قصص و روايات - روايات صعيدية :

رواية جلاب الهوى للكاتبة رضوى جاويش ف23 عتمة وضي

رواية جلاب الهوى للكاتبة رضوى جاويش كاملة

رواية جلاب الهوى للكاتبة رضوى جاويش الفصل الثالث والعشرون

بعنوان ( عتمة وضي )

اندفعت ناهد تصعد الكارتة بجوار اخيها الذي شعر بعزلتها منذ عودتها فقرر ان يدفعها للخروج قليلا خارج أسوار البيت الكبير .. كانت رغبة لها هدف مزدوج بالنسبة اليه .. اولا .. خروجها من تلك العزلة ..وثانياً .. ان يشاهده اهل النجع بجوار اخته التي طالها من كلام صفوت ما يسئ اليها ورؤيته معها سينفي القيل والقال ومن سمع برجوعها ها هو يتأكد برؤيتها معه ..

انطلقا بالكارتة وجالا خلال دروب النجع المختلفة هنا وهناك شعر بتغير حالها للافضل فشعر بالسعادة .. اندفعا في اتجاه ارضهم القبلية وما ان اصبحا على مشارفها حتى ظهر نديم يقف على حدودها هاتفا باحد العمال امرا:- خلاص كده تمام .. اقفل المية ع الارض هنا وحصلني على..

لم يكمل نديم جملته الا وظهر عفيف بالكارتة وبجواره ناهد التي ازدادت ضربات قلبها لمرأه أضعافا مضاعفة لدرجة خشيتها من شعور اخيها باضطراب فؤادها فتطلعت للجانب الاخر وعفيف يوقف العربة بمحازاة موضع نديم هابطا منها هاتفا في استحسان:- الله ينور يا باشمهندس .. تسلم يدك ..
ابتسم نديم ملقيا التحية:- ازيك يا عفيف بيه .

هتف عفيف مرحبا:- بخير يا باشمهندس .. المهم انت بخير ..!؟..
اكد نديم هازا رأسه موافقا ثم هتف:- الحمد لله.. كله تمام ..
هتف عفيف متعجبا:- طب مادام كله تمام .. ايه اللي سمعته عن موضوع طلب نجلك دِه!؟..
انتفضت ناهد ما ان سمعت بخبر نقل نديم واستدارت تتطلع اليه في وجل بينما هتف نديم محرجا:- معلش بقى يا عفيف بيه .. عايز ابقى جنب دلال .. كفاية عليها قعدة لوحدها ..

كان ذكر دلال اكثر اثرا على نفسه من وقع سهم اخترق فؤاده وهو عاجز عن التأوه ألما..
تنحنح يحاول السيطرة على نبرة صوته مدعيا الثبات هاتفا:- ربنا يوفجك يا باشمهندس .. انت تستاهل كل خير ..
مد كفه مودعا تقبلها نديم في تقدير مودعا بدوره وصعد الكارتة واشار بكفه مودعا من جديد اشار نديم بدوره مودعا وكانت إشارته ليست لعفيف وحده بل لتلك الجالسة جواره والتي تولي هاربة بقلبه دونما ارادته ..

اندفع عفيف بالعربة وما ان سار قليلا حتى هتفت ناهد:- عفيف .. ممكن نرچع !؟.. انا تعبت ..
تطلع عفيف لها وقد شعر انقلاب حالها بعد ان كان قد تعدل بشكل كبير منذ خروجهما من البيت الكبير ..
ربت عفيف على كفها المعقودة باحضان حجرها ونفذ في سرعة وقد حاد بالعربة عائدا..

دقائق صامتة مرت حتى توقفت العربة امام البوابة لتنزل ناهد مستأذنة أخيها في سرعة واندفعت للداخل .. تطلع اليها حتى غابت وقد شعر ان ناهد قد تبدلت كليا وما عادت ناهد التي يعرفها وان بها امرا ما لا يدركه .. او ربما أدركه اكثر مما يعتقد.. امرا يعاني هو ويلاته وجعا وسهدا..

تطلع حوله بعد ان دلف من باب الشقة المفتوح فوجد ان الشقة تبدلت بدرجة كبيرة بعد ان تم وضع الأثاث بها و تعليق الستائر .. يبدو ان بُذل مجهود خرافي لتحويل الشقة لهذا الشكل لكن كل ما كان يهمه الان هو رؤيتها فقد أضناه الشوق اليها وما عاد قادرًا على الابتعاد مرة اخرى .. دخل يبحث عنها ليجدها بتلك الحجرة التي ستجمعهما معا تضع بعض الملابس بداخل خزينة الملابس .. تسلل خلفها وهمس في شوق:- وحشتيني والنعمة ..

انتفضت مذعورة وانتشر ما كانت تحمله من ملابس حولهما وسقط بعضهم على رأسه أزاحه متطلعا اليها وقد تلقفها بين ذراعيه هامسا بمزاح:- ايه يا زوزو.. !؟.. انتِ بتركبي الهوا يا جميل .!؟. لا اجمد كده .. ده انت متجوزة سبع ..
همست ما ان تمالكت أعصابها:- شريف .. انت وصلت امتي !؟..وبعدين ابعد بقى .. دلال جوه ..

همس في شوق:- ابعد ايه ده انا هموت عليكِ.. وعملت خطة تسلل من امك وامي تحت عشان اعرف اطلع على هنا من غير ما حد يشفنى وبعد ده كله عايزة تبوظي الخطة الاستراتيجية !؟..ده انا اروح فيها ..
وقربها اليه هامسا:- مفيش وحشتك يا شريف .. بحلم بيك انا بحلم بيك يا شرشر .. والنعمة كده حرااام ..
اقترب منها اكثر في عشق لتندفع دلال داخل الغرفة تسأل زينب عن بعض الامور هاتفة:- يا زو..

شهقت وانتفض كلاهما تلجلجت دلال بينما هتف شريف متمالكا نفسه مدعيا:- تعالي يا دكتورة دلال شوفي زينب .. في حاجة دخلت ف عنيها ..
هتفت دلال تحاول تدارك الموقف بدورها:- ليه كده !؟.. الف سلامة ..
غير شريف الموقف باحترافية وزينب تحاول التشاغل بجمع الملابس المنتشرة هنا وهناك هاتفا:- على فكرة يا دكتورة .. انا عزمت نديم وكمان عفيف بيه وأخته .. وأكدوا لي انهم جايين باْذن الله ..

اضطربت دلال وارتجف شيئا ما داخلها ما ان ذُكر عفيف امامها لكنها هتفت تحاول الثبات مؤكدة:- كلك ذوق يا سيادة النقيب وفعلا نديم كلمنا امبارح وبارك لزينب واكد لي انه هايجي الفرح باذن الله .. ربنا يتمم على خير .. اسيبكم انا بقى ..

وهمت بالاندفاع تاركة كلاهما بمفردهما الا ان زينب اندفعت خلفها هاتفة:- لا يا دلال انت رايحة فين !؟.. احنا لسه ورانا حاجات كتير مخلصتش والوقت زنق ..
هتف شريف متحسرا:- طيب بقى .. انا شكلى بطرد بالأدب .. ماااشي يا زينبو .. ابقى افتكريها..
ضحكت دلال بينما اخرجت له زينب لسانها مغيظة ليندفع راحلا ..

اندفعت الي حجرتها وما ان دلفتها حتى اغلقت بابها خلفها وانفجرت في بكاء دامٍ ..سيرحل نديم بعيدا عنها .. سيرحل بلا رجعة .. على قدر ما كانت عودتها ضرورة على قدر ما تمنت اللحظة ان ليتها ما عادت وظلت بقربه لا يفرقهما ايه ظروف.. لكن هو في سبيله للبعاد مخلفا إياها وقلبها معلق به ..

شعرت بخواء رهيب يعربد بحنايا صدرها واستشعرت برودة تسري بأوصال فؤادها فأتجهت في هوادة حيث حقيبتها وفتحتها وأخرجت منها سترته التي كان قد خلفها دون وعي منه عندما انتفضا للعودة للنعمانية على عجل .. لقد كاد ان ينساها وتنبهت لها هي ووضعتها بحقيبتها وكادت ان تعيدها اليه عدة مرات وفي اللحظة الاخيرة تعدل عن قرارها تاركة شئ ما يحمل عبق عطره بحوذتها ..

احتضنت سترته في عشق وبدأت في ارتداء السترة ضمتها الي جسدها في شوق واستشعرت الدفء يسري بأوصالها كانما هي قريبة من صاحبها تجاور روحه وتهمس لقلبه وتنعم بالامان بين احضانه .. اتجهت في تؤدة الي شرفة غرفتها وفتحتها .. تطلعت الي اتجاه استراحته القابعة على مقربة من الباب الخلفي للبيت الكبير وأبصرت نورها مضاءً .. هل هو مستيقظ !؟.. هل يا ترى يذكرها !؟.. يذكر أيامهما ولحظاتهما معا!؟..

أغمضت عينيها وأحاطت جسدها بذراعيها تضم سترته اليها اكثر وتساقطت دمعاتها وما عاد لديها القدرة على الصمود امام ذاك الطوفان الذي يجتاح روحها غازيا لكن ماذا يمكنها ان تفعل !؟.. لا شئ سوء الوقوف على ناصية الحلم لربما يحدث الله بعد ذلك امرا …

هرج ومرج وعساكر هنا وهناك وباب تلك الشقة بالطابق الأرضي بأحد البنايات العتيقة بتلك الحارة بأحد مراكز قنا منفرج بوضع يدعو للفضول ..
الناظر بالداخل للوهلة الاولى خلف اكتاف عساكر الشرطة المتسمرين امام الباب منعا لدخول احدهم دون اذن يدرك ذلك جيدا ..
هتف وكيل النيابة الذي يعاين الوضع بالشقة محاورا ضابط الشرطة المسؤل عن اكتشاف الحادث:- ايه اللي حصل يا حضرة الظابط!؟..

هتف الضابط بلهجة رسمية:- جاتنا اشارة من صاحب الشفة يا فندم ان فيه جثة ف الشقة لمستأجر جه أجرها حديثا .. والمستأجر كان بيتردد عليه ستات وده اللي خلى الجيران يشتكوه للمالك عشان سمعة المكان .. ولما المالك جه عشان ينهى عقد ايجاره .. لقاه بالحالة دي .. مطعون ..
همهم وكيل النيابة في تفهم:- تمااام ..
هتف الضابط:- حضرتك شاكك ان تكون واحدة من اللي كانوا بيترددوا عليه !؟..

هتف وكيل النيابة:- احتمال .. كلها احتمالات..
هتف الضابط:- ع العموم احنا شغالين ف تحرياتنا لحد ما نوصل للي عملها ..
اكد وكيل النيابة:- بالتوفيق يا حضرة الظابط..
اومأ الضابط راحلا لإكمال عمله بينما هتف احد رافعي الأدلة والبصمات محدثا وكيل النيابة:- ملقيناش حاجة بحوذة القتيل غير دول يا فندم ..
وقدم اليه سلاح ناري وبطاقة شخصية ملطخة بالدماء حاول تبين اسم صاحبها ليهمس به:- صفوت عدنان النعماني ..

دلف للغرفة وجلس خلف مكتبه يقرأ قليلا .. لقد قرر ان يعتذر عن حضور زفاف حضرة النقيب شريف ..كان يعلم انه سيراها هناك .. وربما كان ذاك سبب في عدم ذهابه من الاساس .. لم تغب الا أسبوعين لكنهما كانا بمثابة دهر كامل من المعاناة التي ما ظن ان يعيش عذاباتها يوما ..
لكنه اخذ عهدا على نفسه الا يضعف امام ذاك الاغراء الكبير بالذهاب ورؤيتها فقد عانى الأمرين بعد رحيلها والان بدأ الي حد ما في التعافي من حمى وجودها الذي كان يتنفسه ..

كان يعلم انه لن يشفى منها مطلقا فعشقها اصبح وشما بروحه يحمل اسمها ..
مد كفه لجهاز تشغيل الموسيقى حاول ان يندمج مع احرف الكتاب الذي يطالعه لكن عيناه كانت دوما ما تحيد تجاه الباب المفضي للمندرة والذي كانت تأتيه من خلاله .. ابتسم دون وعي عندما تذكر عدد المرات التي امسكها فيها متلبسة باستعارة رواياته دون علمه ..

كانت وسيلتها لتمضية الوقت هنا وكذا وسيلة فعاله لتنعزل مبتعدة عنه راغبة في عقابه باختفائها بعيدا عن ناظريه .. وكم كانت بارعة في الاختفاء!.. وكم كان ذاك العقاب ثقيلا على نفسه !..لكن الأثقل يعيشه الان .. فقد رحلت ولا أمل لصدفة لقاء تعيد الود ما بينهما كما كان يحدث دوما ..

نهض من موضعه باتجاه باب المندرة فتحه ووقف يتطلع لباب حجرتها او التي كانت منذ اسابيع حجرتها يشعر برجفة عجيبة داخله .. كان يعتقد انه لو مد كفه ليفتح الغرفة فسيجدها قابعة بالداخل ممددة على فراشها كما يوم مرضها .. مد كفه بالفعل ودفع الباب متسمرا بالخارج .. لحظات مرت حتى تحرك ليدلف للحجرة في وجل متطلعا لكل ما فيها وكانما يحمل جزء من عبيرها ..

الان فقط تأكد انها رحلت .. الان فقط يمكنه ان يجابه نفسه بالحقيقة التي كان ينكرها دوما .. الان أيقن انها لن تهل عليه من ذاك الباب .. ولن تتسلل مجددا من اجل بعض الروايات ..
تطلع لتلك الروايات التي كانت موضوعة بجوار المصباح الموضوع على الطاولة قرب الفراش .. ومد كفه يتناولها فى حنين عجيب لقارئتها ..

عاد من جديد لغرفة مكتبه والروايات بين يديه.. وقف يضعهن حيث يجب ان يكن .. لتسقط ارضا من بين ضلفتي احداهن ورقة .. وضع الروايات جانبا وانحنى يمد كفه لألتقاطها .. هل كان ذاك خطها بكل رقته وانسيابه !؟.. جال بناظريه سريعا في لهفة على اسطر الخطاب ..وطالعه اسمه معنونا إياها .. وما ان هم بقراءة اول سطر حتى صرخ داع من الأسفل هاتفا يستنجد به ..

وضع الورقة بجيب جلبابه فشعر بوجود ورقة اخرى تزاحمها .. اخرجها متطلعا اليها فإذا بها ورقة زواج ناهد العرفي أعادهما معا لجيبه واندفع لبهو البيت هاتفا بدوره:- ايه في !؟..
كان مناع يقف بالباب والخالة وسيلة تقف مذعورة وخلفها ناهد تنتفض غير مدركة ما يحدث فاندفع عفيف هابطا الدرج في عجالة ليقف هاتفا بالضابط وعساكره:- خير يا بيه!؟..

هتف الضابط متسائلا:- انت عفيف راغب النعماني !؟..
اكد عفيف في ثبات:- ايوه يا بيه .. خير !؟..
اكد الضابط مشيرا للخارج:- تعال معانا ..
تبعه عفيف في هدوء لتصرخ ناهد في صدمة لرؤية اخيها في ذلك الوضع لتهدأها الخالة وسيلة وهى ليست بأفضل منها حالا بينما اندفع مناع خلف عفيف الذي امره في عجالة:- مناع .. اتصل بالمحامي خليه يحصلني .. حلاً ..
هز مناع رأسه في إيجاب وما ان غابت عربة الشرطة برفقة سيده حتى اندفع منفذا اوامره..

اندفعت ناهد خارج البيت الكبير لتهتف خلفها الخالة وسيلة باكية:- على فين يا بتي !؟.. ارچعي..
لم تستمع ناهد لها بل استمرت تركض باكية بلا وعي واخيرا قادتها قدماها اليه .. وقفت امام استراحته تتطلع الي بابها في شوق واخيرا اندفعت تطرق بابها في وجل ..
لحظات مرت حتى انفرج الباب عن محياه .. تطلع اليها في شوق مخلوط بالتعجب:- ناهد !؟..

شهقت باكية تحاول جاهدة ان تتماسك حتى لا تلق بنفسها بين ذراعيه هاتفة بأحرف مضطربة:- ألحجه يا نديم .. ألحج اخوي ..
هتف نديم مذعورا:- ماله عفيف بيه !؟..
لكنها لم تنطق بل سقطت باكية في لوعة على اعتاب بابه ..

كان الجو صاخب والأضواء تتألق في تتابع والقاعة المخصصة لإقامة فرح زينب و شريف قد امتلأت على بكرة ابيها بالأصدقاء والأقارب من الطرفين ..
كانت عينا دلال معلقة بباب القاعة منتظرة مجئ نديم .. ووجيب قلبها تزداد وتيرته كلما جال بخاطرها رؤية عفيف مرة اخرى .. تراه يأتي!؟..
همس شريف على مسامع زينب:- الواحد قاعد مؤدب عشان الحكومة المبدورة ف القاعة دي بس يمشوا .. والله لهتشوفي العار..
ضحكت زينب لافعاله و انشغلت في تحية بعض المدعوين ..

بينما استمرت دلال على قلقها وقد اقترب الزفاف على نهايته ولم يظهر احد .. شعرت ماجدة بقلقها فاقتربت تسألها في ود:- خير يا دلال مالك !؟.. شكلك قلقان كده ليه!؟..
هتفت دلال مجيبة:- والله يا طنط قلقانة على نديم .. قال انه جاي وأهو الفرح قرب على نهايته ومظهرش ..
ربتت ماجدة على كتفها مهدئة:- الغايب حجته معاه يا دلال .. يمكن حصلت ظروف عطلته .. باذن الله خير ..
اومأت برأسها ايجابا ولايزل القلق يعربد داخلها…

صعدا لشقتهما مصحوبين بالدعوات و الزغاريد حتى دلفا بابها .. اندفعت هى مبتعدة تتحصن منه خلف الطاولة الدائرية بمنتصف الردهة الرئيسية ..
نظر شريف اليها فى مجون هاتفا:- من اولها كده يا زينبو !؟..
و اندفع يحاول الإمساك بها فاخذت تحاور و تناور حتى لا يستطيع الوصول اليها ..
هتف بعد ان بدأ يلتقط انفاسه فى تتابع:- لا .. مش طالبة فرهدة من اولها يا زوزو ..

توقف عن اللف و الدوران و انهار جالسا على احد المقاعد فتوقفت بدورها تنظر اليه بتعجب لاستسلامه بسهولة هكذا فهتفت ساخرة:- و عامل لى فيها ظابط و هااا و هييي .. و انت سلمت نمر من لفتين ..
هتف ساخرا بدوره:- انا شكلى اتخميت ..معرفش انى داخل كشف هيئة..

نظر اليها بطرف عين و هو يسند رأسه على ظهر مقعده مغلقا عينيه و هتف فى حسرة:- بما اننا مش عارفين نعمل عرض لايف يبقى نعمل شوية اكشن .. ده انا لو أطول كنت جبت عماد خيرت يألف المؤثرات الصوتية بذات نفسويته ..
هتفت متعجبة:- عماد خيرت !؟.. مين ده !؟.. ثم تنبهت فجأة فأمسكت ضحكاتها هاتفة:- اسمه عمر خيرت على فكرة .. كنت فكراك مثقف ..و بعدين اكشن ايه و مؤثرات ايه اللى بتتكلم عنها !؟..

نهض مجيبا سؤالها و بدأ فى إسقاط مقاعد طاولة السفرة واحدا تلو الاخر مصدرة صوتا على الارض الرخامية ..
هتفت هى فى تعجب و هى تبتعد عن موضع سقوط المقاعد:- انت بتعمل ايه !؟.. شكل الجنان اشتغل .. انا كنت عارفة انى اتجوزت واحد مجنون ..
هتف مقهقها:- مجنون !؟.. هو انا لسه وريتك جنان .. دى حاجة كده ع الماشى يا زوزو .. و بعدين امى و امك زمانهم مطرطقين ودانهم و مستنيين اى حاجة تبل ريقهم قلت ابعت لهم شوية سسبنس ..

امسكت ضحكاتها رغما عنها فهتف هو مستغلا ابتسامتها التى لم تستطع اخفاءها مقتربا:- ايه بقى !؟. و النعمة يا اخت زينب القلب اشتكى من قلة الهشتكة .. و انت دكتورة قلب و عارفة موضوع قلة الهشتكة ازاى بيأثر ع القلب بالقوى .. يرضيكى !؟.
قهقهت و ارتفع صوت ضحكاتها مجلجلا رغما عنها ليهتف هو و قد استغل الموقف ابرع استغلال و استطاع اخيرا ان يطوقها بين ذراعيه لتشهق هى فى صدمة هاتفة:- شريف !؟.. سبنى لو سمحت ..

هتف و هو يقربها اليه اكثر:- اسيبك !؟.. قال أسيبك .. على جثتى ..ده انا ما صدقت يا ماما .. ده انا همسك و اتبت بايدى و سنانى و مناخيرى و كل اعضاءى .. و على فكرة .. انا مثقف قوى لمؤاخذة .. بس ثقافتى متخصصة شوية ..
هتفت ساخرة و هى تحاول التملص من بين ذراعيه:- مثقف ف ايه حضرتك !؟..
هتف و هو يحملها مندفعا لحجرتهما:- مثقف ف قلة الادب .. ثقافة عالية عالية عالية قوووى سعادتك ..

قهقهت رغما عنها ليهتف و هو يفتح باب الحجرة دافعا اياه بقدمه و هو لايزل يحملها بين ذراعيه:- اجدع مؤثرات صوتية يا جدعان .. قال عمر خيرت قال ..
قهقهت زينب من جديد قهقهاتها الرنانة تلك فصرخ مازحا:- قلبى يا ناس .. اموت انا ف سرينة الإسعاف ..
لترتفع قهقهاتها من جديد وهو يدفع الباب مغلقا اياه بقدمه ..

جذب ذراعها في عنف هاتفا:- كنتِ فين يا بت !؟..
نفضت ذراعها في شدة من كفه هاتفة في غضب هادر:- ملكش تسألني كنتِ فين ولا چاية منين !؟..
هتف بغضب مماثل:- لااااه أسالك وهتچاوبي غصب عن اللي چابوكِ ..
جذبها مرعي من جديد مؤكدا:- انتِ ف حكم مرتي.. كلمتي تمشي على رجبتك .. واعية لحديتي ولا لااااه !؟..

لم تحتمل قوة كفه الممسكة بذراعها اللين فهتفت لواحظ مهادنة:- ايوه فاهمة .. سيبني بجى .. يدي هتتخلع ..
تركها وهو يهمس مقتربا:- اهااا سيبتك ما اني ميخلصنيش وچعك وانتِ عارفة معزتك يا لواحظ ..
همت بالإجابة عليه الا ان خفاجي ابيها اندفع هاتفا في ذعر:- وعيتوا للي حصل !؟..
هتف مرعي متسائلا في لامبالاة:- ايه في !؟.
ليهتف خفاجي صارخا:- صفوت النعماني أتجتل !؟..
صرخت لواحظ:- وااااه .. كيف دِه !؟..

بينما هتف مرعي بلامبالاة من جديد:- ما يغور .. هو كان من بجية ناسنا ..!؟..
استطرد خفاجي كأنه لم يستمع لاعتراض مرعي:- لجوه مجتول ف شجة ف جنا.. وخدوا عفيف النعماني متهمينه فيها ..
هتف مرعي حاقدا:- غاروا .. يعني خدنا منيهم ايه ..
اندفعت لواحظ في اتجاه خيمتها وما ان دلفتها حتى اخذت تسب وتلعن فقد باءت خطتها بالفشل الذريع .. فقد كانت تتوقع ان تسمع خبر مقتل عفيف على يد صفوت كما قررا ..

فقد اتفقا على التخلص من عفيف ليستطيع صفوت العودة مرة اخرى للنجع فذاك كان الحل الوحيد المتاح لحظتها وقد رحب به صفوت للتخلص من غريمه الذي ما استطاع كسره يوما .. ترى ماذا حدث !؟.. وهل استطاع عفيف الوصول لمخبأ صفوت والأخذ بثأره !؟.. لا تعلم .. لكن كل ما كانت تعلمه الان .. ان حلمها في ان تصبح يوما ما سيدة من سيدات ذاك النجع قد انهار ولم يبق منه الا حطام وفضيحة لا يمكن مداراتها لوقت طويل..

تطلع حوله الي جدران زنزانته يشعر انه بحلم سخيف .. الان هو متهم بقتل بن خالته صفوت بعد ان اشارت جميع الأدلة على انه الفاعل .. هو لا ينكر انه كان في سبيله لقتله وانه كان حتما سيفعلها لو وجده أمامه يومها فهو لن يتهاون عن كلمات قيلت في عرض النعمانية ولو كان فيها حتفه لكنه لم يفعلها .. لقد قُتل صفوت وأراح واستراح لكن نهايته لم تكن على يديه ولا بسلاحه الذي وجد بجوار جثته كما اكد المحقق..

تنهد في تعب وشعر باختناق يطبق على صدره ويكبل روحه ..
مد كفه ليخرج منديلا يمسح به حبيبات العرق التي تجمعت على جبينه لتصطدم ببعض الاوراق .. اخرجها سريعا وقد تذكرها لتوه وسط خضم الاحداث الماضية وبعد ذاك الاستجواب المضني الذي تعرض له ..

نهض من موضعه مقتربا من طاقة صغيرة تدخل بعض من ضوء وفض الورقة الاولى على بصيصها ليتأكد انها ورقة زواج ناهد العرفي بالباشمهندس نديم والتي لا يعرف لما احتفظ بها من ساعتها بجيب جلبابه وما مزقها .. أعادها لجيبه وفض الورقة الثانية وبدأ في القراءة ووجيب قلبه يتضاعف لمجرد رؤيته لخطها المنمق وحروف اسمه التي كتبت بكفها تبدأ بها خطابها الذي لا يعرف ما يحويه .. بدأ في القراءة سرا يتخيل انها تقرأه له واقسم انه يكاد يسمع صوتها يتردد بجنبات صدره تهتز له دعائم روحه التي تشتاقها حد لا يمكن الوصول لحده ..

" بِسْم الله الرحمن الرحيم ..
عفيف بيه .. يمكن انا جيت النعمانية في ظروف غريبة وعشت فيها في ظروف اغرب .. قابلت ناس عمري ما كنت أتخيل اني أقابلهم واتعاملت مع نوعيات من البشر عمري ما كان يجي ف بالي انهم عايشين ما بِنَا .. بس برغم كل ده .. وبرغم ان ده اثر عليا كتيييير .. بس لازم اقولك شكرًا .. بجد انا بشكرك على حاجات كتير قوووى يمكن لو حاولت أعددها مش هقدر .. بس اكتر حاجة عايزة اقولهالك انك مش مضطر للاسف..

تتأسف على ايه !؟.. ع الدفا اللي عشته وسطيكم ومحستش بيه الا ف حضن الخالة وسيلة ولا ع الأمان اللي محستش بيه من بعد ما ابويا وامي راحوا واللي حسيته هنا وسطيكم .. ولا ع السعادة اللي كنت ببقى فيها وانا بسمع لموال او اغنية كانت بتوصلنى وانا جنبك ع الكارتة او حتى بتجيني من اوضة مكتبك .. اسف على ايه يا عفيف بيه !؟.. اللي حضرتك جاي تتأسف عليه ده كان وهيفضل اجمل حاجة حصلت لى ف حياتي .. و ايّام النعمانية اللي هتنتهي بعد ساعات وارجع فيها لحياتي..

دي كانت حياة ف حد ذاتها .. حياة اشبه بحلم واقعي اتمنيت مصحاش منه .. لكن للاسف صحيت .. وكان ده على ايدك انت .. انا عارفة انه كان عاجل او اجل كنت همشي بعد ما كانت هتخلص حكاية نديم وناهد .. لكن .. اني امشي دلوقتي وانت تكون السبب ..بعد ما دخلتني الجنة تخرجني منها بإيدك .. انا .. وبعد كل اللي حصل وبعد المواقف الكتير اللي اتعرضت لها .. وبعد كل اهتمامك رغم الخصومة .. واحترامك رغم اللي بينا .. و تقديرك رغم احساسك تجاه اخويا وعملته الا اني مقدرش اقولك الا .. شكرًا ..

انا همشي ..لكن تأكد ان هفتكر كل لحظة ليا كانت هنا وسلم لي على كل شبر ف النعمانية كان ليا فيه ذكري كان نفسي يبقى وداعي ليه افضل .. لكن .. قدر الله وما شاء فعل .. والذكريات دي هاتبقى كل اللي باقيلي وهحتفظ بيها ف ركن عزيز قووي من قلبي وروحي .. سلام يا عفيف بيه .. ومرة تانية .. شكرًا ..

دلال محمود المصري "

تطلع عفيف لأحرف الخطاب مشدوها .. لا يعرف ما عليه فعله ..ايصرخ من الفرحة!؟..ام يبكي وجعا وقهرا !؟.. وما بين هذا الاحساس وذاك ظل يتأرجح .. انها لا تكره النعمانية .. بل انها احبت البقاء بها .. بل عشقت أيامها هنا ..
انها قالت ان النعمانية وأيامها كانت وستظل حلما عاشته ..
همس ساخطا في وجع:- كل حساباتك طلعت غلط يا عفيف ..

صمت للحظة ثم استطرد:- لكن حتى ولو كانت چت صح ساعتها .. ما انت واعي انت فين دلوجت .. ربنا عمل الصالح يا واد النعماني ورجعت لدنيتها وانت اديك اهااا .. موحول ف جصة متعرفش ايه نهايتها ..
ورغم كلامه العقلاني ذاك الا انه تطلع الي خطابها من جديد و طواه في قدسية ووضعه بجيب جلبابه بجوار قلبه لعل كلماته تلك تسكن ذاك الالم الذي يسربل جوانحه .. تطلع من جديد لذاك البصيص الغارب من الضوء وما بين عتمة الظروف وضي تلك الأحرف التي انارتها همس بتضرع:- ياااارب ..

حاولت ام زينب إثنائها عن رأيها وإقناعها بضرورة البقاء معها لكنه أبت وأصرت على العودة لشقتها التي لم تدخلها منذ عودتها من النعمانية ولو لمرة واحدة .. أرسلت من ينظفها ويزيل عنها أتربة شهور مضت .. لكنها لم تطأها الا في تلك اللحظة .. فتحت بابها في وجل وسمت الله ودخلت .. أضاءت نور الردهة الضيقة المفضية لاتساع البهو .. خطت للداخل وتابعت فتح الأضواء متطلعة حولها .. شعرت بخواء عجيب داخلها .. و دمعت عيناها ..

دخلت للممر المفضي لحجرات النوم وبدأت في فتح ضوء كل غرفة تمر بها تتطلع داخلها قليلا ثم تنتقل لغيرها وهكذا حتى وصلت لغرفة نومها ..
أضاءتها ودلفت اليها تقف بمنتصفها تتطلع لتفاصيلها .. وتساءلت .. لما تشعر انها غابت سنين لا شهور !؟.. لما تشعر ان دلال التي رحلت مع عفيف يوم ان طرق عليها بابها تختلف تماما عن تلك التي عادت !؟.. ما الذي تغير يا ترى !؟.. هى لا تدرى .. لكن ما تدركه .. انها رحلت معه وعادت دونه ينقصها شئ ما .. شئ غال .. شئ فقدته هناك بالنعمانية .. وعادت دونه ..

ظلام دامس وجو عاصف وليلة بلا قمر وعواء ذئاب كان يصلها من البعد فيقشعر له بدنها .. كانت الأجواء مقبضة وتطل عليها قمة جرف عال تراها كانها تقف من علي تطالع عالم لا تنتمي اليه واخيرا ظهر هو يقف على مقربة من حرف ذاك الجرف الهائل الانحدار .. كان يقف يتلفت حوله وإذ أضاءت العتمة بنيران متقدة تخرج من اعين تتربص به .. لاح لها المتربص .. انها مجموعة الذئاب التي كانت تسمع عوائها تقترب منه .. حاول ان يبحث عن شئ ما يدفع به أذاها عنه لكنه كان اعزل وما كان بمقدوره الدفاع عن نفسه .. صرخت تنبهه:- عفيييف ..

لكن هتافها المذعور ذاك كان صرخة أيقظتها من منامها منتفضة على فراشها تتلفت حولها في تيه حتى استوعبت انها على سريرها داخل شقتها .. تطلعت للساعة الموضعة على الطاولة المجاورة لتجدها قد شارفت على الخامسة .. نهضت باتجاه الحمام .. توضأت وأسرعت لمصلاها تلحق بالفجر وهى تشعر بانقباض رهيب بروحها .. ما الذي يحدث بالنعمانية يا ترى !؟.. وما الذي جعل نديم لا يأتي لحضور فرح زينب وشربف على الرغم من تأكيده على الحضور !؟.. ألف سؤال جال بخاطرها الا انها اسلمت امرها لله وهى تكبر للصلاة في خشوع ..

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الآراء والتعليقات على الرواية
W