رواية هل من سبيل للغفران ج2 للكاتبة نورهان العشري الفصل العشرون
يُقال إن الصدمات لا تأتي لتقتُل، بل لتُثقل عقل الإنسان وتمنحه نضجًا موزونًا، وتوطد خبراته في الحياة؛ ولكن. ماذا لو جاءت تلك الصدمات على هيئة طعناتٍ نافذةٍ نجحت في اختراق شغاف القلب، فأذاقته كيف يكون الموت وهو يتنفس؟ ماذا لو كان ثمن هذا النضج شقًا غائرًا في أعماق الروح، لا يهدأ ألمه ولا يندمل جرحُه؟
تُرى، هل سيكون المرء ممتنًا لها لأنها لقنته درسًا قاسيًا؟ أم سيكون ناقمًا عليها لأنها أماتته سابقًا لتحييه الآن؟ وهل الحياةُ بعد خذلان بطعم الموت تستحق كل هذه المعاناة؟ أم أنَّ الوجع هو ضريبة الحياة الأساسية التي لا مفر من سدادها؟
جميعها استفهامات قد تمر عابرة على من لم تلسعه ألسنة حروفها، أما من عاشها و ذاق طعم مرارتها، فله رأي مُغاير: إن قلوبنا ترحب بالصدمات ما دام أحبتنا عونًا لنا عليها، ولا تقبل بأن يُهلكها من أسكنته بين حناياها آمنًا؛ فلا سماح لمن استحل قتلنا ونحن على قيد هواه أحياء، ولا يظل عزيزًا من هان عليه جُرحنا ولو كان يسكن أعماق الروح، فمن استباح دمائنا، فنحن من وداده اليوم براء
نورهان العشري.
أخذت عينيها تتفرقان ما بينه و بين ذلك الطفل الذي بين يديه وجملته لازالت ترن بأذنيها و كأنها طنين مؤذي يجعلها يتردد في عظام رأسها ولأول مرة في حياتها تشعر بأنها لا تعي ما تسمع حتى أنها أخذت تحاول إخراج الحروف من بين شفاهها ولا تعرف، وقد كانت عينيه تناظرها بهدوء لا تفهمه يلفت انتباهها قارورة مياة موضوعة فوق أحد الطاولات على يمينها لتمد يدها و ترفع كوب المياة لتبلل حلقها الذي جف و كأن الموت يقف على أعتابه، لترتعش يدها الممسكة به، و تسقط بعض المياة فوق مقدمة صدرها، ولكنها لم تهتم انما وضعت الكوب من يدها والتفتت تناظره وكأنه أحد الكائنات الأسطورية التي تقف أمامها وليس حبيبها!، أخيرً استطاعت الحديث قائلة بشفاه مُرتجفة.
هو. هو يعني ايه سيف كمال الوتيدي؟ هو في كمال الوتيدي غيرك؟ يعني. اق. اقصد في العيلة. في كمال تاني غيرك؟!
قالت جملتها الأخيرة و هي تلهث و كأنها أنفاسها بدأت بالانفعال أولًا، لتتفاجيء به يقول بنبرة خشنة: لا مفيش كمال في العيلة غيري كمال الوتيدي واحد بس، و دا سيف ابني.
كانت خناجر كلماته تنغمس أكثر و أكثر داخل قلبها ولكن عقلها عجز عن استيعاب الألم، وهو يحاول رفض هذا الواقع لتهتف بنبرة مُتحشرجة و أنفاس متهدجة: ابن. ابنك ازاي؟ يعني أقصد. احنا مخلفناش يا كمال...
وضعت يدها فوق بطنها وكأنها تخبره بأنها المكان الوحيد الذي يجب أن يحتضن أطفاله، لتتابع وقد بدأت بإدراك تلك الكارثة: دا. دا. ابن وا. واحدة تانية. واحدة غيري يا كمال!
كانت الكلمات تتقطع فوق شفتيها و تزاحمها الأنفاس و دقات قلبها التي كانت تضرب صدرها بعُنف ليشعر كمال بأنها على شفير الإنهيار مما جعله يقول بنبرة خشنة: أقعدي خلينا نتكلم.
لم يتوقع تلك الصرخة التي شفت جوفها حين صرخت بماء فمها بصوت اهتز له سائر جسدها: رد عليا، خلفت من واحدة تانية غيري.
كمال في محاولة لتهدأتها: اهدي يا آسيا.
برقت عينيها و أخذت العبرات تتناثر منها ممن يهب من النيران لتهتف بذهول ممزوج بالاستنكار: أهدى! بتقولي أهدى؟! اهدى ازاي دا انت حاطت السكينة على رقبتي و بتدبحني و أنت عينك في عيني. اهدى ازاي؟
وضعت يدها فوق رأسها تحاول استيعاب تلك القنبلة التي من شأنها أن تقتلها في هذه اللحظة. لتخرج الكلمات من فهما كالهذيان: يعني أنا كنت بموت هنا عشانك، و أنت هناك في حضن واحدة تانية غيري!
كان قلبه يتلوى بداخله من فرط الألم، ولكن هناك شيطان مريد بداخله يأبى الاستسلام، ولكن حين بدأ الطفل بالبكاء التفت إلى آنا و هتف بالإيطالية لتقترب الفتاة و تقوم بأخذ الطفل لتصعد إلى الأعلى أمام نظرات آسيا التي هتفت بنبرة جافة: مشيتها ليه؟ ما كنت عرفني عليها. مش دي ضرتي بردو!
كمال بخشونة: لا. آنا مش والدة سيف. آنا المربية.
بدأ الألم يهتاج بداخلها ولكن ألم قلبها كان أعظم مما جعلها تهتف بشراسة: أنا تعمل فيا كدا؟!
كمال بقسوة: أنا عملت كدا و أنا مطلقك. الدور والباقي على اللي راحت تعاتب واحد وهي على ذمة واحد تاني.
خاينة أنا صح؟!
قالت جملتها ثم أخذت تطلق عدة ضحكات كانت تعبيراً عن صدمة لا يحتملها قلبها ولا يستوعبها عقلها وسط سيل من العبرات الغزيرة التي أغرقت مقدمة صدرها وعينيها زائغة في المكان و كأنها شخصٍ يقف على أعتاب الجحيم لتشعر بفوران داخل معدتها و كأن جسدها وصل إلى ذروته لتشعر بأنها تريد التلاشي في هذه اللحظة حتى لا يرى ماذا فعل هذا الخائن بها، لتجد ضالتها في ذلك الحمام الصغير على يسارها لتتوجه إليه بخطوات مهزوزة و كأن ساقيها تلتف حول بعضها البعض، لتغلق عليها الباب و تستند عليه بكامل ثقلها وعينيها تنظران إلى السقف ورأسها يكاد ينفجر مما حدث ولكن، هل ستجعل ذلك الخائن يرى ما فعله بها الغياب؟!
سيقتلها الأمر الآن. لم تعد تحتمل رؤيته هل تحتمل شفقةٍ منه؟!
قامت بإفراغ حقيبتها لتخرج دواء مضاد للحموضة بهديء من فوران معدتها قليلًا ثم عبأت كفوفها بالمياة من الصنبور و أخذت ترتشف منه حتى تهديء حرائق الألم بداخلها ثم أخذت تنثر المياة فوق وجهها فقد كانت كمن ضربتها صاعقة قوية أوشكت على نزع قلبها من مكانه، ولكنها لن تسقط حتى ولو خرجت روحها وهي تقاوم.
نظرت إلى نفسها في المرآة هذا الانهيار و الألم و الضعف، لقد كان مع إمرأةٍ سواها!
تلك الجملة كان وقعها أقوى من البارود، و أشد من نصلٍ قاتل.
تذكرت تلك الليلة و ما عاشته من ألمٍ و كسرة و ذُل و الآن فذلك الفارس الذي أنقذها ليس موجود! لكنها ستنجو وحدها، فالجميع خذلها و خاصةً من وضعتهم بين حنايا قلبها.
اخفضت رأسها و وضعت كفها فوق معدتها وكأنها تتوسل إليها بالهدوء حتى تفارق هذا المكان، و ذلك الخائن و من ثم تبدأ بالإتهيار حتى ولو دمائها دفعةً واحدة ولكن ليس أمامه.
تراجعت إلى الخلف في اللحظة التي توجه كمال إلى غرفة الصغير حين نادته المربية لتخبره بأن الصغير يبكي بقوة و كأنه يريده، فقد كان يشعر بأن قلبه سيتوقف من فرط الألم و الخوف عليها، ولكنه صعد الدرج في عدة خطوات لطمأنة الصغير و العودة إليها، ولكن لحسن حظها حين خرجت لم تجده ليلفت انتباهها مفاتيح السيارة الموضوعة فوق أحد الطاولات لتنتزعها دون أن تفكر و تتوجه إلى الخارج ليسمع كمال صوت الباب يغلق، فهوى قلبه بين قدميه و أعطى الصغير المرتعب لمربيته، و هرول إلى الأسفل ليجد الباب مفتوح على مصرعيه و يسمع صوت السيارة تدور ليتبلور الذُعر في صدره من شدة خوفه عليها و يتوجه كالممسوس إلى الخارج ليجدها تعود بالسيارة إلى الخلف حتى تُديرها لتخرج إلى الطريق الأساسي، دون أن تهتم بصراخه و تنطلق إلى أي مكان قد يبعدها عنه، لتتركه خلفها واضعًا يحيط رأسه بكلتا يديه وكل إمارات الذُعر بادية على وجهه، ليتراجع إلى الجراج و يستقل دراجته البخارية و ينطلق خلفها...
اللهم افتح لي أبواب رزقك، ويسّر لي أسباب الخير من حيث لا أحتسب، وبارك لي فيما أعطيتني.
كانت رنا تقف أمام غرفة زينة تقدم خطوة و تؤخر الثانية تود الحديث مع أحد، فما حدث اليوم أربكها و جعلها في حيرة كبيرة من أمرها
عودة إلى وقتٍ سابق
شهقت رنا بعُنف وهي تقول: أيه يا سهيلة دا؟ أنتِ ازاي تقتحمي عليا البروفا بالطريقة دي وانا لسه ملبستش؟
كانت أعيُن سُهيلة تلتمع بطريقة بثت الذُعر في قلب رنا لهتف الأولى وهي تمر بنظراتها على جسد رنا: أيه يا رنا في اي؟ ما أنتِ اللي طولتي قولت يمكن محتاجة مساعدة ولا حاجة! و بعدين احنا بنات زي بعض يعني عادي!
رنا بتوتر: لا طبعا مش عادي. مينفعش، و كدا عيب، و أظن أنه حرام.
سهيلة بملل على عكس نظراتها المُتفحصة: بطلي هبل بقى هتضحكي الناس عليكِ. غير ايه؟ و مين قالك أنه حرام شيفاني بشنب قدامك! و على فكرة بقى لما بنروح نشتري لبس انا والبنات بندخل البروفا سوى.
رنا بعدم فهم: و ليه بتعملوا كدا؟
سهيلة بنبرة يشوبها الخُبث و تعج بالتهكم: بنقفل لبعض السوستة. يالا اديني ضهرك بقى عشان اقفلك السوستة و اشوف الفستان اللي شكله هياكل منك حتة دا!
لا تعلم لما ارتجف بدنها و شعرت بالنفور من نظرات سهيلة و حديثها لتهتف بانفعال قلما يظهر عليها: لا مش هقيس حاجة. و هلبس عشان نروح. اتفضلي اخرجي.
حاولت سهيلة أن تجعل نبرتها معاتبة و لينة حين قالت: أيه يا رنا أنتِ قفشتي ولا ايه؟ دانا كنت بتعامل عادي. هو احنا مش أصحاب و لا ايه؟
كانت تريد خروجها بأي طريقة لتهتف بنبرة أعلى: سهيلة كفاية بقى واخرجي بره.
احتدت نظرات سهيلة قبل أن تخرج من البروفا لتترك رنا في الداخل ترتجف
عودة إلى الوقت الحالي.
كانت رنا محتارة فيما حدث، وخاصةً أن سهيلة أرسلت لها رسالة صوتية تعاتبها بحزن أشعر رنا بالندم، ولكنها استنكرت ما حدث بشدة، فشعرت بالحيرة تود لو تخبر أحد ما حدث حتى تعرف ما هو الصواب، فأخذت تنظر إلى الغرف، بدايةً من غرفة زينة ثم غرفة أشجان ثم غرفة ميرهان لتحتار مع من تتحدث و إلى من تلجأ! و بالنهاية قررت الذهاب الى غرفتها وهي تبكي بحزن و حيرة مرهقة كثيرًا لمن في مثل عمرها.
اللهم أخرجني من حزني، وبدّل ضيقي فرحًا، وهمّي راحة، وطمأن قلبي يا رب.
كانت تقف أمام الشرفة لا تستطِع النوم بعيدًا عنه ذلك الأمان الذي ظنت أنها أخيرًا وجدته و أنها سيكون مستقرها إلى الأبد، ولكنها كانت مخطئة، فهاهي ضائعة، خائفة حزينة، فما كانت تريد سوى الحفاظ على بيتها و زوجها و خاصةً وهي في مواجهة هؤلاء الثعابين التي لا تستطيع أن تأمن مكرهم بعد ماحدث.
زفرت بتعب وهي تتذكر ذلك الحديث الذي قلب حياتها رأسًا على عقب
عودة إلى وقتٍ سابق
تعالي يا أشجان يا بنتي. عاملة ايه؟
هكذا تحدثت سعاد إلى أشجان التي كانت ابتسامتها تُضيء وجهها وهي تتقدم من سعاد و تقول بهدوء: الحمد لله يا طنط حضرتك عاملة ايه؟
سعاد بنبرة مُشجبة: الحمد لله هعمل ايه؟ أديني قاعدة مستنية أجلي.
أشجان بلهفة: بعد الشر متقوليش كدا. ربنا يطول في عمرك.
ناظرتها سعاد بغموض قبل أن تقول باستفهام: معقول في لسه ناس زيك كدا يا أشجان؟
زيي ازاي مفهمتش؟
هكذا استفهمت أشجان لتُجيبها سعاد قائلة: روحي اقفلي الباب بالمفتاح عشان الخدامة لو جت تخبط قبل ما تدخل علينا.
أطاعتها أشجان وهي تشعر بأن هناك خطبٍ ما ولكنها لم تُعلق بل جلست أمام سعاد وهي تناظرها بترقب لتصدمها حين قالت: أنتِ طيبة أوي، وانا بعرف افرق بين الناس كويس، وعشان كدا هقولك حاجة محدش يعرفها غيري، ودا عشان تخلي بالك من نفسك، و متبقيش ضحية لنبيلة.
أشجان بتوتر جراء حديث سعاد: حضرتك تقصدي أيه؟ أما مفهمتش.
سعاد بتوضيح: نبيلة بتحطلك حبوب منع الحمل من أول يوم اتجوزتي فيه خالد.
عودة إلى الوقت الحالي.
محت عبراتها وهي تنظر من الشرفة إلى السماء التي تتلئلئ بها النجوم من بعيد و قد تذكرت تلك الأيام حين كانت تقف في منزلها القديم مع أمين و تودع النجوم أمنياتها الخفية و تتمنى لو أنها تتحقق ذات يوم و تلامسها بأناملها، و الحقيقة أنها لم تكُن تتخيل أن يتحقق ماهو أبعد من أحلامها بكثير لتصبح زوجة لهذا الرجل، ولكن كما اعتادت لا يوجد شيء كامل، فهاهي جنتها يسكنها الشياطين، فبعد حديثها مع سعاد التي كشفت لها هذه القنبلة المدوية حاولت التأكد من حديثها و يا لأسفها حين توجهت قبل العشاء إلى غرفة التخزين لتختبأ بها و إذا بها ترى الخادمة التي كانت تتلفت يمينًا و يسارًا قبل أن تخرج شريط دواء من جيبها و تضع حبة من هذا الدواء في الكوب الخاص بها، و هنا تأكدت من أن سعاد كانت محقة لتبدأ معاناة من نوعٍ آخر.
قاطع أفكارها رنين هاتفها فإذا بها تجد سوزان على الهاتف لتُجيب بنبرة مُتحشرجة: نعم يا سوزي.
سوزان بلهفة: طمنيني عليكِ عاملة أيه دلوقتي؟
أشجان بنبرة مُلتاعة: الحمد لله على كل حاجة.
سوزان بمواساة: معلش يا بنتي. مقدمناش حل غير كدا. انا عماله أجيبها يمين أجيبها شمال مش لاقيالها عدلة.
أشجان بنبرة تئن ألمًا: هتتعدل ازاي يا سوزي واحنا عايشين وسط الشياطين دول كلهم.
سوزان بحيرة: والله يا أشجان انا ما عارفة أقولك ايه! لا قادرة ألومك ولا في إيدي حل تاني. بس الأكيد انك مش لازم تكوني ضعيفة.
أشجان بتعب: ملهاش حل تاني. الناس دي مش عايزة حد قوي. عايزة حد ذكي يقدر يتعامل معاهم بعقل. أنتِ شوفتي اللي حصل لسهام اللي على كلام خالد مكنش حد بيقدر يفتح بقه بحرف قدامها.
سوزان بتفكير: و دا اللي مخليني أطاوعك. نبيلة دي زي التعبان غداره. بس صعبان عليا خالد أوي. تحسي عنيه وجع الدنيا كله فيها.
أشجان وهي تحاول إخماد شهقاتها: أنا كل زعله مني دا مش واجعني قد مانا موجوعة و خايفة عليه لما يعرف باللي هي عملته في مراته. تعرفي! لما قالي أنهم مكنوش بيقدروا يتنفسوا مع سهام كنت عايزة أقوله عشان كدا قتلوها يا خالد. مهما اتخيل حقارتهم مش هيتخيل أنهم يوصلوا للدرجادي. انا خايفة عليه أنه يعرف أوي.
سوزان بحزن: والله مانا عارفة أقولك أيه يا بنتي. انا بس عايزاه يعرف انك مخدتيش من الحبوب دي.
أشجان بأسى: وأنا نفسي أوي. نفسي يعرف اني متمنتش في الدنيا غير طفل منه. انا بحبه أوي يا سوزي بحبه أوي. بحبه أكتر من نفسي.
سوزان بحنو: عارفة يا حبيبتي، وهو كمان لازم يعرف دا ولا من تقوليله يا أشجان.
أشجان بلوعة: طيب هقوله أيه؟ هقوله أني حطيت الحبوب دي في دولابي عشان الخدامة تشوفها وتروح تقول لأختك عشان تبطل تحطلي حبوب منع الحمل؟ لازم سبب و سبب مقنع دا خالد يا سوزي. انا بس نفسي احضنه، و أقوله أنا أسفة.
سوزان بأسى لأجلها: هتعتذريله على أيه بس يا بنتي! أنتِ عملتي أيه؟ دا أنتِ مظلومة زيك زيه!
أشجان من بين عبراتها: هقوله انا أسفة بالنيابة عن الدنيا دي كلها؟ هقوله أسفه عشان عندك أخت بالسوء دا. أسفة عشان هو ميستحقش غير كل حاجة حلوة.
محت عبراتها ثم تابعت بنبرة تئن وجعًا: عارفة؟ أنا بدعي من ربنا أكون حامل و اجري عليه وأقوله انا في بطني طفل منك. يمكن النظرة اللي في عيونه ليا دي تتمحي. نفسي اوي اطلع حامل.
سوزان بلهفة: والله وانا بدعي ربنا يكرمك، وقتها ننفذ اللي اتفقنا عليه و نقوله انك هتقعدي عندي عشان اخد بالي منك لحد ما نشوف هنعمل ايه مع الزفتة دي.
أشجان بنبرة حزينة: سبحان الله منا عمالين نخطط و نفكر بس إرادة ربنا ليها رأي تاني، و يمكن دي الحاجة اللي مطمناني أنه بدل ربنا عمل كدا يبقى خير.
ما أن أوشكت سوزان على الحديث حتى وصل إلى مسامع أشجان صوت صراخ قادم من الخلف، لتهتف بذُعر: يا ساتر يارب في ايه؟
هرولت أشجان إلى الخارج لتجد خالد يخرج من غرفة مكتبه و هايدي التي تصرخ في منتصف الرواق وهي تصيح: ماما انتحرت. الحقي يا خالو ماما بتضيع مننا.
هرول خالد خلف هايدي و وراءه كُلًا من أشجان وزينة و ميرهان و رنا و حين وصلوا كان خالد في الأعلى ليُصدم حين رأى شقيقته تتوسط ارض الحمام، و على معصمها قطعة من القماش غارقة في الدماء التي تمليء الأرضية ليهوى قلبه بين قدميه وهو يندفع تجاهها ويهتف بذعر: نبيلة...
أنا ربطلها القماشة دي على أيدها عشان اوقف الدم و جريت عليك.
وضع إصبعيه فوق شريانها النابض ليتأكد من أنها لازالت على قيد الحياة ثم قام بحملها و الاندفاع نحو الأسفل، وقلبه يرتعب من فقدانها فهي بالرغم من كل شيء تبقى شقيقته...
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.
ترجلت من السيارة وهو بجانبها يساعدها على النزول و يديه تمسكان بيديها بحنو و كأنه يعتذر عن كل ما حدث معهم، لتبتسم له بهدوء، فمد يده يعانق كتفها وهو يقول بنبرة حانية: تعبتي اوي النهاردة. حقك عليا يا غُريبة قلبي.
غنى بلهفة: متقولش كدا يا ياسر. كله يهون قصاد أني شيفاك قدام عنيه.
كان يفتح باب المنزل ولم يكد يُجيبها حتى تفاجئ بذلك الصوت من داخل المنزل: ياسر. حمدلله على سلامتك يا قلب أختك.
هكذا صرخت هيام وهي ترمي بنفسها بين احضان ياسر الذي عانقها وهو يقول بطمأنه: أنا كويس يا هيام متقلقيش. أنتِ هنا من امتى؟
من وقت ما عرفنا انك خرجت وهي كل شوية تبعت حد من الغفر يشوفك رجعت ولا لسه، و في الآخر مستحملتش و جت تستناك هنا.
هكذا تحدث جابر وهو يشعر بالحرج من دخولهم المنزل دون وجود ياسر و غنى التي استشاطت غضبًا من دخولها المنزل في غيابهم، وقد ظهر ذلك جليًا على ملامحها ليحاول ياسر تدارك الأمر حين قال: معلش روحت أجيب غنى و سهرنا شوية عند ولاد عمي. معرفش انكوا مستنيني هنا.
هيام بنبرة لينة: أنا بصراحة وحشني بيت أبويا و ريحته قولت ادخل استناك على ما ترجع و اطمن عليك. أنت متهونش عليا لو مهما انا هونت عليك يا ياسر.
لم يكن في حال يسمح له بالجمال لذا قال بنبرة متعبة: كتر خيرك يا هيام. كلك ذوق.
كانت عينيها على غنى بطريقة أربكت الأخيرة لتقول هيام وهي تنظر إليها في عينيها مُباشرةً: حاسة ان العروسة زعلانة أننا دخلنا البيت من غير ما نستأذن.
أوشكت غنى على الحديث، فأمسك ياسر بكفها وهو يقول بنبرة جامدة: مفيش زعل يا هيام غنى تعبانه بس شوية.
اغتاظت من حديثه ليقول جابر بحرج: طيب يا ياسر احنا كنا جايين نطمن عليك و هنمشي عشان ترتاحوا.
هيام باندفاع: نمشي دا ايه؟ مش لما اطمن على أخويا و مراته.
تبدلت نظرته غنى من حديثها، ليرى ياسر ذلك النزاع الدائر بين عينيهما، مما جعله يقول بمهادنة: دا بيتك يا هيام و بيت أبوكي يا هيام، و أنتِ تنوريه في أي وقت. محدش يقدر يقولك متجيش أو متقعديش.
كانت غنى تغلي من شدة الغضب، و بداخلها متعبة، و شعور غريب بالغربة، و بأنها لا تملك شيئًا حتى جدران بيت يكن بمثابة مملكتها، ولكنها تفاجئت حين سمعت ياسر يتابع بنبرة مترفعة: أنا بدور على شقة تكون كويسة نسكن فيها أنا و غنى عشان مهما كان دا بيت ورثة و مقدرش اجي على حق أخواتي.
لم تتخيل كلا المرأتين أن يكُن رده بهذه الطريقة، فقد قلب الطاولة فوق رأس هيام التي هتفت بلهفة: تسكن بره دا ايه يا ريس! وشقة إيه اللي بتدور عليها؟ ما كفاياك زعل و خصام بقى يا ياسر. طيب يا سيدي انا غلطانه و محقوقالك و هبوس راسك كمان.
و بالفعل نهضت تقترب منه لتقبل رأسه أمام عيني غنى التي كادت أن تختنق من شدة الغضب حين سمعت ياسر يقول بلهفة: بتعملي ايه يا هيام؟! اقعدي الله يرضى عنك.
هيام بحزن: طب اعمل ايه عشان تصالحني. اوطي أبوس رجلك يا ياس؟ معنديش مشكلة والله.
ياسر باندفاع: أيه يا هيام الكلام اللي بتقوليه دا؟ بلاش كدا أنتِ عارفة أن مقامك غالي...
كانت تعرف ماذا يدور بداخل عقله، ولم تمهله الفرصة للتفكير إذ هتفت بلهفة: كدا انا عرفت. يبقى أنت زعلان عشان زعل السنيورة، و أنا ميرضنيش زعل غنى و هاخدها من أيدها دلوقتي و ندخل جوا نتصافى.
برقت عيني غنى من حديث هيام التي لم تدع لهم الفرصة للحديث إذ قالت بنبرة ودودة: قومي بينا يا غنى نتكلم و نتصافى. عشان ياسر يرتاح. مش أنتِ يهمك بردو انه يكون مرتاح.
نفذ مخزون الصبر لديها مما جعلها تهتف بحنق: اللي يشوفك دلوقتي ميشوفكيش الصبح يا هيام و أنتِ...
قاطعتها هيام وهي تجذبها من يدها وتقول بنبرة ودودة: يا بت ميبقاش قلبك أسود مكنوش كلمتين فضفضنا بيهم قصاد بعض. خلينا نتكلم جوا و سيبي الرجالة يتكلموا.
تنبه ياسر لما يحدث، ليستفهم قائلًا: في أيه يا غنى و حصل ايه الصبح؟
تدخلت هيام بتحذير: ملكش فيه. دا كلام بيني وبين غنى.
لم تعطي لأحد فرصة للحديث حيث جذبت غنى أسفل ذراعيها و أدخلتها الغرفة وسط ذهول الأخيرة و صدمتها...
اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميتَ به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همّي.
كيفك يا ست البنتة؟ اتوحشتي أبوكي جوي.
هكذا تحدث رحيم الذي اتسعت ابتسامته حين رأى الهاتف يرن باسمها فقد كان يتوقع أن تفعل ذلك في اقرب وقت و قد صح ظنه
بجولك ايه اني معرفكش، و لا عمري هصدج حديتك ده، فبطُل تجوله أحسن.
رماح بابتسامة ساخرة: لاه مش هبطِل، و أجولك على حاچة كمان اني كنت عارف انك هتكلميني بس ربك و الحج متوقعتش تكلميني و چوزك موچود.
نجاة باستفهام: مين جالك إن چوزي موچود؟ چوزي بره العشا.
اعتدل رماح في جلسته وهو يلتفت إلى أحد الأجهزة بجانبه والتي تشير بناءٍ على جهاز التتبع الذي وضعه في هاتف رحيم أنه بالمنزل لذا هتف بحدة: عتجولي ايه انتِ! لا يكون جارك و بتسمعيه إياك!
نجاة باستنكار: مين ده اللي چاري و بسمعه؟ رحيم لو عرف اني بكلمك ممكن يجتلني!
برقت عيني رماح حين علم بأن هذا الماكر قد سخر منه مجددًا، فقد أمر سكينة بأن تحاول إحضار هاتف رحيم لبضع دقائق و تعطيه لأحد الحرس الخونة الذين يعملون لصالحه حتى يضع به جهاز تتبع ليعرف مكان حبيبته التي لم يرتاح الفؤاد منذ أن انتزعوها من بين أحضانه، ولكنه خدعه، و هاهو الجهاز يشير إلى أن الهاتف في القصر ولكنه ليس هناك، ليقوم بإلقاء الهاتف من يده وهو يزمجر بعنف، فجاءت سحر مهرولة: في أيه يا رماح؟
رماح بغضب جحيمي: ولد المركوب طلع عارف كل حاچة، و بينيمني.
سحر بلهفة: أنا مش فاهمة حاجة. تقصد مين؟
رحيم الكلب. همل المحمول اللي عليه چهاز الزفت التتبع في البيت و خرچ.
سحر بتفكير: لو عمل كدا يبقى الموضوع في إنه
رماح باستفهام: تجصدي ايه؟
مليون في المية هو قاصد انك متعرفش هو رايح فين؟
برقت عيني رماح وهو يتخيل أن تكون حبيبته قريبة منه وهو لا يعرف مكانها لذا صاح كالمجنون: معقول تكون اهنه. داني جلبت الصعيد من شرجه لغربه! معقول تكون چاري كل الوجت ده؟
سهر بتفكير: ليه لا؟ وانا عن نفسي متأكدة أن رحيم بدل عمل فيك الملعوب دا يبقى هو عندها، وهو ميعرفش انك بتكلم نجاة و بالتالي مش هتعرف أنه ساب التليفون و خرج.
برقت عيني رماح حتى بدا كالشيطان الغاضب ليمسك هاتفه و يهاتف أمين الذي قال بسخرية: عاش مين سمع صوتك يا عمدة. أنا قولت انك رميتني في الجنة دي و نسيتني.
رماح بحدة: بكرة هنتقابلوا عشان اقولك هنعمل أيه؟ چهز نفسك مبقاش في وقت نضيعه.
اغلق الهاتف مع أمين و التفت ناظرًا إلى سحر وهو يقول بجفاء: عارفة هتعملي اي مع البت إياها؟
سحر بدلال: عارفة و مذاكرة الدور كويس اوي يا عمدة متقلقش عليا.
نظر رماح إلى البعيد بأعين يلتمع بهم الشر وهو يقول بوعيد: چايلك يا صافية و هرچعك لحضني من تاني و غصب عن الوتايدة نفر نفر...
أيه يا عمتي! كنك ارتاحتي أكده، و معيزاش تشوفي حاچة من الدنيا بعد أكده.
هكذا تحدث رحيم أمام مخدع صافية الراقدة منذ وقتٍ طويل، فمنذ أن علم بأنها على قيد الحياة كان يتوق إلى اليوم الذي تعود فيه إليهم و يبكي بين ذراعيها، فقد كان يحبها كثيرًا و يعتبرها والدته الثانية، ولكنها تأبى العودة إلى واقعهم وقد انتابه التعب من كل ما يحدث حوله، لا يجد برًا آمنّا يمكن أن يرسو بثقله على جانبه، و لسوأ حظه المرأة التي خر صريعاً في عشقها بعد سنواتٍ عجاف تكن ابنة عدوه الذي يتمنى قتله في الحال.
هبطت دمعة يتيمة من طرف عيناه لتسقط فوق كف صافية القابع بين أناملة الضخمة ليزفر رحيم بتعب وهو يمسك بهاتفه الخاص فوجد الضابط محمد يتصل وما أن أجاب حتى صاح غاضبًا: النهاردة ظهرت ضحية جديدة يا عمدة. ميته بنفس الطريقة بس الوشم مختلف.
هب رحيم من مكانه وهو يصرخ بغضب: عتجول ايه يا حضرة الضابط؟
الضابط بغضب: اللي سمعته البنت المرة دي كان مرسوم عليها وشم زيادة و حروف اسم على كتفها!
لم يكد رحيم يستوعب ما يسمعه حتى شعر بأنامل رقيقة اضغط على يده برفق لتبرق عينيه حين شعر بصافية التي عادت إلى الحياة من جديد...