قصص و روايات - قصص رائعة :

رواية الطاووس الأبيض الجزء الثاني للكاتبة منال سالم الفصل التاسع والعشرون

رواية الطاووس الأبيض الجزء الثاني بقلم منال سالم

رواية الطاووس الأبيض الجزء الثاني للكاتبة منال سالم الفصل التاسع والعشرون

كان من العسير عليه، أن يستوعب فكرة التخلص من أحد أهم رجــال منطقتهم الشعبية، ممن يملكون الصيت القوي، والسلطة غير المحدودة، ناهيك عن سيرة واسعة النطاق، بين أوساط رجال السوق، والتجار الثقال. ظل "نوح" باقيًا على حالته المندهشة، محدقًا في وجه "محرز" بنظراته المصدومة، لعق شفتيه، وسأله مجددًا، ليتأكد من كونه لا يهزئ، وأن مفعول المخدر لم يعبث برأسه حقًا:
-إنت بتكلم عن المعلم "تميم" بتاعنا؟ مش حد تاني؟ ولا ده المدعوق اللي بأشربه؟

أجابه ببرود، وهو يحرر دفعة أخرى من الدخان من صدره:
-أيوه هو!
دعك وجهه بيده المتعرقة، وصاح متسائلاً في توترٍ:
-طب ليه؟ وعشان إيه؟
استوى على المقعد الهابط، واسترخى أكثر عليه، قبل أن يجيبه بغموضٍ، وبلهجةٍ شبه آمرة:
-من غير ما تسأل، وتوجع دماغنا، نفذ على طول
ثبت عينيه عليه، وأظهر تردده بوضوحٍ عندما أكمل:
-بس الحكاية كده ماتطمنش، طول عمر المعلم جدع معانا، وآ...

قاطعه بجمودٍ، وتعابيره القاسية بائنة للعيان:
-ساعته أزفت، كفاية عليه كده!
اعترض بنفس الخوف البائن في نبرته:
-بس آ...
تلك المرة قاطعه بحزمٍ، ليقطع عليه السبل للتراجع:
-بأقولك إيه، ماتلوكش كتير، واعتبره زي أي مصلحة بنخلصها، الفرق هناخد سبوبة زيادة.
ورغم هذا رد "نوح" بتوجسٍ مفزوع:
-ده احنا هنهيج علينا الدنيا كلها، المعلم "تميم" مش واحد عوأ والسلام، ده آ...

توقف عن الكلام ليبتلع ريقه؛ لكن "محرز" مد ذراعه ناحيته، ووكزه برفقٍ فيه، ثم غمز بطرف عينه يستحثه:
-ماتخافش، وخلي قلبك جامد، دي زي طلعات زمان.
لم يخبت خوفه، بل زاد عليه موضحًا هواجسه:
-ده أنا لازم أخاف، وأعمل حسابي مليون مرة، ده المعلم "تميم"، هو إنت بتكلمني عن واحد صايع، ولا موظف كحيان، ده ليه شنة ورنة!
سأم من خذلانه الواضح، وهدر به يوبخه:
-يخربيت المعلم زفت بتاعك ده، فلقت دماغي بيه...

ثم لانت نبرته قليلاً، حين استخف به:
-ده ولا يقدر يعمل أي حاجة، صدقني، اللي زي "تميم" ده من بتوع الصيت ولا الغنى.
تساءل "نوح" ببساطة، وقد رأى مدى بغضه له في حدقتيه:
-للدرجادي إنت بتكرهه؟!
رمقه "محرز" بتلك النظرة النافرة، قبل أن يبعد نظراته عنه، وعلق بفتورٍ:
-لا كره ولا محبة، أنا مع المصلحة مطرح ما تكون!
لم يسترح لرده، ولا للمسألة برمتها، شعر أنها ستكون بداية النهاية لمسيرتهما غير المشروعة، لفظ زفيره ببطءٍ من صدره، وهمهم بارتعابٍ معلوم أسبابه:
-استرها علينا يا رب!

تصدع غير مرئي شعرت به في علاقتها معه، رغم تلك الابتسامات المنمقة التي تغطي محياها، لتشعر من حولها أنها حقًا تهتم لأمره، أغدق عليها بكل ما تحتاج إليه الفتاة؛ من المحبة، الاهتمام، والتفاهم، ليستحوذ عليها قلبًا وقالبًا؛ لكن علاقتهما افتقرت إلى الانسجام، والتناغم. لم تجد روح "فيروزة" الضائعة نصفها المكمل في شخصه الهادئ...،

بدا بأسلوبه المنظم والدقيق غريبًا عنها، وإن كان يسعى بشتى الطرق ليشعرها بقربه، وتواجده في محيط حياتها، بذلت جهدًا مضاعفًا لتجبر عقلها، وقلبها –معًا- على فكرة تقبله، وكان ذلك من الأمور المستعصية عليها، مذكرة نفسها أنه لم يفعل ما يسئ لها مطلقًا، دومًا يعاملها بلباقةٍ وتهذيب، يمنحها معطيات السرور الأولية، لهذا بعقلانية رجحت كفة الميزان المنطقية، واستمرت في مسعاها لإتمام زيجتهما.

زيارة شبه يومية كان يقوم بها، ليحرص على إنجاز ما تم الاتفاق عليه أولاً بأول، وفي مرته تلك، جلس منفردًا بها في غرفة الصالون بمنزلها، إحساسًا من الرهبة اتخذ طريقه إليها، وتسلل أسفل جلدها، بعد أن منحها مظروفًا مغلفًا يحوي الأوراق التي تخص سفرها، رفعت أنظارها لتتطلع إليه، وهو يوضح لها بابتسامته الثابتة:
-كل حاجة مترتبة يا "فيروزة"، مش ناقص بس غير إنك تنوريني في بيتنا المتواضع في "دبي".
بادلته نظراتٍ تائهة، لم يكن بالمازح حين أخبرها أنها ستنتقل للإقامة معه بعد عقد قرانهما، ببضعة أسابيع، قطعت صمتها اللحظي لتسأله:
-هو لازم أسافر؟

رد "آسر" متسائلاً، بنوع من العتاب الممتزج باللؤم:
-يعني ينفع كل واحد فينا يفضل في بلد؟
بدت تعبيراتها غير مسترخية وهي تعقب عليه:
-أنا كنت مفكرة هنكتب الكتاب، ونقعد فترة، عقبال ما نوضب بيتنا هنا، ونتجوز فيه، وبعد كده نسافر سوا.
أكد لها بابتسامة أكثر اتساعًا، تناقصت مع استمراره في حديثه:
-ده هيحصل، وبيتي موجود زي ما قولتلك...

تنهد سريعًا، وعلل لها ساردًا أسبابه:
-بس هياخد وقت في التوضيب، لأنه قديم، فمالوش لازمة التأخير عشان أظبط مع شوية عمال، ومقاولين، وبتوع نجارة، ومش عايز أقولك إن كل يوم يدوني ميعاد شكل، ومافيش حد بيلتزم، ولا حاجة بتخلص في وقتها ...
ثم تجرأ ليمسك بيدها الموضوعة في حجرها، احتضنها بين كفيه، وأسبل عينيه نحوها قائلاً لها بتنهيدة بطيئة:
-وبعدين يا حبيبتي، أنا بعد الثواني عشان نكون سوا.

شعرت بقشعريرة مزعجة تجتاحها لمجرد تلمسه لها دون استئذانٍ، سحبت يدها سريعًا للخلف لتتحرر منه، وقالت بوجهٍ شبه عابس؛ كأنه تهذبه:
-لو سمحت، مش بحب كده.
هز رأسه بإيماءة متفهمة، وقال دون أن تخبو بسمته، وهو يعيد ظهره للوراء:
-براحتك .. وأنا مش حابب إني أضايقك.
وعلى حين غرة ولج "خليل" للداخل لينضم إليهما مرحبًا بضيفه:
-منور يا عريس.

استدار "آسر" برأسه نحوه، ورد مجاملاً:
-البيت منور بأصحابه دايمًا يا أستاذ "خليل".
سأله الأخير مستوضحًا:
-على ميعادنا الخميس الجاي إن شاء الله؟
هز رأسه بالإيجاب وهو يقول:
-أيوه، اتفقت مع المأذون يجي هنا على بعد صلاة العشا، وسلمته الورق المطلوب.

تصنع العبوس، وزفر الهواء بتمهلٍ، ليضيف بعدها؛ وكأنه حقًا يشعر بالتعاسة لأجلها:
-كان نفسنا نعمل حفلة وهيصة، دي بنتنا وفرحتها تهمنا.
تحولت أنظار "آسر" نحو "فيروزة" ليتأمل تعابيرها الواجمة، بدت غير راضية عن تذمر خالها، ومع ذلك استغل الفرصة ليكرر اقتراحه بهدوءٍ واثق:
-معنديش مشكلة .. لو "فيروزة" حابة، فأنا جاهز نحجز في أكبر فندق و آ...
قاطعته حاسمة أمرها، بما لا يدع أي مجال للمناقشة:
-لأ مش عايزة، زي ما اتفقنا من الأول، أعدة عائلية على الضيق.

على أعتاب الغرفة، وقفت "حمدية" في سكونٍ حذر تتابع بتلصص ما يدور بالداخل، وعلامات الامتعاض تكسو وجهها، حدجتها بنظرة ساخطة مزدرية، وتمتمت من بين شفتيها بصوتٍ خفيض:
-وش فقر!

تنحنحت عاليًا بعدها وهي تكمل سيرها نحو الداخل، وصينية موضوع بها حلوى الجلي بالموز تحملها بين يديها، وضعتها أمام الضيف، وقالت مفتعلة الضحك:
-بص بقى يا سي الأستاذ دي عمايل إيدي، ولا أجدعها شيف فيكي يا جمهورية.
هتف مجاملاً، ونظرته المشرقة تضيء قسماته:
-ما هو باين من شكلها اللي يفتح النفس.

ضحكت مجددًا، وجلست إلى جوار "فيروزة"، ثم استطردت مضيفة بسماجة سخيفة:
-بس أنا زعلانة منك، إزاي تهاود عروستنا كده، وتعملها فرح سُكيتي؟ ده إنت مقامك عالي، وهي ..
تعمدت التباطؤ في كلماتها الأخيرة، وعيناها مرتكزتان على وجه "فيروزة"، لتراقب ردة فعلها بانتشاءٍ مستفز؛ وكأنها تريد تذكيرها بمذلتها الأخيرة، في بيت عمها، على يدها، ويد غيرها، من أجل كسر هامتها:
-بنت بنوت، وزي الفل.
ببساطة علق عليها "آسر":
-والله أنا مش ممانع.

نظراتها الوقحة، وتعابيرها الشامتة كانتا كفيلتان بإشعال جذوة غضبها، تلون وجهه "فيروزة" بحمرة نارية، وصاحت بها بعصبيةٍ، قاصدة إحراجها، وربما التشاجر معها:
-ممكن ماتدخليش، دي حاجة تخصني.
اغتاظت "حمدية" من هجومها عليها، خاصة أنها بدت متحفزة للتشابك اليدوي معها، وهيئتها أكدت استعدادها الفعلي للمضي قدمًا في ذلك، لذا التفتت نحو زوجها تشكوها له:
-شايف يا "خليل" بتكلمني إزاي؟ أل وأنا اللي عايزاها تفرح وتتبسط!

على ما يبدو لم يكن زوجها منتبهًا لها، فهاتفه المحمول كان في يده، وتركيزه بالكامل تقريبًا مع ما تم إرسـاله إليه عبر رسائل خطه، في حين ردت "فيروزة" بتشنجٍ، ونظراتها قد تحولت للقتامة:
-وإنتي مالك؟ دي حياتي أنا، خليكي في اللي يخصك وبس.
أشــار لها "آسر" بيده، راجيًا:
-اهدي يا "فيروزة"، الموضوع مش مستاهل ده كله.
للمرة الثانية أحرجتها أمام الضيف، فشعرت "حمدية" بمزيدٍ من الاستياء، وهتفت في زوجها:
-ما تقول حاجة يا "خليل"؟!

رفع الأخير نظراته المشغولة عن شاشة هاتفه، وأدرك أن كافة الأعين متجهة إليه، خاصة نظرات "حمدية" الحانقة، أومأت له برأسها في اتجاه ابنة أخته، ليقول بصوتٍ رخيم، وبجملة اعتراضية محايدة، محاولاً مجاراة المحادثة التي لا يدرك ماهية تفاصيلها بالضبط:
-جرى إيه يا "فيروزة"؟ ماتزعليش حد منك!
ردت عليه "حمدية" بتهكمٍ:
-ده اللي ربنا قدرك عليه؟

هنا تدخلت "آمنة"، وزجرتها بصرامةٍ:
-خلاص يا "حمدية"، زي ما بنتي تعوز هنعمل.
استغربت الأخيرة من تضامنها مع ابنتها، على عكس المعتاد منها، وقالت لاوية ثغرها بتأففٍ:
-هو أنا قولت حاجة غلط؟ على رأي المثل، العروسة للعريس والجري للمتاعيس.
نهض "خليل" واقفًا ليستأذن، بقليل من الربكة البادية عليه:
-معلش يا ابني، المدير طالبني في الشغل، هارد عليه في البلكونة، وراجعلك تاني.
أشــار له "آسر" قائلاً بتفهمٍ:
-اتفضل خد راحتك يا أستاذ "خليل".
لعق شفتيه، وقال مؤكدًا:
-دقيقة وجاي.

لم تسترح "حمدية" للتوتر الملبك الظاهر على تصرفات زوجها؛ كان مرتبكًا، متلجلجًا، يبدو وكأن به خطب ما، استراب حدسها الأنثوي بشدة، وانتظرت خروجه لبضعة لحظات، حتى تتبعه، وتفتش ورائه .. ســارت بخطواتٍ حثيثة، استندت بظهرها على الحائط الملاصق لنافذة الشرفة، وأرهفت السمع لهسيس صوته وهو يقول:
-حاضر يا "سماح"، إديني كام يوم بس، وهاقولها أي حِجة، وأجيلك.

غمامة مظلمة حلت على ملامح "حمدية"، والتي كانت تكتم أنفاس حنقها بصعوبة، مجهود يفوقها بذلته لتبدو ساكنة، وهي تكتشف حقيقة خيانته لها مع امرأة غيرها، وإن كانت زوجته، لا يحق لأخرى مشاركتها فيه، تصلبت في مكانها، ولازمت الهدوء، فلا ينتبه لوجودها، سمعته يقول لها بلهجة منزعجة رغم خفوتها:
-هعمل إيه يعني؟ خدي البت للدكتور يشوفها.

زفيره الطويل وصل إلى مسامعها، ليكمل بعدها منهيًا مكالمته:
-طيب هبعتلك فلوس بكرة في البريد، سلام بقى.
على عجالةٍ أخفت تعابير الغضب، وتراجعت بضعة خطوات للخلف، لتبدو وكأنها قد جاءت لتوها، ادعت اهتمامها الزائف بأمره، وسألته:
-في حاجة يا "خليل"؟
تفاجأ من وجودها، فردد بلعثمة متوترة، والعرق يغزو جسده:
-"حــ...حمدية"!
ببرودٍ متقن سألته، وكأنها لا تعرف الحقيقة المخبأة:
-وشك قلب كده ليه؟
لعق شفتيه الجافتين، وقال نافيًا:
-مـ.. مافيش.

رفعت حاجبها للأعلى، وتساءلت بابتسامة ساخطة، أخفت ورائها نيران حقدها:
-ها، المدير كان عايزك في إيه السعادي؟
تنفس الصعداء لاعتقاده أنها صدقت بسذاجة كذبته السخيفة، وأجابها بعبوسٍ:
-ده .. بيقولي إن بنته تعبانة، ونقلها المستشفى، واتحجزت هناك.
زمت شفتيها في أسفٍ، وتساءلت:
-يا حرام.. شوف إزاي؟ وده من إيه يا خويا؟

تنهد على مهلٍ، ثم جاوبها مسترسلاً في تجميل كذبته بوقائعٍ منطقية، علها تنطلي عليها:
-مش عارف.. بس باين من كلامه حالتها صعبة، واحتمال يغيب كام يوم، وبيرتب معانا الشغل هيمشي إزاي.
قطبت جبينها، وعلقت باقتناعٍ مفتعل:
-ده شكل الموضوع كبير.
أكد عليها بثباتٍ، بعد أن استعاد كامل هدوئه:
-الظاهر كده، المرض مالوش كبير.
ضاقت عيناها، وقالت:
-أيوه.

نظر إليها مضيفًا بشيء من الرجاء المختلط بالسخرية:
-عندك حق. ادعيلها يا "حمدية"، ده إنتي دعوتك مستجابة.
على ثغرها ارتسمت ابتسامة باهتة وهي ترد:
-أه طبعًا.
وقبل أن يختتم كلامه معها، أخبرها بحذرٍ، مترقبًا لردة فعلها:
-مش عارف بقى إن كان هيكلفني أقوم بالشغل مكانه ولا لأ.

أتاه تعليقها حياديًا:
-هنشوف يا "خليل"..
ثم ربتت على كتفه تستحثه:
-بلاش نشغل بالنا بحاجة لسه مجاش وقتها، وتعالى نشوف العريس اللي مستني جوا.
وافقها الرأي، وقال في استحسانٍ:
-معاكي حق.
تباطأت "حمدية" في خطواتها وهي تتبعه؛ لكن نظراتها نحوه أكدت أنها ستذيقه من الويلات ما لن يطيق مطلقًا.

أزاح المنشفة عن رأسه المبلل بعد تجفيف خصلاته تقريبًا، وألقى بها بإهمالٍ على فراشه، ليقف أمام المرآة، ويبدأ في تمشيطه، وترتيب المتنافر منه، وما إن انتهى "تميم" من إكمال ارتداء ثيابه، حتى خرج من غرفته، واتجه إلى غرفة الطعام؛ حيث شرعت شقيقته في رص الأطباق، استعدادًا لتناول الغذاء، ألقى عليها التحية متسائلاً:
-عاملة إيه يا "هاجر"؟ وحبيب خالو أخباره إيه؟
بوجهٍ شبه متجهم أجابته:
-الحمدلله.

كان متفهمًا لجفاء معاملتها معه، فتلك وسيلتها المكشوفة للضغط عليه، من أجل العودة إلى زوجته السابقة؛ لكنه لم يشتكِ من جمود تصرفاتها، وتقبل ما تفعله برحابة صدر، بينما تساءلت "ونيسة" بصوتٍ شبه عالٍ، وهي تضع صينية البطاطس بالفرن الساخنة في المنتصف:
-مش ناوي تتغدى معانا؟
هز رأسه بالنفي وهو يجاوبها:
-لأ يامه، كلوا إنتو بالهنا والشفا، أنا عندي شغل متلتل ورايا.

عقبت في تذمرٍ ساخط:
-أهوو كل يوم واجع قلبي كده، لا بترضى تاكل، ولا بقينا نشوفك، ولا كأنك تعرفنا، زي ما تكون قاعد في لوكاندة، تيجي تبات فيها آخر النهار، مش بيت أهلك ولا ...
ثم تطرقت للموضوع الآخر، والذي لا يحبذ سماعه مُطلقًا:
-حتى مش عايز ترد "خلود" الغلبانة تاني لعصمتك، ده البت بعد كل اللي حصل فيها لسه شرياك، هتموت نفسها عليك، وبتحبك، والله ما يرضي حد إنك تظلم مراتك كده!
حاول إجبار شفتيه على التقوس، والابتسام قليلاً، ثم صحح لها –ككل مرة- بأسلوب ساخر:
-ما بقتش مراتي يامه، دي بنت خالتي وبس، إنتي على طول كده ناسية؟!

حدجته بنظرة قوية مستنكرة، قبل أن تتنمر عليه:
-ده اللي فالح فيه، تتنأرز عليا بالكلمتين الخايبين دول.
أصر على قوله مشددًا عليها، علها تتخلى عن تلك الفكرة الميؤوس من حدوثها:
-ماهي دي الحقيقة اللي لحد دلوقتي إنتي مش قادرة تستوعبيها.
اِربد وجهها بالضيق من تعنته، والتفتت إلى ابنتها تُشركها في الحوار:
-قوليله حاجة يا "هاجر"، اتكلمي معاه إنتي، أنا جبت أخري، ومابقاش عندي حاجة أقولها.

وقبل أن تشرع شقيقته في لومه، بادر الجد "سلطان" متدخلاً، وهو يجلس على رأس المائدة:
-ما تسيبوا "تميم" في حاله، بلاش شغل الحريم ده عليه.
ردت عليه "هاجر" مبررة تصرفها:
-يا جدي احنا كلنا عايزين مصلحته، نفسنا نشوفه متهني في بيته وآ...
قاطعها معلقًا بنبرة هازئة:
-ومافيش إلا بنت "بثينة" عشان تعمل كده؟!

أطبقت على شفتيها في حرج، فتابع ملوحًا بذراعه:
-ما أكم (يوجد) في مليون بنت غيرها.
ردت عليه "ونيسة":
-احنا أولى بيها من الغريب.
أشاح بنظراته الباردة عنها، وقال:
-خليها للغريب، معدتش تنفعه.
كان "تميم" يراقب جدالهم دون أدنى تدخل منه، كان فاقدًا للرغبة في النقاش في أمر يستبعد كليًا تكراره، ابتسم بتلقائيةٍ، وارتخت ملامحه، حين أخبره جده:
-اتوكل على الله يا ابني، وسيبك من كلامهم، دي صفحة واتقفلت من حياتك.

هز رأسه في استحسانٍ، واستطرد بكلماتٍ مقتضبة:
-تسلم يا جدي.
ثم ودع والدته، التي لم تنبس بكلمةٍ، واتجه إلى خارج المنزل، ليتساءل بعدها "سلطان" موجهًا حديثه إلى حفيدته:
-وجوزك عامل معاكي إيه؟ معدناش بنشوفه خالص.
أجابته بتنهيدة متمهلة:
-الحمدلله، مشغول على طول يا جدي في الدكان.

رفع حاجبه للأعلى، وقال بابتسامةٍ ذات مغزى:
-يعني زي أخوكي، طفحان الدم، مش فايق لرغي الحريم، ولا مين طلق مين.
تلون وجهها بحمرةٍ حرجة من تلميحه الصريح، وتلعثمت وهي تبرر:
-أنا عاوزة الخير لأخويا.
أشار لها بعينيه قائلاً بصرامةٍ:
-أخوكي عارف مصلحة فين، وركزي إنتي في حياتك، وابعدي عن الوسواس الخناس خالتك!
على مضضٍ ردت:
-طيب.

زيلت بيدها توقيعها بجوار اسمها في قسيمة الزواج الموضوعة أمامها، قبل أن تلطخ إبهامها بالحبر الأزرق لتختم به الأوراق، وأصوات الزغاريد تصدح حولها، ليتم الإعلان بهذا عن إتمام عقد قرانها. تلقت "فيروزة" التهنئات الغبطة من "همسة" أولاً، مصحوبة بقبلات حارة على جانب وجنتها، ثم تبعتها والدتها، وزوجة عمها، وصديقتها "علا"، بينما وقفت "حمدية" على الجانب ترمقها بنظراتها الحاقدة. كان التجمع عائليًا، ومحدودًا؛ المقربون فقط هم من حضروا، لم يتجاوز عددهم عن العشرين، تواجدوا في مطعمٍ شهير تم حجزه مسبقًا للاحتفال بالزواج.

التفتت "فيروزة" برأسها للجانب، عندما تحدث إليها عمها:
-مبروك يا بنت الغالي، بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير.
وبوجه خالٍ من التعبيرات، ردت تجامله:
-أمين، شكرًا يا عمي.
وضع يده على كتفها، واعتذر منها:
-أنا مش عايزك تزعلي مني يا بنتي بسبب اللي حصل، أنا عارف إنك بنت أصول، ومتربية، بس الشيطان بقى وآ...

أفسد عليها –دون قصد منه- مزجها المتوتر مسبقًا، بكلماته المُحفزة، لذكريات ترفض وبشدة نبشها من جديد، لذا قاطعته مدعية كذبًا:
-خلاص يا عمي، أنا نسيت الموضوع ده.
ربت على كتفها بضربات خفيفة، وابتسم يمتدحها:
-ربنا يكملك بعقلك..
ثم صمت للحظة ليضيف بعدها:
-"فضل" كان عايز يجي، بس مراته تعبانة، عقبالك يا رب حامل.
بابتسامة متحفظة ردت:
-ربنا معاها.

انتهى من حديثه معها، لتتخذ "سعاد" دورها في إسماعها بعض التوصيات التقليدية من أجل حياة أسرية سعيدة، مستقرة، وهانئة، دقائق أخرى انقضت عليها وهي تجيد تمثيل اهتمامها بالإصغاء للجميع، حتى لمحت زوجها مقبلاً عليها.

تقدم "آسر" نحوها وهو يتأملها بنظراتٍ بطيئة، متمهلة، مليئة بالإعجاب، تجول بعينيه على ثوبها الكريمي الرقيق الخالي من البهرجة، أو الزينة المبالغة فيها، كان قماشه مدعمًا بطبقاتٍ من التل المتراصة فوق بعضها البعض، ليمنح الثوب كثافة مقبولة، فتزيده حجمًا من الخصر، وصولاً للأسفل، أما كتفيه فكانا يغطيان ذراعيها بالكامل، وفتحه صدره لا تكشف إلا عن عنقها فقط، لاق الثوب بها كثيرًا.

ارتفعت أنظاره نحو تفاصيل وجهها، مسحة ناعمة من مساحيق التجميل ازدانت بها بشرتها، فمنحتها المزيد من الجمال الباعث على السرور في النفس، كما أنها لم تحرر خصلاتها، وعقدتها في كعكة تدلت لأسفل رأسها، مزينة بطوقٍ من الإكسسوارات الذهبية، ووضعت مشبكًا رقيقًا، على جانب شعرها، تصميمه كان كما تحب؛ لطاووسٍ صغير.

ابتسم بعذوبةٍ وهو يمد يده ليمسك بكفها، رفعه "آسر" إلى فمه ليقبله في لباقةٍ تحرجت منها للغاية، لكونه يفعل ذلك علنًا، ثم مال نحو صدغها برأسه، ليبدو صوته قريبًا من أذنها، وهمس لها:
-زي القمر يا "فيروزة".
ردت بابتسامةٍ صغيرة:
-شكرًا.

رفع ذراعه للأعلى تقريبًا، وبخفةٍ مسد على شعرها، وكأنه يسويه، شعرت "فيروزة" بيده تنتزع مشبك رأسها من الجانب، اختفت ابتسامتها، وتطلعت إليه باندهاشٍ مستنكر، وقبل أن تعترض على تصرفه، كان مشبكها في راحته، يخبئه بداخلها، حاوطها بذراعه من خصرها، وظلت أنظاره مثبتة على وجهها المتقلص عضلاته، ابتسم موضحًا لها بصوتٍ خفيض:
-شكله رخيص، وبلدي أوي عليكي.

ردت بتحفظٍ محتجة على رأيه:
-بس عاجبني.
أومأ برأسه بحركة خفيفة، وقال ملطفًا:
-هاجيبلك الأحسن منه، ده مافيش حاجة تغلى عليكي يا حبيبتي.
اتسعت ابتسامته أكثر، وغمز لها بطرف عينه، قبل أن يقول بعبثيةٍ:
-دلوقتي من حقي أقولك يا حبيبتي.

من المفترض –وفي تلك الليلة- أن تسعد "فيروزة" كثيرًا لمشاعر الحب الودودة المحاصرة لها، وكذلك لتلهف زوجها على التودد إليها؛ لكنها لم تشعر بمظاهر السعادة تجتاحها مطلقًا، فقط أحاسيس الانقباض، والخوف من المجهول، وبدا ذلك مُربكًا لها.
ارتفع صوت الموسيقى، فأرخى "آسر" قبضته عن المشبك، ليلقيه بغير مبالاة على الأرضية، تحرك بخفةٍ في اتجاهه، ودعسه بقدمه ليحطمه بكعب حذائه، وفي غفلة منها، وكأنه تخلص من قمامة، لا قيمة لها.

بقلبٍ مكسورٍ، وروحٍ محطمة، وعينين تحبسان الدمع فيهما، اختبأ "تميم" كاللصوص، في تلك البقعة المعتمة نسبيًا، في سيارته، وعلى مسافة جيدة من هذا المطعم تحديدًا، حيث تكشف حوائطه الزجاجية عما يدور بالداخل للمارة في الطريق، رأها توقع صك ملكيتها لغيره، ولم يجرؤ على إبعاد نظراته عنها، ومع سماعه لانطلاق أصوات الزغاريد، ذرف الدموع قهرًا، فالحقيقة أصبحت نافذة، لم ولن تكون له أبدًا، تبخرت الأحلام البسيطة، وتلاشت في معترك الحياة الأليمة، أما الوحشة فعادت لتحتل قلبه وتغلفه، اشتدت أصابعه على عجلة المقود، وقال لنفسه بحزنٍ؛ وكأنه يواسيها:
-هي خلاص اختارت طريقها، وحتى ماتعرفش أصلاً إني...

بتر اعترافه بعشقه المنفرد، قبل أن تتجرأ شفتاه على النطق به، تنفس بعمقٍ، ومسح بظهر كفه وجهه المبتل، ثم قال في أسفٍ، كما لو كان يناجي المولى، وبنبرته الحزينة:
-يا رب أنا ما عمريش طلبت حاجة لنفسي مخصوص، طول عمري بأفكر في غيري، وضحيت بسنين من عمري عشان غيري...
نشج صوته أكثر، وغلفه المزيد من الشجن، وهو يتابع:
-هي الحاجة الوحيدة اللي اتمنيتها من كل قلبي.. بس راحت خلاص مني..

انسابت دموعه الحرقة مرة أخرى تأثرًا بابتعاده المحتوم عنها، والذي بدا وكأنه دوامة ساحقة للروح من العذاب الأبدي، نكس رأسه منتحبًا في أنينٍ خافت، وأنهى سلوان نفسه مرددًا بعينين ارتفعتا ببطءٍ نحو السماء:
-أكيد يا رب ليك حكمة في كل اللي بيحصلي، أنا راضي بقضاءك، فصبرني عليه.
أخفض حدقتيه المشبعتان بعبراته ليراها تحملق أمامها بشرودٍ، التقت عيناه -وسط العتمة التي يختبئ بداخلها- بنظراتها الضائعة لمرة كانت فعليًا الأخيرة له.

بغير ترتيب مسبق، اتصل هاتفيًا بها، في تلك الساعة المبكرة، لتستفيق من نومها العميق على خبر صدمها بشدة، وجعل حواسها تتيقظ بالكامل، خاصة أنه كان بعد بضعة ساعات من عقد قرانها عليه، ليربك كافة حساباتها، ويفسد جميع مخططاتها بشأن إعادة تغيير تصاميم الديكور للمنزل المملوك لزوجها، والذي لم تره بعد! سألته "فيروزة" في ذهولٍ، وهي تدعك عينيها بقبضة يدها، لتطرد بقايا آثار النعاس منهما:
-يعني إيه إنت في المطار؟

رد عليها "آسر" بنبرة هادئة معتذرًا منها:
-أنا أسف يا حبيبتي، بس في مشكلة حصلت في الشغل، ولازم أسافر حالاً.
تعقدت ملامحها وهي تسأله مستفهمة:
-فجأة كده؟
أخبرها باقتضابٍ:
-أيوه.
سألته بنفس النبرة المصدومة:
-طب وأنا؟ وترتيباتنا سوا، احنا متفقين على إننا هنروح نختار ألوان الدهان، وآ...

منعها من إكمال جملتها بتكرار اعتذاره:
-حقك عليا، هعوضك لما تجي عندي، هتقضي أحلى أيام.
سألته كمحاولة أخيرة فاشلة، كانت متأكدة أنها لن تجدي نفعًا:
-مكانش ينفع تأجلها كام يوم؟ الموضوع شكله بايخ أوي لما تسافر تاني يوم كتب كتابنا.
بهدوءٍ علق على ذلك، وقال:
-حبيبتي محدش ليه عندنا حاجة، وبعدين كان صعب أأجل السفر.
زلة لســان انفلتت منه دون وعيٍ، التقطتها "فيروزة"، وسألته مباشرة على الفور:
-يعني إنت كنت حاجز قبلها؟!

تلجلج وهو يبرر لها:
-لأ.. مش بالظبط... ده أنا آ...
وقبل أن يبدو ضعيف الحُجة أمامها، أضاف بلهجة رسمية للغاية:
-بصي أنا هاكلمك أول ما أوصل، لأحسن الطيارة ميعادها جه، خلي بالك من نفسك.
طردت زفيرها المهموم من رئتيها، قبل أن تنطق:
-حاضر.
غازلها بمعسول كلامه الناعم، فقال:
-هتوحشيني يا قلبي، الدنيا من غير مالهاش طعم، غصب عني أسافر.
لم تجد ما تقوله له سوى:
-حصل خير.
أنهت معه المكالمة وهي ما تزال في حالة اندهاش من سفره المباغت، خابت آمالها، وانهار سقف توقعاتها في تشييد مسكنها؛ لكن ما باليد حيلة، عليها أن تتعامل مع الواقع ومفاجآته الصادمة.

بمحض الصدفة عَلِم من "وجدي"، خلال حفل عقد قرانه، عن انشغاله مؤخرًا، بكشف الخيوط المؤدية لإحدى عصابات التهريب الخطيرة، بعد انتقاله لمكتب المكافحة، واستشف من جمله المقتضبة، أنه بصدد الإمساك بأول أطراف الخيط معًا، فاتخذ "آسر" حذره، وحجز تذكرة ذهابٍ (فقط) لدولة الإمارات، على أول طائرة متجهة إلى هناك، استقر في مقعده بدرجة رجال الأعمال، وأمسك بهاتفه المحمول ليهاتف "محرز" ليأمره بلهجة من يقرر:
-ماتخليش أي حاجة ليها صلة بينا، سامعني.

سأله مستوضحًا:
-ليه يا ريس؟
رد بكلماتٍ ذات دلالة مفهومة لهما:
-النسر بيشمشم.
جاءه صوته متوترًا وهو يلاحقه بأسئلته:
-أوبا، وبعدين؟ إيه العمل؟ وحاجات الناس؟
أمره بنفس اللهجة الصارمة:
-نضف كل حاجة وراك، مافيش قشاية.
لم يكن "محرز" راضيًا عما يخبره به، ومع هذا قال له بإذعانٍ مرغم:
-ماشي الكلام، مع إن فيها خسارة كبيرة.

شدد عليه بنبرة لا تمزح:
-الخسارة تتعوض، لكن حياتنا لأ.
رد عليه مستسلمًا:
-معاك حق.
عــاد "آسر" ليأمره، بعباراتٍ متوارية:
-واطلع شم هوا، الجو حلو اليومين دول، قبل الزحمة.
علق بنوعٍ من السخرية:
-حاضر.. نقضيها مصايف.

أنهى "آسر" المكالمة معه، وأغلق هاتفه المحمول، ليغوص بعدها في مقعده المريح، وقد قامت المضيفة بالتأكد من ربطه لحزامه، التفت للنافذة البيضاوية إلى جواره، واستمع بابتسامةٍ تعلو زاوية فمه، إلى صوت المذياع الداخلي بالطائرة، حيث تطلع المضيفة جميع الركاب، على إرشادات السلامة خلال الرحلة الجوية، وشعوره بالارتياح اِزداد تدريجيًا مع بدء تحرك الطائرة على مدرج الطيران...!

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الآراء والتعليقات على الرواية
W