رواية هل من سبيل للغفران ج2 للكاتبة نورهان العشري الفصل الرابع والعشرون
كانت تجلس على مخدعها بهدوء يُخفي الكثير من القلق و التوتر فبعد أن كانت بوادي الموت الآن هي على قيد الحياة، شعور غريب و مُخيف لا تفلح الكلمات في وصفه، فمن يستطيع التعبير عن مشاعره شخص عاد من الموت!
رفعت رأسها إلى السماء فتحركت خصلاتها السوداء الجميلة التي ترتاح بجانبها على السرير، فقد كان شعرها كَليل طويل حالك لا تُحاكي ظلمته سوى ظلمه عينيها السوداء الذي لم يكن مجرد لون، بل هو عمقٌ سحيق يتوهج في وسطه ضياء غامض، تغزله رموش طويلة سوداء، كأنها ستائر من حرير تحجب أسراراً لا تُحكى، فقد كانت إمرأة فاتنة بحق. كان وجهها يفيض بالنضارة و يتوهج بياضه و كأنه اقتبس لونه من زهور الياسمين و شفتاها مكتنزتين كحبات التوت سابقًا كانت الابتسامة لا تفارقهما، أنفها الدقيق المستقيم الذي نحت ببراعة منحها شموخًا و ملامح أرستقراطية ناعمة، و ينتهي جمال وجهها بذقن مستدير و محدد بدقة يتوسطه طابع حُسن أضفى لمسة من الفتنة على ملامحها الرائعة و أكمل رسمة وجهها الذي كان ينبض بالجمال في جميع تقاسيمه.
أنها صافية، تلك المرأة التي كان جمالها سبب لعنتها الأبدية، و قلبها أيضًا ذلك الذي أوقعها في عشق رجل هو والشيطان سواء، و حين استفاقت من غفلتها وجدت نفسها في عرينه مقيدة بسلاسل كالجمر تحرقها كل ثانية تمر في حياتها حتى اعتادت الألم، ولكن روحها الأبية لم تعتد الإنحناء و بالرغم من كل شيء كانت واثقة بأنه سيأتي الوقت و ستغادر هذا الجحيم و قد تحققت معجزتها بأكثر الطرق المستحيلة، لكنها في النهاية تحققت.
عبأ الهواء النقي صدرها ليُذكرها بأن الأوقات السيئة مضت وهي اليوم مع أحبائها
الجميل سرحان في أيه؟
كان هذا صوت خالد الذي يطالعها بعينين تلمعان بحب كبير، فهي لم تكُن عمته فقط بل صديقة طفولته نظرًا لتقاربهم في العمر و لكن يد الغدر انتزعتها من بين أيديهم و اليوم و بعد طول انتظار هاهي أمامهم الآن.
تعالى يا خالد. اتأخرت عليا ليه؟
خالد بنبرة ودودة:
مقدرش اتأخر عنك. بس مقدرتش اجي لوحدي.
صافية بلهفة:
رحيم وياك؟
هتف رحيم القادم من الباب بصوته الغليظ:
الوتايدة كلاتهم يا عمة.
التمعت نجوم السعادة في عينيها لتهب من مكانها بلهفة وهي تنظر إلى الباب الذي أطل منه ياسر أولاً وهو لا يكاد يُصدق عينيه، فهذه المرأة هي عمته التي كان يختبئ خلفها وهو صغير هارباً من العقاب حين يرتكب أي خطأ، و كما كانت تنقذه وهو صغير تسببت في كارثة حياتهم دون أن يكن لها ذنب، فبسببها خسروا كل شيء. حياتهم، كرامتهم، عائلتهم، ثروتهم و أخيرًا والدهم الذي لم يحتمل كل هذه الخسارة، ولكن هاهي كما عهدها جميلة، صافية، و وجودها في حد ذاته هو وثيقة براءة والده.
ياسر.
تناثرت العبرات من مقلتيه وهو يقترب منها هامسًا:
عمتي صافية.
بكت و كأن عينيها أرادت مؤازرة عينيه لتنهمر عبراتها كالشلال وهي تمد ذراعيها نحوه هاتفه:
قرب مني يا جلب عمتك.
اندفع ياسر تجاهها يعانقها بقوة وهو يبكي و كأنه لا يصدق أنها معهم الآن لتمر لحظات وهو يشتم رائحتها التي تشبه كثيرًا رائحة والدته التي لازال يفتقدها و يفتقد حنانها، ولكن الموت سلبها منهم وهم في أكثر الأوقات احتياجًا لها.
وحشتيني أوي يا عمتي. مش مصدق اني شايفك قدامي.
هكذا تحدث ياسر وهو يناظرها بشوق كبير لتجيبه هي الآخرى بنبرة صادقة:
و أنت كمان وحشتني فوج ما تتخيل.
ضمت رأسه إلى صدرها وهي تهمس بخفوت:
أني اللي مش مصدجة إني وسطيكوا من تاني.
لمحت عند الباب كمال الذي كان ينظر إليها و كان عينيه في حديث خاص مع ملامحها يقارنها بالماضي و كيف كانت جميلة و دافئة تمنحهم الحب و تعاملهم بكل حنو. حتى أنه حين توفت والده كان يتمنى لو كانت موجودة حتى يبكي بين ذراعيها كما اعتاد وهو صغير، ولكنها جاءت الآن حين قرر قطع كل الأوصال التي تربطه بشقيقتيه. جاءت في أكثر وقت يحتاج إليها به.
كمال.
هكذا تحدثت صافية وهي تناظره بعد أن تنحى ياسر حتى ترى كمال الذي هتف بابتسامة لونت شفتيه:
صح. متوقعتش انك تفتكريني.
مازحته صافية من بين عبراتها قائلة:
ازاي بس؟ طول عمرك حلو يا واد. تعالى في حضن عمتك.
اندفع كمال يعانقها بقوة وكذلك هي وقد كانت العبرات تتسيد اللقاء حتى عرفت طريقها إلى كُلًا من رحيم و كذلك خالد الذي لم تكُف شفتاه عن ترديد عبارات الحمد، فقد كانت عودتها إليهم بمثابة مكافأة عن الكثير من العناء الذي يجتاح حياتهم، وقد كان الجميع في حاجة ماسة إلى وجودها.
نورتي حياتنا يا عمتي.
هكذا تحدث كمال وهو يلثم كفها لتمد يدها تربت على خده وهي تقول بحُب:.
دا اني اللي حياتي نورت لما شفتكوا رچالة تملى العين.
طيب ما في رجالة تانية لسه مستنيه دورها ورا، ولا عشان ما كل واحد فيهم قد الحيط واكلين الجو!
هكذا تحدث يزيد بحنق وهو ينتظر دوره في التعرف إلى هذه العمة التي لا يذكرها ليبتسم الجميع على حديثه و تهتف صافية بمرح:
وه. واقع من مين ده! لا تكونش ابن خالد ولا حاچة!
خالد باستنكار:
أيه يا صافية! وأنا لحقت أخلف بغل زي دا بردو! دا يزيد أخو ياسر.
صافية باندهاش:.
ياااه عالزمن. كبرت يا يزيد. جرب يا حبيبي تعالى أما اسلم عليك.
يزيد بلهفة:
صباح الفل يا ستي. أخيرًا افتكرتيني.
ما إن هم بالتقدم إليها حتى جذبه عمر إلى الخلف وهو يقول بتقريع:
ايه يا متر و ربع أنت رايح فين! هي وكالة من غير بواب! في دور، استنى لما الكبار يسلموا و بعدين أبقى تعالى.
قهقه الجميع على حديثه ليتقدم من صافية وسط كلمات يزيد الساخطة:
قصدك لما البغال يسلموا. معلش الأخير له رب كريم. ربنا ينتقم منكوا.
اقترب عمر من صافية وهو يقول بمرح:
ايه يا عمتي. متقوليش انك مش فكراني؟
تغضن جبينها وهي تفكر في هويته لكن عقلها لم يُسعفها لتقول بحرج:
اعذرني يا ابني. أني بحاول افتكر معرفتش. أنت مين بجى!
عمر بتذمر:
فرد من العيلة. بس ممكن اتحضن عادي يعني.
تدخل خالد موضحًا:
عمر ابن نبيلة.
صاحت صافية بتذكُر:
أيوا أيوا. والله و كبرت يا عمر. بس أنت لا شبه امك ولا شبه أبوك.
عمر بتهكم:
دا من حسن حظي. المهم هتحضنيني امتى؟
قهقهت صافية على حديثه وجذبته إلى داخل أحضانها بقوة وهي تقول بحنو:
ياااه وحشتوني يا حبايب جلبي.
تراجع عمر عنها وهو يقول بصدق:
والله وأنتِ وحشتينا على الرغم انك مش فكراني بس أنا والله عمري ما نسيتك.
صافية بحنو:
أصيل يا جلب عمتك. ألا جولي و ازي نبيلة أمك عاملة ايه؟
لون الامتعاض ملامح عمر و نبرته حين قال:
أهو السؤال دا بقى اللي أنا كنت مقلق منه. كويسة يا عمتي سألت عليكِ العافية.
إلهي يعدموك العافية يا بعيد. ما توعى يا ابني خليني أسلم على عمتي.
هكذا هتف يزيد بحنق ليتنحى عمر مُفسحًا له الطريق وهو يهتف بسخرية:
اتفضل يا عملي الأسود.
اقترب يزيد لتعانقه صافية بحب وعينيها لا تكفان عن ذرف العبرات فرحًا لأول مرة منذ سنوات قضتها في وكر هذا الشيطان، الذي و أخيرًا تحررت من سطوته، تبقى فقط اسمه و وجوده لينتهي كابوس حياتهم.
أخذ يزيد يتحدث إلى صافية و يطلق النكات التي جعلت الضحكة تلون ثغرها الجذاب و كذلك كان الرجال يضحكون بقوة على حديثه و هم يتذكرون مواقف من الماضي ليجذب رحيم يد خالد و يأخذه إلى الجانب الآخر وهو يقول باستفهام:
ناويت على أيه يا خالد؟
خالد بخشونة:
صافية هتروح معايا القصر و هتقعد فيه و تعيش حياتهم عادي.
رحيم بتوجس:
أكده اللعب هيبقى على المكشوف يا واد عمي.
خالد بجفاء:.
ودا اللي أنا عايزه. خلاص فاقت و اللي كان مانعني عنه أني عايز اعرف حصل أيه طول السنين اللي فاتت، والدكتور قالي اني ممكن اتكلم معاها و أسألها في كل حاجة.
رحيم باستفهام:
هي جالتلك حاچة؟
خالد بقسوة وعينين يلتمع بهم الجحيم:
الكلب دا اتجوزها.
رحيم بصدمة:
أيه؟
خالد مُصححًا:
بس جواز صوري، و دا اللي خلاها تحاول تموت نفسها لما الكلب دا حاول يقرب منها غصب عنها.
كز رحيم على أسنانه بغل تجلى في نبرته حين قال:.
الكلب. و عزة و چلالة الله ما حد هيرحمه من يدي.
تحمحم خالد قائلًا بنبرة ذات مغزى:
سيبك منه دلوقتي. احنا عايزين نعرف مكان الوكر دا، و أنت الوحيد اللي معاك المفتاح.
شخص رحيم بأنظاره إلى البعيد و تغيرت ملامحه ليغزوها الحرج ليستمع إلى صوت كمال المندهش خلفهم:
مفتاح ايه؟ هو رحيم يعرف مكان الوكر بتاع الحيوان دا؟
التفت رحيم يناظره بغضب جعل الضحكة تزحف إلى وجه خالد ليحاول قمعها قائلًا:
لا بس يعرف حد عارف الطريق.
شعر كمال بأن هناك شيء ما يحدث، فملامح رحيم كانت غريبة و مُكفهرة، ولكن خالد لم يترك له المجال للتفكير إذ قال:
صافية هترجع معانا على القصر، و هتدخل من الباب.
كمال بصدمة:
أيه؟
خالد بخشونة:
لازم العيلة كلها تتجمع و تعرف أن عمتك صافية عايشة.
طيب هنقول أيه؟ رجعت ازاي؟ هنقدر نحكي اللي حصل قدامهم كلهم!
هكذا استفهم كمال و الريبة تجتاح نظراته و نبرته ليهتف خالد بشراسة أفزعته:.
مانا بقولك عيلتنا. اللي مفروض أنهم إيد واحدة و اللي لو حد فيهم من فكر يخون الله في سماه ما هسمي عليه. مش هنخسر أغلى ما خسرنا يا كمال.
فهم كمال الرسالة جيدًا ليقترب منهم ياسر و يقول باستفهام بعد أن سمع الحديث الأخير:
كلامك غريب يا خالد. هو في حد مننا ممكن يغدر بينا؟
لم يُمهل كمال خالد الوقت للإجابة إذ اندفع قائلًا:
اللي غدر بصافية زمان كانت واحدة من الوتايدة وانا بقى مبثقش في ولا ست فيهم.
رمقه خالد بغضب و كذلك رحيم ولكن ياسر سانده قائلًا:
كمال عنده حق احنا مينفعش نكشف على ورقنا.
خالد بصرامة:
مرات عمك سكينة هتتحاسب، و مش هي وبس. هي وكل اللي هيقف قدام مصلحة العيلة دي او هيحاول يضرها وقتها يبقى هو اللي اختار مصيره.
رحيم بعنفوان:
كلنا اهنه على جلب راچل واحد، وانت كَبيرنا يا خالد، و كلمتك سيف على رجابينا.
ياسر بنبرة متوعدة:
انا معاك و في ضهرك يا خالد، و مستني اليوم اللي هاخد فيه تار أبويا.
كمال باستفهام:
طب و مطاوع هنعمل معاه أيه؟
رحيم بغموض:
هنشوف هو هيعمَل أيه اللول، و بعديها نوبجى نحدد.
اقترب منهم عمر قائلًا بمرح:
قاعدة الشنبات اللي ترد الروح للي خالقها دي مش مطمناني.
رمقه خالد بسخط قبل أن يقول بجفاء:
في ظرف نص ساعة تكون مجمعلي العيلة كلها. في القصر الكبير.
هتف يزيد القادم من الخلف بحماس:.
أيوا بقى يا وحش. قولي انك هتعمل فيهم زي ما محمد على عمل في المماليك و سممهم و خلص عليهم. عليا النعمة مش بحبك من فراغ أنا.
شمله خالد بنظرات ساخطة قبل أن يقول بوعيد:
جهز نفسك بقى عشان الوليمة دي هتكون على شرفك يا ظريف.
تراجع يزيد إلى الخلف وهو يقول بنبرة درامية:
أهون عليك وانا بعتبرك الأخ الروحي ليا!
عمر بتهكم:
أيه الأخ الروحي دي مش كانت الأب الروحي!
يزيد بسخرية:.
مانت لسه سامع بيقول لعمتك ايه من شوية اجي اقوله الاخ الروحي يحطني مكان الديك الرومي في الوليمة.
نجح في رسم الابتسامة على ملامح الجميع و خاصةً خالد الذي قال بنبرة خشنة:
أنت جدع يا يزيد، وانا معجب بشخصيتك
يزيد بلهفة:
والله و ماليك عليا يمين انا بكراش عليك من زمان.
قهقه الجميع على حديثه لينتهز كمال الأمر قائلًا:
هروح أنا عند سوزان اجيب آسيا والبنات...
قاطعه عمر بتهكم:.
لا بقولك ايه يا أبو سيف. اركن على جنب. بيقولك نجمع العيلة. مش نفرج عليهم الناس. أنا هروح أجيبهم. خدلك جنب أنت عشان آسيا تضرب ولا تُبالي.
أوشك كمال على الحديث مغتاظًا من هذا المستغل ليوقفه خالد قائلًا:
اسمع كلام ابن أختك بيقول حكم، و على فكرة مش شرط آسيا تحضر من الأساس
كمال باندفاع:
ليه بقى اشمعنى كلهم هيكونوا موجودين!
خالد بنبرة ذات مغزى:
عشان أنا واثق أنها مش هطول في العيلة كتير.
ابتلع كمال حديثه الغاضب ردًا على كلمات خالد الموبخة ولكنه أصر على حضورها كفرد أساسي في عائلته.
بنتي الحلوة سرحانه في أيه؟
استدارت آسيا تنظر إلى سوزان التي كانت تناظرها بحنان كان أكثر ما تحتاج إليه في هذه اللحظة لتُجيبها بنبرة مُتحشرجة:
هي ليه الدنيا زعلانه مني كدا؟
سوزان بهدوء:.
الدنيا مبتزعلش من حد يا آسيا. ربنا بيبعتلنا اختبارات في الحياة عشان تقوينا و بيحطنا في مِحن تبان صعبة و قاسية بس عشان يسمع صوتنا واحنا بنقوله يارب. و عشان هو ربنا العادل الرحيم بعباده مفيش محنة بنمر بيها غير وفيها منحة لينا. ربنا بينزل العسر و معاه اليُسر. فكري كدا طول حياتك كل المِحن و المصاعب اللي مريتي بيها هتلاقي فيها من وسطها بيطلع حاجات حلوة بنعرف قيمتها قدام.
اغرورقت عينيها بالعبرات و قد مست كلمات سوزان شيء ما بداخلها لتبدأ بفتح الجراح رويدًا رويدًا حتى لا تقع فريسة بين أنياب الألم:
طيب قوليلي ايه الخير في كسرة أهلي ليا؟ أنا طبعًا راضية. بس موجوعة. غصب عني. حاسة أن في سكينة اتغرزت في ضهري النهاردة.
ربتت سوزان فوق ذراعها وهي تقول بنبرة تتسم بالقوة و المواساة معًا:.
لولا أهلك و طباعهم دي مكنتيش بقيتي آسيا البنت اللي واقفة قدامي دلوقتي. عارفة؟ أحيانًا القسوة بيكون فيها خير منعرفهوش. تخيلي لو أشجان مكانك كانت زمانها واقفة وصالبة حيلها زيك دلوقتي!
آسيا بنبرة يفوح منها رائحة القهر:
أشجان أرق قلب في الدنيا. أنا اوقات كتير بخاف عليها من خالد نفسه. أشجان مش ضعيفة بس رقيقة و حنينة.
سوزان بنبرة قوية:.
بس مكنتش هتقدر تقاوم التيار. كان هيجرفها. قوليلي هي السكينة اللي اتغرزت في ضهرك النهاردة دي قدرت توقعك!
هزت رأسها بالنفي لتهتف سوزان بقوة:.
عشان جدعة و قوية. كمال موقعش في حبك علشان جميلة ولا عشان شيك. ولا عشان عيونك حلوين. لا، كمال وقع في حب البنت القوية الشجاعة اللي عندها كرامة وكبرياء و بتعافر و مبتطاطيش عمرها. شاف واحدة أبهرته بقوتها و جرأتها، و دفاعها عن نفسها. بنت بتشتغل و بتكافح و بتعافر لوحدها قصاد الدنيا.
آسيا بنبرة يغلب عليها الألم:
عشان كدا عايز يكسرني بكل الطرق.
سوزان بنبرة حازمة:.
بطلي دلع ماسخ و فوقيلي هنا. مين اللي يكسرك! ولا هو ولا بلده يقدروا يعملوا كدا. هو اللي مكسور قدام حبك. يوم الحفلة أنا شوفت في عنين كمال نظرة لا يمكن اقدر أنساها. نظرة واحد عاشق، مجروح، و مشتاق. كان بيحاول يمنع عينيه تيجي عليكِ و مش عارف. النهاردة لما والدتك زغرطت عليكِ اتعريتي و بان ألمك، و دا مفرحهوش. بالعكس أنا شوفت في عنيه حزنه عشانك.
تناثرت العبرات من مقلتيها وهي تهتف بنبرة ملتاعة:.
أنا حسيت أني رجلي هتخوني و هقع قدامها. متعرفيش كمية الوجع اللي حسيته لما عملت كدا. متخيلة أنها شايفة قهرتي و مش فارقلها. دي فرحانه! و على فكرة بابا كمان بيفكر زيها. هو بس حنين شوية، أسلوبه مش هجومي زيها. بنصعب عليه. انما هي لا.
سوزان بتعقل:
اللي حصل حصل، و أنتِ وقفتي و موقعتيش، ولازم دلوقتي تفكري في اللي جاي اللي فات دا مبقاش في إيدنا. نضيع وقتنا بالتفكير في ليه؟
آسيا باستفهام:.
أنتِ شايفة أن كمال مش غلطان في حقي؟ أنتِ الوحيدة اللي هسمع منها.
سوزان بحزم:
غلطان والغلط راكبه من ساسه لراسه. محدش يقدر يقول أنه مش غلطان. مجرد أنه يتجوزك تحت ضغط و من غير ما يعرفك بموضوع ابنه دا في حد ذاته كارثة. بس اللي بيهون من غلطة ابنه دي دا أنه مغلطش عن عمد. دا غلط وهو مجروح. تاني هقولهالك. كمال سافر ومش وهو شايفك خاينة. يعني ملكيش حق واحد عنده.
صمتت سوزان لثوان قبل أن تقول بحنو:.
عارفة يا آسيا أنا ليه موقفتش في وش كمال النهاردة و قولتله انك مخادع و كذاب؟
ليه؟
سوزان بتوضيح:
عشان حاجتين. أولهم أني هعريه قدام نفسه بدري أوي، و أنا مش عايزة دا يحصل دلوقتي. عايزاه يستوي على نار هادية. و تاني حاجة عشان هو دا المخرج الوحيد من حصار أهلك.
آسيا بتعب:
السبب التاني أنا يمكن فهماه انما الأول وضحي أكتر.
سوزان بسخرية:.
قبل ما اشرحلك لازم تاخدي بالك من حاجة مهمة أوي. حياتك مش كلها كمال الوتيدي! أنتِ ليكِ شغلك و كيانك و طموحك. كمال وارد يكون بطل أساسي في حكايتك و وارد يكون مجرد ورقة فيها. لازم تفوقي لنفسك وتشوفي شغلك اللي أهملتيه، و شغلك مع راجي أنتِ لسه محتجاه عشان تعملي علاقات أكتر و توصلي أسرع. أول حاجة بتدي استقلال للبنت أنها تتكفل بنفسها ماديًا، واحنا مش عايزين دا بس. احنا عايزين ننجح و نجمنا يعلى. فهماني؟
آسيا بنبرة يشوبها الحماس:
هو دا فعلًا اللي أنا ناوية عليه الفترة الجاية. كله إلا شغلي و كياني. أنا لازم أفضي دماغي و اركز اكتر من كدا.
سوزان بتشجيع:.
أنتِ كدا بنتي الجدعة اللي أعرفها، و من هنا بقى أقدر اقولك أن كمال بيه سلمك بإيديه المفتاح اللي تربيه بيه. كفاية أوي أنه يشوفك ناجحة و بتلمعي و قدام عنينه وهو ميقدرش يطولك. زي الشمس بالظبط بتضوي و منورة لكن لو قرب منك هيتحرق. هتوقفيه في النص ما بين نار حبه ليكِ و نار كبريائه. لحد ما يقول حقي برقابتي.
آسيا بنبرة حائرة:
طيب ولو قال حقي برقابتي وبردو قلبي مقدرش يسامحه اعمل إيه؟
سوزان بلهفة:.
وقتها ليكِ حرية الاختيار تكملي ولا لا دا قرارك محدش يقدر يراجعك فيه؟ بصي يا آسيا. الحياة المرة دي جمعتكوا من غير أقنعة ولا خطط و مؤامرات. من غير أخواته ولا رؤوف. اللي أنا بردو مش مرتحاله و متسألنيش ليه! أكيد في مغزى لكل دا. مفيش حاجة بتحصل من غير سبب. ربنا له حكمة انكوا تتجمعوا تاني و قدام هتعرفي ايه الحكمة من كدا. كل اللي أنا عايزاه دلوقتي انك تستغلي اللي حصل دا لصالحك و متقفيش عند نقطة معينة. كملي. أنتِ تقدري تعملي دا.
سحبت قدرًا كافيًا من الهواء داخلها لتبدأ الراحة بالتسلل إلى قلبها شيئًا فشيئًا مما جعلها تقول بنبرة قوية:
أنتِ صح. أنا شوفت أكتر من كدا و قاومت و مسمحتش للدنيا تهدني، و مهما حصل مش هسمح بدا، و كمال بيه زي ما قولتي هو اللي جابه لنفسه. و وعد عليا مبقاش آسيا لو مخلتوش يندم ندم عمره على كل حاجة عملها فيا.
سوزان بخفوت:.
أقولك على حاجة. أنا شايفة جواه حاجات كتير أوي ملخبطاني. كمال كان بيهرب بنظراته مني و كأنه خايف يتكشف قدامي.
آسيا بسخط:
كمال دا بجح زيه زي الوتايدة كلهم لا بيعرف يهرب ولا بيخاف.
ما إن أنهت جملتها حتى رن هاتفها برقمٍ غريب لتُجيب باستفهام:
آلوووو
مهما حاول التملص من تأثيرها عليه فنبضات قلبه تكشفه، فهاهي أحرف بسيطة جعلت ضرباته تقرع كالطبول، ولكنه كالعادة ظاهريًا جامدًا كالصخر لذا تحدث بجفاء:.
اجهزي عمر هييجي ياخدك أنتِ و شروق و جميلة على القصر. في حاجة مهمة تخص العيلة و لازم كلنا نتجمع.
نبضاتها بادلت خاصته الجنون حالما سمعت صوته ولكن حديثه أصابها بالصدمة لتبعد الهاتف عن أذنها و تلتفت إلى سوزان قائلة يتهكم:
مش قولتلك دا بجح!
زفرت بحدة قبل أن تعيد الهاتف إلى أذنها مرة آخرى وهي تقول بحدة:
أيوا يخص العيلة أنا مالي أحضره ليه؟
كمال بنفاذ صبر:
هو سيادتك مش مراتي ولا أنا مش واخد بالي!
آسيا باستخفاف:.
والله لو بتسألني عن رأيي، فأنت لا جوزي ولا طايقة أشوفك قدام عيني.
كمال بحدة أربكتها:
يمين بالله يا آسيا لو ما بطلتي لسانك الطويل دا لهقصهولك!
صاحت بنبرة ساخرة قاصدة استفزازه:
تمام التمام يا عيون آسيا. خلي بالك اني لو قابلت واحدة من الحيزابونات اللي عندك دا همسح بيها بلاط القصر بتاعكوا. دا عشان لو عايز سبب يخليك تقصلي لساني!
وقف لبرهة عاجز عن الرد، فلو كان بوسعه إعطاء أحدهم الجائزة الكبرى في إدهاشه فستكون هي. إمرأة مثلها منذ بضع ساعات كانت في أقسى درجات الخذلان و الحزن، و الآن تقاتل و تتوعد و تتحداه! تجعله يقف عاجز عن الحديث وهو الذي لم يستطِع جيش من الرجال الزج به في خانة الصمت!
زفر بقوة قبل أن يختصر حديثه قائلًا:
مش فارقلي. اعملي أنتِ عايزاه المهم تيجي. عمر زمانه على وصول هو و يزيد. مستنيكِ.
رفعت رأسها تطالع سوزان بعد أن أنهت حديثها معه لتقول بسخرية:
كلامك بدأ يتحقق. شكل مصيبة جوازي منه هتخليني أشفي غليلي من العقارب أخواته.
سوزان باستفهام:
في أيه؟
آسيا بسخرية:
اجتماع طاريء في قصر الوتايدة، و بما أني زوجة الرجل الثاني للعائلة العريقة وجب حضوري. بس وحياتك عندي لهخليه اجتماع اسود على دماغهم. وهو أولهم.
اللهم يا فارج الهم، وكاشف الغم، مجيب دعوة المضطرين، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، ارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك.
كل دا رن يا عمر في ايه؟
هكذا تحدثت شروق إلى عمر الذي أخذ يتصل بها كثيراً حتى اضطرت إلى إجابته ليقول بحدة:
مبترديش ليه يا هانم؟ و كنتِ ويت من شوية. بتكلمي مين؟
شروق بحدة:
ميخصكش.
عمر بغضب:
يخصني يا بنت عمتي. كل حاجة تخصك تخصني.
شروق ببرود أثار جنونه:
أنا قولت انك بتحلم. ياريت تروح تكمل نوم و تسيبني عشان أنام.
عمر بوقاحة:
حلو أوي دا. لو هتنامي في حضني أنا موافق ومش هصحى ولو بعد ميت سنة.
لا تنكر بأن حديثه أصابها بالإضطراب ولكنها كالعادة وقفت سدًا منيع لمشاعرها تجاهه حين قالت بجفاء:
بطل طولة لسان وقول عايز أيه. عشان لو قفلت السكة في وشك والله لو مسكت سلوك الكهربا مش هرد عليك تاني.
عمر بلهفة:
قبل ما أقولك ايه حاجة من الكوارث اللي جايه. لازم تعرفي أني بموت في ثبات أمك دا.
شروق بتحذير:
عمر...
عمر باندفاع:.
هاجي اخدك أنتِ و جميلة و آسيا على القصر حالًا، وقبل ما تعترضي دا مش كلامي دي أوامر خالد الوتيدي بجلالة قدره طلب حضور الجميع لأمرٍا عاجل ولو مش مصدقاني كلميه أستأليه، و يالا اجهزي عشان جايلك في الطريق.
بالفعل جلب عمر الفتيات إلى القصر ليتباين الشعور بداخل ثلاثتهم، فلكل واحدة منهم ذكرى سيئة في هذا المكان، وقد لاحظ كُلًا عمر ويزيد تجعد ملامح شروق و احتضان جميلة لها وحدها آسيا من حاولت التظاهر بالقوة فهي لن تدع احد من سكان هذه القلعة أن ينال منها، ولكنها صُدِمت حين شاهدت كمال ينتظرهم أمام الباب الداخلي للقصر لتحاول تجاهل نظراته المندهشة إليها، فقد كانت في أبهى صورها كمحارب أراد النيل من خصمه مُستعرضًا جميع مزاياه أمام عينيه. لترتفع زاوية فمه بسخرية قبل أن يُقرر هو الآخر مفاجأتها حين اقترب يمسك بكفها بين يديه و يتوجه إلى الداخل غير عابيء بمقاومتها و كلماتها المعارضة لما يفعله:.
سيب ايدي. أنت صدقت أن أنا مراتك بجد ولا حاجة!
لم يتكبد عناء أجابتها ليجذبها إلى درجات الباب الكبير لتهتف بسخط:
سيب ايدي أحسنلك. بدل ما...
اسكتي أو اسكتك أنا بطريقتي.
هكذا تحدث كمال و في عينيه نظرات عابثة لم تخطيء في فهمها، و على الرغم من الأضطراب الذي بثه في داخلها لوقاحته في إيقاظ الذكريات من سُباتها ولكنها لازالت تقاومه حيث قالت بتهكم ساخر:.
طريقتك دي تمشي مع الناس كلها إلا أنا. هو أنا مقولتلكش! اصل كل حاجة من النهاردة هتمشي على طريقتي أنا...
عض على شفتيه بقوة وهو يمنع تدفق الكلمات من بينهم ليتفاجيء من هذا الصوت المصدوم خلفهم:
هي دي بتعمل أيه هنا؟
كانت ميرهان تقف كالمبهوتة من رؤية آسيا التي تقف بجانب كمال يمسك يدها وهو قريب منها إلى هذه الدرجة، فلم تتخيل أن تراه بجانبها بعد ما حدث ليلتفت الأخير ناظرًا إليها شذرًا قبل أن يقول بجفاء:.
و أنتِ مالك؟
كان مظهرها وهي على حال الصدمة و الاستنكار لهو مشهد يبعث على الراحة في صدر آسيا و كذلك حين قالت بانفعال:
أبية كمال أنت سامحتها؟ اوعى تقول انك سامحتها وانا لا!
لم يكد كمال يُجيبها حتى تفاجئ بآسيا التي اقتربت منه وحاوطت خصره بطريقة جعلت جميع حواسه تتحفز وهي تمُط شفتيها بدلال تجلى في نبرتها حين قالت:.
ياريت على قد كدا يا ميري. دا احنا كمان اتجوزنا، و مش بس كدا دانا مهما حاولت مش هقدر اوصفلك هو اتحايل عليا قد أيه اني ارجعله وانا كنت رافضه! صح يا كمال؟!
برقت عينيه حتى كادت أن تفارق محجريها وهو يناظرها كيف كانت قريبة منه إلى هذا الحد! تتغنج و تشاكس و تطلق ضربات تعرف كيف تُصيب هدفها ببراعة! و الأدهى من ذلك أنها تُعلن الحرب بشراسة و دون أي اعتبار لما حدث!
استفاق كمال على صراخ ميرهان التي هتفت بقهر:.
لا. أنتِ كذابة. استحالة يصدقك تاني. أبية كمال أرجوك قولي أنها بتكذب...
كانت أشجان تجلس في الغرفة الكبيرة لتتفاجئ بالخادمة ترحب بأحدهم و تقوده إلى الداخل لتجد نفسها وجهًا لوجه أمام غنى و بجانبها هيام، هتفت مرحبة:
أهلًا و سهلًا. اتفضلوا.
لم يكد يُجيبها أحد حتى شاهدت نبيلة القادمة من الخلف و بجانبها هايدي، وقد كانت نظراتهم كالأعيرة التي أضافوا لها كاتم الصوت، و من ثم تلتهم ضي التي كان وجهها مُغبر و جامد لتشعر أشجان بالصدمة من هذا الجمع، و كذلك غنى التي اقتربت تعانقها وهي تقول:
هو في ايه؟
أشجان بخفوت:
معرفش.
لم تكد تُنهي جملتها حتى سمعوا صوت شجار قوي قادم من الخارج ليندفع الجميع إلى مصدر الصوت ليتفاجئوا حين شاهدوا ميرهان التي كانت تنظر إلى كمال الذي يحتضن كف آسيا و عينيه تبرقان كسماء ترسلان صواعق من الغضب ليُخيم الذهول على الجميع من رؤيتهم معًا ولكن الكارثة الكبرى لم تأتي بعد لتستفهم نبيلة قائلة:
هو في أيه بيحصل هنا؟
اندفعت ميرهان إلى أحضان شقيقتها وهي تصرخ من بين عبرات غزيرة:.
شوفتي أبية كمال اللي مش طايق يبص في وشي. رجعلها تاني. سامحها و انا لا.
نبيلة بصدمة:
الكلام دا حقيقي يا كمال.
قاطعها كمال بنبرة صارمة و عينين لا تخفيان الوعيد:
حقيقي. آسيا مراتي و اللي هتجيلها على سكة فيكوا هتشوف مني وش عمرها ما هتنساه في حياتها.
نبيلة بغضب:
طب لما انت بتعرف تسامح و تدي فرصة تانية مش أختك اللي من دمك اولى بيها!
كانت جميع الأعيُن تنصب على هذا الرباعي المتعطش للثأر بكل جموح لتنطلق كلمات كمال كالأنياب حين زمجر بشراسة اهتزت لها جدران القصر:
أنتوا ابتلاء مش أخوات. قصتكوا معايا انتهت خلاص. مش عايز أعرفكوا تاني. سمعتي ولا أسمعك اكتر!
برقت الأعيُن من حديثه لترفع آسيا رأسها تناظره بصدمة، فقد ظنت أنها حين رأتها معه في الشركة بأنه قد سامحها و الآن هاهي تراه يعلن تبرأه منها و من شقيقته الأخرى أيضًا، والحقيقة أن هذا الجانب منه كان مُخيفًا بقدر كافي ليردعها عن التدخل في الأمر ليكن هذا التصرف من نصيب عمر الذي قال بجفاء:
كفاية يا كمال كدا. مش دا اللي اتفقنا عليه من شوية.
تدخلت نبيلة قائلة يتهكم:.
والله! و كمان بتتفقوا من ورانا! و ياترى اتفقوا على أيه بقى يا عمر! هتخلصوا مننا ولا هتعملوا فينا أيه؟
عمر بجمود:
الموضوع اكبر منكوا بكتير.
لم ينتظر كمال لسماع كلمات عمر انما جذب آسيا إلى الداخل وهو يُحيط كتفها بذراعه، وكأنه يريد أن يضاعف موجات الغضب خلفهم لتلتفت ميرهان ناظره الى هايدي التي همست بجانب أذنها:
اتقلي. وحياتك عندي لهندفعها التمن غالي اوي.
تابع عمر حديثه حين قال باختصار:.
يالا على جوا، وخالد جاي دلوقتي هيفهمكوا على كل حاجة.
اتخذ الجميع مكانه في الداخل فاكتظت الغرفة بعدد كبير من الأشخاص، واختارت غنى الجلوس بجانب اصدقائها نجاة، شروق، جميلة، و أشجان، و من شدة حنق آسيا فقد اضطرت أن تجلس إلى جانب كمال الذي ظل يُمسِك يدها، و كأنها طفلة صغيرة والحقيقة أنه لم يكُن يفسر سبب تصرفه ولكنه يشعر لا إراديًا بالخوف من تركها بينهم.
شعور مؤلم يجتاح داخله حين يشعر بأنه غير آمن في بيته و مع أشقائه أولئك الذين تجري بداخلهم نفس الدماء، ولكنه لا يستطِع إدارة ظهره إليهم، فقد طُعِن ذات مرة ولا ينوي تكرارها...
تحدثت هيام التي كانت تشعر بالغرابة وسط أقاربها، و لولا إصرار ياسر عليها بالحضور ما كانت فعلت أبدًا:
ألا الجَمعة الحلوة دي وراها أيه؟ أنا الفار ابتدى يلعب في عبي.
كان يزيد يختلس النظرات إلى جميلة التي كانت تغض عينيها عنه قصدًا ليقول بملل:
وانا في صرصارة مجننه أمي.
شهقت هيام بذُعر:
يا نهار مش فايت! هو في هنا صراصير؟!
شهقت الفتيات كلهن دفعةً واحدة و عمت حالة من الذُعر جعلت آسيا تجذب يدها بغتة من يد كمال الذي صُدِم حالما رآى خوفها ليرتفع أحد حاجبيه تهكمًا على تلك التي لم يرها تهاب أحد في حياتها والآن تخشى حشرة صغيرة!
أشجان هانم. ممكن لحظة!
هكذا تحدثت أحد الخادمات لتنهض أشجان من مكانها و تستغل آسيا فرصة خلاصها من قيده لتتوجه و تأخذ مكان أشجان في الأريكة بينما الأخيرة توجهت إلى الخارج لتخبرها الخادمة أن خالد ينتظرها في غرفتهم لتهرول إلى الأعلى و منه إلى غرفتهم لتسمع صوت قادم من غرفة الملابس فتوجهت لاهثة إلى هناك لتجده يضع شيء ما خلف ظهره لتشهق بخفوت مما جعله يستدير ليقترب منها قائلًا بلهفة:
مالك؟ في اية؟
قال جملته وهو يتلقفها بين يديه التي أمسكت بذراعيها يفحصها بنظراته القلقة لتُجيبه بتلعثم:
أنت اللي في أيه؟ و أيه كل الحراسة اللي حوالين القصر دي؟
تلاشى طوفان غضبه أمام مرافئ خوفها، فلم يجد بُدّاً من اختطافها إلى حصنه، لتستقر بين ذراعيه في ضمة أراد بها ترميم تصدعات روحه قبل حمايتها. كان يضمها بيقين الغريق الذي عثر أخيراً على يابسته، محاولاً تحصين دفاعاته المنهارة بقداسة قُربها فشاء أم أبى، استبد به عشق يدفعه لتجاهل أنين جراحه النازفة، مقايضاً آلامه كلها بلحظة دفء واحدة تسرقها روحه من بين يديها. فأخذ ينهل من عطرها أنفاساً تُعيده إلى قيد الحياة. كمن يعبأ صدره بآخر ذرات الأكسجين قبل الغوص في المجهول. ثم تراجع عنها على مضض، وكأن قوى خفية تجبره على الانفصال، ليشتبك بصرُه مع عينيها في حوارٍ صامتٍ عاصف، حديث تفضحه النظرات وتنفيه الكلمات، بينما تهيأت شفتاه لتنطق بعكس ما استعر في قلبه، وحينها قال:.
متقلقيش. دي إجراءت أمنية.
أشجان بلهفة:
ليه؟ حصل ايه؟
تراجع عنها ليقوم بجذب خزنة آخرى من الرصاص يضعها بجانب سلاحه وهو يقول باختصار:
صافية رجعت معانا عالقصر.
شهقت أشجان بصدمة ليتابع خالد بنبرة خشنة:
مفيش وقت للصدمات و لا في داعي للقلق. القصر متأمن كويس اوي تحسبًا لأي حركة جنان من الكلب اللي اسمه رماح دا.
أشجان بذُعر:
يعني ايه يا خالد؟ هو ممكن يعمل أيه؟ و أصلًا هيعرف منين؟
خالد بقسوة:.
هيعرف و هيتجنن، و دا المطلوب. المهم هاتي رنا والولاده تحت معاكوا، ويالا عشان ننزل.
كاد أن يتجاوزها لتقف أمامه وهي تقول بشفاة مّرتعشة:
أنا خائفة عليك أوي يا خالد.
كانت تتشبث بمقدمة قميصه كغريقٍ يرجو النجاة، وعيناها تفيضان بذعرٍ صامت، بينما شفتاها ترتجفان بانتفاضة لم يصمد أمامها صبره. في تلك اللحظة، تلاشى كل تعقُل يملكه و اندفع يقتنص ضفتي التوت خاصتها بلهفة مباغتة أجفلت كيانها، وكأنه يسترد أنفاسه التي سُلبت منه طوال فترة غيابها؛ فهو الذي لم يعرف للحياة طعماً إلا في فلكها ليقتنص تلك الفرصة الذهبية ويُروي ظمأ روحه المتعطشة منها فأخذ يمتصّ خوفها و قلقها بتروي، ويحتوي ارتعاشتها بين ثنايا قُبلته حتى استكانت أخيراً بين يديه. غير أن شوقه لم يعرف السكون، وقلبه الذي أضناه البعد لم يرتوي بعد؛ كان وكأنه يعتقل طيفها بين أضلعه، رافضاً أدنى مسافة قد تتسلل بينهما. لقد كان يصارع فيها غيابهما المر، متشبثاً بخصرها كأنها اليابسة الوحيدة في محيط من العدم، أو كأن انفلاتها يعني سقوطه الأبدي في لُجة واقعٍ لا يرحم.
ولكنه أخيرًا وجد نفسه مُجبرًا على انتزاع نفسه من جنة وجودها ليتراجع عنها وهو يناظرها بأعيُن عاتبتها بقسوة ما فعلته به ليتبلور الندم في عليها غير أنه لم يكن يملك الوقت حيال أي حديث ليجذب يدها بيد كفه الخشن وهو يقول بجفاء:
هاتي رنا والولاد ويالا على تحت.
اللهم يا جابر القلوب المنكسرة، اجبر كسر قلوبنا جبراً يليق بعظمتك، جبراً يتعجب منه أهل السماوات وأهل الأرض، جبراً يعيد لروحنا الطمأنينة ولأيامنا السلام.
في الأسفل أقتربت الفتيات من بعضهن البعض و تهمس غنى بخفوت:
حد فيكوا يعرف في ايه؟
شروق بهدوء:
غالبًا محدش يعرف.
تدخلت نجاة ساخطة:
ولا نعرِف ولا لينا نفس نعرِف أي حاچة عن العيلة الغبرة دي.
أيدتها آسيا قائلة:
عندك حق أنا عن نفسي لو يسيبوني هجيب برميل جاز و اولع فيهم كلهم وهما متجمعين كدا عشان جهنم تستقبلهم كلهم مرة واحدة.
نجاة ساخرة:
مش هيموتوا بردك يا حزينة!
جميلة باستفهام:
ليه يعني؟ زومبي مثلًا؟!
نجاة بتهكم:
مش بيجولك القيامة هتجوم على أشر الناس! اهم دول هم أشر الناس.
شروق باندفاع غير متعمد:
تصدقي صح.
آسيا بتحسر:
أنتوا شوفتوا شر فين! أومال أنا اللي معايا الشيطان بذات نفسه أقول ايه؟
غنى بهمس غاضب:
بقولكوا أيه خدوا هيام معاكوا لو ناويين تولعوا و سيبولي ياسر حبيبي أنا عايزاه.
تشدقت آسيا ساخرة:
دلوقتي حبيبك! مش كان واطي و اكبر غلطة قي حياتك!
غنى باندفاع:.
كان! دلوقتي لا. و بعدين مانا هديكوا هيام زعلانه ليه!
نجاة بسخط:
والله ما احنا عايزينها. خليهالك. جال هتدينا الچايزة ياخيي! دي هي و البومة مولودين راس براس.
صمتت لثوان قبل أن تتابع باستنكار:
اومال الواد دا مادد بوزه معانا أكده ليه؟
هكذا تابعت نجاة وهي تنظر إلى يزيد الذي كان يختلس النظرات منهم وهو بجانب هيام ليلاحظن نظراته المنصبة فوق جميلة التي تفشى الخجل في ملامحها لتهتف غنى بتخابُث:.
ايه دا بقى يا ست جميلة؟ دا في جو ولا ايه؟
شهقت نجاة باستنكار:
چو! چو ايه ياللي ياكلك بعو أنتِ! بت يا چميلة أنتِ بغلة يا بت! وتيدي تاني! مش شايفة المرار اللي راكب چرار اللي احنا فيه؟!
جميلة بلهفة:
لا والله مفيش حاچة من دي.
نجاة مُحذرة:
أيوا أكده. اياكِ هدعك بوزك في المسقى اللي في الچنينة ورا. الأمل فيكِ أنتِ يا حزينة!
أرادت شروق تغيير سياق الحديث حين هتفت قائلة:.
أنتِ اللي بتتكلمي يا ضي! دا العمدة راجل محترم اومال أنا و آسيا نعمل ايه في الصيع اللي اتبلينا بيهم دول!
نجاة بجدية:
أيوا أني معاكِ العمدة هيبة و راچل و له مركزه الحج يتجال. بس وتيدي ياما. يوديكي البحر و يچيبك عطشانه و شرجانة كمان.
زجرتهم غنى قائلة:
بس بس. دول شكلهم جايين.
دلفت سعاد إلى الداخل بمساعدة الخادمة و خلفها زينة ولم تمر بضع دقائق آخرى حتى أطلت عليهم إمرأة جميلة تتأبط ذراعي كُلًا من رحيم على الجانب الأيسر و خالد على الجانب الأيمن و في الناحية الآخرى كانت أشجان تحتضن كتف رنا و اولادها برفقتها و خلفهم ياسر ليخيم الصمت للحظات قبل أن تنطلق الهمهمات التي شقتها صرخة هيام حين هبت من مكانها وهي تقول بذهول:
صافية!
و كأن الكلمة وباء تفشى في الجميع ممن يتسائلون عن هوية هذه المرأة مرددين الاسم لتهب نبيلة من مجلسها وهي تقول بصدمة:
أيوا صافية.
لأول مرة تتفق المرأتان على شيء، لتهتف هيام بذهول:
طب ازاي؟
بدأت عبراتها بالهطول و جسدها بالإرتجاف ليقترب منها يزيد و يهرول ياسر إليها ليقول الأخير مُهدئًا:
اهدي يا هيام. اهدي يا حبيبتي، و هفهمك كل حاجة.
جعدت غنى ملامحها وهي تُتمتم بحنق بجانب آسيا:.
حبيبته! غيرت رأيي. هبعته مع قرايبه لجهنم هو كمان.
قعدها يا ياسر.
هكذا تحدث يزيد ليجلس الرجلان على ركبتيها بجانب مقعد هيام التي أخذ الماضي يُعاد أمامها و كأنه البارحة لتستمع إلى صوت خالد المطمئن حين قال:
هوني على نفسك يا هيام. اللي جاي خير بإذن الله.
تحدث رحيم بنبرة لينة بعض الشيء:
تعالي يا صافية. أجعدي و ارتاحي يا غالية خلي كل واحد يستوعب الصدمة على مهلة.
تمتمت ضي حانقة:.
غالية! جولتلكوا وتيدي محدش صدجني.
جلست صافية على الأريكة الكبيرة و بجانبها رحيم ليلتفت خالد إلى أشجان قائلًا باختصار:
اقعدي جنب صافية.
لوهلة أشفق على حيرتها و قد قرر إنهاء هذا الفضول القاتل الذي يعج به المكان ليبدأ حديثه قائلًا:
أقدملكوا عمتي الحاجة صافية الوتيدي.
تبادل الجميع النظرات، ولكنه لم يفتح مجال للأستفهامات حين تابع موضحًا:.
الحاجة صافية لسه راجعة من رحلة علاج بره، و هتفضل عايشة هنا معانا. حبيت الكل يكون موجود عشان يتعرف عليها. لأنها بالنسبالنا حاجة كبيرة أوي، و كلنا هنا وأنا أولكوا لازم نحترمها و نشيلها في عنينا.
صافية بنبرة صوتها المميزة التي دوت في المكان بأكمله:
تعيش يا جلب صافية.
توقفت نظراته في هذه اللحظة على شقيقته نبيلة التي لم تكن تستوعب ما يحدُث ولم يخطر على بالها قط أن ترى تلك الفتاة التي تسبب موتها في انقلاب حال عائلة بأكملها، والآن عودتها تقلب الوسط رأسًا على عقب.
لم يكد خالد يُنهي جملته حتى سمعوا صوت طلقات نارية في الخارج لتنطلق الصرخات من أفواه الفتيات و سرعان ما تجمدت تلك الصرخات حين شاهدوا تلك الأسلحة التي أشهرها كُلًا من خالد، رحيم، كمال، ياسر، عمر، يزيد ليصرخ خالد بنبرة أرعدت الجميع.
الكل يهدى، و محدش يخاف احنا عاملين حسابنا كويس. كمال، عمر. يزيد. خليكوا هنا. و انت يا رحيم تعالى معايا أنت و ياسر.
رغمًا عنها خرج اسمه من بين شفاهها مرتعبًا:
خالد.
للحظة حجبه ندائها عن العالم ليلتفت إليها و يمد يده يحتضن وجهها وهو يقول بطمأنه:
متخافيش. اوعي تخافي وانا موجود
اومأت برأسها لتهمس رنا برعب:
بابي.
خالد بحنو:
خليكي مع ماما، ومتخافيش.
توجه خالد إلى الخارج و معه ياسر و رحيم الذي حانت منه التفاته إلى نجاة لم تكن طمأنه إنما كانت نظرة غامضة لا تعرف لما أضافت رعبًا من نوعٍ آخر إلى صدرها.
فتح خالد باب القصر على مصرعيه ليجد نفسه في مواجهة هي الأولى من نوعها بعد مرور كل هذه السنوات مع رماح الهلالي الذي كان العُنف يعتلي نظراته على عكس خالد الذي كانت الابتسامة تلون شفتيه وكأنه يستقبل ضيف متوقع و مُرحَب به كما جاءت نبرته الخشنة حين قال بصوتٍ جهوري:
رماح الهلالي في قصر الوتايدة. يا مرحب يا مرحب.