قصص و روايات - روايات صعيدية :

رواية جلاب الهوى للكاتبة رضوى جاويش ف25 فرحة العمر

رواية جلاب الهوى للكاتبة رضوى جاويش كاملة

رواية جلاب الهوى للكاتبة رضوى جاويش الفصل الخامس والعشرون

بعنوان ( فرحة العمر )

كان يقف متوترا يتلفت حوله في اضطراب داخل دائرة من نار تحيط به من كل جانب .. عاجز عن البقاء داخلها وغير قادر على الخروج منها .. واخيرا خبت هذه النيران ليصبح المكان حوله معتم والعجيب انه لايزل غير قادر على ان يبرح موضعه داخل دائرة النيران التي خبت جزوتها تماما .. وفجأة ظهرت تلك الاعين المخيفة المتربصة به.. كانت عيون مشعة لذئاب تحاول الوصول اليه وهو لا حول له ولا قوة .. لا يملك ما يدافع به عن نفسه..

يحاول دفع أذاها عنه لكن لا جدوى .. مزق احدهم طرف جلبابه بأنيابه الا انه سمع صوتا يناديه .. صوت يألفه ويستشعر وحشه لصاحبته .. صوتها هاتفا باسمه.. كان كلما هتفت يضئ المكان حوله فتندفع الذئاب المتربصة مبتعدة ذعرا ..اندفع احد الذئاب ناحيته وأوشك على اصابته لكنها ظهرت بكامل هيئتها تنظر اليه في شوق وكفها يحمل مشعلاً قدمته اليه ما ان تناوله حتى لوح به فولت الذئاب هاربة .. لكن هى اختفت من جديد فظل ينادي عليها حتى استيقظ مذعورا يهتف بإسمها..

تطلع حوله في تيه للحظات ليتأكد انه كان يحلم وحمد الله ان كل من بالحبس نياما ما سمعوا هتافه باسمها .. مسح وجهه بباطن كفه هامسا في وجل:- يا رب خير .. يا رب ..
ليتناهى لمسامعه اذان الفجر فتضرع رافعا كفه من جديد وقلبه يهفو اليها .. يشعر بالسعادة انه لمح طيفها بمنامه فقد فاق شوقه لمرأها الحد..فتلك هى المرة الاولى التي يراها فيها بعد رحيلها عن النعمانية .. يضنيه شوقه لقربها.. فهل يدنيه قدره لها !؟..

ما ان علمت النسوة بعودة دلال الا وتزاحمن على بابها من جديد وعلى الرغم من سعادتها لذلك الا انها استشعرت غصة بحلقها كادت تدفعها للبكاء ما ان لمست استقبالهن لها بحفاوة بالغة ودعواتهن لعفيف بالخروج سالما والنجاة من ضيقته ..

مر النهار طويلا نتيجة لإقبال النساء الذي لم تتوقعه .. وما ان همت بغلق باب غرفة الكشف حتى تناهى لمسامعها نداء باسمها .. تطلعت خارج الباب تحاول ادراك الموضع الذي يصلها منه الصوت واخيرا تنبهت لظل احدهم خلف شجرة بجوار الباب الخلفي .. تحركت في قلق هاتفة:- مين !؟..
خرج من مخبئه هامسا:- اني يا داكتورة .. لجل النبي تاچي معايا دلوجت .. مرتي بتولد وبتموت.. أبوس رچلك انچديها ..

اكدت دلال في محاولة لتهدئة الرجل الذي كان يبدو صادقا في كل حرف ينطقه حتى انها لمحت اثر دمع بعينيه:- حاضر .. بس اهدى وانا هروح ابلغ مناع يخرج لنا الكارتة عشان نروح لمراتك ..
ما ان همت دلال بالحركة حتى هتف يستوقفها:- بلاها مناع يا داكتورة ..
تطلعت اليه دلال متعجبة:- ليه !؟..

اكد الرجل بإصرار:- بلاش تجولي لمناع يا داكتورة .. اصلك لو عرف اني وخدك على فين مش هيرضى يچيبك ..
قالت دلال:- ليه !؟.. هو احنا هنروح على فين !؟
همس الرجل في اضطراب:- شادر الحلب يا داكتورة .. مرتي بتموت هناك .. النسوان معرفوش يعملوا لها حاچة ومحدش غيرك هيغيتها .. أبوس رچلك ..
همست دلال باضطراب محاولة اختلاق الاعذار:- طب وهنروح ازاي من غير ..

قاطعها الرجل مؤكدا:- اني عامل حسابي .. بس همي يا داكتورة جبل ما حد يوعالي ..و اني هاخدك وهرچعك تاني ومحدش هيجدر يتعرض لك .. أفديكِ برجبتي ..
اومأت دلال برأسها ايجابا وتناولت حقيبتها الطبية ووضعت على رأسها شال امها واندفعت مع الرجل الي مضارب الغجر ..

كان الرعب يدب بأوصالها والجميع يتطلع اليها بهذا الشكل مستهجنا تلك الغريبة التي وطأت اقدامها مضاربهم على غير العادة ..
هتف طايع رفيقها الذي كان يحمل عنها حقيبتها الطبية:- اتفضلي يا داكتورة .. من هنا ..
اقتربت دلال من الخيمة المشار اليها وقد تناهى لمسامعها بالفعل امرأة تنازع في وجع واهن يدل على فقدها قوتها ..

دخلت الخيمة وما ان رأتها النسوة الملتفات حول المرأة التي تنازع ألام المخاض حتى انصرفن الواحدة تلو الاخرى معترضات على تواجدها ولم تبق حتى واحدة لمساعدتها.. لم تلق دلال بالا لذلك بل توجهت من فورها للمرأة هامسة في محاولة لطمأنتها:- ارتاحي .. متخافيش .. ربنا فرجه قريب .. كله هايبقى تمام..

توجعت المرأة من جديد ودلال تقوم بفحصها وما ان انتهت من الفحص حتى بدأت في محاولاتها في مساعدة المرأة على ولادة صغيرها الذي يبدو انه ما عاد لديه رغبة في المجئ من الاساس لتهمس المرأة والتي لم تكن الا ورد:- ربنا عمره ما هيفرچها على واحدة زيي يا داكتورة ..
تطلعت دلال لها باشفاق ولم تعقب لتلتقط المرأة انفاسها بصعوبة في تتابع مؤكدة:- منك لله يا لواحظ ..

تنبهت دلال لاسم لواحظ تلك الفتاة التي كانت سببا لمشكلة كادت ان تؤدي لصراع يوما ما وكانت هى السبب في وأده .. استطردت ورد بوهن:- لولاها ما كان زيدان چوزي عرف صفوت ولا اللي چانا من وراه .. والله زيدان كان طيب وبن حلال .. بس لولا صفوت ولواحظ وزنهم على ودانه ما كان مشي فسكتهم..كَتير جولتلهم ابعدوا عن چوزي ..و الغلبان بسبب غرسته السودا ف حكاويهم هرب من النعمانية ومبجيش ليه مكان حتى هنا .. محدش كان جابله .. الدنيا ضاجت بيه راح خلص على صفوت وكان حالف يخلص عليها هي كمان ..

شهقت دلال غير مصدقة ان دليل براءة عفيف بين يديها في تلك اللحظة:- انتِ بتقولي ايه !؟
ألتقطت ورد انفاسها في صعوبة:- بجول الحجيجة .. اني بموت و مش عايزة اشيل ذنب حد .. زيدان الله يرحمه هو اللي جتل صفوت عشان ينتجم منِه بعد ما خلاه يمشي وراه ..و اهاا هو كمان راح فيها چانا من اسبوع غرجان ف دمه بعد عاركة كبيرة و معرفناش نلحجه لحد ما دمه اتصفى .. وراح فيها جبل ما يملي عنيه بشوفة ولده ..و شكلي هحصله ..

اكدت دلال في حماسة:- لا .. متخافيش ..مش هتموتي .. خليكي معايا بس .. وباذن الله هتقومي بالسلامة .. بس اوعديني لو ربنا نجاكِ تشهدي بالكلام ده ..
همست ورد بوهن:- أوعدك يا داكتورة .. بس انچديني .. اني بموت ..
همست دلال بتضرع وعيونها تغشاها دموع الفرحة:- قولي يا رب ..
همست ورد:- يااارب ..

كان طايع يعسكر امام باب الخيمة ينتظر اي اخبار من داخلها تطمئنه ولم يكن يدرك ان لواحظ كانت قد جاءت الخيمة من خلفها لتساعد الدكتورة في عملها من اجل خاطر ورد فاستمعت للاعترافات التي أدلت بها لدلال والتي اصبح خروجها من مضاربهم خطر على الجميع ..

اندفعت لواحظ في اتجاه خيمة مرعي هاتفة باسمه في دلال ليخرج مسرعا اليها يهزه الشوق لسماع صوتها يخاطبه بذاك الغنج قائلا في سعادة ما ان طالع محياها:- لواحظ !؟.. اتوحشتك يا بت ..
همست باغواء مدروس:- وانا كمان ..
هتف بلهفة:- صحيح يا بت !؟..

هزت رأسها في إيجاب هامسة بنبرة تذيب الحجر:- وعشان كِده چت لك .. عشان خايفة عليك .. عشان انت عزيز عليا جووي .. ومرضاش اعرف انك هتروح ف مصيبة واجف ساكتة ..
هتف متعجبا:- مصيبة ايه !؟..

استدارت اليه متطلعة:- البت ورد راحت جالت للداكتورة دلال ان انت اللي جتلت صفوت النعماني عشان تخرچ عفيف ويتهموك انت .. معلوم .. ما هي بتموت اهااا والداكتورة عنديها واني سمعتهم بودني ..

كان مرعي يهم بالاندفاع متهورا في اتجاه خيمة ورد الا انها استوقفته هامسة:- لاااه .. انت رايح فين !؟.. مش دلوجت .. ورد مجدور عليها ده لو ربنا نچاها م الاساس .. اما الداكتورة فليها صرفة تانية تخرج بس من عندينا واجولك نعملوا ايه .. هو احنا هنطولها وسطينا ونچيب لنفسنا مصيبة..
اومأ مرعي برأسه موافقا وقد هدأت ثورته قليلا وظل ناظره معلقا بخيمة ورد منتظرا خروج دلال خارج حدود مضاربهم ليقوم باللازم ..

خرجت دلال من خيمة ورد وما ان طالعها طايع حتى انتفض من موضعه هاتفا في لهفة يطمئن على ورد:- هااا يا داكتورة ..!؟..ايه في !؟..
هزت دلال رأسها في إيجاب:- الحمد لله يا طايع.. هى تمام ..ربنا نجدها لكن المولود متكتبلوش يعيش .. جيت متاخر قووي .. والحمد لله ان هي عدت منها ..
هتف طايع في سعادة:- المهم هى يا داكتورة .. ربنا يبارك لك يا رب ..

اكدت دلال لطايع:- انا معملتش غير الواجب رجعني بسرعة بقى عشان خلاص الليل داخل..
اكد طايع:- من عنايا يا داكتورة .. اني وعدتك .. هرچعك من مطرح ما خدتك .. اتفضلي ..
خرجت دلال والعيون تتفرس بها من جديد ليحملها طايع علي عربته خارج حدود مضارب الحلب .. ولم يكن يعلم ان عيون مرعي تتربص بهما .. وعند انحدار ما على الطريق ظهر مرعي حاملا بكفه سكين ذو نصل برق امامها في ضي الشمس الغارب متوجها به نحو دلال التي صرخت تحاول الابتعاد عن مسار النصل ليقف طايع حائلا بينهما وكان بالمرصاد لمرعي دافعا اياه بعيدا..

زمجر مرعي في غضب عندما افشل طايع ضربته وجعلها تخطئ هدفها .. عاود الكرة من جديد وطايع يدفع به بعيدا عن دلال التي نزلت من العربة تركض في اتجاه النجع ..
أيقن مرعي انه لن يصل للدكتورة الا بالتخلص من طايع الذي اقسم لها على حمايتها بروحه وها هو يفعل عندها سدد مرعي نصل سكينه تجاه طايع ليسقط مدرجا في دمائه متأوها ومرعي يندفع خلف دلال يحاول اللحاق بها ..

كاد ان يصل لها لكن تلك الرصاصة التي انطلقت من فوهة سلاح ما اصابت يده التي تحمل النصل وجعلته ينفضه من كفه ويندفع هاربا بين الأشجار ليظهر شريف ومن خلفه نديم ..
اندفعت في لهفة تجاههما صارخة:- انا عرفت مين اللي قتل صفوت .. انا معايا براءة عفيف ..
هتف شريف متلهفا:- طب ياللاه معايا بسرعة ع النيابة .. كل كلمة ودقيقة ليها ثمن .

هتفت دلال مؤكدة:- بس ألحقوا طايع في واحد معرفهوش حاول يتهجم عليا وهو دافع عني .. و كمان اللي اسمها ورد .. هي اللي اعترفت لي .. لازم تلحقوها قبل ما حد يعمل فيها حاجة ..
اكد شريف متعجلا:- طب ارجعي انت مع نديم وانا هقوم بالازم ..
واندفع بقوته في اتجاه مضارب الغجر بينما اندفع كلاهما نديم ودلال في اتجاه البيت الكبير ليبشرا ناهد والخالة وسيلة التي كان لها الفضل في معرفة مكان دلال بعد ما رأتها وقد رحلت مع ذاك الغجري طايع حتى أبلغت نديم والذي بدوره ابلغ شريف واندفعا خلفها ليعودا ببراءة عفيف الوشيكة ..

تنهد شريف زافرا في ضيق وهو يتطلع الى خاتم زواجه الذي يطوق بنصر كفه اليسرى هامسا في شوق:- وحشتيني يا زوزو .. والنعمة انا هيحصل لي حاجة لو ما نزلت اجازة .. يرضيكِ كده يا حكومة !؟..
انتفض منتزعا نفسه من خلف مكتبه مندفعا للخارج هاتفا بعسكري الخدمة امرا وهو يضع نفسه خلف مقود السيارة الميري:- اللي يسأل عليا ..انا ف مأمورية سريعة وراجع .. مفهوم..!؟

اكد العسكري هاتفا وهو يؤدي التحية العسكرية في صرامة:- مفهوم يا فندم ..
انطلق شريف بعربته وتوقف عند اقرب سنترال ودخل يطلب نمرة بيتهما .. دخل احد الكبائن في انتظار رفع احدهم لسماعة الهاتف و تنفس الصعداء عندما ردت امها:- ايوه مين!؟..
هتف شريف:- ازيك يا طنط .. انا شريف .. عاملين ايه !؟..

هتفت ماجدة في سعادة:- اهلًا يا شريف .. اهلًا يا حبيبي ..عامل ايه !؟.. وهاتيجي امتى!؟..
هتف شريف متعجلا:- كله تمام يا طنط .. هو فين ماما وزينب !؟..
اكدت وهى تضع السماعة جانبا:- هناديهم لك حالا يا حبيبي ..
نادت ماجدة على زينب من الداخل بينما اندفعت تطرق باب الشقة المجاورة لاستدعاء شريفة ..

اندفعت زينب باتجاه التليفون تكاد تموت شوقا لسماع صوته في نفس اللحظة التي دخلت فيها شريفة من باب شقة امها .. تركت سماعة الهاتف مبتسمة:- تعالي يا طنط اطمني على شريف وبعدين ابقى أكلمه ..
ألتقطت شريفة سماعة الهاتف اطمأنت على ولدها وتركتها لزينب تغمز لها في مرح:- امسكي يا بنتي كلميه بدل ما يحصل له حاجة..
انفجرت ماجدة ضاحكة واشارت كل منهما للأخرى مبتعدة لتتناول زينب الهاتف تنأى به هامسة في لهفة:- ألوووو ..

هتف مازحا كعادته:- يا وعدي .. والنعمة احلي ألووو سمعتها ف الدنيا ..شكرًا مصلحة التليفونات ..
قهقهت لمزاحه فهتف لائما:- لا والنبي يا زوزو .. سرينة الإسعاف لااا .. انتِ عارفة ان دي نقطة ضعفي ..
همست لائمة بدلال:- يعني دي بس نقطة ضعفك !؟..
همس مازحا:- اسكتي .. مش ده اللي انا كنت فاكرة .. طلع غير كده خااالص .. تعالي عبي وشيلي .. نقاط ضعف بتتدلدق .. متعديش يا زوزو يا اختي ..
قهقهت من جديد ليهمس في شوق:- زوزو .. وزة ..!؟..

همست بدورها:- هاااا ..
همس بشوق من جديد:- وحشتيني ..
صمتت وأجابه شهقة لوعة من قبلها وساد الصمت للحظة قبل ان تهمس:- شريف .. انت راجع امتى !؟..
اكد متنهدا:- يعني اهو الحمد لله الدنيا هديت وعفيف خرج براءة ..
هتفت زينب في سعادة:- صحيح !؟.. الحمد لله..
اكد شريف مازحا:- اه .. الحمد لله .. وعقبال براءتي انا كمان.. يومين ..وابقى عندكم باْذن الله ..
تساءلت زينب في فرحة:- صحيح يا شريف!؟..

اكد لها:- قولي يا رب ..
همست:- يااارب ..
استطرد مازحا:- جاااايلك يا كرييييم ..
تساءلت زينب متعجبة:- كريم مين !؟..
اكد شريف:- لااا متخديش ف بالك ده انا بدعي.. كريم يااارب ..
قهقهت من جديد ليستكمل:- وقتك خلص معايا يا وزتي .. ونكتفي بهذا القدر من سرينة قلبي عشان هتجيب اجلي وانا بعيد كده .. حراااام..

كتمت ضحكاتها وحيته:- خلي بالك على نفسك يا شريف .. تيجي بالسلامة ..
همس مودعا:- مع السلامة ..
اغلق الهاتف واندفع في اتجاه عربته قادها عائدا للنجع وقد اتم مهمته ..عاد بوجه غير الذي غادر به مترنما وهو يدخل النقطة:-
يابو ضحكة جنان .. مليانة حنان ..
ليتطلع اليه عسكري الخدمة في إشفاق على حال ضابطه الذي اعتقد ان الزواج سيصلح حاله فإذا به ينقلب للأسوء وتصبح حالته مستعصية على العلاج ..

تنهد عفيف وهو يطالع ذاك الزحام والطبل والمزمار امام بوابة البيت الكبير وهو قادم بالعربة وأمر مناع:- اوجف جدام البوابة الورانية..
ترجل من العربة مندفعا في اتجاه الداخل هاتفا في مناع معاتبا:- كان ايه لزمته دِه يا مناع!؟..هو اني راچع من الحچاز .!؟..
انتفض موضعه عندما تناهى لمسامعه قولها:- يا عفيف بيه .. خلي الغلابة تفرح ..

استدار لموضع القائل لتطالعه بوجهها البشوش وابتسامتها الصافية البكر فاضطربت جوارحه واندفع مناع مبتعدا وعلى وجهه ابتسامة العالم ببواطن الامور ..
تنحنح عفيف وهو يدعك ذقنه الذي طال بسبب بقائه في الحبس محاولا اجلاء صوته ورغم ذلك خرج متحشرجا:- حمد الله بالسلامة يا داكتورة..
قهقهت دلال قائلة:- المفروض دي تتقال لك انت يا عفيف بيه .. بس دايما حضرتك سباق…

ابتسم يخفض رأسه حياءً يحاول ان يغض طرف فؤاده عن محياها الذي اشتاقه حد التهلكة قائلا:- خلاص .. حمدالله بسلامتنا احنا الاتنين.. وبتشكرك يا داكتورة لولاكِ كان ..
قالت دلال متعجبة:- بتشكرني على ايه!؟..انا..
قاطعها هامسا بنبرة حيرتها:- اشكرك مرة من نفسي .. ما انتِ شكرتيني كَتير ..

واندفع متوجها لداخل البيت الكبير تاركا أياها في حيرة من مقصده .. متي شكرته يا ترى!؟.. ولم تتذكر انها أرسلت له خطابا اعتقدت يوم وضعته بأحدي الروايات كى تضعه على مكتبه قبل رحيلها انه تاه ولم يصل وجهته .. لكنه وصل وكان يحمل الكثير من الشكر وان ذاك الخطاب المنسي لها قد حفظ هو كلماته بفؤاده لكثرة ما كرر قراءته وهو وحيدا داخل محبسه ..

جلس جميعهم حول مائدة الطعام في انتظار قدوم عفيف من الاعلى ليشاركهم اياه اخيرا..
هلّ من اعلى الدرج فتعلقت نظراتها به لاأراديا وتطلعت لوجهه الحليق الذي عاد سيرته الاولى بعد ان تخلص من لحيته التي استطالت بمحبسه فعاد عفيف الذي تعرفه بذاك الشارب المهذب والنظرات الفحمية المتستر خلفها حنان يغمر الكون وتفاحة ادم التي تزين منتصف حلقه تتحرك اذا ما تحدث فتورثها اضطرابا يهز عرش ثباتها ويثير بها فوضى من المشاعر اذا ما اقترن بصوته الرخيم المتحشرج احيانا والصارم اكثر الوقت والحاني في احيانا خاصة جدا ..

تنبهت انها أطالت النظر فخفضت نظراتها لصحنها حتى وصل للطاولة ملقيا التحية ومتخذا موضعه المعتاد على رأسها ..
تناول الجمع الطعام بهدوء ظاهري لكن كل منهم كان يحمل بداخله قصة لم تروى بعد .. وكان اول الغير قادرين على كبت البوح بها هو نديم الذي قال متنحنحا وهو يدفع بأوراق مطوية تجاه موضع جلوس عفيف:-اعتقد يا عفيف دول مبقلهمش لازمة ..
تناول عفيف الاوراق وابتسم عندما وجدها ممزقة وقال مازحا مشيرا برأسه لناهد:- هو البت دي زهجتك جوي كِده !؟..

اكد نديم مازحا:- قووي .. الله يكون ف عونك يا عفيف والله ..
هتفت دلال معاتبة لاخوها وهى تنظر الى ناهد لتجدها وقد احمرت خجلا وإحراجا:- نديم .. حد يقول كده برضو !؟..
اكد نديم مازحا:- بقول الحقيقة .. ده انا من كتر ما تعبتني مش عايز اخلص من زهقها طول عمري ..
انكمشت ناهد تود لو الارض انشقت وابتلعتها ونديم يستطرد:- انا قدام النعمانية كلها جوزها بس انا قلت للكل الزفاف مش هيكون الا بعد خروج عفيف بالسلامة .. وبما ان ربنا كرمك بالبراءة ..يبقى نخلي الفرحة فرحتين .. ايه رأيك!؟..

قهقه عفيف وقال في سعادة:- وماله .. دِه يوم المنى ..نجولوا على اول الشهر باذن الله ..انتِ ايه رأيك يا عروسة !؟..
اندفعت ناهد للأعلى غير قادرة على رفع نظراتها لعفيف تخبره رأيها ..
ابتسم عفيف مؤكدا:- على خيرة الله ..
ابتسم نديم بدوره وكان يشعر ان اول الشهر بعيدا جدااا عن ان يطاله وباركت دلال في فرحة غامرة سعادة اخيها وفرحته واستأذنت للصعود لناهد للمشاورة في امر الزفاف القادم بينما اطلقت الخالة وسيلة دفعات من الزغاريد مؤكدة ان الفرحة قد بدأت بشائرها تلوح اخيرا بالأفق ..

اندفع عفيف خارج البيت الكبير الذي اصبح العمل بداخله على قدم وساق لأجل الاعداد لزفاف نديم وناهد .. تنبه عفيف لمناع الذي كان يجهز الكارتة للخروج بها فهتف به:- يا مناع !؟.. واخد الكارتة على فين !؟..
اندفع مناع يقف قبالته مؤكدا:- رايح اچيب الداكتورة .. خرجت من بدري تولد مرت تهامي ابو محرز ..
اشار عفيف:- طب خليك انت انا رايح مشوار وهاچيبها ف طريجي ..
سأل عفيف يشاكسه:- مشوار ايه !؟..
هتف عفيف ناظرا اليه متعجبا:- واااه ..

ابتسم مناع وربت على صدره طالبا السماح ليصعد عفيف الكارتة واندفع خارجا من البوابة ونظرات مناع تتابعه يتمني لو يتحقق ما يتمناه داخله ..
وصل عفيف امام بيت تهامي لتندفع دلال خارجة ما ان سمعت صوت توقف الكارتة بالخارج ..
توقفت للحظة ما ان طالعها محيا عفيف يجلس بانتظارها وهتفت بالتحية وردها في اقتضاب .. صعدت اليها في احترافية اكتسبتها من تكرار الصعود والهبوط منها .. جلست جواره واندفع بها في اتجاه عكس اتجاه البيت فتساءلت:- هو أحنا مش رايحين البيت !؟..

رد باقتضاب:- لاااه ..
تساءلت من جديد:- امال رايحين فين !؟..
اكد بكلمة واحدة:- هاتعرفي دلوجت ..
مرت الدقائق في صمت حتى توقف على ذاك الجرف العال الذي يشرف على النعمانية كلها بما حولها ..
اخرج خطابها من مكان ما بجوار قلبه هامسا:- انتِ صح شايفة ان ايامك ف النعمانية كانت حلم ومكنتيش عايزة تصحي منِه !؟..

اضطربت بموضعها جواره واندفعت تهبط العربة مبتعدة تتطلع للأفق البعيد وشمسه الغاربة .. هبط خلفها وتوقف جوارها يتطلع للأفق بدوره وهمس من جديد مشيرا للطريق الذي سارت به السيارة راحلة منذ اسابيع:- الطريج اللي انتِ وعياله دِه خدك بعيد عن النعمانية .. يوميها كنت واجف هنا بفرسي بطلع للعربية وهى بتبعد وكنت حاسس انها واخدة روحي وياها ..

شهقت وانتفضت موضعها وتطلعت اليه في صدمة هامسة:- روحك ..
استطرد هامسا وهو يتطلع اليها:- ايوه يا داكتورة .. انتِ روحتي ومن يوميها حاسس اني مش عايش وانك خدتي معاك روح وجلب عفيف ووعيت ان عفيف مش هيرچع الا برچعتك ..
همست تتطلع اليه ولازالت الصدمة مسيطرة عليها:- انا !؟..

همس ولازالت نظراته تتجول على محياها الذي زادته الصدمة براءة:- ايوه انتِ يا داكتورة .. تتچوزيني ..
دمعت عيناها وتسمرت نظراتها على محياه وهو يتطلع اليها في عشق فضحته تلك النظرات التي جالت بمحياها المحبب لروحه وهمست هى في حروف مضطربة:- انا.. انا ..
همس يتعجلها في لهفة لسماع ردها:- انتِ ايه!؟…

انسابت دمعاتها التي اختلطت بابتسامتها وهمست في عشق:- انا ..موافقة ..
تنهد في راحة واتسعت ابتسامته واخيرا اندفع بدوره صاعدا العربة لتلحق به هاتفة في تعجب:- على فين !؟..
اشار لها فصعدت جواره العربة ليهمس متطلعا اليها من جديد:- هروح أطلبك من اخوكِ .. والفرح يبجى فرحين ..
همست وهى تشيح بنظراتها بعيدا في اضطراب خجل:- بسرعة كده !؟..

همس بدوره في عشق وهو يعيد الكارتة للطريق عائدين من جديد للبيت الكبير:- بسرعة ايه !؟.. دِه اني اللي حكمت يبجى فرح ناهد ونديم اول الشهر .. يا ريت لساني كان جال عشية ..
اتسعت ابتسامتها واضطربت موضعها جواره لا تصدق ان حلمها في وصاله بات وشيكا وانها مالكة قلبه وساكنة روحه .. عادت العربة للطريق والذي بات امام ناظريهما طريقا مفروشا بالورود يتناهي لمسامعهما شدو مضارب العجر القريبة وكأنها رسالة تحيي عشقهما:-

سلّم عليّ .. سلّم عليّ لما جابلني وسلّم عليّ
ولدي يا ولدي .. يا سلام يا سلام
سلّم عليّ ..
لو كان حبيبي يندهلي
أنسى حبايبي و أفوت أهلي
وأفرح بجربه على مهلي
حبيبي
دي فرحة العمر بحاله
يوم الفؤاد ما يروج باله
يضحك زمانه و يصفاله
حبيبي ..
كان يتطلع اليها غير مصدق انها ستصبح حلاله في غضون ايّام .. وان ليال بعادهما قد ان لها ان تنتهي ..

توقفت العربة امام بوابة البيت الكبير لتهبط دلال منها متجهة للداخل في عجالة تكاد تتعرقل في خطواتها اضطرابا ..
ظهر مناع متطلعا لعفيف الذي اشرق وجهه بضياء من فرحة لم ترتسم على محياه منذ زمن بعيد ..
همس مناع لعفيف وهو يترجل من العربة مستفسرًا:- كن اللي ف بالي حصل !؟.. صح يا بيه !؟..
اومأ عفيف مجيبا بايماءة من رأسه وابتسامته تتسع لتصل لعمق عينيه فهلل مناع في سعادة:- الله اكبر ..

دمعت عينا مناع وتحشرج صوته وهو لايزل يهلل بفرحة ليعاتبه عفيف في محبة محتضنا اياه هامسا:- واااه يا حزين.. تاريك واعي ان العشج واعر ..
همس مناع متمالكا حاله:- ربنا يتم فرحتك على خير يا بيه ويهنيك بحلالك ..
ربت عفيف على كتفه ممتنا وهمس مندفعا للداخل:- اني رايح اطلبها من اخوها ..
بحث عفيف عن نديم ليجده جالسا ببهو المندرة فتنحنح في اضطراب وجلس ملقيا التحية والتي بادله إياها في محبة ..

سادت فترة من الصمت حتى هتف عفيف فجأة:- ايه رأيك يا نديم لو نخلي الفرح فرحين!؟..
اجاب نديم:- طب ما هم فرحين فعلا يا عفيف!؟.. فرحي انا وناهد وفرحتنا بخروجك بالسلامة ..
تنحنح عفيف من جديد وابتسم قائلا:- طب نخليهم تلاتة ..
تطلع اليه نديم في شك مترقبا ليهتف عفيف بكلامه دفعة واحدة:- انا طالب يد اختك الداكتورة دلال ..

تطلع نديم اليه مشدوها لبرهة واخيرا اتسعت ابتسامته هاتفا:- ده يشرفني يا عفيف .. بس اسألها الاول وأشوف لو هى ..
هتف عفيف في تهور لم يكن يوما من طبعه:-هى موافجة ..
واستدرك عندما ادرك هفوته:- اجصد يعني..
قاطعه نديم مبتسما:- الف مبروك يا عفيف ..انا مش هلاقي لأختي راجل يصونها زيك ..
احتضن كل منهما الاخر رابتا على ظهره في قوة ممتنا ..

واستأذن نديم في الصعود لدلال التي ادرك لما دخلت من الخارج مهرولة بهذا الشكل ..
طرق باب غرفتها ودخل ما ان أذنت له .. تطلعت اليه في اضطراب ليقهقه وهو يفتح ذراعيه لها في محبة .. اندفعت اليه ليحتضنها في مودة هامسا:- مبروك يا دلال .. والله العظيم فرحتي بجوازك اكبر من فرحتي بجوازي انا شخصيا ..
هتفت تشاكسه:- يا بكاش ..

قهقه من جديد ثم تحولت نبرته للجدية هاتفا:- لا حقيقى يا دلال .. انا كنت ناوي بيني وبين نفسى اتجوز وأمشي فعلا في إجراءات نقلي للقاهرة بأي طريقة .. مكنش ينفع اسيبك تاني لوحدك .. لكن ربنا جاب الحل من عنده ..ربنا يسعدك يا رب .. عفيف راجل محترم وهيصونك بجد وده اللي يهمني ..

قبل جبينها وابتسم لها من جديد وما ان هم بالخروج من غرفتها حتى تناهى لمسامعها زغاريد تردد صداها المبهج بجنبات البيت الكبير ليقول نديم مازحا:- عفيف قام بالواجب والخبر وصل للكل.. ربنا يتمم لك بخير يا رب ..
هتفت في وجل تكاد تطير فرحا:- يتمم لنا كلنا بخير يا رب ..
اومأ نديم لها في سعادة وخرج مغلقا الباب خلفه تاركا إياها في دنيا أحلامها التي دخلتها منذ طلبها عفيف للزواج ويبدو انها لن تخرج منها ابداااا ..

فتح باب شقته متسللا واغلقه في حرص شَديد وخطى لداخل الشقة ..ترك المفاتيح بالخارج حتى لا تحدث صوتا يوقظها فقد قرر ان يكون وصوله مفاجأة لها .. وصل لغرفة نومه .. توقف بمنتصفها وخلع عنه سترته الميري واندس بفراشه محتضنا زينب هامسا:- وحشتيني يا زينبو ..
انتفضت زينب مذعورة من نومها وما ان تطلعت الي محياه على ضوء الممر الطولي المفضي للغرف حتى تعلقت برقبته في سعادة هامسة:- شريف ..
تطلعت اليه مستطردة:- كنت حاسة انك جاي النهاردة وصمتت ابات هنا مش تحت عند ماما.. برغم ان انت عارف ان انا جبانة وبخاف انام لوحدي..

همس يفتح ضوء جانبي بجوار فراشهما مازحا كعادته:- برافو عليكِ .. هي دي مراتي الجبانة.. قصدي الشجاعة ..
اتسعت ابتسامتها هامسة:- وحشتني قووى يا شريف ..
تحشرج صوته تأثرا وهو يهتف بمرح لمداراته:- ايه ده !؟.. انتِ خدتي عليا قووي وده خطر على فكرة .. ومن هنا ورايح فيه نظام .. فيه انضباط.. فيه التزام .. فيه جدول .. الدنيا مش سايبة ...

قهقهت فأدعى العبوس فكتمت ضحكاتها ليستطرد بصوت عسكري النبرة:-الصبح فطار مع شوية دلع.. العصر الغدا مع شوية هشتكة ..
همست تقاطعه مشاكسة:- طب وبالليل !؟..
همس بدوره مؤكدا:- بالليل العشا ثم اعلان حالة الطوارئ القصوى وتشتغل سرينة الإسعاف ..
قهقهت لتعلو ضحكاتها ليهتف محذرا:- بنت!؟.. انتِ بتخالفي الجدول ..
توقفت عن الضحك هامسة:- حقك عليا يا بيه.. هروح احضر لك الفطار بقى ..

همت بالنهوض ليجذبها اليه لتعاتبه هامسة:- ايه تاااني !؟..
هتف متسائلا:- انتِ رايحة فين !؟..
اكدت باسمة:- يا عم رايحة أنفذ الجدول ..
ضمها اليه هامسا في مجون:- لااا ..احنا نعلن حالة الطوارئ على طول..
همست تشاكسه:- كِده بوظت الجدول ..
هتف بغيظ:- يولع .. نبقى ننفذه من بكرة ..
علت ضحكاتها الرنانة ليهتف عابثا:- ايوون وبدأت الطوارئ في استقبال الحالات الحرجة ..افتح المشرحة يا بني وعدوا الجثث ..
لترتفع قهقهاتها من جديد ..

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الآراء والتعليقات على الرواية
W