قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية امرأة وخمسة رجال للكاتبة شاهندة الفصل التاسع

رواية امرأة وخمسة رجال للكاتبة شاهندة بجميع فصولها

رواية امرأة وخمسة رجال للكاتبة شاهندة الفصل التاسع

دلف ريان إلى حجرة تمارا بهدوء.. لقد أصبح وجوده بجوارها شيئا أساسيا فى حياته وكأنه الهواء.. ينتظر فقط أي فرصة يكون فيها متفرغا فيها ليسرع إليها ويجلس بجوارها يحدثها وكأنها حبيبته غزل..  وكأنها لم تفارقه يوما.. يدرك فى قرارة نفسه أنها ليست بغزل ولكنه رغما عنه يعدها هي.. يراها كما كان يرى محبوبته تماما.. اقترب منها وجلس بجوارها يتأمل ملامحها الجميلة.. ملامح حبيبته الراحلة.. كان من المفترض أن تفيق.. ولكنها مازالت تغط فى سبات عميق.. غيبوبة غريبة تركت نفسها تسحب إليها بعمق.. احتار الأطباء فى إيجاد سببا لها فلم يجدوا.. ليدركوا على الفور أنها غيبوبة اختيارية..

اختارت تلك المريضة أن لا تفيق فى الوقت الحاضر.. ليتركوها حتى تتعافى نفسيا ولكنهم يحرصون على سلامتها الجسدية بالمتابعة.. بينما ريان أصبح رفيقا شبه دائما لها.. بعد تخطيه لصدمة ظهورها امامه بملامح غزل للمرة الاولى.. وصدمته التى ظهرت جلية على ملامحه ليترك الحجرة على الفور موكلا الطبيب المساعد له بمتابعتها ويتجه إلى غرفته الخاصة على الفور.. وسط دهشة الممرضات.. ليجد نفسه رغما عنه تجذبه مشاعره تجاه غرفتها مجددا.. ليدلف إليها يتأملها هي..

غزل حبيبته وزوجته المتوفاة.. ظل هكذا حتى الساعات الاولى من الصباح.. ليعود كل يوم بعد ذلك إليها من جديد يتأمل ملامحها التى اشتاق إليها..  يرى أنفاسها التى تستنشقها وتزفرها بهدوء..  ليدرك أنها حية.. هي حية ولو لساعات .. أو أيام.. ولو أرادت تلك الفتاة أن تحتفظ بملامح محبوبته فتظل غزل حية تتنفس.. ربما رآها من بعيد كل فترة.. وربما.. ..

نفض أفكاره التى أخذته بعيدا جدا.. ليدرك أنه مازال يحتاج لرؤية طبيبه النفسى.. شعر بحركة يدها ليركز نظراته عليها.. انتفض عندما تحركت يدها مجددا ليقترب منها قائلا بلهفة:
غزل..

انتبه على نفسه ليتنحنح قائلا :
احممم.. ياآنسة.
رمشت بعيونها لينتعش الأمل بقلبه وهو يميل بوجهه أكثر عليها قائلا بلهفة:
سامعانى؟؟؟

فتحت عينيها فجأة ليتوقف الزمن فى تلك اللحظة وهو يرى غزل تتطلع إليه بعيونها التى لطالما عشقها.. يشعر بدقات قلبه المتسارعة والتى تدفعه لأخذها بين ذراعيه وضمها كي يرشف من عشقها حد الإرتواء.. بينما ظهر الرعب على ملامح الفتاة ليفيق من أفكاره ويبتعد عنها قائلا بسرعة:
أنا آسف.. أنا.. أنا اسمى ريان..  الدكتور المتابع لحالتك.

عقدت حاجبيها فى حيرة.. إنها تعرف ذلك الصوت.. ذلك الذى يبدوا مألوفا لديها رغم أنها تراه للمرة الأولى.. نبرته الرجولية الحانية.. لقد سمعتها من قبل.. نظرت إليه فى حيرة لتحبس أنفاسه داخل صدره .. إنها نفس النظرة.. نفس الملامح.. تبا.. ماذا فعل بنفسه؟إنه يكاد يموت شوقا إليها.. ورغما عنه يقيد نفسه بقوة كي لا يستسلم لمشاعره.. فهو يدرك أنها ليست غزله.. قالت تلك الفتاة فى ضعف وهي تتأمل محيطها:
انا فين.. وجيت هنا إزاي؟

صوتها يختلف عن صوت محبوبته.. مما جعله مدركا أكثر أنها ليست بزوجته.. ليقترب ريان منها وهو يجلس على الكرسي بجوار سريرها.. قائلا وهو يحاول أن يتمالك نفسه:
إيه آخر حاجة فاكراها؟

نظرت إليه.. اغروقت عيناها على الفور بالدموع وهي تقول:
مش عايزة أفتكر..  مش عايزة أفتكر.
أدرك ريان ان تلك الفتاة وراءها حكاية طويلة حزينة.. شعر بالفضول لمعرفتها ليقول بهدوء:
اتكلمى معايا.. احكيلى.
هزت رأسها نفيا دون كلمة.. لينظر إليها بثبات قائلا:
صدقينى هترتاحى.

نظرت تمارا إلى عينيه .. نعم هي تشعر براحة غريبة مع ذلك الرجل الغريب كلية عنها .رغم كرهها للرجال والذى أصبح يسرى فى دمائها مسرى الدم..  ولكن صوته .. نبراته الرجولية الهادئة.. حنانه الظاهر فى عينيه.. كل هذه الأشياء جعلتها تشعر بالراحة معه.. لتقرر ان تقص عليه حكايتها.. ربما أزالت عنها كلماتها تلك الغصة التى تشعر بها فى قلبها.. ثم ماذا لديها لتخسره؟.. فلقد خسرت بالفعل.. .. .. .. .كل شئ.

قال ماجد فى ضجر:
يوووه ياوفاء.. انتى ما بتزهقيش من الزن ليل ونهار.. قلتلك قبل كدة ميت مرة.. إنى مش هتجوزك.. أتجوزك إيه بس ؟انتى بسرعة نسيتى الدكتور ولا إيه؟

قالت وفاء بسرعة:
هسيبه ياماجد وفى اللحظة دى كمان..  بس انت قول آه.. الدكتور ده مجرد مرحلة فى حياتى.. مستعد امحيها بأستيكة بس إنت تبقى لية ومعايا أنا وبس.

مال ماجد ينظر إليها بسخرية قائلا:
وتفتكرى ماجد اللى عرفتيه ممكن يتجوز واحدة لمسها غيره.. انتى نسيتى تمارا؟
قالت وفاء فى غل:
مالها تمارا.. مش ماتت.. بتجيب سيرتها دلوقتى ليه؟

قال ماجد :
بجيب سيرتها عشان أفكرك إنى أنا ماجد..  و اللى خطيبتى اتلمست..  وغصب عنها مش بإرادتها زي ناس.. فسبتها وقبل أيام من جوازنا.. ما هو مش انا اللى مراتى حد يلمسها غيرى.. مراتى هتكون بريئة زي تمارا بالظبط قبل الحادثة.. مش زيك إنتى سلمتينى شرفك بسهولة وروحتى كمان عملتى علاقة مع دكتور فى الجامعة أد أبوكى.. أنا مستحيل أفكر فيكى كزوجة أبدا وده آخر كلام عندى.. مفهوم ياحلوة؟

نظرت إليه وفاء قائلة بحزن:
بقى كدة ياماجد.. ده رأيك فية؟
أشاح ماجد بنظراته عنها قائلا:
أظن انا قلت الحقيقة ومجبتش حاجة من عندى ولا افتريت عليكى؟

قالت وفاء فى مرارة:
معاك حق.. انا اللى عملت ده كله فى نفسى.. ياريتنى ما حبيتك يااخى.. ياريتنى ما شفتك أصلا.. مكنش ده بقى حالى.

رن هاتف ماجد لينظر إليه ثم ينظر إلى وفاء وهو يتجاهله قائلا ببرود:
خلاص ياوفاء خلصنا .. انتى فى طريق وأنا فى طريق واحمدى ربنا ان تمارا ماتت قبل ما تفضحك عند أهل أبوكى اللى كانوا أكيد هيقتلوكى لو عرفوا الحقيقة.

نظرت إليه وفاء بإنكسار.. ليعاود رنين الهاتف من جديد ويقول ماجد بتوتر:
أنا لازم أرد.. عن إذنك.
ثم إتجه إلى حجرة نومه وأغلق باب الحجرة خلفه مجيبا هاتفه وهو يقول بإبتسامة:
إتأخرتى علية النهاردة.

قالت ريم فى دلال:
مش أوى كدة ياماجد.. كل الموضوع نص ساعة.
قال ماجد بنعومة:
النص ساعة دى مرت كأنها يوم كامل وأنا بستنى أسمع صوتك.. انتى بالنسبة لى بقيتى حاجة كبيرة اوى ياريم.

قالت ريم بنبرة ناعمة:
بالسرعة دى لحقت تنسى تمارا وأبقى بالنسبة لك مهمة يا ماجد؟
تمدد ماجد على سريره قائلا:
انتى عارفة كويس إنى عمرى ما حبيت تمارا .. هي كانت بالنسبة لى الزوجة المثالية مش اكتر.. اللى هتقدر توفر لى العيلة اللى بحلم بيها.. لكن انتى.. .

وصمت لتقول ريم فى دلال:
انا إيه ياماجد؟
قال ماجد بنبرة ناعمة:
انتى شعاع نور دخل حياتى ونورها.. مكالماتك لية صبرتنى على صدمتى فى تمارا.. أنا مبقتش أنام ولا اصحى إلا على صوتك ياريم.. وبجد لازم نتقابل عشان أقولك حاجات كتير اوى جوايا.

قالت ريم بابتسامة:
وانا مستعدة أقابلك ياماجد.
قال ماجد:
يبقى هستناكى كمان ساعة فى بيتى.
قالت ريم بسخرية:
لأ ياحدق.. هتستنانى فى الكافيه بتاعك.. يلا .. أشوفك.. سلام.
قال ماجد بإبتسامة:
سلام ياريم.

ليغلق الهاتف قائلا فى همس:
وده اول اختبار ونجحتى فيه ياريم.. ولو نجحتى وخدتى الشهادة الكبيرة فى كل الاختبارات اللى هعملهالك.. يبقى انتى أولى من الغريب.. وأهو اللى أعرفه أحسن من اللى معرفوش ياقطة.

ليغمض عينيه باستمتاع وهو يستحضر صورتها غافلا عن أذنين سمعت حواره ليظهر بعيني صاحبتهما غلا وهي تقول بهمس حاقد:
بقى كدة ياماجد.. بتبيعنى عشان خاطر السنكوحة اللى إسمها ريم دى.. ماشى ياماجد .. أنا هوريكم.. ما هو ياتبقى لية انا وبس.. يا مش هتبقى لحد غيرى أبدا.. مش كفاية كنت مستحملة انك هتجوز تمارا وهتسيبنى.. بس تمارا كانت هابلة وكنت عارفة انك هترجعلى من تانى لكن ريم.. ريم دى طلعت مش سهلة أبدا .. بس ياأنا ياهي.. وبكرة نشوف مين اللى هيضحك فى الآخر يا ريم؟

لتلقى نظرة اخيرة على ذلك الباب المغلق فى حقد قبل ان تتسلل مغادرة فى هدوء.

توقفت تمارا عن سردها لقصتها المأساوية وهي تغمض عينيها فى ألم.. تتراءى لها تلك الليلة بكل تفاصيلها.. لتفتح عينيها على صوته الهادئ الذى تسلل إلى أذنيها قاطعا عليها ذكرياتها المريرة وهو يقول:
كملى ياتمارا.

أعادها صوته إلى أرض الواقع على الفور خاصة وقد شعرت ببعض الغضب الممزوج بنبراته لتنظر إليه وتلاحظ وجهه الشاحب وقبضتيه المضمومتين بشدة حتى تحولت مفاصل أصابعه إلى اللون الأبيض.. لتعقد حاجبيها فى حيرة.. تتساءل عن سر غضبه وذلك الحزن المرتسم بعينيه.. ترى هل تعاطف مع قصتها.. هل أحزنه ما حدث لها؟إنه غريب عنها وتعاطف معها.. فلماذا تخلى عنها من هم يحملون دمائها.. من كانوا أقرب الناس إليها..

حتى حبيبها والتى كانت تظن أنه عوض الله لها عن سنين حرمت فيهم من العطف والحنان والأمان.. تخلى عنها بدوره بل والأدهى اكتشافها لخيانته الدائمة لها .. ومع من ؟صديقتها الوحيدة وابنة خالتها وفاء.. خسارة فيها ذلك الإسم العظيم.. فهي أبعد ما تكون عن تلك الصفة الرائعة.. الوفاء والإخلاص.. كم كانت غبية لثقتها بكل من حولها.

أفاقت مرة ثانية من أفكارها التى أحاطت بها وسحبتها فى دوامتها على صوته وهو يردد إسمها قائلا:
تمارا.. كملى.

نظرت إلى عينيه قائلة فى سخرية مريرة:
هكمل بس وأقول إيه؟فقت بعدها لقيتنى فى المستشفى والكل بيتهمنى وبيرمى علية الذنب فى فضيحتهم وسيرتهم اللى هتبقى على كل لسان..

صمتت للحظة قبل ان تستطرد قائلة فى حزن:
نسيوا إنى أنا الضحية.. وإن كل ذنبى إنى رضيت اشتغل وردية إضافية عشان أأجر فستان الفرح اللى نفسى فيه.. حتى ماجد بصلى وكأنى انا المذنبة .. أنا اللى روحت معاهم برضايا مش غصب عنى.. بعدها روحت على بيتنا وابتديت أكتر أعيش دور المذنبة اللى بتشوف فى عيونهم نظرات الاتهام ليها..  نظراتهم كانت بتدبحنى..

بقيت أقعد فى أوضتى بالساعات.. لغاية ما لقيت بابا .. قصدى عمى إسماعيل جاي بيقولى ان ماجد فسخ الخطوبة.. وكان شمتان فية .. قلتله مفيش أب يعمل فية اللى انت بتعمله.. لقيته بيصدمتى صدمة كبيرة وبيقوللى انى مش بنته وانه اتجوز والدتى وأنا معاها وان كفاية علية لحد كدة.. خرجت من بيتنا وجريت على البيت اللى كنت هتجوز فيه محمود أستنجد بيه .. يلحق اللى فاضل منى.. كنت حاسة انى هتجنن.. وهناك شفته معاها وسمعتهم بودانى..

هو وبنت خالتى.. بيجيبوا فى سيرتى وسيرة عرضى وشرفى.. بيجيبوا فى سيرتى وهما على السرير.. فى اوضة النوم اللى المفروض كانت هتبقى بتاعتى.. كان نفسى أصرخ فيهم وأقولهم إنى أشرف منهم بس ساعتها كنت مت من جوة.. وخلاص مبقاش فارق الكلام.. خرجت ناوية أموت نفسى.. أرمى روحى من فوق الكوبرى.. لكن قضا ربنا كان أسرع وعملت الحادثة.. وفقت النهاردة زي ما انت شايف.

اتسعت عينيها عندما لاحظت تلك الدموع فى عينيه قبل ان يشيح بوجهه وهو ينهض مانحا إياها ظهره ومتجها إلى تلك النافذة الوحيدة بالحجرة.. ليقف هناك للحظات..

مدت يدها تمسح دموعها التى تسللت إلى وجنتها لتلاحظ بعض التغير بوجهها.. قالت فى صدمة:
ماله وشى حاساه متغير؟

إلتفت إليها ريان وقد تمالك نفسه قائلا فى هدوء:
لما عملتى الحادثة وشك اتشوه خالص من الإزاز ..
قاطعته وقد اتسعت عيناها فى صدمة قائلة:
يعنى انا دلوقتى مشوهة؟؟

هز رأسه نفيا قائلا :
لأ.. عملنالك عملية تجميل بأحدث الأجهزة.. وشك زي الفل والعملية ناجحة جدا ومش هيبقالها أى أثر مع الوقت..
أغمضت عينيها بألم ثم فتحتهما قائلة بعصبية:
مراية.. عايزة مراية.

نظر إليها فى تردد قائلا:
تمارا إهدى.. .
قاطعته قائلة فى حدة:
مراية.. قلت عايزة مراية.

تأملها للحظة مترددا قبل أن يحسم رأيه وهو يتجه إلى ذلك الدولاب فى ركن الحجرة ويفتحه.. آخذا منه مرآة صغيرة ليعود إليها ويمنحها إياها فى هدوء.

أمسكتها تمارا بيد مرتجفة ورفعتها أمام وجهها لتعقد حاجبيها بشدة .. رفعت يدها وتلمست بشرتها لتتسع عيناها بصدمة .. فما تراه أمامها ليس ابدا بوجهها ولا ملامحها .. هي ملامح لفتاة جميلة فعلا .. بجانب وجهها علامتان بسيطتان وغير واضحتان ولكنها ليست هي بالمرة.. كادت ان تصرخ.. لتجد يده التى وضعت على فمها بسرعة قائلا:
قبل ما تصرخى .. اهدى وإسمعينى وصدقينى اللى انتى عايزاه هعملهولك.. وأوعدك إنى هنفذ كل اللى تطلبيه.. بس إسمعى كلامى الأول.. إتفقنا.

شئ ما فى نظراته.. وربما فى نبراته الراجية.. جعلها تنصاع لرغبته رغم اشمئزازها الفورى من لمسته كرجل لفمها والذى لاحظها هو ليبعد يده عن فمها على الفور،لتهز هي رأسها فى هدوء قائلة بحزم:
اتكلم.

رغما عنه شعر بقشعريرة فى جسده كله وهي تنظر إليه وتتحدث بجدية لتتمثل أمامه غزل حبيبته.. ليشيح بنظراته عنها على الفور وهو يقترب من الكرسي بجوار سريرها.. يجلس عليه وينظر إلى عينيها مباشرة وقد حسم رأيه.. سيحكى لها حكايته بكل صراحة وسيخبرها بكل ما لديه ولتفعل بعدها ما تريد.. فقد أخطأ حين حولها لغزل حبيبته المتوفاة والمخطئ لابد وأن يدفع ثمن خطأه حتى ولو كان ذلك الثمن .. ..  غاليا.

الفصل التالي
جميع الفصول
الآراء والتعليقات على الرواية