رواية هل من سبيل للغفران ج2 للكاتبة نورهان العشري الفصل السابع والعشرون
أنتِ بتقولي ايه يا ماما؟ هيام مين اللي متفقة مع عنايات؟
هكذا تحدثت غنى بأنفاس مقطوعة من الصدمة لتهتف صابرين بغلظة: متفقين عليكِ اسمعي من امك. الحرابي دول اتفقوا يذلوكي و يكسروا عينك و يبهدلوكي لجل ما المخفية هيام تنتقم مننا و ترد كرامتها.
وضعت يدها فوق رأسها المنهك وهي تحاول استيعاب الحديث ثم هتفت بنبرة خافتة متعبة: أنتِ جبتي الكلام دا منين؟ أنا مش فاهمة حاجة. ايه اللي جاب هيام لعنايات؟ دول حتى ميعرفوش بعض.
صابرين بحنق: بقولك متفقين عليكِ، و يعرفوا بعض عز المعرفة و انا أتأكدت من دا بنفسي، و عشان أثبتلك المخفية هيام جايبة للمحروس رأفت عروسة من طرفها و مش بس كدا دي خدت اللي ما تتسمى عنايات و راحت عشان تشوفها معاها و تطلب إيديها لابنها ايه قولك بقى في الكلام دا؟
رفعت غنى رأسها إلى الأعلى وهي تحاول أن تزن الكلمات بميزان العقل بعيدًا عن صخب الألم في داخلها. لتتوالى الأحداث في رأسها كالشريط بداية من كل شيء إلى هذه النقطة المفعمة بالسواد، ولكن والدتها لم يُعجبها صمتها لذا هتفت بغضب: اسمعي يا غنى. هيام دي حية عايزة قطع رقبتها. سيبك من الوش اللي لبسهولكوا دا. دي بتتسهوك عشان تجر رجل أخوها و يصالحكوا. اوعي تنوليها مرادها. واجب عليكِ تنبهي جوزك و توعيه و تحاولوا ياختي تسلتوا فلوسكوا من ايديها هي و جوزها بالطريقة و بعد كدا تسدوا مكسرها بزفت.
توقفت الكلمات في حلق غنى من شدة الصدمة لحديث والدتها التي تركت جميع المصائب التي ألمت بها حتى أنها لم تلتفت إلى صدمتها و جل ما تلهث خلفه هو النقود!
أنتِ بتقولي ايه؟ فلوس ايه اللي بتدوري عليها؟
صابرين بحدة: الحق عليا أني بدور على مصلحتكوا؟
غنى بانفعال: مصلحة أيه اللي بتدوري عليها؟ بصي قدامك وشوفيني. شوفي أنا بتألم ولا لا؟ شوفي مجروحة ولا مكسورة ولا فيا ايه؟
صمتت لثوان قبل أن تتابع بسخرية مريرة: ولا تشوفيني ازاي؟ إذا كنت اتكسرت قدامك ميت حتة قبل كدا و مشوفتنيش هتيجي تشوفيني دلوقتي؟!
أربكتها كلمات غنى مما جعلها تقول بتلعثُم: يا بنتي. أنا خايفة عليكِ هو لو أنتِ مش بنتي حبيبتي و متهمنيش كنت جيتلك جري أول ما عرفت اتفاق الشياطين دا؟
غنى بسخرية جافة: لا كتر خيرك، وبعدين تعالي هنا. أنتِ بتقولي أن هيام متفقة مع عنايات عليا عشان ترد كرامتها يعني أنتِ عارفة انك هنتيها و بهدلتيها. لكن خلينا في موضوعنا. هيام متفقة مع عنايات على ايه؟ انها تطلع ابنها عاجز! و تخليه يطلع عجزه و فشله في ضربي و بهدلتي!
جف حلق صابرين، فلم تعرف بماذا تُجيبها لتقول بتلعثُم: لا. ممكن هو فعلا كدا. بس هما اتفقوا مع بعض مثلا أنهم يبهدلوكي مش كنتي بتقولي أن المخفية عنايات بتعاملك أسوأ معاملة؟ أكيد كانوا متفقين!
غنى بحدة: عنايات كانت بتعاملني أسوأ معاملة عشان ملقتش حد يقفلي يا ماما. رمتيني تحت رجليها، فاعتبرتني الخدامة اللي من غير تمن ولا ضهر. الغلط مش من عند هيام فوقي يا ماما فوقي. أنتِ و بابا السبب في كل اللي حصلي. رأفت دا كان خاطب قبلي ست مرات و متجوز مرتين مكلفتوش خاطركوا تروحوا تسألوا عنه ولا تعرفوا اتجوز ليه و طلق ليه؟ رمتوني زي الكلبة ليه من غير تمن. أنتِ فشلتي كأم متعلقيش غلط على غيرك.
صفعة مدوية بترت كلماتها التي يصرخ بها الوجع و القهر ليتساقط من بين مآقيها وهي تنظر إلى والدتها التي هتفت بغلظة: اخرسي قطع لسانك. بقى الحق عليا اني جايه افطمك و انبهك تقوليلي فشلت. كنت اعرف منين أنه معيوب؟ أنا قولت عيلة و أصل وفصل و فلوس تعيشك باقي عمرك مرتاحة. جاية تقوليلي فشلت! أنا لو فشلت فأنا فشلت فعلًا في تربيتك.
غنى؟
هكذا تحدث ياسر بصوتٍ غاضب ليكُن هو القشة التي هرولت لتتمسك بها، فاندفعت ترتمي بين ذراعيه التي احتوتها بحُب و حنان كانت تحتاج إليهم بشدة لتهتف بقهر: ياسر.
رجاءها و ندائها آلما قلبه ولكن سرعان ما ضاق صدره و انقبضت معالمه بوحشية حين رأى ذلك الإحمرار فوق وجنتيها ليُدرك بأن صابرين قد صفعتها مما جعله يهتف بشراسة: أنتِ مديتي إيدك عليها؟
لا تنكر بأن مظهره افزعها ولكنها لم تظهر ذلك بل قالت بتبجح: أيوا مديت ايدي عليها. بنتي وبربيها.
صاح ياسر بقسوة اربكتها: بنتك دي ليها راجل مسئولة منه لو غلطت تيجي تقوليله. مش مسموح لأي حد في الدنيا يدوسلها على طرف حتى لو كنتِ أمها، و دا بس اللي مانعني اخد حقها منك حالًا.
شهقت صابرين بصدمة من حديثه، فلم تكُن تتخيل أن تراه يُدافع عن ابنتها بهذه الطريقة ولكنها أرادت استغلال الأمر و تغيير دفة الحديث حين قالت: طب و على كدا بقى هتقدر تحميها من شر الغندورة أختك!
ياسر بصرامة: لا أختي ولا أي حد في الدنيا يقدروا يمسوا شعره منها.
صابرين بحدة: و تفسر بأيه أنها واخدة اللي ما تتسمى عنايات راحة تخطب للمخفي طليقها؟ حاطة إيدها في إيد اللي أذوا بنتي ليه؟
ياسر بقسوة و نبرة مُتجهمة غليظة: محدش في الدنيا أذى بنتك غيرك. مترميش بلاكي على الناس يا حماتي، و تاني مرة اياكي تحطي أختي في جملة مُفيدة.
كانت الصدمة من نصيب غنى التي لم ترى على وجهه أي إمارات للإندهاش من حديث والدتها، فهل كان يعلم؟
دي طريقة تكلمني بيها يا جوز بنتي! و كل دا عشان تداري طبعًا على عمايل أختك...
صاح ياسر مُحذرًا: اعمليلك قفلة يا أم غنى، واعرفي ان اللي مسكتني عن عمايلك دي مراتي وبس، وانا بردو مراعي انك في بيتي. لكن أنا ليا كلام تاني مع حمايا.
لم يُمهلها اي فرصة للرد، فقد جاءت كلماته حازمة مما جعلها تلتفت إلى غنى التي كانت تقف مشدوهة بين يديه لتصيح صابرين بتقريع: سامعة يا ست غنى؟ أمك بتتهزق في بيتك من جوزك وأنتِ واقفة في حضنه! بس معلش أنا اللي غلطانه اني خايفة على مصلحتك لكن توبة ادخلك بيت تاني.
أنهت جملتها و غادرت دون أن تحاول غنى إيقافها، فقد كان عقلها يعمل في جميع الاتجاهات هل حديث والدتها صحيح؟ وهل يعلم هو به؟ كيف لم يتأثر؟ أم أنه بارع في إخفاء انفعالاته حتى لا يظهر شقيقته بصورة أسوأ؟
تعالي يا حبيبتي اقعدي.
هكذا تحدث وهو يجذبها لتجلس فوق الأريكة وعينيها تتعمقان في عينيه اللتان كانتا تحاول الهرب منها ليقول بجمود: هجبلك حاجة تشربيها.
لم تدع له الفرصة للهرب إنما أمسكت بيه لتمنعه من الحركة وهي تقول بلهفة: أنت كنت عارف اللي ماما قالته عن هيام؟
تحمحم ياسر قبل أن يجلس فوق الأريكة بجانبها ليقوم بمحاوطة خصرها ليرفعها حتى تصبح بين ذراعيه وهو ينظر إلى داخل عينيها اللتان كانتَ تلمعان بشكل خاطف للأنفاس ليبدأ حديثه قائلاً بنبرة مُحشرجة: بتحبيني قد أيه؟
توسعت حدقتيها من غرابة استفهامه وفي هذا التوقيت، ولكنها فضلت الإجابة دون جدال: بحبك أكتر من اي حاجة في الدنيا.
أعجبه أنها أجابت إجابة مُباشرة دون استفهامات ليقول بنبرة عاشقة: طب واثقة فيا ولا لا؟
غنى بخفوت: مش واثقة في حد غيرك في الدنيا دي...
رفع كفها إلى شفتيه ليُلثم باطنة برقه ثم تحدث بنبرة رجولية خشنة: عايزك تعرفي أني مش هسمح لأي حاجة أو لأي حد أنه يزعلك مهما كانت مكانته بالنسبالي أو بالنسبالك. أنتِ عندي رقم واحد في حياتي.
انفرجت شفتيها عن ابتسامة جميلة ليُتابع بنبرة عاشقة: أنا عاشقك يا غنى، و عشقك دا جنة ربنا اللي بعتهالي على الأرض، وعشان أكون شخص يستحق الجنة دي و يستحق يتنعم في خيرها، فأنا لازم أحارب و أجاهد كل الشياطين اللي حوالينا.
كانت كلماته عذبة رائعة تحمل سلامًا و طُمأنينة و وعدًا بالأمان كان أكثر ما تحتاجه مما جعلها تهمس بخفوت: ياسر...
مد يده يُزيح خصلة هاربة خلف أذنها وهو يقول بنبرة مُتحشرجة تعج بالمشاعر الضارية: عيون ياسر. لازم تعرفي أن الكلمة اللي بتتقال تجرحك بتجرحني قبلك، و أي حاجة حصلت وجعتك حتى لو كانت قبل ما نكون لبعض فهي وجعتني أنا كمان. و اللي جه عليكِ و أذاكي دا خصمي قدام ربنا ليوم الدين، و هاخد حقك منه قدام عنيكِ عشان تعرفي انك خدتي القرار الصح يوم ما أختارتي انك تثقي فيا دونً عن العالم كله...
لم تكُن تريد أكثر من ذلك لتهدأ و لتكُف عن التفكير فيما يحدُث، فهي تثق به و تثق بأنها آمنة بجواره لذا ابتسمت بعذوبة قبل أن تقول بهمسٍ مغوي: أنا كدا كدا عارفة اني خدت القرار الصح لما اختارت أثق فيك دونً عن العالم كله، وعشان كدا هغمض عنيا و أسيبك تمشي بيا الطريق لحد النهاية، و عارفة أني هكون في أمان، واني مش هعرف للفرحة طعم غير في حضنك.
ارتج قلبه لحديثها الرائع، وقد اشتعلت حمية العشق بصدره، فمنذ ذلك اليوم حين تذوق جنة قربها، وهو يخشى الاقتراب مرة آخرى حتى لا تفزع و لكنه اليوم يشتهي إرتشاف نبيذ العشق بجانبها و يتمنى أن يتذوق سُكر الهوى من جديد معها، مما جعله يهمس بجانب أذنيها بخفوت: طب غمضي عيونك الحلوين دول؟
رجفة قوية ضربت سائر جسدها، ولكن عقلها كان مُستكينًا على غير العادة بل أنه أخذ يعرض لقطات من سعادة خابرتها معه، ولأول مرة يكُن وسيلة دعم لقلبها، فأطاعته و أغلقت عينيها ليقترب منها بروية وهو ينثُر بتلات العشق فوق وجهها و يديه تمسد خصلاتها بحنو كان يلعب دور المخدر لجميع مخاوفها، فالأمر معه لم يكُن مُقتصرًا على لقاء جسدي يتوجه العشق بل كان بث طاقة كبيرة من الحنان فوق ندوب روحها، و زرع قدر كافي من الأمان في قلبها المكلوم، و ري شعور الأنثى الذي بداخلها حتى ينمو و يُزهر من جديد، فالمرأة لا تحتاج لأكثر من ذلك حتى تصبح ذلك الكائن الذي يعرِف كيف يصنع السعادة و يغمر الجميع بها، وهذا ما كان يفعله معها. يبثها كل شيء تحتاجه لتستطِع أن تُعطيه بعد ذلك، و يأخذ منها القدر الذي تسمح له به، دون أن يرغمها على العكس كان يغدق عليها بالمقابل من حنانه و احتوائه حتى سكنت روحًا و جسدًا و قلبًا بين يديه هانئة، سعيدة، مطمئنة، كيف لا؟ وقد أحياها من نفس النقطة التي قُتلت بها ذات يوم.
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين، وغلبة الرجال.
أنا عارفة انك زعلان مني، وانا كمان زعلانه منك و من نفسي وعشان كدا طلبت نتكلم سوى النهاردة.
هكذا تحدثت شروق وهي تنظر إلى راجي الذي كان التجهُم بادٍ على ملامحه و كذلك نبرته حين قال بتقريع مُبطن: عمومًا أنتِ أتأخرتي في الخطوة دي، بس كويس انك أخدتيها.
تعرف كم هو غاضب و متألم و ذلك يُحزنها لذا تغاضت عن جفاءه حين قالت بصدق: عايزة أقولك على حاجة و اتمنى تصدقها.
راجي بجمود: اعتبريني صدقتك. أنا عارف انك مبتكذبيش.
دمعت عينيها وهي تقول بتأثُر: أنا فرحت جدًا لما عرفت انك ابن عمي. يعني في الأول اتصدمت بس بعد كدا حسيت أن ربنا بيحبني. تخيل الشخص الوحيد القريب ليا يكون من دمي. أنا عارفة أن كلامي ممكن يزعلك بس أقسم بالله أنا فعلًا كان بييجي عليا وقت أقول ياريت لو راجي دا كان أخويا. يمكن الكلمة تضايقك بس أنا كنت شيفاك سند و ضهر و صاحب أحكيله عن كل حاجة مضيقاني من غير ما اتردد، و دا عمره ما حصل مع حد.
كانت كلماتها كالسُم المُختبيء في جوف العسل ولكنها كانت صادقة يعلم ذلك، و يعلم أيضًا أنها لطالما كانت واضحة في علاقتهم، فلم تعطه يومًا اي وعود ولو كانت غير منطوقة. فحين كان يحاول عبور المسافة بينهم كانت تحيط نفسها داخل قوقعة التجاهل و تلتزم غض البصر عن مشاعره و على الرغم من أن ذلك يؤلمه بشدة، ولكنه رجُلًا ذو كبرياء عظيم لم يُخلق من يمسه بعد لذا تحمحم بخشونة قبل أن قول بجفاء غير مقصود: ربنا حققلك أمنيتك، و طلعنا ولاد عم.
شروق من بين عبرات غزيرة: أقولك على حاجة. انت عندي اكبر من اني اورطك في قصة سخيفة زي قصتي. أنا ممكن أقولك موافقة ارتبط بيك، و نتخطب ونتجوز بس انت تستحق واحدة تديك حب الدنيا كله مش مجرد احترام و مودة. تستحق تتحب أوي. أنا هكون أنانية لو ظلمتك في مجرد مشاعر احترام و تقدير.
دموعها أحزنته كثيرًا فهذه الفتاة صادقة الى حدٍ يقتله لا تترك له شيئًا يلومها عليه، فهي شفافة، حانية و رائعة، بسيطة للحد الذي يجعل المرء يشعر بالانبهار من فرط رقتها و برائتها و نقائها، فلم تترك له مجالًا إلا لاحترامها حتى ولو كان يتألم لكنه سيتدارك الأمر لأجلها و لأجله فهي محقة هو يستحق من تعشقه بجنون لا مجرد مشاعر احترام و مودة: طيب ايه أنتِ قلبتي على عيلة في ابتدائي كدا ليه؟ ما تنشفي شوية و امسحي دموعك دي.
قال جملته الأخيرة وهو يناولها محرمة ورقية تناولتها منه بأيدٍ مُرتعشة و شبح ابتسامة لاح عند زاوية فمها لتشكره بخفوت و هي تحاول كفكفة عبراتها ليبدأ هو بالحديث بنبرة هادئة على عكس ألمه العظيم: أنا مقتنع بكلامك، و بحييكي على صراحتك و وضوحك، و طبعًا أنا عمري ما هقبل اعيش مع نص قلب. يعني المودة و الاحترام دول موجودين لكن العشق اللي أنا استحقه مش موجود، فخلاص هنتجاوز الموضوع دا، أنا مش مُراهق و هقدر اتخطى في أقرب وقت. فخلينا نتكلم في المهم...
تسللت بعض الراحة إلى صدرها جراء حديثه و أن كانت ترى الألم يلوح بزوايا عينيه ولكنها تعلم بأن يتألم الآن خيرًا من غدًا، فهو لا يستحق منها سوى أن تكون صريحة معه، و عند ذكر آخر جملة في حديثه تنبهت جميع حواسها لتقول بهدوء: اتكلم أنا سمعاك.
راجي بنبرة جامدة: طبعًا أنتِ و جميلة لازم ترجعوا تشوفوا أهلكوا و تتعرفوا عليهم دا مبدأيًا، عمك عامر اتكلم معايا و أنا قولتله يديكوا وقتكوا و ميضغطش عليكوا وهو وافق و مستني مني أقوله انكوا جاهزين.
شروق بنبرة هادئة: طيب انا بس عايزة اتكلم معاك في نقطة مهمة شاغلة بالي.
نقطة ايه؟
شروق باستفهام: تفتكر ليه بابا الله يرحمه ليه قبل ما يموت مقالناش عليكوا؟ يعني لما جه يكلمني قبل ما يموت كلمني على أهل ماما الله يرحمها مجبش سيرتكوا. حتى في لحظاته الأخيرة متكلمش عنكوا. اكيد دا له سبب.
كانت مُحقة و لذلك قرر أن يتحدث بصراحة قائلًا: مكذبش عليكِ أنا بردو استغربت ولما سألت عمي مجاوبش عليا بصراحة لكن فهمت منه أن عمي الله يرحمه كان شايف أن جدي خذله و كان خايف عليكوا لما ترجعوا تدفعوا تمن اللي حصل زمان. أو رجليكوا تتجر في حدوتة ملكوش علاقة بيها، فقال يبعدكوا عن كل حاجة. دا التفسير المنطقي الوحيد اللي وصلتله.
كانت تجلس بهدوء و خصلاتها تتمايل بخفة كلما حركت رأسها أو تحدثت و لا تدري بأنها تلتف حول عنقه الذي يكاد ينفجر من شدة الغضب و الغيرة في آنٍ واحد ولولا وجود يزيد لكان هدم المكان رأسًا على عقب و انتزعها من أمام هذا الرجل ثم انتزع روحه من مكانها ليرتاح من وجوده
بطل تنحر في نفسك كدا هيطقلك عرق واحنا أساساً مش ناقصين مصايب.
هكذا تحدث يزيد بملل قابله عمر بالغضب الشديد الذي اهتاج في نبرته حين قال: أنا هتشل. قاعد هنا بتفرج عليها من بعيد وهي قاعدة قدام الحيوان دا. أنا فعلًا هيطقلي عرق.
يزيد بمهادنة: اسمعني. حاول تاخد نفس عميق كدا و تجاوزًا يعني حاول تستخدم عقلك أنا عارف انك لاغية من زمان بس احنا دلوقتي في مرحلة حرِجة في علاقتكوا.
رمقه عمر شذرًا ليُتابع يزيد موضحًا: افهمني بس و بطل تزغرلي من غير حاجة شكلك يخوف مش ناقص تشوية في منظرك يعني. دلوقتي البت شروق دي هادية و راكزة و عاقلة و الشخصيات اللي زي دي عايزة راجل تقيل. طبعًا دا بره عنك خالص. بس على الأقل حاول تمثل انك كدا.
عمر بسخط: هتستظرف هلخبط معالم وشك. اتلم أنا على آخري.
يزيد بتملق: يا غالي أنا غرضي مصلحتك. يعني مثلًا لو شروق طرقعتلك هل أنا متضرر؟ إطلاقًا. هل أنا قاعد مبسوط وأنا شايفك هتطق من جنابك كدا؟
لمح عمر المكر في عينيه ليزجره بحدة فهتف يزيد باندفاع: إطلاقًا. أنا بس عايزك تهدى و تجيبها بالطريقة. شروق بغض النظر هي بتحبك ولا لا و بس هي بت ناس و متربية استحالة تفكر تغيظك براجي ولا حتى هتظلمه معاها. يبقى انت كدا ضامن من ناحية الأخلاق. نيجي بقى من ناحية القلب أنت عارف انها مجروحة منك حاول بقى تثبتلها انك بتحبها و بتقدرها و مديها مساحتها بس في نفس الوقت أنت عينك عليها زي الرادار. فهمت يا غالي؟
يعي كم أن حديثه صحيح ولكن الغيرة تنهشه بأنيابها التي لا ترحم يريد أن يصرخ تنفيسًا عن هذا الغضب الهائل بداخله ولكنه عاجز حتى عن ذلك
بحاول اسمع كلامك و عارف أنه صح. بس غصب عني. مش قادر استوعب أنها قاعدة معاه وانا قاعد هنا.
يزيد بنفاذ صبر: معلش اتحمل اعتبره تكفير ذنوب وانت ذنوبك كتير أساسًا.
عمر بتحذير: متخليهاش تيجي فيك.
يزيد بلهفة: لا تيجي فيا أيه؟ بقى أنا عايز امنعك تضربه عشان متجرش معاك في الرجلين تقوم تضربني أنت! هي معرفة غبرة أنا عارف.
عمر بتقريع: أه يا واطي. يعني بتهديني عشان خايف تتروق!
يزيد بحدة: الواطي دا اللي جري عليك لما لقاك بتتخانق، و مفكرش لحظة، وبعدين الواد دا إيده طارشة و صعيدي و بصراحة بقى انا مش ناوي اضحي بوسامتي عشان خاطر غراميات حضرتك.
عمر بغيظ مكتوم: ماشي يا يزيد الكلب. اللي مسكتني عنك أن كلامك صح. أنا مينفعش أني ابينلها اني هتشل من الغيرة كدا. لازم تعرف اني تقيل و عاقل يمكن تتنيل تحن.
تمتم يزيد حانقًا: الهي يارب ما تحن غير لما توريك النجوم في عز الضهر يا عمر يا ابن نبيلة بحق قفايا اللي ولع من الشمس بسببك دا.
اهم قايمين. يالا بينا...
هكذا هتف عمر حالما رآها تستعد المغادرة ليوقفه يزيد الذي هتف مُعنفًا: يا ابني اركز. الراجل چنتل استحالة هيسيبها تروح لوحدها أكيد هيروح يوصلها...
عمر بهياج: نعم! هي كمان هتركب معاه العربية؟ لا بقى دانا هروح أساويه بالأسفلت. أنا مش قادر اتحمل اكتر من كدا.
حاول يزيد تحجيم غضبه وهو يكتف يديه صائحًا بنفاذ صبر: أبوس مخك المصدي دا تعدي اليوم من غير خناق. البت هتطير منك، وربنا هتكره تشوف خلقتك اللي مبقاش فيها حتة سليمة...
تنبه عمر إلى ملامحه التي لازالت عليها آثار المعركة السابقة لتهدأ ثورته قليلًا وهو يقول باستفهام: تفتكر الحاجات دي هتفرق معاها؟
ارتاح يزيد قليلًا لهدوئه و أخذ نفسًا قويًا قبل أن يقول بتأكيد: طبعًا هتفرق. انت حاليًا محتاج تستخدم كل أسلحتك و أولهم وسامتك اللي مش موجودة.
عمر بتحذير: ياد بطل طولة لسان هعتبرك الزفت دا والعب في وشك البخت.
يزيد بلهفة: مش قصدي. أقصد يعني لازم تكون في أبهى صورة شيك، وسيم، هادي، لبق. جنتل مان. مش ذا هيتمان احنا مش في مصارعة. عايزها لما تشوفك قلبها يتشرح كدا و تخطف قلبها بوسامتك مش توقفه بغباوتك...
كز عمر على أسنانه وهو يطلق أهه غضب كبيرة قبل أن يُدير السيارة وهو يتعقب سيارة راجي و هو يسُبه بكل أنواع السُباب إلى أن وصل إلى مكان المخبز لتترجل شروق من السيارة وهي تُشير إلى راجي ثم انطلقت إلى الداخل ليصف عمر السيارة و يتوجه خلفها، فإذا به يصطدم بأحد العاملات في المخبز تقف أمام دلوفه إلى داخل المكان ليقول عمر بعُجالة: معلش عايز ادخل.
الفتاة بصرامة: احنا وقت البريك.
عمر بحنق: أيوا مانا مش زبون عادي، وبعدين أنا عايز شروق قوليلها عمر بره.
الفتاة بجمود: مدام شروق قالتلي أقولك شطبنا...
عمر بصدمة: نعم! مين دا اللي شطب ما الناس قاعدة بتطفح اهي.
الفتاة بنفس لهجتها: أه ماهي مدام شروق قالتلي أقولك شطبنا مش هنبيعلك حاجة.
علي صوت عمر من فرط الغليان: طب أنا بقى عايز أفطر زي الناس دي و مش همشي غير لما افطر...
الفتاة السخيفة بنفس نبرتها: مفيش فطار لحضرتك هنا. مش عاملين حسابك في المنيو.
قالت جملتها و أغلقت الباب في وجهه ليرمقها بحنق من الزجاج ولكنها لم تلتفت له بل أعطته ظهرها و انصرفت إلى عملها ليتراجع إلى الخلف وهو يتوعد ليزيد، فلو كان تركه من البداية لذهب و تحدث معها، ولكن الأخير كان يجلس براحة في السيارة وهو يصفف خصلات شعره يتجهز حتى يذهب إلى جميلته ليتفاجيء بعمر الذي فتح الباب وهو يجلس بجانبه و الوحشية ترتسم على ملامحه ليهتف يزيد مذعورًا: حصل ايه؟ نهارك مش فايت بلعتها؟
لم يكد يُنهي جملته حتى قام عمر بضربه بمقدمة رأسه في جبهته وهو يقول بتشفي: عشان تبقى تحافظ على وسامتك حلو...
اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسمٍ هو لك، سميتَ به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي.
ايه دا يا نونو الفستان دا هياكل منك حتة. ايه الجمدان دا يا بنت الأية؟
هكذا تحدثت سهيلة بوقاحة مُفرطة جعلت رنا تشعر بالحرج الذي تجلى في نبرتها حين قالت: عيب يا سهيلة الطريقة دي. الناس تقول عنك أي؟
سهيلة بملل: يا بنتي فكك. ناس مين! خلينا فيك أنت يا وتكة.
أنهت جملتها و قامت بصفعها فوق جنبها الأيسر وهي تطلق ضحكة صاخبة إلى حدٍ كبير لتتراجع رنا مذهولة من طريقتها وهي تنهرها قائلة: سهيلة. أنا مابحبش الهزار بالإيد. بليز متعمليش كدا تاني.
تصنعت سهيلة الحزن الذي سكبته في كلماتها المسمومة وهي تخفض رأسها قائلة: أنا أسفة يا رنا. والله مكنتش أقصد. أنا بتعامل معاكي بطبيعتي. حقك عليا أنا ماشية.
ألقت الملابس من بيد يدها وهي تهرول إلى الخارج لتشعر رنا بالحزن الشديد لأجلها فوضعت الملابس من يدها وهرولت خلفها وهي تصرخ منادية عليها: سهيلة. استني يا سهيلة. خلاص حقك عليا مكنتش أقصد.
توقفت سهيلة وهي تخفي المكر جيدًا خلف قناع الحزن الذي عززته بعبرات ساخنة تدفقت من بين مآقيها لتقترب منها رنا قائلة بعفوية: سوري بجد يا سهيلة أنا مكنتش أقصد.
سهيلة بانفعال مدروس: لا تقصدي يارنا قولي انك مش بتحبيني ولا بتعتبريني صاحبتك بجد. كل مرة تكسفيني و تحرجيني قدام الناس، و ترجعي تتأسفي. خلاص انا مش هفرض نفسي عليكِ تاني.
رنا باندفاع و براءة: والله أبدًا أنتِ صاحبتي الوحيدة. بس أنا والله مش متعودة على الهزار دا، و غصب عني بتضايق منه.
سهيلة بحزن زائف: خلاص يا رنا. أنا مش هقرب منك تاني، و هحط حدود في التعامل بيننا، بدل أنتِ مش شيفاني أختك و بتضايقي من هزاري خلاص مش ههزر تاني معاكُ.
رنا بلهفة: لا طبعًا بتقولي ايه؟ أنتِ اختي وصاحبتي الوحيدة.
سهيلة بتخابُث: على فكرة بقى أنا كمان بعتبرك صاحبتي الوحيدة، والدليل اني سبت البنات وجيت عشان نخرج سوى و مردتش أقولهم ييجوا معانا.
رنا بانتباه: أه صحيح. هما ليه مجوش معانا؟ مش كنا متفقين نخرج كلنا؟
سهيلة بمكر يغلفه الجدية: بصراحة يا رنا أنا خوفت متتقبليش عمايلهم و تضايقي و تمشي.
رنا باستفهام؟
ليه؟ هما بيعملوا ايه؟
سهيلة بتخابُث: بيعملوا حاجات مش هتحبيها. يعني مثلا بيشربوا سجاير، وأنتِ أكيد مش هتحبي دا.
شهقت رنا بذهول تجلى في نبرتها حين قالت: سجاير! ازاي دا؟ في بنات بتشرب سجاير و كمان في السن دا؟
سهيلة بتهكم: أه ياختي في، وبيشربوا اكتر من السجاير كمان. أنتِ بس اللي طيبة وبريئة وانا عشان بخاف عليكِ مردتش اقولهم يخرجوا معانا لأني واثقة انك هتضايقي لما تشوفي الحاجات دي.
رنا بامتنان: بجد يا سهيلة أنتِ مفيش منك. أنا فعلًا اتصدمت لما قولتيلي و كمان بابي لو عرف أن هما بيعملوا كدا عمره ما هيسيبني أخرج معاكوا تاني...
سهيلة بلهفة: أنا عارفة، وعشان كدا قررت نخرج سوى. يارنا أنا بحبك جدًا و بخاف عليكِ، وبتعامل معاكي على. طبيعتي، وانا عفوية شوية. و كمان بتعشم فيكِ أنتِ أقرب صاحبة ليا دلوقتي. ياريت تقدري دا.
رنا بحُب: وانا كمان بحبك جدًا يا سهيلة، و بعتبرك صاحبتي و أختي.
سهيلة بحقارة: خلاص بقى الدموع هتنزل من عنيا. يالا حضن بقى و نتصالح.
عانقتها رنا بعفوية و مشاعر صادقة قابلتها بأخرى شهوانية قذرة ترفضها جميع الأديان السماوية، يهتز لها عرش الرحمن، ولكن تلك القلوب الذي أصابها الصدأ و تمكن منها الشيطان لا يُرهِبها دين ولا يردعها نار...
اللهم اجعل لي من كل ما أهمني وكربني من أمر دنياي وآخرتي فرجاً ومخرجاً، وارزقني من حيث لا أحتسب، واغفر لي ذنوبي، وثبّت رجاك في قلبي، واقطعه ممن سواك حتى لا أرجو أحداً غيرك.
كيف الجمر النهاردة؟ أن شالله تكوني نمتي زين؟
هكذا تحدث رحيم موجهًا حديثه إلى صافية التي تلئلئت السعادة كالنجوم في سماء عينيها حالما رأته لتُجيبه بحُب: أني زينة عشان شيفاك يا حبة الجلب...
اقترب رحيم يجلس بجانبها و يقبل كفها الناعم وهو يقول بنبرة يشوبها الحنين: يااااه يا صافية. كفك ريحته بتفكرني بالحبايب كلاتهم. ريحة كلها حنية و دفا الواحد محروم منيهم اديله سنين...
صافية بحُب تجلى في كفوفها المُمسكة بيده و نبرتها حين حادثته قائلة: مالك يا جلب صافية؟ عنيكِ مليها الحزن والهم، فضفضلي يا ولدي.
كان يرحب بالانهيار كثيرًا في هذه اللحظة، فقلبه العليل يحمل ندوب و تصدعات يعجز كتفه عن حملها لذا مدد رأسه على قدميها وهو يقول بنبرة مُتحشرجة: الحزن دا قدري يا عمة. أتعودت عليه. بس القهرة اللي في جلبي لساتها بتوچع...
صافية بلهفة: بعد الشر عنك يا نضري. قولي فيك ايه؟ احكي واني سمعاك.
تساقطت العبرة تلو الآخرى من عينيه وهو يهتف بنشيج: اطعنت في ضهري، وفي رچولتي و في شرفي. عشجت الغانية وسلمتها رقبتي، و آخرة المتمة شوفتها بعيني في حضن عشيقها...
ضربت صافية على صدرها وهي تهتف بصدمة: يا مُري، تجصد مين يا رحيم؟
رحيم بقسوة: حنان بت عمي. اتچوزتها و شيلتها في جلبي و فوج راسي. عِملتها ست الكل وفي الآخر طلعت بتخوني ويا الكلب اخو رماح.
ارتسم الإشمئزاز فوق ملامحها و في نبرتها حين قالت: نسل نچس طول عمره، و بنت المركوب ديه بدل ما تشيلك چوا نن عينيها تعمل العفاشة دي! صدج طالعة حية لأمها.
رحيم بنبرة جريحة: أمر من أمها يا عمة. دي كانت بتكذب عليا وعينيها في عيني، و بتجولي أني معخلفش، ومفهماني أنها متحمله عچزي واني شايلها على كفوف الراحة. بت عمي و بجول أصيلة، لكن طلعت كلبة ولا تسوى...
صافية بذهول: وه. يعني مفهماك انك معتخلفش، و عن تكذب عليك!
رحيم بألم: بتكذب عليا و عنيها في عيني. يا خسارة جتلها أخوها هي و عشيجها. أني من الصدمة مجدرتش اتحرك. مصدجتش. حسيت نفسي بحلم. لا دا كان كابوس، فوجت منيه واني باخد عزاها، و من وجتها والنار شاعلة في جلبي...
صافية بحنو: سلامتك من النار يا نور عين عمتك. النار دي زمانها مولعة في چتتها الخاينة الرخيصة دي. بس انت يا ولدي ربنا كرمك ببنية زينة. باين عليك بتحبها، وهي كمان عيونها بتلمع لما بتطالعك. أني شوفتها.
أطلق زفرة حارة من جوفة قبل أن يعتدل وهو يناظرها بقلق حاول قمعه قدر الإمكان وهو يقول: نچاة دي النجاة اللي ربنا بعتهالي عشان تخلصني من كل اللي أنا فيه. بس...
بس ايه؟
شعرت بأن القادم سيء ولا تعلم لما انتفضت دقات قلبها قبل أن يطلق رحيم سراح قنبلته قائلًا: نچاة توبقى بت رماح الهلالي يا عمة...