قصص و روايات - روايات صعيدية :

رواية جلاب الهوى للكاتبة رضوى جاويش ف12 براءة

رواية جلاب الهوى للكاتبة رضوى جاويش كاملة

رواية جلاب الهوى للكاتبة رضوى جاويش الفصل الثاني عشر

بعنوان ( براءة )

كانت قد شارفت على الانتهاء من معظم الاستشارات التى جاءتها بها النساء بعد طول غياب وما ان همت بغلق باب غرفة الكشف حتى تناهى لمسامعها جدلا دائرا بالقرب من الباب الخارجى .. طلت برأسها فى اتجاه اللغط الدائرهناك لتلمح امرأتين و بجوارهما رجل يجادلها في عصبية و ضيق وما ان همت بالخروج اليهم حتى كانوا هم الأسبق وتوجهت النساء باتجاهها وبجوارهن فتاة صغيرة لم تتعد الحادية عشرة من عمرها ..

ألقين السلام فى اضطراب فردت دلال السلام و سمحت لهن بالدخول .. كان الرجل لايزل بالخارج ينتظرهما بفارغ الصبر ..
جلست النساء وقد بدأن في التخفف من حمل برداتهن القاتمة لتهتف اكبرهن سنا بلهجة متسلطة امرة:- مش انتِ الداكتورة اللي چت من مصر !؟.. لم تنتظر جوابا بل استطردت بنفس اللهجة .. عايزينك تطهريلنا البت دي ..

اشارت للفتاة الصغيرة الضئيلة الجسد والضعيفة البنية التي كانت تجلس منكمشة بالقرب من المرأة الاخرى التي كان يبدو عليها الاستكانة و الاستسلام حتى انها لم تنطق حرفا ..
نظرت دلال في صدمة للمرأة المتعالية اللهجة هاتفة في ذعر:- ختااان !؟.. بس البنت ضعيفة وممكن متستحملش وبعدين لازم يبقى في ضرورة طبية لعملية ذي دي .. لان ممكن ضررها يبقى اكبر من نفعها ..

هتفت المرأة من جديد:- بجلك ايه يا داكتورة !؟.. هاتعمليها ولاااه نروحوا لحد غيرك .. اى داية تعملها و نخلصوا..
ونظرت للمرأة المستسلمة والتي كان يبدو انها ام تلك الفتاة الصغيرة هاتفة في حنق:- اني عارفة ايه كان لزمته وچع الجلب دِه !؟.. جال دكاترة و معرفش ايه !؟.. ما كانت ام حبشي الداية خلصتنا ف ساعتها ..جلع ماسخ..

كظمت دلال غيظها رأفة بالفتاة الصغيرة وحتى يتسنى لها فحصها فهتفت بهن مؤكدة:- متقلقوش انا هعمل اللازم ..
و امسكت دلال بكف الصغيرة التي تشبثت بذراع امها التي همهمت في محاولة لطمأنة ابنتها:- روحي معاها يا بتي .. روحي متخافيشي ..
تحركت الفتاة في طاعة خلف ستار الفحص وما ان اصبحت دلال معها بمفردها حتى همست وهى تربت على كتفها في حنو:- متخافيش .. مفيش حاجة هتأذيكي .. انا مش ممكن اخليهم يضروكي ابدا ..

ابتسمت الفتاة السمراء الصغيرة في راحة واستكانت ملامح وجهها للمرة الاولى منذ وصولها .. لم يكن من السهل على دلال ادراك عدم حاجة الفتاة لمثل تلك الجراحة العقيمة لكن كان عليها ان تثبت ذلك لأهل الفتاة انقاذا لها ..
خرجت دلال من خلف ستار الفحص هاتفة فى تأكيد:- البنت مش محتاجة لعملية ذي دي .. البنت ممكن اصلا متستحملهاش .. دى ضعيفة قووى ..

هتفت المرأة المتسلطة عالية الصوت بغضب في ام الفتاة:- اني جلت بلاها دكاترة .. والمحروس ولدي عام على عومك .. أدي اللي خدناه من شورتك .. نسوان عايزة الحرج ..
هتفت دلال بحنق بالغ لم تستطع التحكم به اوالسيطرة عليه:- بقولك البنت ضعيفة .. واللي هتعملوه ف حق البنت جريمة .. و انا مش هسكت وهبلغ عنكم البوليس لو حد قرب للبنت او ضرها ..

انتفضت المرة السليطة اللسان من مكانها هاتفة متجاهلة الرد على دلال بل وجهت كلامها لزوجة ولدها:- أدي اخرتها يا معدولة .. وادي اخرة اللي يمشى ورا شورة الحريم .. جومي ياللاه بينا جامت جيامتك ..
نظرت المرأة المستكينة الى دلال نظرة تحمل كم لا بأس به من الوجع وكم مساوٍ من الاعتذارعلى اسلوب حماتها الفظ وهتفت تستدعى ابنتها من خلف ستار الفحص الذي كانت تختبئ الفتاة خلفه متحاشية ثورة جدتها:- ياللاه يا براءة..

تحركت الفتاة من خلف الستار لتسير في اتجاه امها مغلوبة على امرها و تطلعت الى دلال فى نظرة تحمل الكثير من القهر ونداء موجع يستغيث بها حتى تنقذها من براثن عادات بالية يجرمها العالم ..
هتفت دلال للفتاة ف حنو:- اسمك براءة !.. الله .. اسمك جميل قووى..

ابتسمت الفتاة في رقة وهى تطأطئ رأسها بحياء .. وضعت كفها بكف امها وسارتا خلف المرأة الأكبر سنا والتي اندفعت خارج حجرة الكشف دون حتى إلقاء التحية ..
نظرت دلال فى اتجاهه البوابة لتجد المرأة العجوز تلك تتشاجر فى غضب مع ولدها .. لم يكن يصلها ما يقولونه و لكن لم يكن من الصعب عليها استنتاج فحواه .. تجاهلتهما دلال تماما وعيناها مسلطة على الفتاة الصغيرة التي أدارت وجهها فى اتجاه موضع وقوفها و اشارت اليها مودعة من طرف خفي حتى لا يلحظها احدهم ..
ابتسمت دلال فى سعادة وهى تلوح للفتاة محاولة بدورها ان لا يلمحها احد من اهلها والتي اصبحت منذ اللحظة عدوتهم اللدود .. و خاصة تلك العجوز الجبارة التي تتعامل كانها الحاكم بأمره..

تنحنحت وهى تطرق باب غرفته داخل نقطة الشرطة التي يشرف على تحقيق الأمن داخل النعمانية من خلالها .. هتف شريف من الداخل معتقدا انه عسكري الخدمة الخاص به:- اتفضل .. من امتى الادب ده ياخويا !؟..

كان مندمج في تجميع بعض الاوراق والملفات الهامة من فوق مكتبه وهتف دون ان يلتفت للقادم يستوضح شخصه:- نعم !؟.. عايز ايه يا عملي الأسود ..!؟..
كان يقصد شاويشه الذي دوما ما يواتيه بالأخبار المشؤومة ولم ينتبه الى القادم الا عندما علت قهقهاتها رغما عنها مما جعله ينتفض مستديرا وما ان تنبه لوجودها حتى ابتسم متحنحا في احراج:- اهلًا يا دكتورة .. اتفضلي ..

هتفت دلال والابتسامة لا تزل مرسومة على محياها:- واضح انك مشغول وانا مش هعطلك ..
هتف شريف وهو لايزل يجمع الأوراق على عجالة:- لا مش حكاية شغل يا دكتورة لانك اكيد جاية هنا عشان شغل .. بس اصل انا نازل اجازة حالا دلوقتي ..
هتفت فى قلق:- طب نازل اجازة يبقى مبسوط وانا شايفة غير كده..

هتف شريف بنبرة صوت مضطربة:- صح .. اصل خالتي بلغتنى ان امي تعبانة وفي المستشفى ..
شهقت متعاطفة:- الف سلامة عليها .. خير مالها !؟..
هتف شريف:- ابدا هو قلبها اصلا تعبان شوية .. يا رب يبقى خير ..
هتفت دلال تحاول المساعدة:- طب انا ممكن اكتب لك اسم دكتورة زميلتي ممتازة وده تخصصها .. هكتب لك اسم المستشفى وعيادتها كمان ..

وتناولت احدى الاوراق وقلم و بدأت على عجالة فى كتابة رسالة لزينب صديقتها وناولتها اياه مؤكدة:- اتفضل يا حضرة الظابط.. هى بتشتغل في مستشفى … و هتفت باسم المستسفى وعنوانها ..
فهتف شريف متعجبا:- دي نفس المستشفى اللي فيها ماما .. دي اقرب مستشفى لبيتنا ..
ابتسمت دلال:- سبحان الله .. طب كده تمام قووي .. اديها بس الجواب ده وهى هتعمل اللازم ..

ابتسم شريف ممتنا:- متشكر يا دكتورة .. بس مقلتيش كنتِ جاية ف ايه !؟.. خير ..!؟..
هتفت دلال متنهدة:- خلاص بقى يا حضرة الظابط .. يا دوب اسيبك تشوف ترتيبات سفرك للوالدة ربنا يقومها بالسلامة ..
ونهضت مودعة وهى تهمس فى حزن:- بس ع الله لما ترجع يكون فى فرصة تدخل من اساسه ..

خرجت من الحمام وما ان وقع ناظرها عليه حتى هتفت فى تعجب:- على فين !؟.. انت لسه تعبان..
هتف وهو يكمل احكام غلق سترته الجلدية حول جسده اتقاءنا للبرد بالخارج:- زهقت م الراقدة .. بقالي كام يوم راقد ف السرير .. لو قعدت اكتر من كده هعيا بجد و كمان اجيب حاجة ناكلها بدل الجبنة اللي تعبتنا دي و ..

تردد قليلا قبل ان يستطرد هاتفا:- وهكلم دلال اشوف أخبارها ايه .. زمنها رجعت من المؤتمر اللي سافرت له ده المفروض انها رجعت بقالها كام يوم وبالمرة اقولها اني مش هنزل اجازة لفترة عشان متقلقش عليا لحد ما نشوف الدنيا هتودينا على فين ..
اومأت برأسها تفهما ولم تنبس بحرف واحد لذا اندفع خارجا وقبل ان يغلق الباب بأحكام خلفه سأل هاتفا:- مش عايزة حاجة اجبهالك معايا !؟..
هزت رأسها نفيا وهتفت:- عايزة سلامتك .. بس متتأخرش عليا عشان بخاف اجعد لوحدي ..
ابتسم في مودة واومأ برأسه موافقا.. ثم رحل ..

اغلقت باب غرفة الكشف بعد ان وعت لسعدية زوجة مناع بانتظارها خارج البوابة الخلفية كما اتفقتا ..
اندفعت كلتاهما لوجهتهما المشتركة فقد قررت ان تواجه ذاك الجهل و تحاربه في عقر داره وتقضى على أدواته .. انحدرتا التلة المقام عليها دار النعماني وسلكتا طرقا ضيقة حتى وصلا لذاك الدار الطيني المبني من طابق واحد والمقام على أطراف النعمانية وهمست سعدية مؤكدة:- هو دِه يا داكتورة بيت الداية ام حبشي ..

وما ان همت بالاندفاع للطرق على باب الدار حتى استوقفتها سعدية هاتفة في قلق:- لساتك يا داكتورة عايزة تعملي اللي ف راسك برضك!؟.. دي ولية جوية و شرانية ..
هتفت دلال:- ايوه لازم ومش هتراجع ولو فيها ايه ..
وبدأت دلال في الطرق على باب الدار الخشبية المتهالكة بعد ان ابتعدت سعدية تختبئ خلف شجرة ضخمة بالقرب من الدار..

انفرج الباب بعد فترة قصيرة عن امرأة طويلة القامة سمراء البشرة ضخمة الجثة ممتلئة القوام متشحة بالسواد من قمة رأسها حتى اخمص قدميها باختصار امرأة طلتها مقبضة للنفس.. تنفست دلال في عمق مستجمعة شجاعتها هاتفة في ثبات:- انتِ ام حبشى الداية ..!؟..
هتفت المرأة بصوت أجش اقرب لصوت الرجال:- ايوة .. انتِ مين يا شابة !؟..
هتفت دلال فى هدوء:- طب مش هتقوليلي اتفضلي الاول !؟..

هتفت ام حبشى في ابتسامة صفراء:- اه طبعا احنا نعرفوا الأصول والواچب .. و بعدين شكلك چاية ف حاچة كَبيرة .. ربنا يسترع الولايا كلهم ..
كادت دلال ان ترفع كفها لتلطم وجه تلك المرأة الحقيرة على ذاك الاستنتاج الأحقر لكنها تمالكت أعصابها وأظهرت ظبطا للنفس فاق احتمالها وتساءلت هل تلك المرأة ستقبل ما هى مقدمة على عرضه عليها !؟.. صمتت لحظات واخيرا هتفت من جديد محاولة الخروج من حالة اليأس التى انتابتها قبل حتى ان تبدأ:- بصي يا ام حبشي .. انا الدكتورة دلال المصري .. مش عارفة سمعتى بيا ولا ..

قاطعتها ام حبشي هاتفة بنبرة بها الكثير من الغل:- اهلًا .. طبعا سمعت .. و أديني اتشرفت كمان ..
تنهدت دلال هاتفة:- طب كويس انك سمعتي .. ده هيوفر علينا كتير .. انا جاية اعرض عليكِ عرض هينفعك وهتكسبى من وراه ..
هتفت ام حبشى ساخرة:- چاية تنفعيني !؟.. اني مشفتش من بعد مچيتك اي مُصلحة ..
اكدت دلال تحاول استمالتها:- ما هو انا جاية عشان كده .. عشان حاسة ان وجودى اثر على اكل عيشك .. فقلت ليه متشتغليش معايا وتحت اشرافى وليكي اللي تطلبيه!؟..

قهقهت المرأة متهكمة:- اشتغل معاكِ !؟.. بطلوا دِه واسمعوا دِه .. انتِ عارفة اني بولد حريم النچع من ميتا !؟.. من جبل ما انتِ تتولدي يا داكتورة .. يعني عِندي كد اللي اتعلمتيه ف الچامعة و الكتب بتاعتك عشر مرات ..
ابتسمت دلال هاتفة فى هدوء:- ربنا يزيدك يا ستي .. وانا عارفة ان عندك خبرة .. بس خبرتك مع شوية العلم اللي طلعت بيهم م الكتب ممكن تفيد الستات هنا ف النجع .. ليه نبقى ضد بعض لما ممكن نساعد بعض !؟..

هتفت ام حبشي وهى تتجه لباب الدار تفتحه:- شرفتي وانستي يا داكتورة.. ابجي كرريها ..
تأكد لدلال ان مسعاها قد خاب فتنهدت ونهضت تعبر باب الدار للخارج حتى استدارت تواجه ام حبشى من جديد هاتفة فى محاولة اخيرة:- مش هعتبر ده ردّك النهائي .. فكري تاني يمكن تغيري رايكِ ..
اقترب عفيف بعربته من حدود النجع وها قد طل على مشارفه عندما لمح سعدية زوجة مناع تقف منتصبة في استنفار خلف تلك الشجرة الضخمة كأنما تترقب وصول شخص ما ..

تعجب مما يحدث و توجه ناظره الي حيث تلقى بنظراتها المضطربة.. و ها هو يرى دلال تخرج من بيت تلك المرأة المشؤومة ام حبشي والتي مات على يديها من نساء النجع اكثر مما عاش .. لقد كادت تودى بحياة سعدية نفسها في ولادة ابنتها الثانية.. لكن ماذا تفعل الدكتورة عند تلك المرأة يا ترى !؟.. تساءل متعجبا وهو يترجل مقتربا من الدار و قد سمع دلال تدعوها للتفكير مرة اخرى في امر ما .. ما ذاك الامر الجلل الذي قد يجمعها..!؟..

هتفت ام حبشي خلف دلال وهى ترحل مبتعدة في طريقها لسعدية:- مش هغير رأيي يا داكتورة .. و مظنيش هاياچينى خير من تحت راسك ولا هشوف منفعة طول ما انتِ هنا ف النچع ..
ظهر عفيف اخيرا صارخا فى صوت كالرعد:- ام حبشي !؟..
ارتعدت المرأة وتطلعت الى محيا عفيف الذي ما ان وعت لظهوره المفاجئ ذاك حتى تحولت من هذا الجبروت الذي كانت تتمثله منذ دقائق الي امرأة اخرى تماما تدعي المسكنة والوداعة تطأطئ رأسها في مذلة هاتفة في صوت مرتبك:- امرك يا عفيف بيه ..

اقترب عفيف من المرأة هاتفا فى لهجة قاسية:- تعرفي !؟.. انت لولا ما انك مرة كبيرة وكد امي كنت عِملت الواچب معاكِ .. الداكتورة ضيفتي .. عارفة يعنى ايه تجولي اللي جولتيه ده لضيفة عفيف النعماني !؟..
انتفضت المرأة تحاول الدفاع عن نفسها:- لااه .. و الله ما اجصد يا عفيف بيه !؟.. ضيوفك على روسنا من فوج بس اصلك ..
هتف عفيف بصرامة منهيا الحوار العقيم:- انتهينا.. و يكون ف معلومك .. مچية الداكتورة لحدك دي ليها تمنها.. و اجل حاچة تتعمل انك توافجي ع اللي طلبته منيكِ .. ولا ايه !؟..

همست ام حبشي في نبرة تحاول ان تداري ذاك الحقد الذى يقطر منها:- بس يا عفيف بيه !.. يعني ..
هتف عفيف مؤكدا:- خلصنا يا ام حبشي .. سلام عليكم ..
هتف عفيف بالتحية واندفع في اتجاه عربته مارا بدلال التي ما ان حازاها حتى همس امرا:- اتفضلي يا داكتورة ع الكارتة أوصلك المُندرة ف طريجي ..
واستمر فى طريقه صاعدا الكارتة منتظرا قدومها ممسكا بلجام فرسه متأهبا للانطلاق مبتعدا ..

أشارت هى لسعدية من طرف خفي ان ترحل في هدوء وصعدت العربة بجواره كالمعتاد ليهز اللجام لتتحرك العربة ويشملهما الصمت للحظات .. حتى هتفت اخيرا متسائلة:- عجيب انك تضغط على ام حبشي تقبل باللي عرضته عليها رغم انك متعرفش انا عرضت ايه .. وحتى مسألتش !؟..
اكد في هدوء دون ان يحيد بناظريه عن الطريق:- واسأل ليه ..! انا متأكد انك هتعرضي عليها اللي فيه المصلحة للكل ..

ابتسمت رغما عنها فى بلاهة تكاد تطير فرحا لمجرد إظهاره الثقة بها وبما تتخذه من قرارات ..
تطلعت للطريق الأخضر على جانبى العربة واستنشقت في عمق ذاك الهواء المحمل بعبق خاص لن تجده الا هنا واكدت لنفسها ان ذاكرتها ستظل تحفظ ذاك العبق الأخضر المحمل بأديم الارض البكر ما حيت ..

لم يستطع كالعادة ان يغض الطرف عنها وهى بهذا الكم من البراءة و ذاك القدر من العفوية والكاف تماما لتدمير ثباته في ثوان مهما ادعى قدرته على الصمود ..
وسأل محاولا إلهاء افكاره و خواطره عنها قليلا:- بس انتِ ليكي ايه عند المرة السو دي عشان تروحيلها يا داكتورة !؟.. لو كنتِ جولتيلى كنت چبتها لحد عِندك ..
هتفت سعيدة بتجاذب أطراف الحديث وايجاد الفرصة لتستطلع رأيه فيما فعلت فهى عاجلا ام آجلا كانت لابد ان تخبره:- انا فكرت انها بدل ما تبقى منافس ليه متبقاش شريك !؟..

هتف عفيف وقد ضاقت عيناه مستفسرًا رغم استنتاجه المراد:- بمعنى !؟..
هتفت دلال شارحة في حماسة:- يعنى ليه اسبها تعمل مصايب عشان خاطر الفلوس لما ممكن اخليها تشتغل تحت عينى وبإشرافي و تاخد الفلوس اللي هى عيزاها .. المهم ف الاخر اننا نكف أذاها عن ستات النجع وبناته ..
كانا قد وصلا بالفعل امام البوابة الرئيسية للبيت الكبير فترجلا من العربة وسارا معا حتى باب المندرة تركها تفتح بابها في أريحية بمفتاحه الذي لا يفارقها وهم بالرحيل لتستوقفه هى هاتفة فى تعجب:- ايه!؟..مقلتليش رأيك يا عفيف بيه!؟.. اللى عملته ده صح ولا غلط!؟..

ارتسمت على شفتيه ابتسامة مهلكة ولمعت عيناه ببريق فخر وهمس بنبرة اذابتها حرفيا:- اتغيرتِ كَتير جوى يا داكتورة ..
همست بصوت متحشرج تأثرا:- اتغيرت !؟..
تطلع اليها من جديد وهم بالرحيل الا انها استوقفته من جديد مصرة على سماع رأيه هاتفة:- برضو مسمعتش رأيك !؟..
هتف مقهقها:- كل دِه ولسه معرفتيش رأيي !؟..

واندفع مبتعدا تاركا إياها تغمرها سعادة عجيبة وفرحة من نوع خاص ..فلقد اختفى عفيف الساخر ذاك والذي كان يمطرها بالتهكم على افعالها التي كانت تحاول بها تغيير واقع النعمانية المرير وانارة طريق الجهل الوعر ببعض من مشاعل علم لتطمث معالمه التي حفرت اثارها طوال سنين غابرة ..
هى على الطريق الصحيح واخيرا بدأت في ادراك كيفية التعامل مع معطيات تلك البيئة التي تحيطها و الاستفادة منها لتحقيق افضل نتائج ممكنة .. هو يدرك ذلك جيدا وهذا بات يسعدها وخاصة دعمه بهذه الابتسامة القاهرة وتلك النظرة البراقة التي لمحت بها شعورا من نوع خاص .. وكان ذلك كافيا لها و زيادة ..

اندفع شريف لداخل حجرة المشفى و ما ان طالعه محيا امه الراقدة على فراش المرض حتى توجه اليها هاتفا فى لوعة:- ماما .. انتِ كويسة !؟...
ابتسمت امه الحاجة شريفة فى محبة هاتفة:- يا حبيبي مفيش حاجة .. متقلقش كده .. دول شوية تعب وهيروحوا لحالهم .. اقعد بس خد نفسك ..
جلس على اقرب مقعد للفراش متنهدا في راحة:- انا اول ما خالتي كلمتني جيت جرى ..
هتفت الحاجة شريفة:- شوف وانا اللي موصياها متخضكش !..

هتف شريف معاتبا:- هو انتِ كمان مكنتيش عيزاها تقولي !؟.. ده برضو ينفع يا ماما !؟..
هتفت الحاجة شريفة في حنو:- و الله يا شريف مكنتش عايزة اقلقك عليا .. انا بقيت ذي الفل اهو ..
نهض شريف من موضعه هاتفا:- طب انا هروح اشوف الدكتور اللي متابع حالتك و اشوف ايه الاخبار ..
هتفت امه:- طب يا حبيبى خد نفسك .. ده انت شاكلك لا كلت ولا نمت ..
اكد شريف:- اه و الله انا مطبق من امبارح ..

وابتسم مستطردا في مزاح وهو يقبل جبينها:- بس فداكِ انتِ يا حجوج يا قمر ..
قهقهت امه في سعادة بينما اندفع هو باحثا عن الطبيب المعالج .. وتذكر في طريقه اسم الطبيبة التي أوصته الدكتورة دلال بالمرور عليها مرسلة لها التحية والتوصية لامه وكذا تلك الرسالة التى بعثتها معه أمانة لتصل لكفها شخصيا ..
سأل احدى الممرضات وهو يعبر الممر المفضى لحجرة الأطباء:- لو سمحتي !.. الدكتورة زينب عبدالحكيم ألاقيها فين !؟..

اكدت الممرضة:- الدكتورة زينب لسه مجتش .. و مش عارفة اذا كانت هتيجي النهاردة و لا لأ ..
هز رأسه في تفهم وانصرف عائدا لحجرة امه ليجد السرير خاليا .. تنبه لخالته التى وصلت للغرفة فسألها فى قلق:- ازيك يا خالتي !.. هى ماما راحت فين ده انا لسه سايبها !؟..

ابتسمت خالته في هدوء:- ازيك يا شريف يا حبيبي حمدالله على سلامتك .. متقلقش شريفة ف الحمام .. تعالى كوول لك لقمة .. سربت الاكل ده من الأمن تحت بالعافية .. محشي يستاهل بقك ..
قهقه شريف هاتفا:- سربتيه !؟.. انا عرفت دلوقتي انا جبت الحس الأمنى منين يا خالتي !؟..

قهقهت خالته هاتفة:- يخرب عقلك يا شريف .. و الله الواحد بتوحشه خفة دمك دي .. تعالى بس كول .. مش هتندم ..
تمدد شريف على فراش امه هاتفا بوهن:- لا يا خالتى مليش نفس .. امدد جسمي بس لحد الحاجة ما تطلع م الحمام .. انا عارفها هتقعد لها بتاع ساعتين جوه أكون انا كوعت فيهم ..
قهقهت خالته على اقواله وتركته يتمدد على الفراش فى أريحية ..

دخلت هى الغرفة في هدوء متطلعة حولها لجو الغرفة الذى يلفه السكون والصمت .. توجهت بهدوء الي مؤشر الحالة المعلق على واجهة الفراش .. قرأته فى عجالة و توجهت للمريض الممدد على الفراش تمسك بمعصمه تفحص نبضه في احترافية .. وفجأة .. و بدون سابق إنذار وجدت نفسها تطير للأعلى لتسقط ممددة على الفراش في موضع المريض الذي أنتفض منقضا ومشرفا عليها بجسده المفتول العضلات صارخا في ذعر:- مين !؟..

هتفت بأحرف ترتعش:- اهدى و الله ما في حاجة ..
هتف مضطربا ومشوشا:- انتِ مين !؟..
اكدت في عجالة:- أنا الدكتورة زينب والله العظيم ..
تطلع شريف حوله في تيه واضح و تذكر انه بحجرة المشفى ممددا على فراش امه .. وأنار في عقله الاسم .. أقالت انها الدكتورة زينب ..!؟..
تطلع اليها من جديد واخيرا عاد اليه وعيه كاملا وهى تهتف تحاول تهدئته:- ارتاح .. شكلك تعبان فعلا..

ابتعد عنها لتنتفض هى منتصبة بعيدا عن الفراش تعدل من هندامها وثبات غطاء رأسها ليعاود هو الهمس مدعيا المرض:- ايوه .. انا فعلا تعبان .. انا تعبان قووي ..
ترددت قليلا واخيرا مدت كفها اعلى كفه تقيس نبضه الذي ما أعطاها الفرصة سابقا لقياسه همست بعد قليل:- فعلا ضربات قلبك عالية ..
اكد فى ادعاء:- شفتي .. ده انا تعبان ع الاخر والله ..

تركت كفه فتأسف داخليا متمنيا الا تتركها ابدا وهم بالتشبث بها لولا بعض تعقل بينما توجهت هى مرة اخرى لمؤشر الحالة تتعجب من التشخيص المكتوب والمدون بها عن الحالة محل العلاج الغير معنونة باسم المريض على غير العادة .. حتى ان الطبيب المتابع للحالة غير متواجد بالمشفى لسؤاله وجاءت هى للمتابعة نيابة عنه ..
همست رغما عنها في حيرة:- غريب .. هو التشخيص اللي غلط و لاه انا اللي ..

واتجهت اليه مرة اخرى هاتفة و هى تضع سماعة الفحص على اذنيها:- اسمح لي افحص حضرتك!؟..
تمدد في أريحية هاتفا:- انت تعملي فيا اللي انتِ عوزاه.. اعتبريني حقل تجارب تحت امر سعادتك ..
ما ان همت بوضع سماعتها على صدره حتى دخلت امه متوكزة على ذراع خالته بعد ان تركتا له الغرفة عندما استغرق في النوم وتوجهتا للكافتيريا وما ان طالعهما المنظر حتى نظرت كل منهما للأخرى و انفجرت في الضحك بشكل هيستيري ..

تعجبت زينب مما يحدث وتطلعت للجميع في دهشة وفضول لمعرفة سبب هذه السعادة المنتشرة بالعائلة الكريمة ..
لكن اذا عُرف السبب بطُل العجب فقد هتفت الحاجة شريفة لولدها:- انت مفيش فايدة فيك يا شريف!؟..مش هتبطل مقالبك دي ابدا ..!؟..
اعادت زينب نظراتها مرة اخرى لمريضها بعد كلمات تلك السيدة المنشرحة لتجده ينهض في عافية كاملة يعدل من هندامه وابتسامة بريئة ترتسم على شفتيه في أريحية و بدأت تدرك ذاك الفخ الاحمق الذي أوقعها به فنظرت اليه شذرا ليهتف وهو يمد كفه مرحبا فى سعادة جمة وكأنه ما وضعها منذ لحظات في موقف لا تحسد عليه جعلها اشبه ببلهاء:- اهلًا يا دكتورة.. نقيب شريف عبدالواحد..

لم تمد كفها ردا على تحيته بل هتفت في ضيق:- اه .. و سيادة النقيب جاى يتسلى هنا بقى !؟..
شعر بالحرج وما ان هم بالرد حتى هتفت امه في نبرة معتذرة:- معلش يا دكتورة متخديش على خاطرك .. شريف ميقصدش ..
اكد شريف هاتفا:- فعلا مقصدش يا ماما .. انا واحد نايم ف امان الله لقيت واحدة ذي القمر .. اقصد ذي الغفر .. اقصد لا ذي القمر ولا نيلة .. ماسكة أيدي وبتقولي قلبك و نبضك وكلام كده م اللي يدوخ ده .. طب بزمتك اعمل ايه انا !؟..

قهقهت خالته و امه مع وجوم من زينب ليستطرد مازحا:- لقيت نفسها ف مريض تكشف عليه .. قلت يا واد يا شريف الشرطة ف خدمة الشعب .. قمت مطوع .. يبقى غلطة مين !؟..
هتفت زينب مصدومة:- نفسها ف مريض !؟..

علت ضحكات امه وخالته كالعادة بينما تصنعت هى الجدية هاتفة:- حصل خير .. عن اذنكم ..
واندفعت هاربة من الغرفة فما عادت قادرة على تصنع ذاك العبوس الذي ترسمه على محياها بصعوبة بالغة ..
عاتبته امه هاتفة:- شكلك زودتها يا شريف وزعلت البنية منك ..
هتف متسائلا:- تفتكرى يا حجوج!؟..

اومأت امه ايجابا ليندفع بدوره خارج الغرفة محاولا اللحاق بزينب التى ما ان ابتعدت عن الغرفة حتى أطلقت العنان لقهقهاتها والتي امسكتها متصنعة الجدية من جديد تحاول مداراة نظراتها الباسمة بكل الاتجاهات حتى لا تفضحها بعد ان توقفت اثر سماعها لصوته ينادي عليها فأستدارت لتواجهه هاتفة فى حنق:- أفندم ..
هتف معتذرا:- انا اسف بجد .. و أرجو ان حضرتك متكونيش زعلانة ..

اكدت فى هدوء جدي:- حصل خير..
تنبه اخيرا ليهتف في تساءل:- صحيح ..!؟.. مش حضرتك الدكتورة زينب عبدالحكيم !؟.. انا ازاى نسيت!؟.
استطاع استثارة فضولها لتهتف:- ايوه انا .. خير ..!؟..
اكد وهو يخرج رسالة دلال:- الدكتورة دلال المصري بعتالك الرسالة دي ..

واظهر الرسالة امام ناظريها مستطردا في مرح:- و بتقولك و النبي تتوصي بيا .. نظرت شذرا فاستطرد في مرح:- اقصد بأمي .. انتِ مش دكتورة قلب برضو !؟..
وتنهد فى لوعة ..
اختطفت الرسالة من بين أصابعه و ابتعدت تاركة اياه وما ان أصبحت وحيدة بحجرة الأطباء حتى انفجرت ضاحكة على افعاله واخيرا فضت رسالة صديقتها التى خطت فيها بخط متسرع:- "ازيك يا زينب!؟.. يا رب تكوني بخير .. بقولك .. حضرة النقيب شريف عبدالواحد ده اللي ماسك النقطة هنا ف النجع وولدته تعبانة عندك ف المستشفى .. يا ريت تعملى اللازم معاهم ..

ملحوظة:- مفيش اى اخبار وصلتك عن نديم !؟.. يا ريت تبعتي تطمنينى مع حضرة الظابط وخدي بالك هو ميعرفش اي حاجة عن سبب وجودي ف النعمانية .. سلميلي على طنط .. سلام عليكم"..
عاد شريف لغرفة امه التى اتخذت موضعها على الفراش لتهتف فيه:- تعالى يا حبيبى كُل حاجة .. انت مكلتش لقمة من ساعة ما جيت .. تعالى خدلك صباعين محشى..

هتف شريف شاردا و هو يتذكر نظراتها المذعورة عندما جذبها لفراش امه مذعورا بدوره و كذا تلك الأصابع الناعمة الرقيقة التى مست معصمه جعلت نبضه يتقافز للضعف:- لا انا عاوز صوابع زينب ..
هتفت امه متسائلة:- بتقول حاجة يا حبيبي !؟..
قهقه هاتفا:- بقول سلامتك يا ست الحبايب ..

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الآراء والتعليقات على الرواية
W