رواية هل من سبيل للغفران ج2 للكاتبة نورهان العشري الفصل العاشر
الحُب...
هل هو شعورٌ مُطلق، أم عقدٌ مشروط؟
وما مفهوم الحُب: أنا أحبك ما دمتَ تُسعدني؟
أم أحبك حتى حين ينهكنا الحزن، ولكننا معًا؟
كثيرون ظنّوا أن الحُب هو مفتاح السعادة،
واستنكروا كيف للمرء أن يهوى من يُؤلمه.
غير أن الحقيقة أعمق من ذلك.
فالحُب هو الشعور الوحيد الذي يولد حرًّا،
لا يساوم، ولا يُقايض، ولا يعترف بلغة الشروط.
إما يُمنَح كاملًا أو لا يُمنَح أبدًا. وحين تتوهّج نيرانه في القلوب، لا يفلح رماد العقل في إخمادها.
ومهما بلغ الألم، لا يفر الحب أبدًا بل على العكس، فهو يتصدى له، و كأنه خُلق لينتصر لا ليخسر.
وحين نقرن الحُب بالسعادة، نكون قد أخطأنا فهم جوهره. فالسعادة قد تكون ثمرته. لكنها أبدًا لا تصلح أن تكون شرطًا له، ولا فرضًا يُقاس به مدى صدقه.
نورهان العشري.
كان الأمر يبدو و كأنها اختارت كلماتها بعناية حتى تجعله يقع في عشقها للمرة التي لا يعرف عددها. فتتنحى كل شيء في هذه اللحظة ما عدا صورتها المُرتجفة أمامه ليقترب منها بخطٍ سُلحفية وهو يقول بنبرة خطرة: جولتي ايه؟
ارتجفت الحروف فوق شفتيها وهي تقول: جولت اني مكنش فارج معاي اي حاچة من اللي سمعتها. مكنش فارج معاي غيرك.
وقف أمامها يُطالعها بأعيُن يتماوج بهم الشعور، فلم تُمهله فرصة للتفكير إذ قالت بخفوت: أني طول عمري بكرة الأذى، وعمري ما كنت ولا هكون شخص مؤذي. حتى لو اني بنت رماح الشيطان اللي انت بتكرهه، فأني مش زيه، وآسفة على الحديت اللي خرچ مني يومها...
لم يُمهلها الوقت للحديث إنما قام بجذبها لتستقر في منتصف حضنه وكأنه يرفض أي شيء قد تقوله يمنعه من فعل ذلك، فقد فاق الوجع كل شيء داخله يبغي قربها حتى يتخدر ذلك الألم العظيم ولو لثوان، و يبدو أنها تشاركه نفس الأمنية إذ ارتمت بداخله بعجز دون مقاومة أو اعتراض.
أخرجهم رنين الهاتف من تلك اللحظة الرائعة ليتراجع عنها على مضض، ولكن حين رآى رقم المتصل أجاب على الفور ليقع هذا الخبر فوق رأسه وقوع الصاعقة حين سمع الحديث على الطرف الآخر: رماح رجع مصر النهارده الصبح يا عمدة!
اللهم إن كان رزقي في السماء فأنزله، وإن كان في الأرض فأخرجه، وإن كان بعيداً فقربه، وإن كان قريباً فيسره، وإن كان قليلاً فكثره، وإن كان كثيراً فبارك لي فيه وارزقني من حيث احتسب ومن حيث لا احتسب يا رب العالمين.
الحقد كالظلام الذي يسكن الروح، فيُطفيء بصيرتها، ويعميها عن رؤية البياض ولو كان متوهجًا ساطعًا. هو صدأ يغشى القلوب يحجب قدرتها على التمييز، فيختلط عليها كل شيء و يصبح النقاء شيئّا مُنفرًا، و الجمال صفة لم تخلق أبدًا. فتُصبِح العتمة ملاذًا للقلوب لأن الأنفس المظلمة بالحقد لا تحتمل وهج الحق.
نورهان العشري.
هيام الكلام اللي أنتِ بتقوليه دا مينفعش. يعني أيه مقولش لياسر على الموضوع دا!
هكذا تحدث خالد باستنكار لتُجيبه هيام بحزن: ياسر قطع علاقته بيا عشان مراته، باعني عشان الهانم بتاعته ويزيد مشي وراه. بدل هما خالص باعوني يبقى يعرفوا عني حاجة ليه؟
خالد بعدم تصديق: هو أنتِ بتتكلمي عن ياسر و يزيد اللي انا اعرفهم؟!
هيام بسخرية: أيوا هما. هو في غيرهم!
خالد بنفاذ صبر: أنا لازم اتكلم مع ياسر، و اوعي تقوليلي لا. الكلام اللي أنتِ بتقوليه دا مش داخل دماغي، وحتى لو اللي بتقوليه فعلًا صح يبقى ياسر محتاج اللي يرده لعقله.
اخفضت هيام رأسها وهي تقول بجمود: اعمل اللي تعمله المهم اني عايزة أخد حقي في اقرب وقت.
شعر خالد بأن هناك خطبًا ما ليستفهم قائلًا: أنتِ في عندك مشكلة؟!
تناثرت العبرات من مقلتيها قبل أن تقول بخفوت: اتخانقت مع جابر و سيبت البيت.
خالد باستنكار: سبتي البيت؟! ليه حصل ايه؟
هيام بحرقة: الناس كلها بقت وحشة يا ابن عمي. مفيش حد بيفتكرلك حاجة حلوة عملتهاله. بيهدوك و يدبحوا فيك أول ما حاجتهم عندك تخلص.
علي الجانب الآخر كانت أشجان تغلي من الغضب في الغرفة حالما تذكرت كلمات نبيلة المسمومة حين وجدتها تدلف إلى الداخل
أيه دا انتوا مش كنتوا خارجين!
تسمرت أشجان في مكانها، فقد كانت غاضبة بقوة من هذه المرأة لما حدث منذ قليل لذا خرجت الكلمات حادة من فمها حين قالت: شيء ميخصكيش.
اغتاظت من ردها الذي لم تكن تتوقعه لتصعد الدرج خلفها هاتفه بتهكم: هو أنتِ متعصبة ليه كدا؟ أحسن يكون خالد غير رأيه في موضوع الخروج دا بعد ما شاف زينة! شوفتي زينة عاملة ازاي يا أشجان!
قالت جملتها الأخيرة بنبرة مُبطنة بالتحقير ولكن أشجان عكفت عن الرد لتُتابع نبيلة قاصدة إذلالها: زي القمر، و أرملة، و حلوة، و دكتورة و من عيلة محترمة. لا و التقيلة بقى من ريحة سهام الله يرحمها.
نالت منها كلمات نبيلة للحد الذي أعماها مما جعلها تهتف بغضب: قصدك سهام اللي أنتِ قتلتيها!
برقت عيني نبيلة و جمدت ملامحها للحد الذي كان مُخيفًا ثم التفتت تنظر حولها قبل أن تقوم بجر أشجان من يدها بقسوة لدلف الى داخل غرفتها التي كانت على بعض خطوتين منهما ثم أغلقت الباب لتلتفت ناظرة إلى تلك التي كانت ترتجف من فعلتها لتلون ابتسامة خبيثة ثغرها قبل أن تقول بنبرة مسمومة: سمعيني بقى قولتي أيه تاني كدا!
تذكرت كلمات خالد البارحة لتحاول تنحى خوفها جانبًا وهي تقول بنبرة حاولت جعلها ثابتة: أنتِ سمعتي أنا قولت أيه، و خلي بالك انا لولا خايفة على خالد لا يتصدم أن أخته بالبشاعة دي كنت قولتله على اللي قولتيه من زمان.
توسعت عيني نبيلة من فرط الصدمة، و سرعان ما احتل الخوف زاوية عيناها ولكنها نحته جانباً و حاولت رد الهجوم بآخر مُضاد حين قالت: أيه دليلك! تبقي مجنونة لو فكرتي أن ممكن خالد يصدقك. عارفة ليه؟ عشان خالد حتى لو مبيعجبهوش تصرفاتي فهو واثق و متأكد أن أخته ضعيفة و منقدرش تعمل كدا. كبيرها تضرب إسفين بينه وبين مراته.
عاندتها أشجان قائلة: هيصدق لما اقوله هيصدق!
نبيلة بخُبث: وحتى لو صدق! تفتكري هيبلغ عني! هيسجنني! هيقتلني! هيعمل أي! هيقاطعني لا هيقدر يخرجني من بيتي، ولا هيقدر يخرج من بيت أبوه. هيزعق و هيكسر، و مش بعيد يضربني، وقتها لا عز ولا عمر هيسكتوا، و هيقفوا كلهم لبعض. و لما يحصل دا انا اكيد مش هقف ساكتة! دانا هحسرك على ولادك زي مانتِ خسرتيني أخويا.
لم تكُن تتخيل كل هذا الحقد الذي تحمله تلك المرأة داخلها لتهتف بلا وعي: أنتِ ايه؟! أنتِ مش طبيعية! دا ابليس مش كدا! أنت ِ أبشع إنسانة شفتها في حياتي.
نبيلة بتهديد: أنتِ لسه مشوفتيش حاجة من بشاعتي.
أشجان بحدة: ربنا شايف. و صدقيني مهما كان جبروتك ربنا قادر يخسف بيكِ سابع أرض.
لم تتأثر بالحديث ولكنها تأكدت من أنها أخافتها على النحو المطلوب، لتقول بنبرة ناعمة: مش هرد عليكِ. عارفة ليه؟ عشان أنا واثقة انك مش في حالتك الطبيعية من وقت ما شوفتي زينة. يا حرام الله يكون في عونك. ماهي عرتك و بينت قد ايه أنتِ قليلة. اتوقع أن خالد هيشوف دا قريب جدًا و هيرجعك لمقلب الزبالة اللي جابك منه.
آلمتها الإهانة بقوة ولكنها الآن أدركت كم كان مُحقًا في حديثه عنها، لذا حاولت جعل نبرتها ثابتة حين قالت: اللي خلى جوزك يعيش معاكِ العمر دا كله من غير ما يشوف بشاعتك. يخلي خالد ميشوفش ست غيري. اخرجي بره أوضتي.
نجحت في تهديد إهانة قاتلة في مرماها، ولكنها حاولت التظاهر باللامُبالاة حين قالت: بردو صعبانه عليه. عشان كدا مش هرد عليكِ. كفاية اللي أنتِ فيه.
أنهت جملتها و خرجت تتهادى في مشيتها إلى أن غادرت لترتمي أشجان فوق مخدعها وهي تشهق بقوة، فقد تخطت هذه المخلوقة كل الحدود في تجبرها و شرها.
اللهم يا رزاق السائلين، يا قاضي الحاجات، اقض حاجتي، وفرج كربتي، وارزقني من حيث لا أحتسب.
بِسْمِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ، أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ
(دا دعاء حلو أوي بقوله وانا خارجة من البيت).
اهدي يا هيام و امسحي دموعك، وانا ليا كلام تاني مع الحاج جابر و مع ياسر.
هكذا تحدث خالد مواسيًا لتُجيبه هيام ساخرة: خلاص مبقاش له لأزمة للكلام. كل واحد عقله في راسه يعرف خلاصه.
ضاق ذرعًا من حديثها ليقول بنبرة خشنة: أنتِ قاعدة فين دلوقتي؟
زاد بكائها وهي تُجيبه: أنا مفروض أني كنت اروح بيت أبويا بس طبعًا ياسر هناك و معاه الهانم مراته، روحت قعدت عند واحدة اعرفها لحد ما اخد فلوسي و اشتريلي بيت يلمني انا و ابني.
استشاط خالد غضبًا ليهتف مُستنكرًا: دا كلام يا هيام! ازاي مجتيش هنا على طول. طب ياسر و في مشكلة بينك وبينه. أنما احنا مش اخواتك ولا أيه؟
مش حابة أشيلك همي يا خالد.
قاطعها بنبرة حادة: بطلي عبط و اعملي حسابك انك هتقعدي هنا لحد ما نشوف هنعمل ايه.
هيام بلهفة: مش هينفع يا خالد سيبني على راحتي...
خالد بنبرة صارمة: مفيش حاجة اسمها سيبني على راحتي. في حاجة اسمها أصول. تقدري تقوليلي لو جوزك فكر يصالحك و جالي ولا راح لياسر نقوله منعرفش هي فين؟
حاولت الحديث فحدجها بنظرة مُحذرة قبل أن يقول بصرامة: عيب يا هيام. أنتِ ليكِ رجالة، وانا هخلص الموضوع دا مع ياسر النهاردة. يالا تعالي جوا، وأنا هخلي أشجان تقول للخدم يجهزولك اوضة.
لم يترك أمامها مجال للرفض لتسير بجانبه مُذعنة إلى الداخل، فوجد نبيلة أمامه التي بدورها صُدِمت من وجود هيام، ليتجاهلها خالد وهو ينادي على أشجان التي كانت قد غسلت وجهها حتى تُهديء من غضبها قليلًا لتهرول إلى الخارج حالما سمعت ندائه
نعم يا خالد.
دقق النظر في ملامحها وهي تتوجه إليه فحاولت رسم ابتسامة فوق ثغرها حتى لا تثير قلقه، فمن الواضح أن هناك خطبًا ما لينظر إلى هيام وهي يقول: معلش يا حبيبي هتعبك. بس عايزك تقولي للخدم يجهزوا أوضة لهيام. عشان هتقعد معانا شوية.
صُدِم الجميع من حديثه و كان أول المُتحدثين هي نبيلة التي هتفت باستنكار: بتقول ايه يا خالد! مين دي اللي تقعد هنا!
اغتاظ من وقاحتها ليناظرها شكرًا قبل أن يقول بنبرة قاسية: أنا موجهتش كلامي ليكِ عشان أعيده تاني!
لأول مرة تشعر بالسعادة حين ترى شخصًا يُهان أمامها لتتسع ابتسامتها قبل أن تقول برقة: عيوني يا روحي. دي هيام دي حبيبتي و عشرة عمر.
هيام بامتنان: تسلمي يا أشجان. دا العشم بردو.
اندهش من حديثها خاصةً حين تخلت عن خجلها لأول مرة أمامهم بهذا الشكل، و ذلك اللفظ التحبُبي الذي خرج كالعسل من بين شفتيها، ولكن من ملامح نبيلة أدرك أن هناك شيئًا ما، فنادى على أحد الخدم ليرشد هيام إلى غرفة الجلوس حتى يتم تجهيز أحد الغرف لها، وما إن غادرت حتى هتفت نبيلة بحنق: مش لازم كل ما يكون في حد موجود تحرجني بالشكل دا يا خالد! ماهو أنا أختك بردو، وكرامتي من كرامتك، ولا عادي تدوس على كرامتي قدم الناس كل شوية!
ارفقت عتابها بعبرات زائفة لتؤثر عليه أمام تلك التي تنظر إليهم بترقب لردة فعل خالد الذي خرجت الكلمات منه جريحة حين قال: ياريت تقولي الكلام دا لنفسك. أنا حقيقي نفسي ولو لمرة واحدة تجبريني اتعامل معاكِ كويس.
أنهى جملته و لازالت عينيه تعاتبها ولكن اي عتاب قد تفهمه وهي مصابه بكل هذا الحقد داخلها، ليُدرك من مظهرها أنه ليس هناك أمل، وحين وجدها توشك على الحديث مد يده يجذب يد أشجان ويتوجه إلى الخارج.
ما أن لفح الهواء النقي وجهه حتى التفت ينظر إليها بحُب قبل أن يقول باعتذار: حبيبي احنا للأسف مضطرين نلغي خروجة النهاردة.
أشجان بلهفة: ليه كدا؟ حصل أيه؟ هيام شكلها ميطمنش.
قربها منه يضمها إلى صدره قبل أن يتمتم بحنق: الأوضاع مش متظبطة بينها وبين أخواتها، و لازم ادخل.
كان في أمس الحاجة لدعمها وقد شعرت بذلك لتضمه بقوة قبل أن تقول بحنو: ولا يهمك يا حبيبي. روح شوف اللي وراك، وانا هكلم سوزي اعتذرلها ونبقى نعوضها وقت تاني. أساسًا مكناش هنعرف ننبسط من غير رنا.
تراجع ينظر الى داخل عينيها قبل أن يقول بنبرة خشنة: كويس انك فكرتيني. بخصوص زينة هيكون عندك مشكلة لو قعدت معانا فترة بسيطة على ما تظبط أمورها.
شعرت بأن دقات قلبها تهتاج داخلها و تأمرها بالرفض، ولكنها لن تسمح لتلك المشاعر التي بداخلها أن تعميها ولا لتلك الكلمات الحقيرة التي سمعتها من نبيلة أن تُخيفها فهي تثق به لذا قالت بابتسامة هادئة: لا يا حبيبي. معنديش اي مشكلة. تقعد زي ماهي عايزة.
اقترب خالد يكوب وجهها بين يديه قبل أن يقول بنبرة حنونة: اسمعيني كويس. لو الموضوع مش على هواكي قوليلي واتأكدي أني مش هعمل غير اللي يريحك.
شعرت بمدى صدقه و أيضًا كان حنانه مُغريًا، ولكنها أشفقت على رنا، فهذه المرأة هي الذكرى الوحيدة من والدتها و لا يجب أن تكون أنانية لذا أجابته بنبرة رقيقة: عارفة دا كويس، و مقدرة انك مخدتش قرار غير لما سألتني. و معنديش مشكلة.
ابتسم خالد على طيبتها و حنانها الذي لا حدود له، فأراد أن يضع كل شيء نُصب عينيها حين قال: حتى لو دا رأيك. بس أنا حابب تعرفي وجهة نظري، زينة مسافرة بره بقالها اكتر من عشر سنين، و أنا مش حابب أنها لما ترجع تتبهدل خصوصًا أن أنا تقريبًا اللي مربيها، وكمان دي خالة رنا والحاجة الوحيدة اللي باقية من والدتها الله يرحمها.
اهتز قلبها حين وجدته يتعمد عدم ذكر اسمه زوجته أمامها ولو كان في حديث عارض، وقد أبرز هذا كم هو مراعيًا لمشاعرها مما جعل ابتسامة رائعة تُضيء ملامحها حين قالت: وأنا فاهمة كل الكلام دا من غير ما تقوله و معنديش فيه اي مشكلة.
تضخم قلبه من فرط العشق الذي يتضاعف كل دقيقة تمر عليه بجانبها، فهذه المرأة هي الملاك الذي هبط من السماء ليحول حياته إلى جنة: طب أنا هحبك أكتر من كدا ايه؟
اغرورقت عينيها بالدموع قبل أن تقول بنبرة خافتة: حبني كتير أوي يا خالد. أنا مش محتاجة حاجة في الدنيا دي غير حبك.
خالد بنبرة تقطر عشقًا: وأنا بحبك اكتر من حاجة في الدنيا دي.
أي حد هيدخل يقولي عندنا جفاف عاطفي، والقلب اشتكى من قلة الهشتكة و ارحمينا و الذي منه، هطربقها على دماغ أشجان البارت الجاي. اه انا أساسًا بتلكك.
اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك على وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
يعني أنت نويت تدفع فلوس العملية كلها يا ياسر!
هكذا تحدث يزيد الى ياسر الذي أجاب باختصار: أيوا.
يزيد بتحذير: خلي بالك انت كدا هتحط كل اللي حوشته الفترة اللي فاتت دي، وكأنك معملتش حاجة طول السنة اللي فاتت دي.
زمجر ياسر غاضبًا: أسيب الراجل يموت يعني.
تراجع يزيد عن حديثه قائلًا بلهفة: اللي تشوفه يا ريس. لو عايز تاخد كليتي تديهاله متغلاش عليك. دا أبو نسب بردو.
ابتسم ياسر لا إراديًا على مُزاح يزيد ليقول الأخير بمرح: أيوا يا عم اضحك كدا وفكها مش ناقصين نكد.
لم يكد ينهي يزيد جملته حتى اندفعت غنى من الداخل هاتفه باعتراض: بس أنا مش موافقة يا ياسر.
غصب ياسر من تدخلها في هذا الأمر و تذكر كلماتها في المشفى ليهتف بحدة: و أنتِ مين طلب رأيك؟!
غنى بانفعال: مش لازم حد يطلب رأيي. دا ظلم يا ياسر، وأنا مش هقبل تدفع كل اللي معاك وتبدأ تاني من الصفر. أنت محدش قدملك حاجة عشان تضحي بالشكل دا.
ياسر بنبرة حاسمة: وأنا مطلبتش حاجة من حد، ولا عايز حاجة من حد، وبعدين ايه الأوفر دا تضحية أيه! دا والدك و مريض أسيبه يموت يعني! دا لو حد معرفوش و سمعت بحالته هساعده.
تعلم كم هو نبيل، ولكنها تشعر بالأسف لأجله، فهي سبب كل هذه المصائب التي ألمت به، فبسببها ترك كل شيء لذا قالت بنبرة مُلتاعة: يا ياسر افهمني.
قاطعها ياسر بنبرة قاطعة: اعمليلك قفلة يا غنى.
قاطع حديثهم صوت رنين هاتف ياسر الذي أجاب حين رأى أن المتصل خالد: أيه يا وحش عامل ايه؟
خالد باختصار: كويس انت فين؟
ياسر بقلق: أنا في الحارة. رجعت بقالي حوالي أسبوع. في حاجة؟
خالد بنبرة خشنة: أيوا في. هيام عندي في البيت. زعلانه من جوزها و منكوا، و عايز اعرف حصل ايه؟
تفاجيء ياسر من حديثه ليهتف بعدم تصديق: بتقول ايه يا خالد؟
اللي سمعته يا ياسر. هيام زعلانه اوي و كلامها زعلني. لازم نتقابل و افهم منك حصل ايه.
قمع غضبه بشق الانفُس قبل أن يقول بجفاء: طيب أنا دلوقتي عندي حوار كدا هخلصه و هكلمك نتقابل.
خالد باستفهام: في حاجة؟
ياسر بجمود: والد غنى تعبان اوي، و لازم يعمل عملية نقل كلية في أسرع وقت و بندور على متبرع و مش لاقيين.
خالد بخشونة: طب ليه مكلمتش عمر!
كنت هلجأله آخر حل.
هكذا تحدث ياسر ليُجيبه خالد بتقريع: والله عيب عليك. هو انتوا أيه اللي حصلكوا يا وتايدة؟ كل واحد خيبته اكبر من التاني ايه كدا؟!
ياسر بحنق: خلاص يا خالد أنا مش طايق نفسي أصلًا.
خالد بفظاظة: كلم عمر رسيه على حوار حماك و أنا نص ساعة و هكون عندك.
اغلق ياسر الهاتف والتفت ناظرًا إلى غنى التي كانت تتشاجر مع يزيد قائلة: عاجبك اخوك وعنده!
يزيد بحنق: يعني أنت عاجبك اقتراحاتك اللي شبه وشك دي!
غنى بحدة: الحق عليا اني خايفة عليه.
هتف يزيد ساخطًا: الله يخربيت دي كلمة. هو كل واحدة تعمل فيه مصيبة تقول خايفة عليه! شحط زي دا خايفين عليه من ايه؟
لم يمنحها ياسر الفرصة للحديث بل هتف بنبرة جافة: خالد هيجيلي و هنخرج، و متقلقيش عليا من اي حاجة. هكلم عمر يشوف متبرع عنده في المستشفى وان شاء الله خير.
ارتاحت حين سمعت حديثه لتبتسم براحة ليتدخل يزيد ساخرًا: شوف ياخي ضحكتي دلوقتي و بتسبلي ياما كان نفسي يمسكك يدور فيكِ الضرب.
غنى بحدة: ضربة في قلبك دا بعينك.
قالت جملتها قبل أن تتوجه لتستقر بين أحضانه ليقوم بوضع قبلة حانية فوق خصلاتها و يشدد من احتضانها ليُتمتم يزيد بحنق: ياما نفسي حد يمسكك أنتِ وهيام اختي يدور فيكوا الضرب لحد ما يبانلكوا صاحب.
ياسر باستفهام: بتقول أيه باد أنت!
يزيد بسخط: بكح!
مر بعض الوقت ليلتقي كُلًا من ياسر و خالد الذي قال بخشونة: مزعل هيام ليه يا ياسر!
ياسر بتهكم: مزعل هيام! تخيل بقى أن هيام قهرتني يا خالد؟!
خالد باستفهام: لا وضح عشان مش فاهم.
زفر ياسر بتعب قبل أن يقُص عليه ما حدث بداية من جريمتها التي ارتكبتها في حقه مرورًا بكل ما حدث إلى أن أنهى حديثه قائلًا: تخيل أنها بعد كل دا مفكرتش تقولي أنا آسفة أو أنا غلطت!
كانت الصدمة تحتل ملامحه بقوة من حديث ياسر ليحاول التغلب عليها قبل أن يقول ساخرًا: غلطت! هو اللي عملته دا مجرد غلط! أيه التهريج دا! هي هيام خابت على كبر ولا ايه؟!
ياسر بتعب: والله يا خالد أنا عن نفسي مصدوم ومش عارف اعمل أيه؟! تعبت فعلًا.
صمت خالد لثوان قبل أن يقول بعتب قاسي: أنا زعلان منك يا ياسر. ماشي حقك تزعل و تثور و تغضب لكن مفروض أن ليك اخوات كُبار تتكلم معاهم و تاخد رأيهم. انما تروح تتبهدل في البلاد عشان تعاقب هيام! و نشتغل عند الناس وانت صاحب ملايين! أيه المنطق دا!
ياسر بانفعال: أنا مش هاخد ولا جنية من الفلوس دي. قبل ما الناس كلها تعرف أن أبويا اتظلم يا خالد. الفلوس دي عمرها ما هتمحي العار اللي حسينا بيه ولا هترد كرامتنا.
خالد بخشونة: أنت عارف كويس اوي أننا بنسعى لدا و حق والدك دين في رقابتنا، و اول خطوة كانت رجوع صافية.
استفهم ياسر بيأس: مفيش أخبار بردو!
خالد بحزن: للأسف لا. الدكاترة بتقول أن الغيبوبة دي اوقات كتير بتطول، ووارد ممكن تفوق في أي وقت.
تحدث ياسر بإرهاق: أنا تعبت يا خالد.
خالد بنبرة مُشجعة: دا مش وقت تعب. أنت لازم تقعد هيام قدامك و تحطها قدام غلطها. دي بتتكلم و كأنها مظلومة قلباً و قالبًا لدرجة اني زعلت عشانها!
ياسر بنبرة مُشجبة: أنا نفسي مصدوم. مش مصدق أنها تعمل كدا. بس للأسف هي عملت كدا و أكتر من كدا. دي بتكابر لدرجة تخليك تتجنن.
خالد باستياء: دي كارثة. أنها تعمل كل دا و متكونش متخيلة أنها غلطانه. بقولك ايه مش يمكن تكون غيرانه عليك!
قال خالد جملته الأخيرة باستفهام ليُجيبه ياسر ساخطًا: اهو دا بقى اللي غايظني! و دا اللي بيقوله يزيد. الموضوع كدا مش غيرة يا خالد. لما توصل أنها تأذي بالشكل دا يبقى مش مجرد غيرة دا بقى مرض.
خالد بامتعاض: يعني هو جديد على ستات العيلة دي كلهم كدا. المهم. عمر هيتولى موضوع والد غنى، وانت تشوفلك حل مع هيام.
ياسر بنبرة حازمة: خالد يكون في علمك أن انا اللي هدفع كل جنية لعملية أبو غنى.
زجره خالد بغضب قبل أن يقول بتقريع: حاضر لما نوديه مستشفى تانية مش عليها اسم الوتيدي هنبقى ندفعك. عيب دا انت ريس. متزعلنيش منك.
يعلم كم أنه شهم، فهو مثله تمامًا كلاهما يجري في عروقهم نفس الدماء ليقول ياسر بامتنان: تسلم يا خالد.
خالد موضحًا: للمرة المليون دا حقك للمرة. وانت مأجله لكن مش رافضه. المهم شوف مع جابر دا هو مزعل هيام ليه، وأنا هخليها عندي كام يوم لحد ما نشوف هنعمل أي؟
ياسر بجمود: حاضر. هشوف و هكلمك.
اللهم إني أستغفرك لكل ذنب يعقب الحسرة، ويورث الندامة ويحبس الرزق ويرد الدعاء، اللهم إني أستغفرك من كل ذنب تبت منه ثم عدت إليه،.
مر يومين حافلين بالكثير مما لم يكُن يعنيها، ما يُعنيها أن اليوم هو ميعاد الاجتماع الثاني لهم مع شركة الوتيدي، و قد تراه هذا أن تخلى عن قراره في تجنبها، وهنا قد بدأ الصراع يحتدم بين توقها لرؤيته و بين خوفها من عواقب ما يحدُث، و على الرغم من ذلك فقد تأنقت لتبدو من الخارج حورية هاربة من أحد الأساطير بينما في داخلها هي عجوز تجاهد حتى تحيا الباقي من أيامها دون ألم.
تفتكري هييجي؟
هكذا استفهمت شروق بخفوت لتحاول آسيا تضمين اللامُبالاة في نبرتها حين قالت: جه أو مجاش النتيجة واحدة، فمش هتفرق.
لاحظت آسيا جمود راجي و تحفظه في الحديث مع شروق لتستفهم بخفوت: هو أنتوا لسه زعلانين ولا ايه؟
تمتمت شروق بحزن: واخد جنب مني بسبب موضوع عمر، و زعلان اني خبيت عليه انه كان جوزي.
زمت شفتيها بحنق لتسمع صوت خالد يقول نبرته الخشنة: يالا بينا نبدأ.
استفهم راجي قائلًا: مش هنستنى كمال ولا ايه؟
لم يكد خالد يُجيبه حتى تفاجئوا من كمال الذي دلف إلى داخل الغرفة وهو يقول بجفاء: صباح الخير.
رد الجميع تحية الصباح بينما هي كانت في وادٍ آخر حين استمعت إلى صوته الجاف الذي جعل حفنة من الوخزات الموترة تتفشى في جسدها، فبللت حلقها و جذبت كفوفها المرتعشة لتخفيهم أسفل الطاولة، وقد شعرت بتوتر بالغ جعل الألم يزحف إلى جسدها.
أظن كدا نبدأ؟
راجي باختصار: يالا بينا.
بدؤوا طرح الاقتراحات و نقل جميع التطورات في الموقع ليأتي دور آسيا التي حاولت التعامل وكأنه غير موجود لتشرح الميزانية اللازمة التي جهزتها لوحدات العلاج و المعدات التي سيجلبوها من الخارج، وقدمت شروق قائمة بالبلاد التي سيجلبون منها المعدات، ليقطع انغماسهم في العمل دخول فتاة البوفية لتدوين طلباتهم، فطلب راجي قهوة سوداء و كذلك خالد و كمال و طلبت شروق كوب من القهوة سريعة الذوبان ليأتي دور آسيا التي قالت وعينيها على الأوراق أمامها: عايزة اسبريسو.
لا.
هكذا جاء صوت شروق المندفع لترفع آسيا رأسها من الأوراق و تناظرها بغضب لم تلتفت له شروق التي قالت بحزم: هاتيلها عصير فريش.
غضبت من هذا الموقف المُحرج ليتطاير الشرر من عينها تجا شروق ولكنه سرعان ما تبدد ليتحول إلى صدمة حين سمعت خالد يقول بنبرة جافة: هاتيلها عصير.
تفرقت نظراتها بينهم بحرج، ولكن كان الترقب والريبة من جانب كمال الذي لاحظ حرب النظرات الدائرة، فشعر بأن هُناك خطبًا ما ليتذكر ذلك المشهد حين رآها في غرفة المشروبات الذي جعله يسأل عمر بدون التطرق إلى تفاصيل
بقولك ايه يا عمر هي أيه أضرار القهوة؟!
عمر باختصار: بالعكس دي مفيدة.
كان الأمر يؤرقه لا يعلم السبب لذا استفهم بإلحاح قائلًا: يعني في كل الحالات مفيدة مفيش منها ضرر!
أكيد لا. بس الإفراط فيها غلط، و كمان لو اتشربت على الريق غلط جدًا على المعدة.
لم تروي إجابته فضوله ولكنه عنف نفسه على هذا الاهتمام الغبي ليأتيه سخرية عمر حين قال: متقوليش انك خايف على نفسك من القهوة! دي القهوة اللي تخاف على نفسها منك. دانت عايز فدان بن عشان يأثر في التراي بس.
التفت له كمال هاتفًا بسخط: دمك يلطش.
أخذت نظراته تستقر على ملامحها الغاضبة و من الواضح أنها أعلنت الإضراب عن شرب كل شيء فهاهو كوب القهوة لم يُمس، فاحتار في تفسير الأمر، و استبعد فكرة أن يسأل عنه بطريقة مُباشرة لينفض عنه تلك الأفكار، و يمتثل لنداء عقله بالابتعاد عنها وعن كل ما يخصها ليصب اهتمامه بالعمل. ليمر بعض الوقت قبل أن يقول خالد بجمود: أنا بقول ناخد استراحة و نكمل كمان شوية. أكيد البنات تعبت.
لم تتحدث آسيا بل انتظرت حتى وافق الجميع على اقتراحه لتنسحب من المكان وهي ترغي و تزبد من الغضب، وقد كانت شروق تنوي اللحاق بها ولكن رنين هاتفها أوقفها لتخرج حتى يتثنى لها الإجابة عليه، وقد كان هناك من يقرضه الشوق، ويفترسه القلق، و رغمًا عنه توجه إلى ذلك المكان الذي توقع أن تكون موجودة به، وقد صح ظنه، فقد وجدها تقف أمام ماكينة صنع القهوة تقوم بإعداد القهوة السوداء التي منعتها شروق من تناولها في الداخل، فشعر بحاجة مُلحة داخله تخبره بأن يمنعها. لذا هتف بنبرة قاسية: هو أنتِ مفيش حاجة غلط مبتعمليهاش!