساعديها عن صدره ، وسارت بضعة خطوات للأمام وهي تتنهد بإنهاك ، ثم جلست على الأريكة ، وتنهدت مجدداً بآسى ، وبنبرة حزينة تابعت ب ..:
-آآآه ، عندك حق .. كفاية أوي إني استحملت لسنين شذوذه وطريقته المقرفة معايا عشان خاطر ابني

تحرك ممدوح ناحيتها ، وبهدوء طلب منها :
-متحكيش في اللي فات يا تهاني

حركت تهاني رأسها على الجانبين ، وبصوت آسف أردفت باقي كلامها ب :
-أنا مش مصدقة بجد إني اتطلقت منه للمرة التالتة ، كل مرة كان بيرمي عليا اليمين وهو مش في وعيه كنت بأحس إني هاضيع ، وأضطر أركع تحت رجله وأسترجاه عشان يردني تاني وميرمنيش في الشارع بعيد عن إبني

جلس هو إلى جوارها ، ونظر لها بنظرات جادة قبل أن يآمرها ب :
-ششششش .. إنسي يا حبيبتي ، ده كان ماضي

نظرت له بتوتر ، وأمسكت بكف يده ، وقالت له:
-بس مهاب مش هايسكت
-بصي مهاب مركز مع ناريمان دلوقتي ، وإنتي عارفة هو أد ايه بيدور على مصلحته
-زيك برضوه !

ابتسم ممدوح لها إبتسامة مغترة ، ثم بنبرة متعجرفة نطق ب :
-لأ أنا غيره طبعاً ، ما إنتي عارفة يا قلبي
-أه يا روحي

ثم تأبط ممدوح في ذراع زوجته ، وغمز لها من زاوية عينه ، وبنبرة شبه ماكرة طلب منها :
-طب تعالي معايا نشوف نتائج التحاليل طلعوا ولا لأ
-وأوس ، والبنات ؟
-مش هايحصلهم حاجة ، دول عشراية بس وهانرجع تاني
-اوكي ..

خرج الاثنين من الغرفة تاركين الصغيرتين في عربة الأطفال وهما غافلتين ، وكذلك أوس الذي طرق الباب بعنف بقبضته الصغيرة حينما رأهما يخرجان سويا ، فصر على أسنانه في حنق :
-أنا بأكرهكم .. بأكرهكم ..!

تملكت العصبية من أوس وكان على وشك إحداث الفوضى بها ، ولكنه سمع صوت فتح باب الغرفة ، فتسمر في مكانه لوهلة ، وتوقف عن إصدار أي صوت ، وركز سمعه على الهمهات التي تصدر بالخارج ..
فتنبه إلى صوت والدته وهي تهمس ب :
-الله ! بلاش الحركات دي يا ممدوح ، ششششش.. أوس هنا
-طب يالا بقى ، مش عاوز أضيع وقت
-أوكي ، اسبقني وأنا جاية

ثم سمع صوت فتح الباب وغلقه مجدداً ، فإستشاط غضباً في مكانه ، ومن ثم سمع صوت والدته وهو يأتي من الخارج ب :
-حبيبي ، أنا هاروح أخلص شغل في المعمل وجاية على طول ، خد بالك من إخواتك ، ماشي

لم يجبْ عليها أوس ، بل ركل الأرض بعصبية .. وضيق عينيه أكثر ، وزم شفتيه بحدة ..

ظل أوس قابعاً في مكانه لعدة دقائق وهو يحاول التنفيس عن غضبه .. ثم سمع صراخ لإحدى الرضيعتين ، فنفخ في ضيق :
-أوووف ، إنتي صحيتي !

ثم تحرك بخطوات متثاقلة في اتجاه عربة الأطفال ، ولكنه تباطيء في حركاته حينما اشتم بأنفه تلك الرائحة الغريبة ، فإستدار برأسه للجانب ، ورأى تلك النيران المندلعة في الستائر المعلقة فحدق بعينيه بشدة بها ، وتراقص إنعكاس ألسنتها بطريقة غريبة في مقلتيه وكأنها تغيظه ، وتدريجياً تراجع بجسده للخلف في خوف ، ورغم هذا لم يطرف بعينيه ، ولم يهتز ، بل مكث على الأرضية في ثبات وتابع حركتها بهدوء مخيف ، ثم ثنى ساقيه وضمهما معاً بذراعيه ، وإستند برأسه على ركبتيه ، وأخذ يستنشق الدخان بغزارة إلى أن أصبحت الرؤية ضبابية ..

الفصل التالي
جميع الفصول
أجزاء الرواية
الآراء والتعليقات على الرواية
ليصلك جديد قصص و روايات - اعمل لايك لصفحتنا