قصص و روايات - روايات عالمية :

رواية المجهول الفصل الثالث بعنوان لا تعرف خطوتها التالي

رواية المجهول للكاتبة ايفون ويتال

رواية المجهول الفصل الثالث لا تعرف خطوتها التالية

في نفس الليلة، توجهت جيسيكا بعد العشاء لتعود الى العمة ماريا في المستشفى
كانت العجوز ممددة في الفراش مسندة رأسها إلى عدد من الوسادات الصغيرة، تنتظر السماح لزوجها بزيارتها
رفعت رأسها مبتسمة لجيسيكا و هي تدخل الغرفة
ماريا:أهلاً بحلوتي الصغيرة. ما اسمك الأول يا دكتورة نيل؟

جيسيكا: جيسيكا
ماريا:حسنا، اسمعيني يا جيسيكا زال الألم الآن، و أشعر بتحسن ملموس، فهل بإمكاني العودة إلى المنزل لأبقى مع أوم هايني؟
جيسيكا: لن نبحث هذا الموضوع في الوقت الحاضر، فزوال الألم مرده إلى الدواء الذي وصفته لك وغداً سنقوم بتصويرك على الأشعة
همهمت العمة العجوز بسخط
ماريا:أعلم ألاعيبكم أيها الأطباء، ما ان تضعوا أيديكم على مريض مسكين مثلي حتى تدخلوه المستشفى، فلا يخرج إلا و قد عملت مباضعكم في في جسمه
وضعت جيسيكا أصبعها على معصم المريضة تتفحص نبضها مبتسمة.

جيسيكا: لن نجري أية عملية جراحية ما لم تكن لصالحك
ماريا: أعلم ذلك يا صغيرتي، و ان كنت دائمة التذمر فلأني قلقة على زوجي العجوز. لقد اشتقت إليه
جيسيكا: و أنا متأكدة من شوقه إليك أيضاً... أعدك بأن الأمر لن يطول
فتح الباب فجأة و أطل دان ترافورد بطلته البهية، فهتفت العجوز بحبور
ماريا: ها هو الدكتور ترافورد الطيب (و نظرت إلى جيسيكا مضيفة) أليس جذاباً؟
أجابت جيسيكا متلعثمة: لا... لا أدري.

علا صوت الدكتور ترافورد بنبرته التهكمية المعهودة و هو يتجه إلى حافة السرير المواجهة لجيسيكا
دان: ما الذي لا تدرينه يا دكتورة نيل؟
سبقت جيسيكا العجوز إلى الاجابة: كنا نناقش أموراً خاصة يا دكتور ترافورد
هتف دان موزعاً نظراته الساخرة بين جيسيكا و العجوز قائلا:
آه، بات لديكما ما تخفيانه عن الآخرين و لم يمض على تعارفكما يوم واحد. ستخبرينني كل شيء عندما تغادر الدكتورة نيل الغرفة، أليس كذلك يا سيدة دلبورت؟

ردت العجوز بلهجة حازمة خفف من حدتها بريق ضاحك في عينيها:
لن أخبرك شيئاً أيها الداهية
تصنع دان الكآبة و أمسك بيد العمة ماريا معاتباً:
أبهذه اللهجة تلكمني فتاتي المفضلة؟
ضحكت العمة بمكر:
من حظك أني لا أصفعك أحياناً
دان: إنك تهينني يا عمتي العزيزة
ماريا: لم أعهدك حساساً إلى هذا الحد يا دان ترافورد. حان لك أن تقلع عن طيشك و تجد لنفسك فتاة طيبة تشاركك مستقبلك
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ماكرة
دان: جدي لي فتاة طيبة مثلك يا عمة ماريا و سأتزوجها في الحال
ماريا: لست بحاجة لمساعدة أحد، استعمل عينيك و عقلك إيجاد الفتاة المناسبة. و لكنك لن تفلح في ذلك ما دمت دائماً هائماً على وجهك في الاتجاه الخاطئ
أدركت جيسيكا ما تعنيه العجوز بكلامها و تذكرت ما قالته فيفيان عن علاقة دان
أطلق الدكتور ترافورد ضحكة قصيرة و أجاب: لعلني راض بالطريق الذي اخترته.

لم تجد العجوز فائدة من متابعة الكلام، فقالت مشفقة: أذن، إني أرثي لحالك يا عزيزي
هز دان رأسه بتململ و تطلع في عيني العجوز قائلاً: لا أدري لماذا أسمح لك بالتحدث إلي بهذه الطريقة
ماريا: لأني عجوز كفاية لتعتبرني كوالدتك، عدا عن أني معجبة بك بالرغم من سوء أخلاقك
قاطعتهما جيسيكا مودعة من غير أن تلتفت إلى دان: سأراك غداً يا سيدة دلبورت
رفع دان ذراعه قاطعاً عليها طريق الخروج وقال: دقيقة واحدة يا دكتورة نيل
ترافق دان و جيسيكا في الرواق الطويل الفاصل بين الغرف و قبل وصولهما إلى المصعد، التفت إليها دان قائلاً: يقدمون قهوة لذيذة في هذا المطعم
جيسيكا: فكرة جيدة، لكن الوقت متأخر و أفضل العودة إلى المنزل
لمعت عينا دان ببريق شيطاني غريب بعث الرعب في قلبهاوقال: فكرة أخرى جيدة، فأنا واثق من أن قهوتك أفضل من هنا.

ردت جيسيكا بحدة: لا تفسر كلامي على أنه دعوة
دان: لا بل إنها ألطف دعوة (و أفسح لها المجال للخروج من المصعد متابعاً) لقد دعوت نفسي
توقفت جيسيكا عن السير و التفتت إليه بانفعال وقالت: إن كنت تظن أني...
قاطعها دان بهدوء: سأتبعك بسيارتي و لا تسرعي، فالقانون صارم في لويزفيل.

لم يكن بوسعها أن ترفض عرضه هذه المرة، فقد آن الأوان لترد له التحدي، و تشعره بقدرتها على مقاومة هزئه و سخريته. ستثبت له أنها لا تهابه و تريه مدى ثقتها بنفسها. جلست خلف مقود سيارتها تراقبه يستقل سيارته الحمراء... ثم أدارت المحرك تتساءل إلى أين سيؤدي بها الأمرهذه المرة، إن حاول هذا الطبيب الوقح تمضية بعض الوقت معها للتسلية مستغلاً سفر صديقته إلى بريتوريا، فسيلقى من الرفض و الصد ما يلقنه درساً لن يغرب عن باله أبداً. لن تدع علاقتها به تتعدى حدود المشاركة المهنية. لحق بها في الطريق المؤدي إلى منزلها، و بقي خلفها إلى أن فتحت الباب و أضاءت غرفة الاستقبال.

أصبح المكان جميلا للغاية (و تبعها إلى المطبخ مضيفاً)

دان: هل تعلمين أن بيتر استعمله كعيادة في بداية عمله في لويزفيل؟
وضعت جيسيكا غلاية القهوة على النار بيدين مرتجفتين
جيسيكا: أخبرتني فيفيان ذلك
علق دان بلهجة تقارب السخرية: فيفيان. إنها غير راضية عني أبداً
جوليا: لا شك أنك تعرف السبب
دان: و أنت، هل تعرفينه؟

فوجئت بسؤاله و احتارت بماذا تجيب. لقد أوقعت نفسها في مأزق حرج بسبب صراحتها، فتعمدت تغيير الحديث لإنقاذ نفسها
جوليا: كيف تحب القهوة؟
دان: من غير سكر... (و اقترب منها و هي تسكب الماء في الفنجان حتى كاد يلامسها) لم تجيبي على سؤالي
جيسيكا: حياتك الشخصية لا تهمني يا دكتور ترافورد
ارتاحت أنامله على كتفيها تزحف ببطء إلى رقبتها مثيرة في جسمها شحنات كهربائية جعلتها ترتعش كعصفور في خضم العاصفة
دان: و لم لا يا جيسيكا؟

تلفظ باسمها بسهولة و من غير تكلف هذه المرة، و احست بنبرته تحضنها بدفء و نعومة، لكنها ليست على استعداد للاستسلام أو للانجراف مع تيار جاذبيته أبداً. فاستدرات تقدم له فنجان القهوة و التقت عيناها الضائعتان بعينيه تسألانه الرحيل
جيسيكا:أرجوك يا دكتور ترافورد، اشرب قهوتك و ارحل
بغطرسة مزعجة كانت تتوقعها منه، سألها دان: لماذا؟

جيسيكا: لأني تعبة و أريد أن آوي إلى الفراش
جلس دان إلى الطاولة يرشف قهوته ببرود قاتلة و كأنه قرر تمضية ليلته هنا
دان: هذا ما سأفعله أيضاً، هل لديك جواب حاذق هذه المرة؟
جيسيكا: تعليقك لا يستحق جواباً
و ما كادت تجلس إلى الطاولة قبالته حتى علا رنين الهاتف ينقذها من ارتباكها، فهرعت إلى غرفة الجلوس لتعود بعد ثوان معلنة: المكالمة لك
و وقفت قرب باب المطبخ غير قادرة على لجم فضولها، تسترق السمع إلى ما يقوله دان
أجل... أجل... ادخلوه غرفة العمليات حالاً و سأوافيكم بأسرع ما يمكن
أعاد دان السماعة إلى مكانها و رجع إلى المطبخ.

دان: لقد بلع أحدهم غظمة دجاجة فعلقت في وسط القصبة الهوائية. هل تودين مرافقتي؟ انها فرصة لتطلعي على اجراءات الطوارئ في المستشفى
في دقائق زالت الصورة التي كونتها جيسيكا في مخيلتها، حتى الآن، عنه لتحل محلها صورة الطبيب الجاد و المخلص لمهنته، و احتارت كيف تفسر هذه الازدواجية في الشخصية و سرعته في التكيف مع الطروف، فأومأت برأسها موافقة و تناولت مفاتيح سيارتها و تبعته بهدوء إلى الخارج.

بعد قليل كانت جيسيكا تقف في غرفة العمليات تراقبه باعجاب يعمل بتأن و مهارة على سحب العظمة الصغيرة. نجاحه كطبيب جراح استحوذ على احترام معارفه و اعجباهم، فتغاضى معظمهم عن عيوبه الأخلاقية.
بقي دان في المستشفى تحسباً لما قد يطرأ على صحة مريضه، بينما طلب من جيسيكا العودة إلى المنزل، فأطاعته من غير اعتراض، تريد وضع حد لهذا اليوم الطويل و المليء بالمشاكل و المفاجآت.
علقت جيسيكا صورة الأشعة أمام الشاشة المضاءة أمامها، و تراجعت قليلاً تتفحصها بهدوء بدا واضحا أن شيئاً ما يسد القناة الصفراوية و يوشك أن يهدد المثانة نفسها. وضعت يديها في جيبي سترتها البيضاء تحدق في الصور مستعيدة قول العمة ماريا لها.

(ما ان تضعوا أيديكم على مريض مسكين مثلي حتى تدخلوه المستشفى فلا يخرج إلا وقد عملت مباضعكم في جسمه))
ارتسمت على محياها امارات الغم، فالحالة تتطلب عملية سريعة و العجوز الطيبة كانت مصيبة في حدسها
أفاقت جيسيكا من شرودها شبه مذعورة على صوت دان ترافورد هاتفاً خلفها مباشرة.

دان: مساء الخير
ليست المرة الأولى التي يتسلل فيها إلى مكان تواجدها و يفاجئها بهذه الطريقة
كادت تصرخ بوجهه عله يقلع عن هذه العادة الوقحة، لكنه كان مشغولاً بالنظر إلى صورة الأشعة فلم يول انفعالها أي اهتمام
دان: هل هذه صور العمة ماريا؟
أومأت جيسيكا برأسها متمتمة:أجل
دان: أريد أن أهنئك على دقتك في التشخيص
لم تحمل عباراته أية تهنئة بل نغمة من هزئه البغيض، لكنها تغاضت عن قصده و قالت ببرودة: شكراً يا دكتور ترافورد
دان: هل تريدينني ان أجري العملية؟
جيسيكا: إني واثقة من قدرتي على اجرائها. و إن كنت تشك في قدرتي فلا أمانع في أن تعاونني.

دان: و لا مانع عندي أيضاً. متى ستطلعينها على الأمر؟
أطفأت جيسيكا ضوء الشاشة و أعادت الصور إلى مكانها
جيسيكا: سأعود الآن و أخبرها عن موعد العملية مع علمي أن الأمر لن يروقها
إنها تثرثر كثيراً، لكنها امرأة حساسة جدا و عاطفية أكثر من اللازم
دان: لاحظت ذلك، لكن لا مناص من إجراء العملية بسبب خطورة انسداد المثانة. أليس كذلك؟
بكل تأكيد. لا تنسي أن تطلعيني على المستجدات
جيسيكا: سأفعل ذلك

بعد دقائق كانت جيسيكا تقف قرب العمة ماريا تطلعها على قرارها بإجراء العملية و موضحة لها أهميتها و مخاطر تأجيلها، فلم تبد العجوز تأييداً للفكرة لكنها، و كما توقع دان علقت مجبرة على أمرها.

ماريا: إن كان لابد من اجراء العملية يا صغيرتي، فمن البلاهة أن اعترض. و لكن أريد أن أعرف... موعد اجرائها
جيسيكا: في أسرع وقت ممكن. ربما غداً إذا أفلحت في حجز غرفة العمليات
ماريا:موافقة، فأسراعنا في اجرائها يعني الاسراع في عودتي إلى المنزل. أليس كذلك يا صغيرتي؟
لم تجب جيسيكا مستلمة لسكوت ثقيل ترك بصماته في أنحاء الغرفة، و محدقة في باقة الزهر قرب سرير العجوز
أوضحت العمة مبتسمة: جلبتها أوليفيا هذا الصباح
جيسيكا: أوليفيا كينغ؟

أومأت العجوز إيجاباً و أغمضت عينيها تستعيد صفحة من الماضي القريب وقالت:
إنها امرأة رائعة. لم تشهد هذه المدينة يوماً زاهياً كيوم زفاف أوليفيا و برنارد كينغ
جيسيكا: أكان احتفالاً كبيراً؟
شبكت العجوز يديها فوق صدرها هاتفة:
يا صغيرتي. في ذلك اليوم بلغ عدد المدعوين المئات حتى ضافت بهم قاعة البلدية. و ساعة الزفاف فاق عدد الذين في الخارج الموجودين في القاعة. دمعت عيون الجميع حين دخلت أوليفيا القاعة متأبطة ذراع بيتر أوبريان.

أرادت جيسيكا أن تصرف العمة ماريا عن التفكير بالعملية الجراحية،فسألتها متعمدة الاهتمام:
يبدو أنك تكنين محبة خاصة لأوليفيا
ماريا: علاقتي بها تعود إلى ما قبل زواجها من برنارد. كانت تملك مكتبة و تقطن في شقة فوقها. لكن الأمور تبدلت اليوم و أصبحت الشقة جزء من المكتبة. مضى على معرفتي بها ثلاث سنوات و كأنها البارحة، فأنا ما زلت أذكر اليوم الذي وصلت فيه أوليفيا إلى لويزفيل، بقامتها النحيلة و نظرتها الضائعة.

جيسيكا: لقد طلبت مني الاشراف على ولادتها
ماريا: أخبرتني بذلك، عندما رأيتك للمرة الأولى ذكرتني بها. فأنتما تتشابهان قامة و نحافة
جيسيكا: و هل هناك أفضل من الجسم النحيف يا عمتي؟
غشت مسحة من القلق وجه العجوز و تمتمت بتأفف: حتى الأطباء أحياناً يهملون الاهتمام بصحتهم. لماذا لم تتزوجي حتى الآن يا جيسيكا؟
جيسيكا: لم أجد الوقت الكافي للتفكير بالزواج
ماريا: عذر أقبح من ذنب. الوقت متوافر دائماً للتفكير بالزواج
جيسيكا: هذا صحيح، شرط وجود الشخص المناسب
ماريا: و ما أدراك أنك لم تجديه؟

جيسيكا: أعتقد أني سأعلم بذلك فور حصوله
ماريا: هنا يكمن خطؤك يا حلوتي. أحيانا تلتقين رجلاً ما و تعتقدين أنه لا يناسبك أبداً، لكن عندما تزداد معرفتك به تكتشفين أنه في النهاية رجل أحلامك
بدأ النقاش يغوص في أمور شخصية لا تحبذ جيسيكا الخوض فيها الآن، و ذكرها كلام العجوز بوالدتها يوم كانت تكلمها عن الزواج و الرجال، فقالت جيسيكا بتململ:
سأختار الزوج الذي يشاركني الميول و الاهواء نفسها
ماريا: أتعنين شخصاً مثل دان ترافورد؟
انتفضت جيسيكا كمن لسعته أفعى
جيسيكا: أرجو أن لا يكون مثله أبداً.

دافعت العجوز عن دان قائلة:
سيكون زوجاً صالحاً ان صادف الفتاة المناسبة
جيسيكا: لا أظن أنني هذه الفتاة المناسبة. و الآن اقترح أن تخلدي للراحة قبل أن يحين موعد زيارة أوم هايني
للمرة الأولى منذ سنوات أحست جيسيكا بتورد وجنتيها و هي في طريقها إلى الخارج. فنظرات رفاق العمة ماريا من المرضى تابعتها حتى الباب و كأنهم سمعوا كل ما دار بينها و بين مريضتها العجوز. أيعقل أن يصبح دان ترافورد زوجاً مثالياً؟ أبداً. و ضحكت في سرها مستعيدة عبارات العمة عنه
كيف يكون رجل بمثل سمعته زوجاً صالحاً و هل يتخلى عن مطاردة النساء و هو الذي يعتبر العلاقة بين الرجل و المرأة مقصورة على الهوى العابر؟ انها متأكدة من أنها ستتفق مع سمكري أكثر من اتفاقها مع هذا الطبيب المستهتر.

لم تسنح الفرصة لجيسيكا في فترة ما بعد الظهر للتفكير أكثر بحديثها مع العمة ماريا. لكنها ما ان عادت إلى منزلها تلك الليلة، حتى عادت كلمات العجوز عن دان ترافورد تضج في رأسها بالرغم من أن العملية الجراحية التي ستجريها للعمة في الصباح الباكر تشغل حيزاً كبيراً من بالها. سيعاونها دان غداً و هي على يقين من أنه لن يتوانى عن انتقادها كلما سنحت له الفرصة لذلك.

كانت جيسيكا صائبة في مخاوفها من معاونة دان لها، فما ان التقت عيونهما في غرفة العمليات حتى أحست بالارتباك. نظراته الباردة تحمل السخرية و الاستخفاف. وقف قبالتها حول جسم العمة ماريا، بقناعه الأبيض،فحاولت جيسيكا قدر المستطاع تجاهل وجوده معها، لكنه ليس من الذين يسهل تجنبهم. شعرت و كأنها ما زالت طالبة في معهد الطب، و تقوم باجراء العملية الأولى تحت مراقبة استاذها، فزال الشعور بالثقة الذي خالجها قبلاً و اغمضت عينيها علها تستعيد ثباتها و لم تتحرك إلا لدى سماعها صوت المضابع و عربة آلة ضغط الدم.

استعادت بعضاً من الراحة فور تناولها المبضع من يد الممرضة و بدئها العملية. لم تعد تهتم لوجوده معها، و لا تبالي بنظراته المسلطة على يدها. همها أن تتم العملية بنجاح، و تثبت له أنها لا تقل كفاءة عنه كطبيبة
خرج الاثنان من غرفة العمليات و توجها معاً إلى الكافتيريا لتناول فنجان من الشاي
دان: كانت عملية ناجحة جداً يا دكتورة نيل.

نظرت إليه تدقق في بريق عينيه. لم يهزأ منها هذه المرة بل بدا جاداً و عفوياً، لكن رصانته لم تدم طويلاً بل أردف بشيء من التهكم القاتل:
و لا يسعني سوى أن أنوه بتفوق الطبيبات على الأطباء في عملية التقطيب. فالعملية لا تتعدى الخياطة العادية بالنسبة اليهن
لم تستسلم لهزئه البارد و قررت المجابهة:
أهذه طريقتك للتعبير عن عدم رضاك؟
رفع دان حاجبيه يخفي ابتسامة أوشكت أن تفضح حقيقة قصده
دان: لا يمكننا تجاهل بعض النقاط الجيدة، أليس كذلك؟

ابتسمت جيسيكا بلؤم وقالت:
شكراً يا دكتور ترافورد على هذا التشجيع اللطيف
دان: ما أريد قوله يا دكتوره نيل أن هناك فارقاً بين الطبيب و الطبيبة في اجراء العملية فالطبيب يتجاهل من يكون المريض الممد في غرفة العمليات أما بالنسبة للطبيبة فالحالة تختلف تماماً. هذا لا يعني أن المرأة فشلت في أن تكون طبيبة أو جراحة ناجحة، لكنها من غير أن تشعر تقحم عاطفتها في عملها مما يؤثر على تشخيصها و أحياناً كثيرة على نتيجة الجراحة

جيسيكا: أتعتقد ذلك؟
دان: بل أعرفه تمام المعرفة. كنت تتألمين و أنت تعملين مبضعك في جسم العمة ماريا
جيسيكا: كلامك عن المرأة في حقل الطب غير صحيح، لكني أعترف بكراهيتي للجوء إلى المبضع عند انتفاء الضرورة الملحة. عرفت حالات كثيرة فقد أصحابها أجزاء من أجسامهم إرضاء لنزوات مبضع الجراح
دان: لن أخوض في هذا الموضوع الآن، ما يهمني هو قدراتك كطبيبة جراحة فقط
جيسيكا: اعتقد أنك ستلقي علي محاضرة حول كيفية اجراء عملية جراحية، أليس كذلك؟
دان: كلا فلا مأخذ على مهارتك الفنية في اجرائها

ابتسمت جيسيكا ببرودة تحاول اخفاء نبرة الحنق في صوتها: حقاً؟
دان: حالتك العاطفية اثناء اجراء العملية هي التي تقلقني
جيسسكا: أظن اننا ندور في حلقة مفرغة تصرفاتي خلال العملية عاطفية جداً أهذا ماتود قوله؟
دان:تماماً
وقفت جيسيكا معلنة انتهاء المحادثة ورمقته بنظرة ثاقبة وقالت:
لاأوافقك الرأي يادكتور ترافورد فأنا في النهاية امرأة ولا اعتقد انه بمقدوري تغيير ذلك
دان:هذا مالن أسألك فعله أبداً فأنا معجب بانوثتك يادكتورة نيل.

فعلت فيها نعومة عبارته فعلها السحري وأحست بقشعريرة لذيذة تسري في جسمها فتبعث فيه الفرح وتزرع في انحائه شعوراً اخاذاً لم تحسه منذ زمن. التفتت اليه بعد تردد وليتها لم تفعل فالبريق الغريب لم يهجرعينيه الرماديتين ابداً انهما عينا دان ترافورد الرجل الخبير بالنساء وكيفية اشعال النار في اجسامهن ولابد انه يدرك كل الادراك ماتفعله الآن كلماته فيها.

قالت جيسيكا بصوت خافت يزرح تحت ثقل انفعالها:
سألقي نظرة أخيرة على العمة ماريا قبل ان اطمئن أوم هايني
دان: أتضايقك نظرتي اليك كامرأة بدلاً من طبيبة ياجيسيكا؟
أذكت نبرته النار في وجنتيها من جديد
جيسيكا: لاابداً يادكتور ترافورد فهذا من شأنه ان يسعد والدتي عندما تعلم ان ابنتها لم تفقد كل انوثتها بالرغم من اختيارها الطب مهنة لها
مد دان يده بخفة تاركاً انامله تطوق معصمها قبل ان تتمكن من التحرك
دان: امنحيني فرصة لأثبت لك بأي قدر من الأنوثة تتمتعين
تخلصت جيسيكا من قبضته وتراجعت بضع خطوات محاولة اخفاء اضطرابها المتزايد واجابت بهدوء شبه مصطنع:
لاأشك في لحظة في قدراتك لكني لست راغبة في اكتشاف ذلك.

توجهت الى جناح العمة بوجه عابس يزرح تحت تأثير جلستها مع دان لن تكون ابداً المرأة التي ستلعب ذلك الدور في حياة هذا الطبيب المخادع
كانت واثقة من قدرتها التامة على كبت مشاعرها والتحكم بعواطفها لكن هذه المرة وبطريقة لم تعهدها من قبل تمكن دان من اضعاف هذه القدرة لديها ستلزم جانب الحذر منه في المستقبل وتتجنب قدر استطاعتها الاختلاط به بالرغم من استحالة هذا الأمرلاضطرارها للعمل الى جانبه
في بداية اسبوعها الثاني في لويزفيل جلست جيسيكا في عيادتها تتأهب لاستقبال مرضاها حين دخل عليها جايمس بوشوف حاملاً قبعته المعهودة بيديه الخشنتين.نجحت جيسيكا في منع نفسها من الابتسام وقالت مرحبة:

أهلاً ياسيد بوشوف أظنك تود رؤية الدكتور اوبريان او ترافورد
أجاب المزارع بصوت خافت:
آه...جئت لأخبرك ان الدواء الذي وصفته لي كان ناجعاً جداً ولم أعد أكثر من التدخين كالسابق
جيسيكا: يسرني سماع هذا ياسيد بوشوف
سكت المزارع للحظات ثم قال:
السيدة دلبورت تتحدث عنك باستمرار وعن معاملتك الرائعة لها.لقد طرأ تحسن كبير على صحتها
ادركت جيسيكا ان العجوز تقوم بحملة دعائية لها في لويزفيل
جيسيكا: انها سيدة ممتازة
المزارع: هل تريدين معاينتي الآن؟
ضحكت جيسيكا في سرها لما لاحظته من تبدل في تصرفات هذا المزارع الفظ
لم تدم المعاينة طويلاً نزعت جيسيكا السماعة الطبية ووضعتها على الطاولة.

فسألها جايمس بوشوف مستوضحاً:
ألست أفضل حالاً من المرة السابقة؟
جيسيكا: نعم هناك تحسن في صحتك لكن عليك ان تثابر على الدواء بصورة منتظمة ولاتنس ان تقلل من التدخين الى ادنى حد
المزارع: شكرا يادكتورة هل اعود للمعاينة مرة اخرى؟
جيسيكا: اذا لم يطرأ تحسن على حالتك والا فلاحاجة لذلك
المزارع: حسناً الى اللقاء
اغلقت جيسيكا الباب خلفه وعادت الى مكتبها تعيد توضيب الملفات المتناثرة هنا وهناك
دان: يبدو ان المزارع المعتوة لقي صعوبة في الابتعاد عن لمساتك الحنونة.

التفتت جيسيكا ناحية مصدر الصوت لتفاجأ بدان وقد اصبح في وسط الغرفة يتقدم منها بعضلاته المفتولة وقامته التي تطفح رجولة وجاذبية من تحت ردائه الأبيض . وجوده في مكتبها يربكها فنظرتها اليه تتغير يوماً بعد يوم...لم تعد نظرة تحد بل نظرة ضعف واضطراب امام هاتين العينين المسلطتين عليها ببريقهما التهكمي الوقح
جيسيكا: اظن ان السيد بوشوف اكتشف في النهاية اني لست طبيبة فاشلة.

دان: لوكنت جايمس لما كانت مهارتك الطبية السبب الوحيد لعودتي
نهضت جيسيكا عن مقعدها مجيبة بنبرة حادة:
لقد حان موعد عودتي الى المنزل
تراجع دان نحو الباب معترضاً طريقها وقال:
ليس بهذه السرعة فقد تلقينا مخابرة عن اصابة احد العمال في مزرعة مجاورة وارتأى بيتر ان ننتقل معاً الى هناك لتعذر نقل المريض المصاب في عموده الفقري انها فرصة لك لتتعرفي على المزارع

تبخر حلمها بقضاء ليلة هانئة في منزلها فخلعت ثوبها الأبيض وتناولت الحقيبة الطبية
جيسيكا: حسناًهلا ذهبنا يادكتور ترافورد؟
دان: سنذهب في سيارتي
بعد فترة قصيرة كانت سيارة دان تشق طريقها بين غابات كثيفة من القصب تلقي بظلالها على الممر الرملي الضيق جلست صامتة ترقب غروب الشمس وتنصت الى شرح دان عن المزارع وحالة مالكيها والعمال فيها.

يعتبر برنارد كينغ شقيق فيفيان من أغنى المزارعين في هذه المنطقة وتقع مزرعته الى الشمال من لويزفيل غناه يفوق كل تصور حتى الناس يلقبونه هنا بملك القطعان
لم تنبس جيسيكا ببنت شفة كانت تفكر في فيفيان وأوليفيا وكم هما محظوظتان في وقوعهما على شخصين مثل برنارد وبيتر .سلكت السيارة طريقاً جانبية وعرة انتهت الى فسحة رملية امام مزرعة صغيرة تجمهر في ساحتها جمع من العمال تقدم أحدهم من السيارة فور توقفها وأخبرهما ان احد العمال سقط عن سطح الاسطبل اثناء نقلة أكياس العلف.

سارع دان الى اجراء الاسعافات الاولية قبل حلول الظلام تعاونه جيسيكا والتفت اليها قائلاً:
انا بحاجة الى الاسعاف اتصلي بالمستشفى وأعلميهم بحالة المصاب
اجرت جيسيكا المكالمة من منزل صاحب المزرعة...اصابة العامل بالغة لكنها لن تعرف مدى خطورتها الا بعد اخذ صور الأشعة له
تشخيصها الفوري اظهر ان الصدمة أثرت على عاموده الفقري وربما أتلفت احد الاعصاب الاساسية فيه.

عندما عادت الى قرب دان ادركت من نظرته الى العامل انه يشاطرها رأيها في حالته الصحية فجلست قربه تهدئ من روع الرجل الطريح ريثما تصل النجدة
بدأ الظلام يرخي ستاره على المكان عندما وصلت سيارة الاسعاف خارقة السكون المخيم على المزرعة بدوي منبهها مطلقة اشارات ضوئية متلاحقة فتفرق العمال مفسحين في المجال للمسعفين لنقل المصاب الى داخل السيارة بينما أعاد دان الآلات الطبية الى حقيبته.

دان: هل بامكانك قيادة السيارة فسأضطر لمرافقة العامل في سيارة الاسعاف؟
جيسيكا: أظن ذلك
ناولها دان علاّقة مفاتيحه وقال:
سألقاك في المستشفى اذن
صعد الى داخل سيارة الاسعاف ووقفت جيسيكا برهة ترقب غياب اضواء السيارة المسرعة عن ناظريها ثم استقلت سيارة دان متوجهة الى المستشفى
اوقفت السيارة في الموقف المخصص للأطباء واتجهت بسرعة الى غرفة الطوارئ حيث التقت دان فبادرته مستفهمة:
كيف حاله؟
مرر دان يده على شعره الداكن مطلقاً زفرة طويلة:
إنه في غرفة الأشعة
جيسيكا: ما رأيك في الاصابة؟

دان: لا أريد أن أتسرع في إعطاء الرأي لكني اعتقد أنه مع قليل من الحظ و الرعاية سيستعيد عافيته في وقت قريب
جيسيكا: من حظه أنهم لم يعملوا على نقله قبل وصولنا
دان: ستتأخر نتيجة الأشعة بعض الوقت، هل تشاركينني فنجاناً من القهوة؟
جيسيكا: سأقبل دعوتك هذه المرة
أمسك دان بيدها معلقاً بسخرية:
كنت متأكداً من موافقتك.

سارت إلى جانبه غير واثقة من صواب عملها، فهي لا تعلم شيئاً عن خطوتها التالية و كأنها تسير في المجهول. جل ما تدركه هو الخطر المحدق بها و هي تشهد الوهن يدب في قدرتها على التحكم بعواطفها و شعورها نحو هذا الرجل الغريب السائر بقربها.

الفصل التالي
جميع الفصول
الآراء والتعليقات على الرواية