رواية هل من سبيل للغفران ج2 للكاتبة نورهان العشري الفصل السادس والعشرون
كانت عينيه الخبيرتين تشاهد ارتباكها بصمت وترقب جعل الدماء تندفع إلى خديها وهي تتمنى لو أن هذا الهاتف يكف عن الرنين لبقية حياتها لا أنه كان يُلِح و كأنه يعاندها لتبتلع ريقها وهي تنحني لتلتقطه من فوق الطاولة لتتفاجيء حين رأت رقم المنزل مما جعلها تتنفس الصعداء وهي تلوح بالهاتف أمام عينيه قائلة بتلعثم: يوه. دا البيت. أيوا. أيوا يا حاچة عاملة ايه؟ كيفك؟
كانت تتحدث بأنفاس مقطوعة و ارتباك مما جعلها تقع في فخ المُبالغة في تحية المرأة و طريقتها في معاملتها لتنتهي المكالمة وهو لازال يُحيطها بنظرات ثاقبة جعلت حلقها يجف لتتحمحم قبل أن تقول: دي مرت عمك. الحاجة سكينة. كانت بتطمن عليّ عايزة تعرِف هنروحوا ميتا.
رحيم بجمود: سمعت.
نجاة باندفاع: ولما سمعت واجف كيف لوح التلچ أكده ليه؟
رحيم باستفهام: نعم!
نجاة بلهفة لتصحيح كلماتها: اجصد يعني. ساكت ليه؟
كان يقف بقامته الشامخة يده اليسرى في جيب جلبابه واليمنى يقبع كفه الضخم على صدره جزء منه يختفي في خلف الشق الأمامي للجلباب الصعيدي، فقد كانت وقفته تلك بحد ذاتها قادرة على بث الذعر في قلبها لتأتي كلماته المُرتابة حين قال: أنتِ في حاچة مخبياها عليا يا ست البنتة؟
استفهامًا كان كفيل بجعلها تفقد الوعي من شدة الإضطراب الذي وقعت تحت سطوته، ولكنها جاهدت على البقاء ثابته حين قالت بارتباك طفيف: و هخبي ايه يا سيد الرچالة؟
ابتسامة خافتة لاحت على ملامحه قبل أن تتسع ليقول بنبرة عميقة: تِعرفي ايه أحلى حاچة فيكِ؟
نجاة بخفوت: ايه؟
رحيم بنبرة رخيمة: انك مش بس زينة في الشكل و الملامح. لاه أنتِ كمان عقلك زين. تفكيرك مش عفش. عنيكِ صافية مفيهاش مكر الحريم ولا لوعهم، و دي الحاچة الوحيدة اللي خلتني آمنتلك.
كانت كلماته كهجمات سُدِدت ببراعة إلى ضميرها و قلبها لتبدأ أنياب كُلًا منهما في نهش داخلها بقوة، ولكنها لم تكن لتخون أبدًا هي فقط تتمنى لو تطأ أقدامها بر الأمان، فالجميع يتحدث و يطلق الاتهامات من كل حدبٍ و صوب، وعقلها لم يعد يتسع لكل هذه الحيرة.
واني كمان محتاچة أأمنلك يا رحيم.
هكذا تحدثت بنبرة متعبة قابلها بآخرى عاشقة: اؤمري يا جلب رحيم.
ارتج قلبها بين ضلوعها من جملته وعينيه التي أذابتها لتحاول السيطرة على ثورة مشاعرها العاتية حتى تصل معه إلى نقطة التقاء واضحة ولكن جاءت نبرتها مهتزة حين قالت: عايزة أشوف أمي. محتاچة أشوفها. هي الوحيدة اللي هتجولي اللي يريحني. نفسي افهم أنا ليه أشيل الحمل ده كله! و ايه اللي على ضهري ده! و ابوي عفش زي ما بتجول ولا لاه؟ نفسي ارتاح يا رحيم. نفسي أأمن زي ما انت امنت.
وضعته في مأزق لا يعرف كيف الخروج به، فهو يريد ما لديها بأقصى سرعة، ولا يستطِع أن يعدها بالإنتظار، فواجبه نحو عائلته أقوى من أي شيء و لا يعرف ماذا فعل هذا الأخرق بوالدتها ولا يملك الوقت ليعرف لذا زفر بتعب قبل أن يقرر حمل الأمر على عاتقه: مجدرش اوعدك الاقيها لكن اوعدك اني احاول اوصلها. بس اوعاكِ ترهني اللي عندك بأني الاقيها. أني آخر اللي اعرفه عنها أن أبوكي حاول يموتها، واتجبض عليه عشان أكده معرِفش حاچة تاني.
تناثرت حبات الدمع من عينيها رغمًا عنها ولكنها حاولت التسلح بقوة استمدتها من عينيه لتقول بوجوم و بنبرة لا تلين: و أني كمان مجدرش اوعدك اني اديلك الحاچة الوحيدة اللي عندي من غير ما أعرِف ليه أني؟ بدل أمي أمنتني الأمانة دي يوبجى أكيد عشان يكون في يدي حاچة تحميني و أفاوض بيها.
رحيم بحدة يخالطها التحذير: بلاش الطريجة دي معاي، و خلي بالك اني ممكن اخد اللي عايزة بالغصب واني مراديش.
نجاة بانفعال: جولتلي الكلام ده جبل سابج...
قاطعها بعنفوان افزعها: زين انك عارفة. لازمن بردك تعرفي أني في المرة التالته مش هجول هعمل طوالي.
أنهى كلماته ولم يُعطيها الوقت للحديث بل استدار مُغادرًا ليتركها في حالة يُرثى لها من الضياع والحيرة والألم.
ربَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار.
صباح الورد. ايه الجمال دا كله؟
هكذا تحدثت أشجان إلى رنا التي كانت تخرج من غرفتها و هي بكامل إشراقتها و سعادتها، فاليوم هو المتفق عليه لتخرج مع اصدقائها، مما جعلها تهتف بحبور: صباح النور. حضرتك اجمل.
اقتربت أشجان تحتضنها بحُب قبل أن تستفهم عن الحقيبة التي بيدها قائلة: ايه دا! أنتِ واخدة شنطتك تحت ليه؟
رنا بخفوت: أصل أنا هخرج كمان شوية.
تبدلت ملامح أشجان وهي تقيم ملابسها التي كانت ضيقة بشكل كبير، فقد كانت تظنها ستجلس في البيت لتتفاجيء بأنها ستخرج مما جعلها تقول بحرص: طيب يا روحي لما أنتِ هتخرجي ليه ملبستيش؟
مانا لابسة أهو.
ارتفع حاجب أشجان بصدمة لتحاول التحدث معها بهدوء و حنو قائلة: بس دا مش لبس خروج يا رنا يا حبيبتي.
رنا بوجوم: ليه؟ أومال دا لبس ايه؟
أشجان بنبرة معاتبة: طبعًا هو اللبس جميل عليكِ. بس يعني السالوبيت الجينس دا ضيق اوي، واحنا كبرنا و بقينا عرايس قمرات. مينفعش نلبسه كدا من غير جاكيت فوقه على الأقل.
لم يعجبها الحديث، فقد كانت مولعة بشكلها ولأول مرة تشعر بالرضا خاصةً وهي تتذكر رد فعل سهيلة التي الحت عليها لترسل لها صورها و ترى ما ترتديه كنوع من أنواع المشاركة وهي كمان فعلت بالمثل معها: طلقة يا بت يا رنا ايه الجمدان دا! السالوبيت هياكل منك حتة. أنتِ كدا هتغطي علينا كلنا.
عادت إلى الواقع لتهتف مدافعة: على فكرة هو مش أوفر ولا حاجة بلس أن كل البنات في المدرسة بيلبسوا كدا و أكتر.
حاولت أشجان التعامل مع الأمر بروية حين قالت: طيب يعني لو كل الناس بتكذب احنا نكذب زيهم؟ لو كل الناس مبتصليش احنا نعمل زيهم!
أكيد طبعًا لا.
أشجان بنبرة ودودة: الصح صح يا قلبي حتى لو مش كل الناس عملته، وأنتِ بنت جميلة و اي حاجة بتلبسيها بتخليها زي القمر. و الجمال دا كله لازم نداريه عن العيون، وكمان ربنا أمرنا بالستر و شرعلنا ضوابط للبس و أنتِ جميلة و كبيرة وعاقلة و عارفة دا.
كان صوت العقل يؤكد على حديث أشجان و يخبرها باتباعه ولكنها النفس التي دائمًا أمارة بالسوء تحاول جرنا تلك البؤرة التي تلمع بوميض كاذب من شعور بالرضا لن يدوم بل على العكس ينتهي بريقه بمجرد أن يقع الإنسان في الخطأ، ويبدأ في رحلة الندم المريرة.
شاهدت أشجان حيرتها لتتابع بحنو: أنتِ جميلة أوي يا رنا و بريئة و البنات اللي زيك نادر وجودهم دلوقتي. حاولي تحافظي على برائتك دي.
كانت كلماتها مؤثرة، ولكن هناك قوى مضادة داخلها مما جعلها تفكر في اللجوء إلى طرف ثالث لفض النزاع الدائر بداخلها لتهتف باختصار: تمام. أنا هنزل عشان خالتو مستنياني نفطر سوى.
لم تريد أن تطيل في الأمر أكثر وقد اغضبها ما يحدث بينهم فهي لم تقصر معها بشيء ولا تعلم لما تحاول الفتاة الابتعاد عنها مما جعلها تشعر بالحزن وهي تنظر إليها تهبط إلى الأسفل.
يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ.
صباح الروقان. شيفاكي منورة و قاعدة في الجنينة. يبقى مزاجك رايق.
هكذا تحدثت زينة إلى نبيلة التي كانت تحتسي فنجان قهوتها الصباحية في الحديقة لتلتفت إلى زينة قائلة بجفاء: جالك تليفون امبارح و خرجتي جري روحتي فين؟
زينة باختصار: ميخصكيش.
نبيلة بتقريع: لو احنا في مركب واحدة يبقى يخصني. خلي بالك اني وجودك جنب خالد مهم و دا سبب وجودك هنا، ودا أنا مبشوفهوش كتير. يبقى مفروض أسأل.
زينة بملل: ناوية تعملي ايه مع أشجان؟ مشوفتش يعني زعل بينهم ولا خصام زي ما قولتي!
نبيلة بغل: عشان سهواكة. بس أنا هدخلها من حتة تانية.
اللي هي؟
رنا. خالد لازم يشوف بعنيه انها متنفعش أم لرنا.
احتدمت نبرة زينة و اعتلى ملاحها التحذير حين قالت: رنا بره العك دا كله. مش هسمح للهوى حتى اني يقرب منها. شوفيلك خطة تانية.
نبيلة بسخط: أنتِ عبيطة! هو أنا هأذي رنا! أحنا بس هفسد العلاقة بينهم لصالحك، و هنوري خالد أنها مش ام مثالية لطفلة زي رنا.
زفرت زينة بقوة قبل أن تقول بنبرة آمرة: يبقى سيبي الموضوع دا عليا.
نبيلة بملل: حتى لو الموضوع دا هيكون عليكِ أنا لازم يكون لي دور فيه. رنا جاية أقفلي على القصة دي.
التفتت زينة تنظر إلى رنا بإعجاب جعلها تطلق صافرة في الهواء ثم قالت بإطراء: اوووه. عندنا برنسيس صغيرة على الفطار النهاردة.
انفرجت أسارير رنا من حديث خالتها لتتسع ابتسامتها وهي تقترب قائلة بخفوت: صباح الخير يا خالتو. صباح الخير يا عمتو.
زينة بحُب: صباح الورد يا قلبي. ايه الجمدان دا على الصبح يا بنت؟ جايبة الحلاوة دي كلها منين؟!
رنا بلهفة: بجد يا خالتو شكلي حلو.
تدخلت نبيلة قائلة بنعومة: شكلك حلو دي كلمة قليلة. شكلك زي القمر، و الچامب سوت هياكل منك حتة. كبرتي امتى كدا يا بنت!
تنفست الصعداء، فقد حُسُم الجدل الدائر بداخلها لتهتف بحبور: ميرسي لحضرتك ياعمتو. أنا كنت خايفه يعني أنه يكون أوفر.
زينة باستنكار: أوفر! دا مين الأوفر اللي قالك كدا؟!
ترددت رنا في الحديث لتفهم نبيلة على الفور مما جعلها تقول بتخابث: متحرجيش رنا يا زينة. واضح مي قالها وهي مش مش هتتكلم لأنها بنت متربية، و بتخاف على مشاعر باباها و زعله. تعالي جنبي هنا يا رنوش يا حبيبتي.
توجهت رنا لتجلس بجانب نبيلة التي أمسكت بيدها بكفها البارد الخالي من اي معالم للحنان عكس نبرتها الناعمة حين قالت: اسمعيني يا قلبي. أنا عارفة انك بتحبي بابي جدًا و متقدريش تزعليه، وبابي كمان بيحبك و مابيحبش حد قدك. يعني مش مجبرة ترضي حد عشان بابي يحبك. الناس هي اللي ترضيكي عشان باباكي يحبهم.
رنا بخفوت: تقصدي ايه يا عمتو؟
اقصد انك مش مضطرة ترضي مرات بابا عشان بابا ميزعلش منك. هي اللي تعمل دا لأن أنتِ الأساس عند بابا.
هكذا تحدثت نبيلة بنبرة مسمومة لتقول رنا بارتباك: بس هي مبتضايقنيش. يعني اقصد بتقولي أنه مينفعش و حرام و كدا.
نبيلة بتخابث: يا حبيبتي انا مقصدش أنها وحشة أو بتكرهك! أنا بتكلم في نقطة تانية خالص. أنتِ عارفة أنها جاية من مكان شعبي مش شبهنا ولا شبه حياتنا، فطبيعي أن ذوقها يكون بلدي شوية و متفهمش في الموضة. و مع ذلك شوفي أختها اللي متجوزة عمو كمال ماهي بتلبس قصير و ضيق وكل حاجه. هي بس عايزة تعمل عليكِ كبيرة أو كان الموضوع كدا كانت قالت لأختها صح!
رنا بلهفة: أيوا صح.
تدخلت زينة قائلة بحنق: وبعدين هي ملهاش سلطة عليكِ أصلًا عشان تتدخل في لبسك.
نبيلة بمكر: أنا فاهمة بنت اخويا. رنا خايفة أنها تعمل مشكلة بينها وبين باباها.
زينة باستنكار: متقدرش طبعًا. رنا بصيلي اوعي تخافي أنا في ضهرك، وهتكلم مع خالد في الموضوع دا.
رنا بلهفة: بجد يا خالتو؟
زينة بابتسامة واثقة: بجد يا حبيبتي.
نبيلة بتخابث: وانا كمان ناوية اكلمه. عشان لو حاولت هي تتكلم اكون انا وخالتو فهمناه و منسمحش ليها تزعلكوا من بعض.
ابتهجت ملامح الفتاة البريئة التي لا تعلم أنها عالقة في جحر الأفاعي التي لا يأمن منهمَ إنسان. لتقول بتوسل: طيب ممكن تقوليله دلوقتي؟ أصل انا مفروض هخرج مع أصحتبي بعد الفطار و خايفة يحصل حاجة تلخبط الدنيا.
زينة وهي تنظر إلى ساعتها: متقلقيش ياروحي. أنا هقوم اتكلم معاه حالًا، ولو كدا هاخدك معايا اوصلك لأصحابك دول و اتعرف عليهم بالمرة.
بالفعل توجهت زينة إلى مكتب خالد الذي كان يجري اتصالات هاتفية تخص عمله لتهتف زينة بدلال: يارب يكون سيادة رئيس مجلس إدارة الوتيدي جروب عنده وقت صغير عشان عايزة اتكلم معاه.
خالد باختصار: أمنية مستحيلة.
إجابة صادمة ولكنها لم عادته لذا تجاهلتها و تقدمت إلى الداخل لتقول باستفهام تعرف أنه سيجذب انتباهه: حتى لو الموضوع بخصوص رنا!
بالفعل نجحت في جذب كامل اهتمامه ليضع الهاتف بعد أن كان على وشك إجراء مكالمة هاتفية ليقول بنبرة خشنة: مالها رنا؟
اختارت مقعدها أمام مكتبه لتبدأ بالتطرق إلى حديثها بطريقة منمقة حين قالت: رنا كانت محتاجة اتكلم معاك بس انت عارف قد أيه هي خجولة و منطوية، و دا بداية الكلام. أنا مش عاجبني دا، و حابة أنها تغير طريقة حياتها و تندمج معانا اكتر من كدا.
كان يتابع حديثها بصمت ليُشير إليها بيده حتى تستمر في الحديث مما جعلها تهتف بسخط: أنا مش عايزة اقولك موضوع تعبير يا خالد. أنا محتاجة اتناقش معاك بشكل موضوعي عشان نقدر نوصل لحل يفيد رنا.
وضع القلم الذي بيده و تحدث بنبرة خشنة: أنتِ مجبتيش حاجة جديدة عشان كدا بقولك كملي سمعيني مقترحاتك، و بالنسبة لموضوع أن رنا خجولة دا شيء كويس أنا مش حابب اغيره. أما موضوع أنها منطوية، فدا طبعًا شيء مكنش عاجبني و أشجان معاها خطوة بخطوة وبتحاول أنها تساعدها تتغلب على دا و تندمج معانا شوية بشوية. ها عندك ايه تاني؟
اغتاظت من طريقته في الحديث، و شعرت بأنه طريقتها في التطرق إلى الامر مُباشرةً قد تأتي بنتائج عكسية لذا تحايلت على الأمر قائلة: تمام. خليني بردو ألفت انتباهك أن لبسها اكبر من سنها جدًا، وألوانه مفيهاش حياة. دي بنوته لسه طالعة للدنيا مفروض تكون زي الوردة المفتحة.
خالد مُصححًا: قصدك وردة لسه بتفتح على مهلها.
تمام. ممكن نساعدها على دا. ارجوك تفهمني رنا دي حتة من قلبي و الذكرى الوحيدة اللي بقيالي من سهام الله يرحمها
هكذا تحدثت زينة بنبرة مستعطفة يخالجها شجن مما جعل خالد يقول باختصار: تمام. هنتكلم في الموضوع دا تاني.
شعرت بأنه على مشارف الاقتناع لذا هتفت بلهفة: طيب هي بره و نفسها تخرج مع أصحابها يتفسحوا و يعملوا شوبينج، وقبل ما تقول اي حاجة أنا ناوية اروح معاها عشان الظروف الملخبطة دي، و كمان اشوف أصحابها واتعرف عليهم.
نظر إلى ساعته قبل أن يقول بجمود: معاد الفطار جه نفطر و نشوف الموضوع دا.
كان أكثر ما تمقته به تلك الردود المُختصرة، و هذا الجمود الذي يحيط به، ولكم تساءلت في الماضي كيف لشقيقتها احتمال ذلك؟
في الخارج توجه الجميع إلى قاعة الطعام ليترأس الطاولة بعد أن ألقى تحية الصباح على الجميع بصفة عامة وعلى صغيرته بصفة خاصة حين قال بنبرة مُحبة: أميرة بابا عاملة ايه النهارده؟
رنا بحبور: أنا تمام يا بابي و حضرتك؟
خالد مُغازلًا: طبيعي لما أشوف الحلو دا على الصبح هكون كويس.
ابتهجت الفتاة حتى انقطعت أنفاسها من دلال أبيها لها لتتدخل نبيلة قائلة بنعومة: شوفتي يا ست رنا بابي حبيبك مش شايف غيرك حلو ازاي؟ أنتِ رقم واحد عنده زي ما قولتلك...
أحيانًا تكُن الكلمات مجرد قشور لمن يكتفي بالوقوف عند حيز الصدى. أما الباحثون فيدركون أن وراء كل منطوق بحراً من المقاصد. ثمة عقول تمرر الحروف مرور الكرام، وعقول آخرى تتبع آثر الرحلة ومن أين نبعت هذه الكلمات؟ وكيف تشكلت؟ وما هي النوايا التي دفعتها؟ هؤلاء هم من لا تخدعهم الرؤية السطحية، بل يضعون الكلمات تحت مجهر الوعي ليقينهم أن خلف كل حرف يُطلق عالماً مستتراً يجب البحث بين خباياه.
ضيق خالد عينيه قبل أن يقول باستفهام: أشجان فين؟
تولت نبيلة الإجابة قائلة بلهفة: معرفش يمكن اتأخرت في النوم!
تدخلت ميرهان التي دلفت لتوها من الخارج: صباح الخير.
رد الجميع تحية الصباح ليبدأ الخدم في وضع طعام الإفطار ولكنها لم تظهر بعد وقد ضايقه هذا الأمر، أو لنقل فهناك من يشتاق لإطلالة صباحية تضفي البهجة على قلبه ليجذب انتباهه حديث رنا التي حفزتها كُلًا من زينة و نبيلة على الحديث: بابي. أنا كنت استأذنت حضرتك عشان اخرج مع أصحابي تعمل شوبينج النهاردة. حضرتك فاكر ولا ناسي؟
خالد بهدوء: فاكر يا حبيبتي. قولتي لممتك؟
رنا بخفوت: أه.
لم تكد تكمل كلمتها حتى تدخلت نبيلة قائلة بلهفة: بصي بقى يا روني عايزة لبس بناويتي كدا جميل الوان حلوة و حاجات ستايلش بلاش الألوان الكئيبة و الحاجات الفلاحي دي. عايزة وردتنا تلمع و تنور كدا.
ساندتها زينة التي قالت: وأنا اتفقت مع خالد و ناوية أروح معاها و اختارلها لبسها. بصراحة لبس رنا مش شيك ولا ستايل خالص.
كانت تقف أمام باب الغرفة تستمع إلى حديثهم، فقد رأت زينة و هي تدلف إلى مكتبه و من هنا فطنت إلى طبيعة الحديث الذي دار بينهم، وقد شعرت بالألم و الحزن فالمقصود من هذا الحديث هو الاستخفاف بذوقها و لكنها لم تكُن تملِك رفاهية الهرب أو حتى حتى البكاء تنفيسًا عن غضبها أو حزنها لذا سحبت نفسًا قوياً داخلها و توجهت إلى الداخل وهي تقول: السلام عليكم.
رد الجميع السلام باقتضاب وسط نظرات جميعها ملوثة فقط هناك زوج من العينين كان يناظرها و كأنها الشمس التي أشرقت على عالمه لتوها بالرغم من الغضب والحزن بداخله ولكن إطلالتها تجعل روحه تشعر بأنها مستقرة في جسده لذا تحدث بنبرة خشنة طابعها الاهتمام: صباح الخير.
أشجان باختصار: صباح النور.
نظرة واحدة إلى عينيها و كأنه قرأ كل ما بها لذا لم يُطيل في الحديث أمام كل هذه الاعيُن المتطفلة ليبدأ الجميع في تناول الطعام في صمت، لتتحمحم رنا قائلة بخفوت: بابي.
رفع رأسه يطالعها بابتسامة هادئة قبل أن يقول بنبرة خشنة: تمام يا رنا. اطلعي غيري هدومك لو كنت ناوية تخرجي، وبالنسبة لموضوع اللبس هاتي كل اللي نفسك فيه بالذوق اللي يعجبك بس طبعًا مع مراعاة لضوابط اللبس المسموح بيه. تقدري تقعدي مع مامتك قبل ما تخرجي عشان تعرفك حدودك رايحة لحد فين...
توسعت جميع الأعيُن لتلتفت تناظره غير مصدقة لكلماته، فجاء همس رنا المُرتجف: بابا.
تابع خالد حديثه بنبرة جدية لا تقبل جدال: طبعا مش محتاج اقولك أن أي حاجة مش هتكون مناسبة مش هتتلبس.
غضبت زينة لتهتف باعتراض: خالد لو سمحت...
قاطعها خالد وهو يمسح شفتيه بالمحرمة ليقول بنبرة جافة بعض الشيء: و بالمناسبة أنا شاكر الكل لاهتمامه ببنتي. بس نخلي بالنا واحنا بنتعامل أن رنا ليها أم موجودة بيننا. وهي الوحيدة المسئولة عنها قدامي، و بردو هي الوحيدة اللي ليها تقرر اي حاجة تخصها بعدي.
هتفت زينة باعتراض: بس أنا خالتها...
نصب عوده وهو يقول بجفاء يشوبه الحدة: الكلام في الموضوع دا منتهي بالنسبالي، و مفيش مجال للنقاش فيه. سمعاني يا رنا؟
كادت أن تبكي في هذه اللحظة لذا خرجت الكلمات من فمها مرتجفة حين قالت: سامعة
التفت إلى أشجان وهو يقول بنبرة خشنة: اتفضلي مع بنتك ولو لاقيت حاجة معجبتنيش هحاسبك أنتِ وهي.
ظاهريًا كان الأمر يبدو قاسيًا، ولكنه في هذه اللحظة أعلنها للمرة التي لا تعرف عددها أنها فوق الجميع، وان مكانتها لا يمكن أن يطالها أحد، فهو يضع بين يديها أثمن ما يملك في هذه الحياة. شعرت في هذه اللحظة أنها تريد أن تعانقه بشدة وقد تبدلت ملامحها إلى الفرح الذي جعل عينيها تبتسم، ولكن تغير كل شيء حالما رأت رنا التي هرولت إلى الداخل لتشعر بالحزن لأجلها وما كادت أن تتحرك لرؤيتها حتى هتفت زينة بحدة: اسلوب خالد سيء جدًا كسر خاطرها و زعلها من غير حتى ما يبص وراه. أنا هقوم أشوفها.
استني يا زينة.
هكذا تحدثت أشجان بقوة أذهلت الجميع ولكنها لم تهتم بل توقفت وهي تنظر إلى زينة في عينيها قبل أن تقول بنبرة حازمة: خالد أدرى الناس ببنته و مفيش حد هيحب رنا قده، و رنا عارفة دا كويس، ولو في حد هيروح وراها فأنا اللي هعمل دا. تقدري تروحي تكملي فطارك.
أنهت جملتها و توجهت إلى الخارج تقصد غرفة رنا ولكن الخادمة أخبرتها أنها في مكتب خالد لتبتسم بهدوء، فهو حتمًا سيراضيها الآن.
تعالي هنا يا آنسة.
هكذا تحدث خالد بنبرة خشنة جعلت رنا تشعر بالخوف الذي بالفعل كان بداخلها ما أن أخبرتها الخادمة أن والدها يريدها في الداخل لتقترب منه بخطوات سُلحفية ليمد يده و يقوم برفعها و إجلاسها فوق مكتبه وهو ينظر إليها بحنان: شايف أن في قمر زعلان مني، وانا للأسف مقدرش على زعله.
رفرفت برموشها فتساقطت عبراتها وهي تقول بخفوت: لا مش زعلانه.
مد يده يمحو عبراتها وهو يقول بحنان أبوي: أومال الدموع الغالية دي نازله كدا من غير سبب! احتوى يديها بين كفوفه وهو يتابع بحنو: أنتِ عارفة انك اغلى حد عندي في الدنيا؟
هزت رأسها بالإيجاب ليُتابع بنفس نبرته: طيب خدي بقى اللي متعرفيهوش. أنتِ بنتي حبيبتي، نور عيني. اللي لو اتحط العالم في كفة وهي في كفة كفنها ترجح من غير تفكير حتى. أنا ممكن أهد الدنيا لو لقيتك زعلانه أو متضايقة. دموعك دي بتقتلني. بحس اني ماليش اي لازمة في الحياة لما اشوفك حزينة و بتعيطي كدا.
هالها هذا الدلال و الكلام الرائع من أبيها لتهتف بشفاة مرتجفة من الفرحة: وانا كمان بحبك يا بابي أرجوك اوعى تقول كدا تاني.
ابتسم بحنو قبل أن يقول بخشونة: اقولك على سر.
اومأت برأسها بلهفة ليتابع قائلًا: تعرفي أني بغير عليكِ جدًا. يعني أحيانًا أقول لنفسي كدا. هو ممكن حد ييجي ياخد بنتي مني؟
غزى الخجل ملامحها لتُتمتم بخفوت: بابي. بتقول ايه؟!
خالد بنبرة حانية: انتِ جوهرة ربنا انعم عليا بيها، ولو كنت بضيق عليكِ في حاجات بس لازم تعرفي أني دا عشان خايف عليكِ مش قهر مني ولا تجبر. عايزك تكوني عارفة الغلط والصح. عارفة ايه اللي يليق ببنت جميلة زيك سواء في لبسها أو تصرفاتها أو نمط حياتها. بفهمك دلوقتي و يمكن اكون بمنع عنك حاجات بس صدقيني لمصلحتك.
فطنت إلى ما يقصده لتهمس بخفوت: يا بابي أنا عارفة حضرتك تقصد ايه؟ أنا بس عايزة يكون شكلي حلو. زي صحباتي.
خالد بصدق: هو في حد في صحباتك في جمالك أصلًا! أنتِ مش بس جميلة لا. أنتِ جميلة وبريئة و نقية، و كمان أنا مستني خطوة الحجاب دي منك. كبرنا و بقينا عرايس قمرات، و بابي بيغير علينا يا حلو.
كانت كلماته تقودها إلى برًا آمن بعيد عن تخبطات الآراء الآخرى، فهو والدها أكثر من يحبها في هذا العالم، وقد هدأ قلبها لحديثه، ولكنها قالت بخفوت: أوعدك اني هفكر فيه.
خالد بنبرة هادئة ولكن حازمة: احنا مسلمين يا رنا، وانا عارف انك بتصلي، والحجاب فرض، وانا مستني منك القرار دا قريب، و عارف ان بنوتي أجمل و أعقل بنوته في الدنيا. أنا واثق فيكِ فوق ما تتخيلي. مش عايزك تخيبي أملي فيكِ أبدًا.
أوعدك مش هعمل كدا أبدًا يا بابي.
اتسعت ابتسامتها و أقبلت تعانقه بقوة ليبادلها العناق بأقوى منه وهو يتمنى بداخله لو تظل على نقائها و الا يلوث أفكارها ذلك المجتمع الذي يعج بالفاسدين.
تراجع عنها ليلحظ بعض الاستفهامات في عينيها مما جعله يقول بمرح: هاتي اللي عندك قولي يالا عايزة تسألي عن أيه؟
رنا بحرج: بابي طيب ليه هايدي و ميرهان مش محجبين! حتى عمتو نبيلة كمان!
وهل يجرؤ على القول أمام صغيرته بأن هؤلاء هم خيبته الكبيرة!
هايدي ونبيلة طبعًا وضعهم مزعلني بس المسئول عنهم عمو عز فالموضوع بره عني. انما ميرهان اللي اتأخرت في موضوع الحجاب دا أوي وليها شوية ظروف كدا لما تكبري شوية هنتكلم فيها، و هصارحك واقولك أن الموضوع مضايقني أوي. بس بردو هي لبسها في حدود.
رنا بلهفة: أنا مش هعمل غير اللي يفرحك يابابي عشان أنا بحبك أوي...
دوى طرق خافت على باب الغرفة قبل أن تطل أشجان عليهم وهي تقول مازحا: ينفع أرخم عليكوا؟
ابتسم خالد و كذلك رنا ليقول الأول: عشان أنتِ ماما بس منقدرش نتكلم كدا ولا ايه يا حبيبتي؟
رنا بابتسامة صافية: كدا يا بابي.
اقتربت أشجان تبتسم بعذوبة قبل أن تشاكسه قائلة: معلش يعني. حضرتك واخد بنتي مني، مش عارفة اقعد اتكلم معاها. دا مش فير على فكرة.
ابتسمت رنا لحديثها ولكن سماء عينيها كانت بها بعض الغيوم ليلحظ خالد ذلك ولكنه تجاهل و تحدث بنبرة خشنة: و أدي ماما كمان بتغير عليكِ مني. احنا كدا في مشكلة.
في هذه الأثناء رن هاتف رنا لتجدها سهيلة صديقتها فرفعت رأسها إلى خالد الذي قال بهدوء: يالا روحي ردي على صاحبتك، و متنسيش كلامنا، و ماما هتيجي وراكي على طول.
اومأت رنا و توجهت إلى الخارج لتغلق الباب خلفها و من ثم التفت الثنائي إلى بعضهم البعض في محادثة صامتة تعج بالعتاب و الأسف ليقطعها خالد قائلًا: أنا ملاحظ أن العلاقة بينك وبين رنا متوترة اليومين دول.
أشجان بخفوت: فعلًا. من يوم اللي حصل وهي متغيرة معايا، وانا بحاول الاقي طريقة أدوب الخلاف دا.
سخر قائلًا: محتاجين والله طريقة تصلح العك دا كله.
هتفت حانقة: بس لو تكرمت أنت وبنتك تساعدوني شوية! بدل ما انتوا كل واحد واخد مني جنب كدا
خالد بتهكم: الله. دا القطة بدأت تخربش على الصبح.
تذكرت البارحة و شعرت بالحرج لتقول بخفوت: خالد. ينفع نتكلم جد شوية؟
أطلق زفرة حارة من صدره قبل أن يقول بنبرة خشنة: سامعك.
أشجان بنبرة خافتة: عايزة أقولك شكرًا عشان انت دايمًا في ضهري بالرغم من كل شيء. أنا تقريبًا عمري ما حسيت بالموضوع دا غير لما عرفتك. أن الإنسان يكون له ضهر يتسند عليه دا أجمل شعور اتخلق في الدنيا.
رغمًا عنها تناثرت بعض العبرات من مقلتيها لتسقط كصخور مدببة فوق قلبه ليتقدم منها وعينيه تعاتب خاصتها بينما تحدث بنبرة حانية و أن كان يشوبها الحزن: مينفعش غير اني اكون في ضهرك مهما حصل.
طالعته بأعيُن يطل منها الإنبهار، ذلك الرجل الشرقي الملامح ذو التقاسيم الرائعة بهاتين العينين العميقتين اللتان كان كبئرٍ من الطمأنينة الإبحار بهم لذة و السكون بداخلهم نعيم، و الابتعاد عنهم دربًا يؤدي إلى الجحيم
خرجت كلماتها هامسة صادقة حين قالت: أنت مصدر قوتي في الحياة دي.
خالد بصوتٍ أجش: أنا مصدر قوتك بس أنتِ نقطة ضعفي.
آلمتها جملته كثيرًا ولكن قلبه العاشق يأبى أن يرى طيف الحزن في عينيها ليجذبها من ذراعيها وهو يقول بنبرة خشنة مُتحشرجة: لكن أنا موافق، وهفضل جنبك وفي ضهرك العمر كله بالرغم من أي حاجة. لحد ما تبقي أنتِ مصدر القوة اللي اتسند عليه لو في يوم الدنيا حاولت توقعني.
مؤلم أن يخشى عليك من الألم من كنت أنت السبب في عذابه
العتاب اللي في عنيك بيقتلني، و الحزن اللي في كلامك كمان.
زفر بتعب قبل أن يقول بنبرة خشنة: الزعل مع الوقت بيروح لو صححنا اخطائنا و اتعلمنا منها. مهما إن كان أثره في القلب كبير. لكن في ثوابت مينفعش منعترفش بيها.
كانت تود عناق و لكنه كان يتألم وهي ترى ذلك بوضوح لذا ظلت في مكانها إلى أن سمعته يتحمحم بخشونة قبل أن يقول: الفجوة اللي بدأت بينك و بين رنا ياريت متسمحيلهاش تزيد عن كدا، و كمان خلي بالك اني كل اللي حواليكِ بيحاولوا يزودوها.
حاضر.
خالد بتحذير: الموضوع دا بالذات مش هسمح فيه بأي غلط، و لا أي نتيجة عكسية. مش أنا اللي هقولك رنا عاملة ازاي أنتِ عرفاها كويس، و عشان كدا الموضوع كله قائم على طريقة معالجتك ليه.
حاضر.
تراجع عنها ليقول باستفهام: صافية صحيت؟
أشجان بهدوء: صحيت فطرت و أخدت الدوا و نامت تاني.
أومأ برأسه قبل أن يقول بغموض:
في مفاجأة النهاردة بالليل اعتقد انها هتعجبك.
لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين.
ايه الجمال دا كله يا مدام سحر؟ اللي يدخل الملجأ يقول إنه فندق فايف ستارز.
هكذا تحدثت آسيا بانبهار من شكل المبنى و الحدائق التي تحيط به، فمن يره لا يصدق أنه ملجأ بل سيظنه قصرًا فخم لعائلة عريقة
بيقولوا فاقد الشيء لا يُعطيه. بس أنا بقى رأيي عكس كدا خالص. زي ما أنتِ شايفة. أنا اديت البنات هنا كل اللي أنا فقداه.
آسيا باندهاش: ازاي دا؟
ابتسمت سحر لتستطرد آسيا قائلة بحرج: لا سوري أنا مقصدش اني اتدخل في حياتك والله بس كلامك أثار فضولي.
سحر بابتسامة هادئة: عارفة. بس أنا حياتي مش سر ولا حاجة. أنا اتربيت في ملجأ كان أسوأ مكان ممكن يعيش فيه بني آدم، و عشان كدا لما جيت اعمل ملجأ للبنات اللي اهاليهم قرروا أنهم مش عايزينهم عملت المكان اللي كان نفسي اعيش فيه زمان ومعرفتش. أما بقى جبت فلوسه منين! فدا كان تمن قصة حب فاشلة.
شعرت بتعاطف كبير مع تلك المرأة جعلها تقول بتأثر: اللي يشوف ملامحك و ضحكتك يفكر أن حكايتك غير كدا خالص.
اتسعت ابتسامة سحر التي قالت بسخرية: أنتِ صدقتي على طول كدا! ما يمكن بضحك عليكِ!
ارتبكت آسيا لثوان قبل أن تقول بابتسامة هادئة: سواء بتقولي الحقيقة أو حتى لو بتضحكِ عليا في الحالتين هصدقك لأن الموضوع مش شيء مهم بالنسبالي، فعادي بقى قولي اللي تقوليه و أنا هصدقك.
أنتِ ذكية أوي، مش بس موهوبة و مجتهدة.
كانت ذكية في إجابتها، وقطعت على سحر طريق إثارة فضولها، بل ولم تمهلها الوقت الاسترسال في الحديث لتبدأ في تحديد ما ستفعله و تدوين كل ما أرادته سحر إلى أن مر قرابة الساعتين لينتهي الأمر بكلمات آسيا العملية: كدا أنا حددت كل حاجة، بما أن حضرتك مُصرة على أعلى بادچيت يبقى فاضل بس تيجي المكتب عندي عشان تختاري معايا ال Details بتاعت الاكل و العرض ونشوف تفاصيل الألوان و نرتب العروض.
سحر بابتسامة بشوشة: تمام. شوفي فاضية امتى كلميني وانا هجيلك.
آسيا بعملية: السكرتيرة بتاعي هتبلغ حضرتك بالمعاد. أنا مضطرة امشي عشان عندي شغل كتير متأخر.
ضيقت سحر عينيها قبل أن تقول بغموض: ربنا يوفقك. و المرة الجاية لما نتقابل هقولك القصة الحقيقية للملجأ.
آسيا بابتسامة مُجاملة: أن شاء الله. عن اذنك.
وصلت إلى مقر عملها الذي كان معبر الأمان الوحيد لها الآن، فلا تملك بيت يحتوي ضياعها ولا جدران تخفي تخبطها.
جلست تنظر في الأوراق أمامها لتجد الفتاة التي تعمل معها تدلف إلى داخل الغرفة ووجها بادٍ عليه إمارات الدهشة لتستفهم قائلة: في حاجة يا منة؟
منة بابتسامة مندهشه: فيه.
لم تكد تنهي جملتها حتى تفاجأت بريبوت صغير له عجلات دائرية يدخل المكتب عندها ويحمل علبه بها هدية و كأن أحدهم يتحكم به عبر الريموت كنترول
اندهشت آسيا بدورها واخذت تنظر اليه باستغراب ثم توقفت وتوجهت لتقف أمامه وتنظر الى ما يحمله وما تحتوي هذه الهديه والتي لم تكن سوى قنينة عطر صغيرة وجميلة ولكنها لم تكن اي قنينة!
عاده بها الذكريات الى يوم ميلادها التاسع عشر حين تفاجأت برؤوف يجلب لها احد العطور الفخمة التي كانت تطوق بشده لاقتناء واحده منها
ايه دا يا رؤوف جبتها منين دي غاليه قوي.
هكذا تحدثت بذهول حالما رأت قنينة العطر ليبتسم رؤوف وهو يقول بنبرة محبه
عيد ميلادك السنه اللي فاتت سألتك نفسك في ايه قولتيلي نفسي في البرفيوم ده انا من وقتها وانا بحوش عشان أجيبهولك في عيد ميلادك.
عادت من ذكرياتها وهي تفتح عينيها بشجن تتذكر فرحتها العارمة بهذه الهديه التي كانت تفوق طموحها بمراحل لتبتسم بحزن، فكم كانت وقتها لا تحمل همًا. فقط حلم طموح ينمو الورود داخل صدرها.
لو اعرف ان سان لوران هترسم الضحكه الحلوه دي على وشك كان زماني جبتها من بدري.
انتفضت آسيا لدى سماعها صوت رؤوف الذي كان يقف أمام باب المكتب ويحمل باقة من التوليب الأحمر الرائع لتلوح ابتسامة ساخرة على شفتيها فالتفتت تشير إلى الفتاة بالمغادرة ليقترب رؤوف منها وهو يقول بسخرية: مش عارفه اشكرك ازاي انك مش هتطرديني قدام منة النهاردة كمان!
لم تبتسم بل وضعت الهديه على المكتب ثم قالت بجفاء: جاي ليه يا رؤوف؟ بعد كل اللي عملته واللي حصلي بسببك جاي ليه؟ قولتلك مليون مرة مش عايزة أشوفك.
وضع رؤوف الورد فوق المكتب وهو يقول بصدق: جاي عشان أقولك آسف. أنا عمري ما قصدت اجرحك أو أأذيكي. أنا محبتش حد غيرك في حياتي، و أنتِ عارفة دا.
قاطعته بنبرة حادة: لو سمحت. بلاش الكلام دا انا...
قاطعها بنبرة جريحة: أنتِ تايهة و ضايعة، ودا طبيعي بعد اللي حصل. عشان كدا كل مرة كنتِ بتطرديني من هنا ومن كل مكان أنا كنت برجع تاني. عشان عارفك و عارف انك هترجعي تقفي على رجلك و تتوازني من تاني، و تفهمي.
آسيا بانفعال: افهم ايه؟ أفهم انك جيتلي فرحي تسجلي عشان تلبسني مصيبة، و لا تروح تحط إيدك في إيد عدوتي عشان بس تضايقني، ولا انسى انك تروح تديها تسجيل ناقص دمر حياتي و حطي في أسوأ موقف في الدنيا.
صاح بألم: محصلش. أنا مدتهاش حاجة. هي خدته من ورايا وقصته، وانا أول ما عرفت جريت على خالد سمعته التسجيل الحقيقي. حتى لما الزفت دا جه شاف الكاميرات و شافك وأنتِ عندي انا معرفتش غير لما هي أدته فلاشة الكاميرات.
برقت عينيها من الصدمة هل شاهد هذا اللقاء؟ تأذت كرامتها بشدة، و شعرت بالألم والخزي يغمرها، فقد تعرضت في ذلك اليوم للإذلال الذي تتذكره للآن مما جعلها ترفع رأسها بغضب تجلى في نبرتها حين قالت: اسكت يا رؤوف و كفاية اللي عملته فيا.
اقترب منها خطوتين وهو يهتف بلهفة: انا جاي و ناوي اصلح كل اللي عملته، و مسامحك على كل حاجة عملتيها فيا. هتستغربي عارف. بس بصي حواليكِ هتلاقي أننا مبقاش لينا غير بعض. أنا جربنا تقرب من الناس دي وأتأذينا و ندمنا. أنتِ ندمتي على جوازك من الندل دا وانا ندمت اني عرفت الحقيرة أخته.
أوشكت على الحديث ليقترب منها أكثر حتى صار أمامها مُباشرةً وهو يستطرد قائلًا: افتكري كدا واحنا مع بعض. احنا عمرنا ما ندمنا أننا سوى، واحنا سوى كنتِ مبسوطة و فرحانه. اه مصرحناش بمشاعرنا بس كنا شايفينها في عيون بعض، وانا شوفت حبك ليا في عنيكِ يوم ما جيتي تعاتبيني في المكتب وانا كبريائي كان مانعني اني اقولك اني انا كمان بحبك، و خلاص مفيش حاجة هتمنعني اقولها، وكمان الدنيا اتغيرت. أنا شغلي ماشي كويس وأنتِ كمان نقدر نشتغل اكتر و نعافر سوى لحد ما نوصل للمستوى اللي بتحلمي بيه من غير لعنة الوتيدي دي خالص. أنا.
لم تكد تتحدث حتى تفاجئت بباب المكتب ينخلع بقوة وكأن دبابة حربية صدمته، والحقيقة أنها لم تُخطيء، فقد أطل كمال من خلف الباب المُحطم بمظهره الضخم المرعب ليرتد جسدها إلى الخلف بقوة وهي تشعر بأن قلبها سيتوقف عن العمل في هذه اللحظة و خاصةً حين سمعته يّزمجر بشراسة:
الكلب دا بيعمل ايه هنا؟
لم تسعفها الكلمات بالرد فقد كان الذُعر المخيم عليها يحجب حتى أنفاسها لتستمع إلى رؤوف يصرخ بغضب: و أنت مالك أنت اللي بتعمل ايه هنا؟
اخترقت الكلمات عقل كمال الذي أصابه الهوس ليزأر بوحشية: أنا حذرتك مرة و التانية قولتلك اوعى التالتة معايا، عشان التالتة بتاعت كمال الوتيدي تابتة يا روح أمك و هطلع روحك في إيدي المرادي.
صرخت آسيا حين وجدته انقض عليه كالوحوش ليلكمه بقوة أطاحت برؤوف الذي سرعان ما توازن وهو يصرخ بصوت جهوري: أنت اللي هطلع روحك في أيدي لو شوفتك قريب منها تاني.
تفادى كمال لكمة رؤوف بكفة الذي قبض على خاصة رؤوف بقوة كادت أن تحطم ذراعه وهو يصيح بوحشية: دي مراتي يا حيوان.
توقف العالم بالنسبة لرؤوف وهو يستمع إلى جملة كمال التي اخترقت عقله كفيروس تسبب في إيقاف جميع العمليات الحيوية به. ليقوم كمال بضربه بجبهته بقوة أوقعته أرضًا ولكن عينيه توقفت على آسيا وهو يهتف بصدمة: الكلام دا صحيح؟
اهتاج كمال كالوحوش وهو يراه يحادثها بهذه الطريقة ليعميه الغضب و يقوم بإخراج سلاحه و يوجهه إلى رأس رؤوف وهو يصيح بوحشية: أنت بتعاتبها قدامي يا حقير.
اندفعت كالممسوسة تقف أمام كمان وهي تتمسك بذراعه وتهتف من بين نهنهاتها: ارجوك بلاش يا كمال. أبوس إيدك متعملش كدا. بلاش دم. بلاش عشان خاطري.
رأت في عينيه هذه اللحظة أقسى تعبير عن الاحتقار تعرضت له في حياتها و إن كان ممزوج بألمٍ قاتل و غضب عارم و خيبة انضمت الى سابقتها بداخله ليحاول إزاحتها وهو يقول بشراسة: اوعي من قدامي.
عاندته وهي تتشبس بذراعيه و مقدمة صدره لتهتف بصراخ: مش هوعى. مش هوعى. أرجوك كفاية. أرجوك.
سيبيه. خليه يعملها. لو راجل اعملها.
هكذا صرخ رؤوف لتصرخ آسيا حين رأت كمال الذي شوه الغضب ملامحه، فبدا كالوحوش ليزيحها من طريقه، و حين أوشك على الضغط على زناد السلاح اندفعت آسيا تضرب السلاح إلى الجهة الأخرى ليدوي صوت الرصاص الذي جذب أسماع الحرس ليدلفوا إلى الداخل و يحولوا بين هذا الوحش الهائج و هذا النمر الجريح لتقوم آسيا بجذب يد كمال تجره إلى الخارج لتخترق رأسها جملة رؤوف المُحتقرة: والله ورخصت يا تفاح. هو دا اللي أنتِ تستحقيه.
لا يدري ماذا حدث له في هذه اللحظة حين سمع هذه الجملة ليدفعها و يخترق دفاع الحرس و يقوم بضربة بقوة في وجهه ليسقط مُغشيًا عليه، فصرخت آسيا و هرولت إلى الخلف لترى ما حدث لرؤوف ولكن يد كمال التي أحكمت الطوق حول خصرها كانت قاسية بشكل حجب عنها أنفاسها لتجد نفسها تستقل السيارة مع وهش هائج أنفاسه مسموعة بشكل مرعب، وكلتا يديه تنزفان من قوة الضربات التي أطلقتها، و صدره يعلو و يهبط بشكل مرعب لتبدأ نهنهاتها بالارتفاع رغمًا عنها و حتى معدتها أعلنت عن ثورة عارمة على وشك الانفجار لتجلب بعض المحارم الورقية و تضعها فوق شفتيها حتى تمحو آثار وجعها و ما هي إلا دقائق و أوقف كمال السيارة بعُنف أمام المنزل الكبير ليندفع هو ويجرها خلفه ليركل الباب بقدمه وهي عالقة بين براثنه كالشاه التي تساق إلى ذبحها:.
أنتِ ايه؟ شيطانة! كل مرة قلبي فيها بيفكر يشفعلك بتثبتيلي اني غبي و انك أسوأ إنسانة شوفتها في حياتي.
هكذا صاح كمال بصوت ارتعدت لها جدران المكان و كلك جسدها الذي انتفض إثر امساكه ليدها بقوة آلمتها ولكن الألم الأكبر من نصيب كبريائها الذي أُهدِر اليوم لتصرخ بانفعال: سيب إيدي. و بطل همجيتك دي. عايز مني ايه! مش أنا شيطانه و أسوأ إنسانة في الدنيا اتجوزتني ليه؟
توحشت ملامحه و أسودت عينيه أكثر و كأن السماء تمده بوقود الغضب ليُزمجر بشراسة: عشان أربيكي و أعلمك الأدب. هو أنتُ فاكرة انك هتدمري حياتي، وأنا هسيبك تعيشي حياتك كدا عادي! دانا هخليكِ تكرهي كل ثانية فيها.
كانت ترى في عينيه ماهو أبعد من الغضب و الاحتقار كانت نظراته تضج بألم كبير جعل عينيه تلمع و كأنها تستعد لذرف العبرات، وبالرغم من ذلك لم تستطِع إلا الإعلان عن عذابها ولوعتها هي الآخرى، فقد ضاقت ذرعًا من تعاقب الكوارث على حياتها لتصرخ بعُنف: أنا فعلًا بكره كل ثانية في حياتي. بس حياتي اللي عشتها معاك. بتمنى لو الزمن يرجع بيا تاني عمري ما همشي في طريق في ريحتك حتى!
هدأت لهجته ولكنها تضمنت كل معاني الاحتقار حين قال بقسوة: مش مستغرب كلامك دا. بالنسبالي أنتِ شخص لا عنده احساس ولا عنده مباديء. أنانية بدرجة مليون. بس اعرفي أن كل أخطائك هتتحاسبي عليها. ماهو مش لوحدك اللي بتعرفي تنتقمي، ولا لوحدك اللي بتعرفي تخططي عشان تفسدي حياة الناس!
كان يتوعد لها بالهلاك! أي هلاك أكثر مما هي به الآن. تشعر بالتعب و الإعياء كل ما بها يتألم جوهري و حسي. تعبت من كل شيء وملء كل شيء. شعرت بأنها تكره نفسها مثلما يكرهها و لكنها عبرت عن ذلك بإطلاق سهم مُشتعِل اخترق صدره ببراعة حين قالت: أنا بكرهك يا كمال.
كان في أسوأ حالة على الإطلاق يُمكِن أن يصل إليها رجل أو عاشق. فهو مذبوح القلب مهدور الكرامة، تقتله غيرة فتاكة، و يفترسه غضب عارم اجتمعت أضلع هذا المُثلث المرعب حول قلبه، فأعمت عينيه عن كل شيء، و صارت نيران ذلك الحريق تتراقص في مقلتيه و تلك الضحكات الصاخبة و الهمسات الناعمة تطن بأذنيه وتلك الرؤى المشوشة تمر من أمام عينيه لتتجعد ملامحه بشكل مرعب جعل آنه خوف تخرج من شفتيها وهي تتراجع إلى الخلف ذعرًا من مظهره الذي لم تره به من قبل لتتفاجيء حين أقبل عليها يجذبها بعُنف في هجوم كاسح فوق ضفتي التوت خاصتها هجوم جعلها أسيرة بين عشقه الضاري و غضبه المقيت و غيرته الهوجاء، فهل تنجو من هذا المثلث المُرعِب؟!
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى.
غريبة قلبي.
التفتت غنى إلى ياسر الذي كان يقف خلفها يطالعها بأعيُن تلتمع سماءها بنجوم العشق لتبادله الابتسامة بأخرى خجولة ليقترب منها قائلًا بنبرة عاشقة: هو أنتِ بتحلوي كل يوم، ولا أنا اللي بحبك كل يوم اكتر من اليوم اللي قبله؟
غنى بدلال: اللتنين.
مازحها ياسر حين داعب أنفها بخاصته قبل أن يقول بعبث: مشكلتك انك واثقة في نفسك و عارفة اني دايب في أمك.
ابتسمت بحذر وهي تقول بخفوت: على ذكر ماما. احنا هنعمل ايه مع هيام؟
قرصها من خدها وهو يقول بحُب: قبل هيام في مفاجأة لعيون حبيبي بعدها نقرر.
غنى بحماس: الله مفاجأة. مفاجأة ايه؟
غمز ياسر بوقاحة تجلت في نبرته حين قال: عربني الأول.
غنى بخجل: أيه دا يعني ايه؟
ياسر بعبث: يعني ادفعي عربون. من الآخر اغريني. أنا راجل قليل الأدب و مستغل و مش هقولك حاجة غير لما تغريني و تثبتيني.
ناظرته غنى بسخط قبل أن تقول بتبرم: ماهو يعني. مينفعش كدا. مبتعملش حاجة من غير مقابل!
ياسر بعناد: لا مبعملش.
طيب اعمل حاجة لله.
ياسر بإصرار: مبعملش.
أدركت أنه لا مفر أمامها لذا وقفت على أطراف أصابعها لتقترب من خده و تقوم بوضع قبلة صغيرة بجانب فكه الأيسر ثم عادت إلى مكانها مرة آخرى وهي تقول بحماس: يالا قولي بقى ايه المفاجأة.
ياسر بصدمة: نعم! مفاجأة ايه؟ مش قولنا. في عربون؟!
نعم واللي أنا عملته دا كان ايه؟
ياسر بوقاحة: قلبظ بجنيه. أنتِ بتثبتي ابن أختك يا غنى! دا أنتِ هتاخدي اول علقة في جوازك النهاردة.
شهقت بقوة وهي تقول بصدمة: الحق يا ياسر. ايه اللي وراك دا؟
التفت ياسر بلهفة، فلم يجد شيء ليعلم أن هذه الماكرة تلاعبه، وخاصةً حين وجدها تهرول إلى الخارج وهي تضحك ليندفع خلفها في وصلة من اللعب واللهو و السعادة بينهم التي سرعان ما قطعها صوت رنين الباب فتوجه ياسر لمعرفة من الطارق ليجد أمامه صابرين والدة غنى والتي كان مظهرها لا يُبشر بالخير ليقول ياسر بذوق: أهلًا و سهلًا اتفضلي يا أم غنى.
يزيد فضلك يا جوز بنتي.
هكذا تحدثت بمجاملة لتجد غنى تقف أمامها في الصالة فاقتربت تعانقها وهي تقول في أذنها بصوتٍ خافت: عيزاكي في موضوع مهم.
شعرت غنى بالقلق الذي جعل معدتها تتقلص، وخاصةً حين رأت نظرات ياسر الذي تحدث بجمود: هطلع اكلم يزيد بره و أنتِ اعمليلي كوباية شاي.
اومأت غنى برأسها ليخرج ياسر و تجلس بجانب والدتها التي قالت بحدة: أنتِ صحيح اتصالحتي على مقصوفة الرقبة اللي اسمها هيام؟
غنى بصدمة: أنتِ جبتي الكلام دا منين؟
صابرين بحدة: جاوبيني من غير أسئلة كتير. صحيح اتصالحتوا عليها و العدل جوزك ناوي تروحوا كمان تتغدوا عندهم الجمعة الجاية؟
غنى بجفاء: هي طلبت مننا دا واحنا لسه مقررناش.
صابرين باستنكار: لسه مقررتوش! بعد كل اللي حصلكوا منها وقلة أدبها ولسه مقررتوش؟
غنى بانفعال: دا موضوع يخصنا احنا يا ماما، وكمان هيام مغلطتش لوحدها ولا منها لنفسها. أنتِ كمان كان ليكِ دور كبير.
زجرتها صابرين بغضب وهي تقول بحدة: دور في أيه يا عين أمك؟ دي لبست اخوها تهمة توديه في ستين داهية عشان بتكرهك و عايزة تخلص منك.
غنى مصححة: قصدك عشان ترد كرامتها هي و ياسر اللي دوستي عليها، و كمان عشان خافت من تهديدك!
صابرين بقسوة: اخرسي يا بت أنتِ و اسمعيني. هيام دي شيطانه، وانا متأكدة أنها بتكرهك، و ماصدقت تسمع مني كلمتين عشان تعمل عملتها.
صمتت لثوان قبل أن تقول بغضب: و مش بس كدا دي كمان كانت متفقة مع اللي ما تتسمى عنايات عشان يعملوا فيكي كل البلاوي الزرقا دي.