قصص و روايات - نوفيلا :

نوفيلا القاضي المتهم للكاتبة سيلا وليد الفصل الثامن والأخير

نوفيلا القاضي المتهم للكاتبة سيلا وليد الفصل الثامن والأخير

نوفيلا القاضي المتهم للكاتبة سيلا وليد الفصل الثامن والأخير

دلف للداخل قابلته والدته: رجعت إمتى حبيبي؟ تحرك يبحث بعينه متسائلًا: هي فين؟ ضيقت والدته عيناها متسائلة: هي مين؟ استمع الى خطواتها وصوتها: بدر حبيبي، إيه المفاجأة الحلوة دي! قالتها وهي تلقي نفسها بأحضانه.
صفعة قوية هوت على وجنتيها، ثم زمجر كأسدٍ جريح: بقى إنتِ ياحقيرة تلعبي بيا، مين اللي سلط الممرضة تقتل جدي وتتهم رهف؟

جذبها من خصلاتها التي أصبحت بقبضته، جذبها يتحرك بها وسط صرخات والدته وصرخاتها.
بكت من قوة آلامها عندما شعرت بتمزق خصلاتها
. رفعها من خصلاتها: عمري مافكرت إني أمد إيدي على واحدة ست وخصوصًا إنها بنت خالتي ؛
ودلوقتي لازم تتعاقبي يالميس.
بدر. وحياة ربنا ماكنش قصدي يموت، الممرضة الغبية معرفتش تتصرف، أنا قولت تعمل حاجة تتهم فيها رهف بس وحياة ربنا ماكان قصدي.

جز على أسنانه وتحدث بفحيح: ليه ياحيوانة هي كانت عملت فيكي إيه. إذا كان أنا مكنتش بكلمها وكنت ببعدها انتِ مالك ومالها. قالها وهو يدفعها بقوة حتى اصطدم جبينها بالجدار
نهضت تصيح ترمقه بغضب: كنت عايزة أتخلص منها وخصوصًا بعد ماعرفت إن جدك ناوي يجوزهالك، بوصية سرقتها من المحامي، اقتربت تغرز عيناها بعمق عيناه وهتفت: أه مالك مصدوم، جدك ربنا ينتقم منه لا رحمني وهو عايش ولا هو ميت.

صفعها بقوة: إنت ِ واحدة مجرمة زبالة، لازم تتعاقبي يالميس.
توقفت نهال تهز رأسها لم تستوعب حديث لميس، اقتربت منها: اتجننتي يالميس تلوثي إيدك بالدم ليه يابنتي؟
تراجعت تهز رأسها كالمجنونة: علشان ابنك يبعد عنها ويرجعلي إيه مش دا اللي كنتي عايزاه ياخالتو، ولا دلوقتي أنا بقيت وحشة؟ أشارت بسبباتها: لأ فوقي ياخالتو، أنا عملت كدا بعد ماأقنعتيني إن بدر بيحبني بس جده اللي مسيطر عليه.

نظر إلى والدته بذهول: إزاي تقولي كدا وانتِ عارفة لولا الظروف اللي اتحطيت فيها كنت عمري مااتجوزتها؟
وصلت الشرطة بعدما أخبرهم بدر بمكان الممرضة التي أخفتها لميس منذ خروج رهف من السجن.
تم القبض عليها في وسط صرخاتها، بينما والدته التي جلست بصدمة بعدما استمعت إلى اعترافات لميس.
أشار لوالدته: دي اللي كنتي عايزاها أم لأولادي. قالها وتحرك متجهًا إلى حبه الدفين بأعماق روحه.

استقل السيارة وقادها بسرعة، ظل يضرب على المقود كاد أن يكسر معصمه، ويزأر بغضب كلما تذكر ماصار لها، اعتصر قلبه من فراقها ودقات قلبه تعلن عن عصيانها بالنبض العنيف، كلما تخيل له اقترابها منه مرة أخرى.
وصل بعد فترة وجيزة، دلف للداخل يبحث عنها.
لسة فاكر يابدر، استدار إليها بلهفةٍ قائلًا: فين مراتي ياطنط كوثر. أشارت بعينيها على غرفتها بعدما وجدت لهفته بعينيه.

ولج للداخل بهدوء، كانت تغفو كحورية بحر، انتفض قلبه عندما وجد شحوب وجهها وفقدانها الكثير من الوزن، لمست أنامله وجنتيها. ظلَّ يمرر أنامله يرسمها إلى أن وصل إلى ثغرها واحتضنه بقبلةٍ مشتاقة، فتحت عيناها بعدما سحب نفسها بقبلته ؛
وضع جبينه فوق خاصتها
همست بإسمه: بدر. وزع قبلات متناثرة على وجهها بالكامل قائلًا: روح بدر.
نهضت تدفعه بقوةٍ وصوت بكائها أصاب نياط قلبه: إبعد بقولك إياك تقرب مني.

قامت بتحطيم كل ماتطاله يديها صارخةً بجنون: جاي ليه؟ خلاص انتقمت وأخدت حقك. اقتربت منه وغرزت عيناها بمقلتيه تلكمه بصدره: انتقمت وارتحت. موّت ابني وكسرتني، أشارت على قلبها: دبحت دا. هز رأسه واقترب، ولكن قاطعهما دلوف والدها كالمعتوه: جاي هنا ليه يابن القاضي؟
رفع سلاحه أمام وجه بدر: إرمي عليها يمين الطلاق وبالتلاتة يابن القاضي.

هزة عنيفة أصابت جسدها وهي توزع نظراتها بينهما، شعرت بإنسحاب روحها بعدما اقترب بدر: يبقى كتر خيرك ياأستاذ مالك، وكدا يبقى عيلة القاضي كلها ريحتك.

اقترب والدها وعاصفة انتقامية تجلّت على ملامحه حتى وضع السلاح برأسه وهتف بنبرة قوية: هقولهم إنك اتهجمت على بنتي، وحاولت تقتلها. خطت إلى أن توقفت أمام بدر: بابا إنت بتعمل إيه، مستحيل اللي ناوي تعمله دا، إيه هتلوث إيدك بالدم. رمقت بدر ونطقت بلسان ثقيل: هو كدا كدا هيطلقني، مش محتاجة إنك تلوث إيدك بالدم يابابا.

استدارت إليه وهتفت وهي تطالعه بعيناها التي انطفأ بريقها اللامع: طلقني يابدر، مبقاش بينا حياة تاني.
جذبها من رسغها بقوةٍ وزمجر معنفًا إياها: بقولك فوقي واسمعي اللي بقولك عليه طلاق مش هطلق واخبطي دماغك في الحيطة. ثارت زعابيب والدها، ودفعه يبعده عن ابنته: أنا لازم أخلص منك، إنت إيه، ايه كمية الشر دي.
لم يكترث لحديثه، واتجه يجذبها للخروج ولكن توقف عندما أطلق مالك رصاصته لتستقر بصدر بدر.

شهقة خرجت من فمها مع إنسياب عبراتها حينما وجدت دمائه التي لوَّنت قميصه. احتضنت رأسه وبكت بنحيب تصرخ بدخول والدتها المصدومة.
هرولت والدتها تجذب منشفة لكتم الدماء، وابنتها في حالة انهيار تام
صرخت كوثر بمالك: اتصل بالإسعاف، إنت مش شايفه عمال ينزف ازاي؟

نظر إلى بدر الملقى على الأرض بصدمة، كيف وصل لتلك المرحلة من الإجرام. ارتجفت يديه، ليهوى على فراش ابنته، فيما نهضت كوثر مهرولة للخارج تبحث عن هاتفها لمهاتفة الإسعاف.
قبض على كفيها يهمس بألم تجلى بملامحه: أنا كويس متبكيش. شهقات مرتفعة وهي تضم رأسه لقد فقدت السيطرة متناسية أنها طبيبة، صاحت والدتها بعدما جذبت حقيبتها: حبيبتي ياله شوفي جوزك واعملي له إسعافات أولية.

شهقت تنزل برأسها تمنعه من الحديث: أسكت يابدر ماتتكلمش، ضغط على كفيها: أنا بحبك. قالها وأغلق عيناه، لتنهض كالمجنونة، تنزع قميصه الذي تلطخ بدمائه، وتحاول إيقاف النزيف، مع رجفة بكفيها وهي تحاول إنقاذه، بعد فترة وصلت سيارة الإسعاف متجهة إلى المشفى، هرولت خلف المسعفين المتجهين به إلى غرفة العمليات التي تُجهز بعدما هاتفتهم رهف بالحالة.

توقفت تنظر إلى دخوله الغرفة إلى أن أُغلق الباب. ضمتها والدتها واتجهت تجلس بها على المقعد.
وصلت والدة بدر بعد إبلاغها من استعلامات المشفى، توقفت أمام رهف متسائلة: بدر فين يارهف، ومين ضربه بالنار؟
دفنت رأسها بأحضان والدتها تبكي بقوة كلما تذكرت كلماته القليلة. أجابتها كوثر
أقعدي يانهال هو في العمليات دلوقتي شوية ويطلع.
يعني هو عايش، قالتها بقلبٍ مكلوم
هزت كوثر رأسها بإيماءة حزينة على تلك السيدة.

جلست وقلبها ينتفض بعنف وكأنه سيفارق الحياة، مرت ساعات والحال كما هو عليه، توقفت رهف بعدما شعرت بانصهار صدرها لتغيّب الأطباء بالداخل، واتجهت تقتحم باب الغرفة إلّا أن خرج الطبيب يزيل الماسك من فوق وجهه قائلًا: إحنا عملنا اللي علينا والباقي على ربنا.
جلست تحتضن رأسها بين راحتيها مطبقة الجفنين، اقتربت والدتها تربت على ظهرها.
سحبت نفسًا قويًا لتثبط نوبة البكاء التي أخنقت جوفها، مع ارتجاف شفتيها.

بابا قتل جوزي ياماما.
ضمت كوثر رأسها تهمس لها ببعض الآيات القرآنية مردفة: إهدي حبيبتي كله هيعدي إن شاءالله.
مرَّت الساعات كالسيف على الرقاب والكل في حالة ترقب إلى أن استمع الطبيب إلى إنذار الأجهزة، توقفت والدته تبكي حينما وجدت استنفار من الأطباء باتجاه غرفة العناية. نصبت عودها وتحركت بجسدٍ مرتجف تقف تنظر من الزجاج الشفاف وهم يحاولون إنعاش قلبه. دلفت رهف بساقين هشة تكاد تحملنها إلى أن وصلت إليه.

دنت تهمس باذنه: بدر فوق علشان خاطري، أنا مسمحاك، أرجوك متعملش فيا كدا. مرت لحظات وهي تحتضن كفيه ودموعها تنساب كالشلال على وجنتيها، تراجع الطبيب بعدما استمع الى نبضات قلبه مرة أخرى ؛
ضغطه مش مساعد يادكتور. قالتها إحدى الطبيبات.
أومأ وهو يقترب منه يفحص مؤشراته الحيوية. بسط كفيه الى رهف: رهف قومي هيكون كويس صدقيني، دا عادي في العمليات اللي ذي كدا، متنسيش الرصاصة كانت قريبة أوي من منطقة القلب.

تشبست بكف زميلها عندما داهمتها تلك الغمامة تهمس له: حسن متخبيش عليا حاجة، هيكون كويس؟
تحرك بها بعدما أشار للممرضة: اهتمي بشغلك وأي تطور بلغيني.
تمام يادكتور.
خرجت رهف. هرولت ناهد إلى الطبيب: طمني يادكتور، بدر عامل إيه؟
ابتسم بعملية: الوضع مستقر يامدام ناهد مفيش قلق.
تنهدت بارتياح وعيناها على رهف التي تحركت بخطى مترنحة حتى كادت أن تسقط.

وصل ضابط الشرطة للتحقيق، جلست بوهنٍ شديد وعيناها على والدها الذي توقف أمام الضابط، وأردف بما حدث.
مرَّت عدة ساعات والوضع كما هو عليه، نهضت مرةً أخرى متجهةً إلى غرفته، وجدت والدتهُ تخرج من عنده.

توقفت ناهد أمامها تمنع دخولها بعدما علمت بما صار: أنا مش هنكر إني حبيتك بعد جوازك من إبني، وقتها فيه حاجات كتير رجعت له بعد ماكنت يئست، بس لحد إن أبوكي يرجع ويحاول يقتله. فأنا هقفلك حتى لو هو رفض، و النهاردة بس عرفت إن جوازكم غلطة، أنتوا زمان قتلتوا هاني مش هستنى لما تموتوا إبنه، خدي كرهك لابني وامشي.
مش عايزة الحفيد اللي كنت هموت عليه من واحدة بتكره إبني.

أغمضت عيناها تشعر وكأنَّ أحدهم يقبض على عنقها، هزت رأسها ودفعت الباب للدخول: أول مايفوق هبعد عنكوا، متخافيش. فتحت الباب ودلفت إليه، خطت إلى أن وصلت إلى جسده المسجَّى، جلست بجوارهِ ورفعت كفه تحتضنه ثمَّ انحنت تطبع قبلة بباطن كفيه.

أول شخص قلبي دق له، حبيتك أوي يابدر. أطلقت زفرة قوية خرجت بتألم قلبها وهي تتذكر حياتها المأساوية بعد سفره. توقفت الكلمات على أعتاب شفتيها للحظات، رفعت كفيها تملس على وجههِ ثمَّ نهضت وطبعت قبلةً مطولة فوق جبينه قائلة: اطمن عليك وبعد كدا نبعد علشان منكرهش بعض أكتر من كدا، عارفة إنك بتكرهني، ما أنا بنت الراجل اللي قتل باباك، وحاول يقتلك كمان.
احتوت راحتيه وطبعت قبلة بداخلهما.

لتستدير كي تغادرَ الغرفة إلا أنه ضغط على كفيها يهمس: بحبك. قالها بصوت خافت متقطع.
انحنت كي تستمع إلى ماقاله، ولكنه ذهب بنومه مرةً أخرى.

ابتسمت حينما استيقظ، وضعت جبينها فوق خاصته وسحبت نفسًا طويلًا مختلطًا بأنفاسه: أهم حاجة إنك كويس، الحمد لله كنت هموت من الخوف عليك، ألف سلامة عليك. ظلَّت للحظات على حالتها ثم دنت من شفتيهِ تجذب تنفسه وتقبله ثم اعتدلت وطالعته لبعض اللحظات ثم تحركت للخارج. وصلت إلى الخارج، توقفت أمام ناهد وأردفت: بدر فاق. شوية وهيصحى وينقلوه غرفة تانية. قالتها واستدارت إلى والدتها: ماما ياله علشان نمشي.

ألف سلامة على بدر يانهال. طالعتها متهكمة ثم أشارت إلى رهف: أتمنى مشفهاش تاني. تعلقت رهف بكفِّ والدتها وتحركت دون حديث. ظلت نظراتها عليهما إلى أن اختفوا. دلفت تجلس بجوارِ ابنها لبعض الوقت، استمعت الى همسه باسمها
مسدت على رأسه بحنان أمومي: حمد الله على سلامتك حبيبي. مرَّر لسانهِ على شفتيه وحاول التحدث بصوتٍ متعب: ره. ف، فين؟

سحبت نفسًا قويًا وظلت على صمتها تطالعه إلى أن دلف الطبيب وقام بفحصه ثم أردف بعملية: -لااا عال العال. حمد الله على السلامة ياحضرة القاضي.
شكرًا لحضرتك. ظلَّ لبعضِ الوقت إلى أن استعاد وعيه كاملًا. دلف كريم: ياااه ياراجل أنا كنت فقدت الامل إنك تصحى تاني. حمدالله على سلامتك يا صاحبي.
الله يسلمك. قاطعهم دلوف الضابط المكلف بالقضية: حمد الله على سلامتك يابدر.
الله يسلمك يا اسامة.

طبعًا مش محتاج أقولك أنا هنا ليه، بس قبل الشغل كنت عايز اطمن عليك.
أومأ له دون حديث.
أشار للكاتب المسؤول معه: جاهز ناخد أقوالك. هزَّ رأسه وعيناه على كريم: مفيش قضية اصلًا يااسامة، الأستاذ مالك كان بيوريني المسدس بتاعه ومأخدتش بالي وأنا باخده إنه جاهز على الاطلاق، والرصاصة صابتني.
توسَّعت أعين كريم مدهوشًا، فلقد قصت له رهف عن ما صار، فقاطع حديثه: بدر إيه اللي بتقوله؟

استدار بوجهه قائلًا: إنت كنت معايا وشوفت اللي حصل!
هزَّ رأسه بالنفي فأردف بدر: يبقى متدخلش، ثم توجه إلى أسامة: اللى حصل قولتهولك.
بس كلام مدام رهف غير كدا!
شعر بنبضاتِ قلبه تتقاذف بين ضلوعه حينما ذكر اسمها، ذهب بشروده و ابتسامة تسللت عبر شفتيه متذكرًا حديثها، إلى أن قطع شروده: ماجاوبتش، دكتورة رهف مقالتش نفس الكلام!

حمحم معتذرًا: دكتورة رهف ماكنتش موجودة دخلت على صوت المسدس واللي شافته أوحى لها غير كدا.
بعد فترة من أسئلة وكيل النيابة خرج وتركه بعد نفي تهمة مالك، جلس كريم بجواره بدلوف والدته: ليه نفيت التهمة عن مالك يابدر؟ هرولت والدته إليه: طلعت الراجل اللي كان عايز يقتلك يابدر! وقبل كدا قتل باباك.

ماما اللي حصل أنا قولته، مفيش حد كان عايز يقتلني، وممكن أعرف مراتي فين؟ ليه لما فوقت مالقتهاش رغم إني كنت حاسس بوجودها.
البنت دي هطلقها خلاص مابقتش عايزاها. أنا طردتها من هنا لازم تبعد عنك.
تأجج صدره صعودًا وهبوطًا من حديث والدته الذي شقَّ صدره متألمًا فوق آلامه فقال:
كريم ساعدني عايز أقوم.

هاجت والدته ونيران الحقد على رهف ازدادت فهتفت موبخة: اتجننت عايز تخرج وجرحك لسة بينزف علشان إيه دا كله! اعتدل متألمًا، اقترب منه كريم: بدر ممكن تهدى، طيب استنى نشوف الدكتور هيقول إيه.
نهض ولكن لم يستطع مقاومة الدوران الذي استولى على جسده. جلس محاولًا أخذ أنفاسه التي اضطربت بعدما ضغط على جرحه. ساعده كريم بالتسطح
إهدى وأنا هروح لها لو دا يرضيك.
تشبث بكفيه: عايز مراتي ياكريم.

مرَّت عدة أيام بعدما رفض الطبيب تحركه بسبب جرحه الذي نزف، مما جعله راقدًا بفراشه ولم يعد لديه القدرة على التحرك.
عند رهف جلست بشرفتها تضع رأسها فوق ركبتيها وذهبت بشرودها إلى لحظاتهما معًا، انسابت عبراتها عبر وجنتيها وقلبها يأنُّ وجعًا، كيف تتخلى عن مشاعرها التي اقتحمت دواخلها و أعلنتهُ عاشقها حد النخاع.

همست لنفسها: هتقدري تعيشي بعيد عنه! طيب ماهوَّ مابيحبنيش إيه اللي يخليني أفضل معاه! دافعي عن كبريائك يارهف، لازم تبعدي حتى لو بتحبيه، تأكدي لو حبك كان مستحيل يبعد عنك.

زفرت مختنقة، تتراجع بجسدها تنظر لقطراتِ المطر خلف الزجاج ودعت ربها: يارب أخرج حبه من قلبي، يارب ريَّح قلبي من عذابه. دقائق من الوقت وهي تتابع بعيناها الباكية وقلبها المتألم قطرات المطر، ولسان حالها يريح قلبها إلى أن استمعت إلى صوت والدتها وهي تملس على رأسها: قومي نتعشى حبيبتي بقالك كام يوم و إنتِ قافلة على نفسك.
رفعت رأسها لوالدتها بعيونها الباكية.

ماما عايزة نسافر ونرجع زي ماكنا، مابقتش عايزة أقعد هنا.
جذبت والدتها المقعد وجلست بمقابلتها: وبدر يارهف، هتقدري تبعدي عنه؟
زي ماهو قدر زمان ياماما، لازم أبعد، أنا مش في قلبه كفاية وجع بقى.

احتضنت كفيها تنظر بداخل مقلتيها: غلطانة ياحبيبة ماما، بدر بيعشقك مشِفتهوش لما كنتي في المشفى، دا كان هيولع في الدكاترة، قطعت حديث والدتها متوقفة: ماما ممكن توافقي على طلبي، لازم نمشي من هنا، وبالنسبة لطلاقي هو أكيد هيطلقني، أنا كلمت كام مستشفى برة وقبلوني كمان، وقررت نسافر بعد يومين بعد موافقة حضرتك، آسفة اتصرفت من غير ماأقولك، بس حقيقي أنا قررت ومش هتراجع. استمعوا الى طرقات الخادمة: دكتورة رهف أستاذ كريم عايز يقابل حضرتك.

نظرت لوالدتها مستفهمة، ثم نهضت متحركة متجهةً للخارج بعدما ارتدت رداء صلاتها: أهلًا أستاذ كريم.
توقف بمحاذاتها وأردف: أهلًا دكتورة رهف، أنا جاي أخدك، بدر عايز يشوفك.
جلست تشيرُ إليه بالجلوس: اتفضل. ماقالش عايز إيه؟
إنتِ حتى مسألتيش عامل إيه!

. طالعته بصمتٍ للحظات ثم أردفت: بدل فاق أكيد هيكون كويس، وصَّله سلامي وحمد الله على سلامته، أتمنى يطلقني بهدوء، إحنا ناس كبار وعاقلين بما فيه الكفاية مش مضطرين نوقف قدام بعض في المحاكم. قالتها وتوقفت بعد وصول والدتها ثم تابعت حديثها وعيناها على والدتها: ماما أنا قولت كل اللي عندي للأستاذ كريم.

حتى بعد مابدر اتنازل عن القضية ونفى التهمة عن الاستاذ مالك. استدارت سريعًا غير مستوعبة ماتلفظ به قطبت جبينها: وليه يعمل كدا. اقترب منها وعيناهُ تخترق وقوفها: السؤال دا إجابته مش عندي.
تحركت للداخل دون حديثٍ آخر.
أردفت كوثر قائلة: رهف هتسافر بعد يومين، بلغ بدر هيَ خلاص قررت إنها ماتقعدتش هنا.
أومأ لها وتحرك مغادرًا المكان.

بعد يومين وهو اليوم المقرر لسفرِ رهف. توقفت كوثر تحاوطُ المكان بوداعٍ من نظراتها، بخروج رهف من غرفتها تحمل أشياءها الخاصة بحقيبةٍ صغيرة، استمع الى صوت الباب. فتحت رهف، توقفت تنظر لوالدها بعتابٍ ثم تراجعت للخلف لدلوفه. اتجه للداخل يبحث عن طليقته: كوثر خلاص هتسافروا؟ لو مضايقين مني وعد مش هتشوفوا وشي.

أومأت له قائلة: -أنا هسافر علشان بنتي يامالك، هيَ مش مرتاحة، والمكان اللي بنتي ترتاح فيه هكون معاها فيه.
بعد إذنك يابابا لازم نتحرك باقي نص ساعة يادوب نلحق الطيارة.
بعد قليل توقفت لتنهي اجراءت سفرها هي ووالدتها. وضعَ كفيه فوق جواز سفرها.
ينفع تسافري من غير إذن جوزك؟ حتى لو بالواسطة ياست الدكتورة.

تراقص قلبها فرحًا وهي تراه بهيئتهِ الرجولية الخاطفة للأنفاس، لتهمس اسمه: بدر. لم يدعها تكمل حديثها ليجذبها بقوةٍ لأحضانه: روحه وحياته. دفن وجههُ بحجابها: عايز أشيلك وأدور بيكي ينفع.
جنون شغف عشق ينازع روحها يفوق انتزاع الروح من الجسد.
حاولت التملص من بين يديه بعدما حاول حملها: بدر، إبعد إنتَ صدرك مجروح.
ضمَّها بقوةٍ حتى شعرت بإذابة ضلوعها بين أحضانه من قوة ضمته: فداكِ بدر وحياته كلها.

خرجت من أحضانه مع انسياب عبراتها: ليه دا كله؟
احتضن وجهها يضع جبينهُ فوق جبينها يسحب أنفاسها بقبلته المجنونة أمام الجميع، لقد سحبت عقله ولم يعد لديه سوى دقات قلبه المرتفعة بجنون عشقها، هامسًا بتقطع من قبلته: بحبك. بحبك. بحبك قالها وهو يحملها ويدور بها تملصت منه خوفًا عليه وبكت بشهقاتٍ وهي ترى آلامه على ملامح وجهه: كفاية صدقت. أنزلها بهدوء يضغط على خصرها بعدما شعر بانسحاب أنفاسه.

رفعت كفيها على وجههِ تنظر إليه: ينفع كدا، أخدت إيه!
ضمها متحركًا ينظر إلى كوثر: نرجع بيتنا ياروحي. بسطت كفيها تحاوط خصره: نروح المستشفى الأول ياحضرة القاضي اطمن عليك.

تلفت حوله يهمسُ بجوارِ أذنيها: حضرة القاضي هيتجنن ويبوسك تاني. دفنت رأسها بصدرهِ بعدما جذبها بقوةٍ يجاهد الكثير والكثير بداخله من مشاعره التي سيطرت عليه لتذوق شهدها المسكر. ليعلمها إتقانها لفنون العشق من جولاته: هتمشي ولا نتاخد بوضع مخل.
رفعت رأسها تنظر إليه: مش عيب تبقى قاضي وتتاخد بفعل فاضح ياحضرة القاضي!
داعب أنفها قائلًا: عادي ياروحي ماأنا القاضي المتهم
بحبك.

تمت
نهاية الرواية
أرجوا أن تكون نالت إعجابكم
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة