قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية ليتني لم أحبك للكاتبة شهد الشورى الفصل الثامن عشر

رواية ليتني لم أحبك للكاتبة شهد الشورى الفصل الثامن عشر

رواية ليتني لم أحبك للكاتبة شهد الشورى الفصل الثامن عشر

مر يوم الأمس على سمير محاطًا بنظرات العتاب من الجميع، بعد أن فاجأهم بخطبة فتاة دون أن يُطلعهم أو يستشير أحدًا، بينما جاء اتصال مفاجئ من إيهم لفريد، يخبره فيه بضرورة عودته سريعًا، بأمرٍ من الجد، لأمرٍ بالغ الأهمية لا يحتمل التأجيل...

في صباح اليوم داخل منزل أكمل النويري
كانت تيا تقف أمام خزانتها، ترتدي ملابسها استعدادًا للتوجه إلى الشركة، لا بُغية الاستمرار في التدريب، بل لتقديم استقالتها. لم يعد للبقاء فائدة، فقد اقتربت امتحاناتها، وأثقلها قلبها بما لا يُحتمل.

ما إن همت بالخروج من الغرفة، حتى سمعت طرقًا خفيفًا على الباب، تبعه دخول شقيقتها جيانا بابتسامتها المعتادة، وهي تقول بنغمة مرحة تخفي ما بها من قلق: – صباح الفل يا توتا.

التفتت لها تيا مجهدة الابتسامة، كمن تحاول أن تُخفي خلف ملامحها بحرًا من البكاء: – صباح الخير يا جيجي.

اقتربت جيانا وجلست على الفراش، ثم ربتت على المساحة الخالية بجوارها بإشارةٍ تطلب منها أن تقترب: – تعالي هنا يا بنتي، مالك واقفة كده،؟

ترددت تيا لوهلة، ثم جلست بهدوء، لتبادرها جيانا بصوت دافئ وقلق يتخلله رجاء: – مالك بقى يا ستي؟ إيه اللي مضايقك؟ لما سألت ماما قالت مش عارفة، وقلقانة عليكي جدًا، وبابا قالي إنك مش حابة تتكلمي دلوقتي، بس أنا أختك يا تيا، يعني مش هتلاقي حد يخاف عليكي زي اختك الكبيرة، قوليلي، مالك؟

ما إن انتهت كلماتها حتى انفجرت تيا في بكاءٍ مر، غزير، كأن كل ما احتجزته في قلبها طوال الأيام الماضية قرر أن يثور الآن دفعةً واحدة، دموعها سالت بغزارة، تناثرت على وجهها كأنها تعاقب روحها بما لا يُقال.

جيانا بذعرٍ مشوب بالحنان أمسكت بيدها وسألتها بقلق: – مالك يا تيا؟ في إيه؟ إيه اللي مزعلك كده؟

قالت تيا بصوت مختنق: – قالي إنه بيحبني، وسِبتُه ومشيت، بس أنا، أنا بحبه يا جيانا، ومكنش ينفع أحبه، مش المفروض كنت أسمح لنفسي بالمشاعر دي، حبيت الشخص الغلط، مش عارفة إزاي، ولا إمتى، بس فجأة لقيت قلبي رايحله، من غير ما أحس، كل يوم كنت بنجذب له أكتر...

ساد الصمت للحظة، وكأن حتى الهواء في الغرفة توقف عن الحركة، ثم سألتها جيانا بحذر: – ومين هو؟ وليه بتقولي عليه الشخص الغلط؟

همست تيا، وترددها يسبقها، وكأن الاسم ذاته يُثقل لسانها: – ايهم!

اتسعت عينا جيانا بصدمة غير مصدقة: – ايهم الزيني؟

أومأت تيا برأسها، والدموع ما زالت تسابق نظراتها، فسألتها جيانا، هذه المرة بذهول أكبر: – قالك إنه بيحبك؟!

أومأت مرةً أخرى، لتقول جيانا وهي تحاول أن تحافظ على هدوئها: – احكيلي، احكيلي من الأول كل حاجة.

بدأت تيا تسرد كل ما حدث، بكل ما فيه من لحظات اختلط فيها الارتباك بالشوق، والتردد بالحنين، كانت جيانا تنصت في صمت، لكن ملامح وجهها لم تستطع أن تُخفي الغضب المتزايد الذي استعر بداخلها كلما توغلت تيا أكثر في الحكاية، إلى أن انتهت.

نظرت جيانا نحوها وسألتها: – وانتي كنتي رايحة فين دلوقتي؟

ردت عليها تيا بحزن: – كنت ناوية أقدم استقالتي من التدريب، وآخد حاجتي من الشركة، وبعدها أطلع ع الجامعة، بقالي كذا يوم مروحتش.

حركت جيانا رأسها ثم قالت بجدية: – لا، روحي الجامعة علطول، متعديش ع الشركة.

فتحت تيا فمها لتسأل عن السبب، لكنها فوجئت بجيانا تنهض مسرعة وتغادر الغرفة دون أن تشرح شيئًا.

تنهدت تيا بألم، عيناها تتوجهان تلقائيًا لهاتفها المُلقى على المكتب، الذي لم يهدأ منذ تلك الليلة، رسائل إيهم المتلاحقة واتصالاته المتكررة كانت حاضرة دومًا، لكنها لم تملك الجرأة لتجيب، ولم تكن قادرة على المواجهة.

أخذت حقيبة ظهرها بهدوء، وخرجت من المنزل بخطوات بطيئة، منهكة الروح، مكسورة القلب، لا تعلم أن سيارةً سوداء كانت تتابع خطواتها منذ أن أُغلق الباب خلفها!

بخطوات واثقة، كان فريد يسير في أروقة الشركة، يتلقى تحيات العاملين بابتسامة صغيرة، لم يتوقف كثيرًا، بل تابع طريقه نحو مكتب ابن عمه دون أن يُعر أي اهتمام لنظرات سالي، التي كانت تتهيأ لتبدأ محاولاتها الرخيصة كعادتها، لكنه تجاهلها ودخل مباشرة.

في الداخل، فوجئ بإيهم جالسًا على الأريكة، واضعًا رأسه بين يديه كأن همًّا أثقل صدره.

سأله فريد متعجبًا: – مالك قاعد كده ليه؟

رفع ايهم رأسه نحوه، وفي عينيه نظرات غيظ وغضب صامت، جعلت فريد يتراجع قليلًا قبل أن يسأله مرة أخرى: – مالك ياض بتبصلي كده ليه؟

نهض ايهم بغضب، واندفع نحوه يمسكه من مقدمة قميصه وهو يصرخ بانفعال: – بسببك، بسبب اللي عملته زمان، هي دلوقتي مش واثقة فيا، أنا بحبها، بس كل اللي بعمله بيروح ع الفاضي عشان ماضيك اللي بيطاردني كل لحظة!

ظن فريد أن ايهم يتحدث عن جيانا، فلكمه بعنف وهو يرد بعصبية مماثلة: – بتبص للي ابن عمك بيحبها يا كلب!

قبل أن يتطور الشجار أكثر، دفعت جيانا باب المكتب الذي لم يكن مغلقًا بالكامل، ودخلت بخطوات غاضبة، ارتخت يد فريد تدريجيًا، وقد تجمدت عيناه على ملامحها، وفي عينيه اشتياق لم يستطع إنكاره...

وقفت جيانا مشدوهة للحظة، ما ان التقت نظراتها بعيني فريد، فقرأ كلٌ منهما قصة من الحنين والخذلان في عين الآخر، لكن لم يتحدث أحدًا.

أفلتت جيانا من شرودها سريعًا، وأبعدت عينيها عن عينيه، ثم تقدمت نحو إيهم بخطى ثابتة، ورفعت إصبعها في وجهه قائلة بحدة وتهديد: – اسمع هما كلمتين ويخلص الكلام على كده، تبعد عن أختي، وإياك تفكر تقرب منها تاني، أنا مش هسمح للي حصل زمان يتكرر، ومش هخلي تيا تبقى رهان جديد تسلي بيه وقتك زي ما عملت انت وابن عمك.

صرخ عليها ايهم بغضب: – رهان إيه وزفت إيه، أنا بحب تيا، ومستحيل أسبب لها أذى.

ضحكت بسخرية لاذعة، كلماتها كانت كالسياط على قلب فريد الذي كان يستمع بصمت موجع: – ما غيرك وعد وقال أكتر من كده، وفي الآخر النتيجة إنت شايفها بنفسك، إنت وهو مالكوش أمان، وأنا مش هآمن على أختي مع واحد زيك، تبعد عنها بالذوق، بدل ما أبعدك أنا بالعافية.

رد عليها ايهم بعناد وتحدي: – أنا مش بتهدد، أنا بحبها ومش هفرط فيها، ده قرار بيني وبين تيا، وهي بس اللي من حقها تقرر مش انتي.

ردت عليه جيانا ببرود: – ماتخافش، هي قررت، كانت جاية النهاردة تقدم استقالتها عشان مش عاوزة تشوفك، بس أنا قولتلها ماتجيش، عشان اسمعك الكلمتين دول.

نظر ايهم لها بصدمة، وهو يبتلع ريقه بصعوبة: – لما أسمع الرد ده منها، ساعتها أعمل اللي هي عاوزاه، بس أنا مش كداب يا جيانا، أنا بحبها بجد.

زفرت بملل وخرجت من المكتب، وتركت خلفها سكونًا مشحونًا بالندم، جلس فريد على الأريكة، وضع رأسه بين يديه، ثم لحقه إيهم وجلس بجانبه، لا أحد منهما ينطق بكلمة، إلى أن قطع الصمت صوت فريد، ساخرًا بنبرة حزينة: – عندها حق، أنا وعدتها كتير وما نفذتش، كنت أنا اللي بجري وراها من سبع سنين، وكل ده عشان رهان تافه وفي الآخر، اللي وقع في حبها أنا مش هي، خونتها، وكنت هغتصبها وكسرت كل حاجة فيها، هستنى منها تسامحني على إيه؟ وأنا أصلاً مش قادر أسامح نفسي.

تنهد، ثم أكمل بصوت منكسر: – كنت فاكر إني اتغيرت عشانها، وده كفاية، بس ده كان اكبر غلط، اللي بيتغير بجد، بيتغير عشان نفسه، مش عشان يثبت حاجة لحد، انا فعلاً بحبها يا ايهم، نفسي في فرصة تانية، بس، بعد كل اللي حصل، مقدرش أبص في عينيها تاني وأقولها سامحيني، كل بينا نهيته انا بغبائي.

ابتسم ايهم بسخرية حزينة: – كلنا في الهوا سوا يا ابن عمي، أنا كمان بحب تيا، اللي يضحك بقى؟ إني من كل بنات الدنيا، محبتش غير أخت جيانا، البنت الوحيدة اللي عارفة ماضينا كويس والصراحة اللي توافق على اللي زينا بسهولة، تبقى يا إما هبلة يا إما بايعة نفسها.

أومأ فريد ببطء مؤيدًا كلامه، قبل أن يغير إيهم الموضوع فجأة: – تعرف جدك عاوزك ليه؟

حرك فريد رأسه نافيًا، فسأله ايهم: – طب عرفت إن هايدي جالها عريس؟

نظر له فريد بتساؤل، فأكمل ايهم: – ظابط شرطة، صاحب آسر ابن عم جيانا، وساكن معاهم من زمان، كل السكك بتجمعنا بالعيلة دي يا بني مش عارف ليه، تفتكر دي اشارة انهم من نصينا مهما حصل.

ابتسم فريد بصمت، ثم سأله بسخرية: – وهايدي قالت إيه؟

رد عليه ايهم بعد تنهيدة طويلة: – اتغيرت خالص يا فريد، بقت هادية، عاقلة، ماسكة دار الأيتام وبقت تديرها بجد، حتى لبسها، طريقتها، بقت محترمة زي الأول من الآخر، بس لما جدك فاتحها بخصوص العريس، حسيت إنها ميالة ليه، بس عنيها كان فيها خوف وأظن إنك عارف سببه.

تنهد فريد، ثم قال بضيق: – يلا نروح القصر نشوف جدك عاوز إيه، وبعدها هروح الأوتيل.

سأله إيهم متعجبًا: – أوتيل؟!

ابتسم فريد بحزن وقال: – بعت الشقة، ومش ناوي أقعد في القصر، الذكريات اللي فيه تقيلة، وأنا خلاص مبقاش ليا مكان وسطهم، هقعد يومين في أوتيل، وبعدها أرجع على القاهرة، عند ديما ووالدتها.

نظر له ايهم مبتسمًا وقال: – شايف إنك ابتديت تحب مرات أبوك وأختك؟

ابتسم فريد قائلًا: – كان غباء مني إني كرهتهم زمان، محمد باشا خسر ست طيبة بجد، دي وقفت جنبي، ونبهتني، وعلمتني حاجات كتير، حتى ديما، ديما بقت أكتر من أخت ولأول مرة في حياتي، أحس إن عندي عيلة، بس ناقص حاجة واحدة بس، ناقصني جيانا ساعتها بس هحس إن حياتي اكتملت.

ربت ايهم على كتفه، يبتسم بسعادة لصديقه، غير مدركين أن هناك من كان يستمع لكل كلمة، وسجل كل شيء.

غادرا الشركة معًا، لكن وقبل أن يصعد إيهم إلى سيارته، رن هاتفه، رد بسرعة، ثم نظر إلى فريد قائلًا بلهفة: – فريد، روح بعربية من عربيات الشركة، أنا عندي مشوار مهم وضروري أوي.

وقبل أن يسأله فريد عن السبب، كان إيهم قد ركب السيارة، وانطلق بسرعة، تاركًا خلفه فريد مزهول وبداخله الكثير من الأسئلة عن رحيله بهذا الشكل السريع!

في الجامعة، كانت تيا تخرج من محاضرتها برفقة رغد و مي، بينما لا تكف الأخيرة عن توجيه نظراتها الحاقدة نحو تيا، ما جعل الأخيرة تشعر بالاستغراب من هذا العداء الخفي دون مبرر ظاهر.

لكن فجأة، اصطدمت بها فتاتان تركض إحداهما خلف الأخرى دون قصد، فتساقط منها كتابها على الأرض، انحنت تيا بحذر لتلتقطهم، وما إن مدت يدها حتى فوجئت بيدٍ أخرى تضع فوقه برفق، رفعت وجهها في توتر، لتجد إيهم أمامها، بعينيه اللتين امتلأتا بعشق واضح واشتياق لا تخطئه النظرات.

لم تكن تعلم أن أحد رجاله كان يراقبها منذ أيام، ليخبره فور مغادرتها للمنزل، ولهذا أتى إلى هنا.

شدت تيا الكتب سريعًا، واعتدلت واقفة، بينما فعل هو المثل، تحت نظرات رغد المتعجبة، و مي التي كانت تكاد تقطع الكتاب الذي بيدها من الغضب، فكل ما تراه أمامها يؤكد لها أن ايهم لم يكن يكذب حين اعترف بحبه لتيا في مكتبه.

اقترب منها ايهم وقال بهدوء: – عايز أتكلم معاكي شوية.

توترت تيا، وتحركت بخطى سريعة نحو مبنى المحاضرات، محاولة التهرب بأي وسيلة: – مش هينفع، أنا اتأخرت، وعندي محاضرة مهمة.

ركض خلفها بخطاه الواسعة يحاول اللحاق بها، لكنها قبل أن تدخل المبنى، فوجئت بزميل من الجامعة يُدعى أحمد، يقف أمامها بابتسامة هادئة يسألها: – لو سمحتي، آنسة تيا، ممكن اخذ من وقتك دقيقتين بس.

أجابته بسرعة: – ضروري دلوقتي؟

رد عليها قائلاً بابتسامة صغيرة: – مش هطول، كل اللي محتاجه رقم والدك، كنت حابب أتقدم لحضرتك...

لم يكمل، إذ قاطعه صوت ايهم الغاضب من الخلف: – نعم يا روح أمك،؟!

رد عليه أحمد بحدة: – إيه يا أستاذ، اتكلم بأدب، وبعدين بتدخل في نص الكلام ليه؟ إنت مين أصلاً،؟

اقترب ايهم منه، وابتسامة لا تحمل خيرًا ارتسمت على شفتيه وهو يطوي أكمامه: – من العين دي قبل العين دي، سيبني اقولك أنا مين بقى، يا روح امك.

في لحظة، كانت قبضة إيهم تهوي على وجه أحمد، ليسقط أرضًا والدماء تسيل من أنفه، صرخت تيا بفزع: – إنت عملت إيه يا مجنون؟!

ركضت تجاه أحمد تجثو بجانبه: – إنت كويس يا أحمد؟

وما إن نطقت اسمه، حتى اقترب منها ايهم يشدها من ذراعها بغيرة مشتعلة قائلاً: – اقفي مكانك، وما تنطقيش اسمه تاني، اقسم بالله أكمل عليه وأبعته بيته على نقالة.

انتزعت ذراعها من قبضته بعنف، ونظرت إليه باشمئزاز قائلة: – بني آدم همجي.

ثم أسرعت إلى داخل المبنى تهرب من عينيه التي ما زالت تلتهب غضبًا، أما هو، فالتفت نحو أحمد الذي بدأ يحاول النهوض، وقال له بنبرة مهددة لا تقبل نقاشًا: – اخفى من وشي، دلوقتي، قبل ما أكمل اللي بدأته، اياك تاني مرة اشوفك قريب منها.

فر أحمد سريعًا، وهو يعلم أنه لا قِبل له بمواجهة ايهم، فبنيته الجسدية النحيلة لا تقارن بغضب الرجل الواقف أمامه.

دخل ايهم المبنى خلف تيا، يفتش بعينيه عنها، إلى أن لمحها تسير في الممر، اقترب منها مسرعًا، ووقف أمامه قائلاً بضيق: – تيا، استني، احنا لسه مخلصناش كلام.

ردت عليه تيا بخوف وصرامة: – سيب إيدي.

حرك رأسه رافضًا، ثم أمسك يدها وسحبها إلى إحدى القاعات المفتوحة والتي لم يكن بداخلها أحد، وأغلق الباب خلفهما، ليمنع أي تدخل، ثم قال لها بصوت خافت، لكنه مملوء برجاء: – اسمعيني الأول، أنا بحبك بجد يا تيا، قوليلي أعمل إيه عشان تصدقي؟ جيانا قالتلي إنك ناوية تسيبي الشغل، وإنك رافضة حبي ليكي، طب ليه؟ أنا حاسس إنك بتحبيني...

صمت للحظات ثم تابع بصدق: أنا أول مرة أحب، ومش عارف المفروض أعمل إيه عشان أكسب ثقتك، بس كل اللي عارفه إني مقدرش أخسرك، إنتي بقيتي السبب الوحيد اللي مخليني عايز أعيش بعد أبويا.

استدارت تيا فجأة، محاولة فتح الباب ومغادرة القاعة، فاستند بيديه على الباب مغلقًا إياه، ليصبح جسدها بينه وبين الخروج، وهمس من خلفها قائلاً بتصميم: – مش هتمشي، إلا لما تتكلمي، قوليلي إنتي حاسة بإيه، وخايفة من إيه بس.

حركت رأسها نفيًا، ودفعت الباب محاولة الخروج، ثم صرخت وهي تغالب دموعها: – مش عاوزة أتكلم، هو بالعافية؟!

اقترب منها، يواجهها، يسألها بحزن: – ليه؟ ليه بتهربي؟ ليه مش عاوزة تواجهي؟

صرخت عليه بألم وبعينين دامعتين: – عشان ماينفعش، ماينفعش أحس تجاهك بحاجة، إنت كنت واحد من اللي اتراهنوا على أختي، أنا حافظت على نفسي سنين، وفي الآخر ألاقي نفسي بعيش مشاعر تجاه واحد ما سبش واحدة ومعملش معاها علاقة، أنا هعيش في خوف طول الوقت لو قبلت بيك وقبلت بالحب ده، مينفعش بعد ما حافظت على نفسي سنين واتربيت احن تربية احب واحد عصى ربنا بذنب عظيم زي ده، مينفعش نكون لبعض انا مستاهلش كده ولا استاهل اعيش عمري كله خايفة...

صمتت لثوانٍ، وكأنها تحاول انتزاع الكلمات من قلبها قبل لسانها، ثم رفعت عينيها إليه، لتلتقي بنظراته التي تحوي كل الألم في هذا العالم، ألمٌ نقي، موجِع، لا يزينه شيء سوى الصدق.

حتى قالت بصوت مرتجف، يشوبه اعترافٌ ثقيل وندم دفين: مكنش ينفع أحبك.

قالت جملتها الأخيرة بانكسار، والدموع تغسل وجهها، أما هو، فقد تجمد في مكانه، لا يسمع إلا كلمة واحدة فقط من حديثها السابق: بتحبيني!

ابتسم رغم كل شيء، رغم الصراخ، والدموع، والاتهام، فقط لأنه سمع ما أراد، سألها بزهول مرة أخرى: – بتحبيني يا تيا،؟!

تنهدت بضيق، ثم تبادلا نظرة طويلة صامتة، قبل أن تستدير وتغادر القاعة، تخرج من الجامعة كلها، باحثة عن مخرج من تلك الفوضى التي اجتاحت قلبها.

أما هو، فقد ظل واقفًا مكانه، يبتسم، وكأن كلمة أحبك أنسته كل ما سبقها، وكل ما سيأتي.

همس لنفسه وهو ينظر للباب: – وحياتك عندي لهتكوني ليا مش لغيري، حتى لو الطريق بينا طويل معاكي لحد ما تسلمي وتقولي انا ليك يا بنت أكمل النويري.

لم يكن أحدهما يعلم، أن هناك من كانت تستمع لكل كلمة قيلت، وقلبها تشتعل بداخله نيران الحقد أكثر فأكثر!

في المساء...
ساد الهدوء أروقة قصر الزيني، ذلك الهدوء المشوب بالترقب، كانت المقاعد مصفوفة بعناية، والأنفاس محبوسة في انتظارٍ ثقيل.

الكل حضر، إلا دولت، التي اختارت أن تقضي المساء في صحبة أصدقائها من الطبقة المخملية، كما اعتادت، كأن لا شيء يعنيها سوى مرآتها الاجتماعية.

أما سمير، فكان في قمة سعادته، لم يكف عن إرسال القبلات الخفية ل هايدي، التي كانت ترد عليه بابتسامة خجلة، تختبئ بين وجنتيها مشاعر لم تعتد الظهور.

راقبهما فريد بصمت، ابتسم بسخرية خفيفة يبدو ان ابنة عمته وجدت من امتلك قلبها، وامتلكت قلبه اخيرًا
قالها في سره، لكن شيئًا داخله تمزق.
تمنى، للحظة، لو كان مكان سمير، وأن تكون جيانا هي من تجلس بجانبه، تمنى أن يسرق من القدر ثانية واحدة فقط، يتبادل فيها الأدوار مع سمير، وجيانا محل هايدي.

حين تلاقت عيناه بعينيها، شعر أن عتابها كالخناجر، لا يُوجع، بل يُنزِف، رد عليها بنظرة باهتة، حزينة، نادمة.

في الزاوية الأخرى، كانت تيا تجلس هادئة كمن يختبئ خلف الصمت، تحاول تجاهل نظرات أيهم التي لا تخفي شوقه، عيناه تلاحقها كأنما يرى بها ما لا يُقال
لاحظه أكمل فانعقد حاجباه وقرر أنه لن يترك الأمر الآن، حتى يعرف ما يدور من ابنته، مهما كلفه الأمر.

أما فريد و فادي، فالتوتر بينهما كان كثيفًا كالهواء المسموم...
نظراتهم لم تكن عابرة، بل مليئة بالغضب، كلٌ منهما يحمل في صدره سرًا ينتظر لحظة الانفجار و فادي كان مستعدًا أن يحرق كل شيء، مقابل لحظة يرى فيها فريد منكسرًا، يريد ان يرى ايهم وفريد مطرودان من هنا، وإلغاء تلك الزيجة مهما كلفه الأمر!

فجأة، نطق فادي، بنبرة تقطر مكرًا وخبثًا، لتدوي كالقنبلة وسط الهدوء: بجد؟ أنا مش مصدق إنك إنتي وفريد كنتوا بتحبوا بعض زمان. ولا أقول لسه بتحبوا بعض يا جيانا؟
ازاي قدرتي تخوني صاحبتك، وتبقي في حضن خطيبها، في حفلة خطوبتهم كمان، اسمحيلي يا رونزي اقولك إنك ما بتعرفيش تختاري صحابك!

عم الصمت على الجميع
كأن الزمن توقف، والعيون اتجهت نحو جيانا، وجوهٌ مصدومة، وأخرى مترقبة
في تلك اللحظة، لم يكن في القصر من لم يشعر أن الأرض تهتز تحتهم.

كلمة واحدة كانت كفيلة بأن تفتح كل الأبواب المغلقة، أن تكشف كل الوجوه التي احترفت التنكر خلف الأقنعة!

الفصل التالي
بعد 22 ساعة و 40 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة