رواية ليتني لم أحبك للكاتبة شهد الشورى الفصل الثالث والعشرون
تسارعت دقات قلب تيا بعنف، وهي تحدق في الصور المعروضة على الشاشة الضخمة أمام الحضور، الصور تُظهرها بين أحضان أيهم، وشفتاه تلامسانها في مشهد بدا وكأنه نابع عن رضا، بينما الحقيقة أنها كانت تُقاومه بكل ما أوتيت من قوة!
انهمرت دموعها بحرارة، وارتجف جسدها خوفًا، وعيناها تجوب الوجوه المحيطة بها، تبحث عن بصيص تصديق، عن خلاص لكنها لم تجد.
في الجهة الأخرى من القاعة، كان أيهم يرمق مي التي وقفت بشموخٍ وتحدٍ بارد، بنظرة مشبعة بالغضب والوعيد أومأ لها برأسه ببطء، وكأنه يعدها بسقوطٍ لا مفر منه، ثم أخرج هاتفه وأرسل لأحد رجاله رسالة سريعة...
اقترب بخطواتٍ غاضبة من أكمل الذي كان يواجه ابنته المرتعشة بصوت متهدج غاضب: الصورة دي مش حقيقية، بنتي عمرها ما تعملش كده، ردي عليا يا تيا، كلامي صح،؟!
تمتمت تيا بصوت مختنق وبتلعثم: غ، غصب، عني.
كان همس الحضور يملأ الأجواء، همسٌ تحول إلى سكاكين تنهش سمعة الفتاة، كل جملة أكثر فتكًا من التي قبلها: - كانت عاملالنا فيها الخضرة الشريفة وهي طلعت مدوراها مع الكل.
- الحمد لله ان ربنا نجدني قال وانا اللي كنت بفكر اتجوزها...
- حجاب ايه اللي لبساه ده، ياما تحت السواهي دواهي...
- بت مش متربية...
اختلطت الوجوه بين مصدومٍ، ومتشفٍ، ومشفقٍ صامت، وحدها تيا كانت تتلقى الطعنات وحدها، لأن الخطأ في نظرهم لا يُحسب إلا على الأنثى!
تقدم أيهم ليقف أمامهم جميعًا، عيناه تقدحان نارًا، صوته ارتفع حازمًا صارمًا، يخترق جدار الاتهامات: بنتك ما غلطتش، الصورة دي متفبركة ومش الأصل ومش بالشكل اللي ظاهر ليكم ده، أنا المسؤول، أنا اللي عملت كده غصب عنها، وصاحبتها الزبالة مي هي اللي صورت الصورة بالشكل ده وفضحتها.
ارتجفت تيا أكثر، وعيناها تتسعان بعدم تصديق، لم تتوقع يومًا أن طعنتها ستأتي من أقرب الناس إليها، انفجرت بالبكاء، احتضنتها جيانا وهي تُربت على ظهرها بحنان وغضب بسبب ما حدث لها غدرًا.
ثم جاء الرد القاسي صفع أكمل أيهم بقوة قائلاً بغضب: اه يا ابن...
تحرك فريد سريعًا ليقف حائلًا بينهما قائلاً برجاء: ارجوك اهدى ده مش وقت حساب ولا كلام لازم نتصرف بعقل عشان خاطر تيا الصحافة موجودة في كل مكان.
لكن أيهم صاح بعزم واصرار: مفيش نملة هتخرج من القاعة قبل ما براءة تيا تظهر، الدليل جاي دلوقتي، وهنعرضه قدام الكل.
اقترب منه فريد قائلاً بصوت خافت مليء بالغضب: انت هببت إيه، هي كانت ناقصاك.
زفر أيهم بعجز، وعيناه لا تبتعدان عن تيا، كانت تائهة، مكسورة، غارقة في دموعها كل ذلك بسببه.
وسط التوتر، ظهر صلاح الزيني، يقترب من أكمل، يقترح عليه بخوفٍ لأجل مصلحة العائلتين: الحل الوحيد دلوقتي إننا نقول إنهم متجوزين، ونبقى نكتب الكتاب بعدين ونلم الفضيحة دي.
لكن أكمل قطع عليه الطريق بصوت حاد منخفض: بنتي ما غلطتش عشان أرميها الرمية دي واجوزها واحد باخلاق حفيدك، وإن كان ع الناس، يولعوا سعادة بنتي اهم.
ردد أيهم بحدة رافضًا هو الآخر اقتراح جده: أنا مش هتجوزها عشان موقف زي ده تو نلم فضيحة هي ملهاش يد فيها، أنا يوم ما أتجوزها، هتكون راضية بيا وبحبي ليها، براءتها هتظهر بعد شوية، قدام الكل.
لم يتوقف صلاح عن توجيه نظراته الغاضبة لأيهم لم يكن غضبه لأجل تيا، بل خوفًا على اسم العائلة بأكملها، كان يريد إنقاذ سمعة حفيده وتيا معًا، لا حبًا فيهما، بل حمايةً للمكانة الاجتماعية التي لطالما تفاخر بها.
في الخلف، وقفت دولت تتلذذ بالفوضى، اقتربت من أكمل قائلة بشماتة: ياما تحت السواهي دواهي، معرفتش تربي يا أكمل، الله أعلم بنتك غفلتك مع مين تاني واختها...
لكن أكمل لم يمنحها فرصة تكمل حديثها، أمسك يدها بقوة ثم ضغط عليها قائلاً بتوعد وتهديد: ورحمة أمي اللي مغلطتش في حاجة طوال ما هي عايشة غير انها جابتك ع الدنيا، لو نطقتي بكلمة على بناتي تاني. لهتشوفي مني اللي عمرك ما شوفتيه يا دولت.
تدخل فريد يبعد يد خاله وهو يحدق في والدته بنظرات لائمة قائلاً بنفاذ صبر: مش وقتك يا ماما.
أمام صمتٍ ثقيل، اشتعلت الشاشة من جديد، ظهر فيديو صامت من كاميرات مكتب أيهم يظهر فيه وهو يُدخل تيا عنوة، صراخها، مقاومتها، ثم تلك القبلة التي فُهمت خطأً يتبعها صفعتها له وهروبها وهي تبكي بشدة...
سكت الجميع، مشدوهين!
صعد أيهم إلى المنصة، أمسك الميكروفون وقال بصوتٍ هادئٍ مشبع بالندم: اللي شفتوه دلوقتي هو الحقيقة، تيا ما غلطتش، أنا اللي غلطت، ربنا يشهد إني ما شوفت أطهر ولا أشرف منها، لا تجاوزت حدودها معايا ولا مع غيري، الغلط كله مني أنا.
ثم تابع بصرامة: مش هرحم اي حد يجيب سيرتها بسوء.
كلماته الأخيرة خرجت مُغلفة بالتهديد، بعد أن سمع إحدى الحاضرات مازالت تهمس بسوء.
أما مي، فقد كانت مختفية رجال أيهم كانوا قد أخرجوها خفية، وأغلقوا باب القاعة، وجلبوا التسجيلات كما أمرهم.
عاد أكمل ينظر للشاشة، يرى كيف انتُهكت ابنته، كيف لُطخ شرفها، وكيف لمسها ذلك الحقير عنوة.
تقدم بغضب ناري ولكم أيهم بعنف قائلا: يا زبالة، يا بن...
حاول آسر التقدم لينهال هو الآخر عليه، لكن سمير وفريد أوقفاه بصعوبة، قبل أن تتحول القاعة إلى ساحة حرب!
أما فادي، فكان يراقب ما يحدث من بعيد، بابتسامة تشبه السُم، نظراته مليئة بالشماتة، وقلبه يصرخ في صمتٍ غليظ: ولسه، لسه اللي هعمله فيكم يا ولاد الزيني.
بينما تيا، التي لم تحتمل لحظة الفضيحة، اقتربت من والدها بخوف ودموع تهز كيانها، وارتجاف يفضح ضعفها، احتضنته بقوة وهي تهمس بشهقات مخنوقة ووجه يتخفى في صدره: خلينا نمشي يا بابا، نا عاوزة أروح من هنا، بالله عليك روحني.
ضمها إلى صدره كأنما يريد أن يُخفيها عن أعين العالم، عينيه تغليان بالغضب وهو يحدق في أيهم بصمتٍ يفيض توعدًا
لم يكن أيهم يراه، أو ربما رآه ولم يهتم، لم يكن يرى أحدًا سوى تيا...
تيا التي تتحطم بين يدي والدها، وهو السبب...
تيا التي تبكي بحرقة، وهو من أشعل تلك النار...
تمنى لو يعود الزمن، لو امتلك لحظة يمحو بها كل ما فعل، لكنه فقد السيطرة، فقدها معها.
غادرت عائلة أكمل القاعة بصمتٍ ثقيل، تتبعهم هايدي التي جذبتها يد سمير دون كلمة
أعينها لم تكف عن النظر إلى تيا بحزنٍ دفي
عرسها تحول إلى مأتم، وقلوب الجميع انكسرت، وخاصة تلك الفتاة التي ظُلمت!
في تلك اللحظة اقترب جواد من جيانا بهدوء قائلاً: عارف إن الوقت مش مناسب، س لازم أتكلم معاكي، في حاجة ضروري انك تعرفيها.
نظرت إلى والدها، الذي كان غارقًا في احتضان تيا الباكية، لا يقوى على التفكير، ولا حتى على الاعتراض...
حنان ورونزي حاولوا التخفيف عنها، وجعلوها تتنفس وسط تلك الدوامة.
رد والدها بصوت خافت ووجه مرهق: ساعة وتكوني في البيت.
أومأ له جواد شاكرًا، لتصعد جيانا بجواره إلى السيارة، دون أن تنطق بكلمة، بينما كان هو يقودها إلى وجهة...
وجهة قد تُغير كل شيء!
ما إن غادر الجميع القاعة، وبقيت عائلة الزيني وحدها، حتى تقدم جمال في خطواتٍ بطيئة، يثقلها الألم، والصمتُ يُغلفه ندمٌ قديم...
كان يراقب المشهد منذ البداية، وعيناه تتنقلان بين فريد وأيهم، بين ما فعله ولده اليوم، وما اقترفه ابن اخيه قديمًا...
ذلك الرهان اللعين، وتلك الخطايا!
اقترب من أيهم، الذي لم يتوقع ما حدث بعد ذلك، إذ تلقى صفعة قاسية من والده، للمرة الأولى في حياته.
توسّعت أعين الجميع من شدة الصدمة، أما دولت، فلم تنتبه إليهم أصلًا...
كانت منشغلة بشيء آخر، شيء بدا أنه عندها أهم من كل ما يحدث.
أما عن فادي، فقد شعر وكأن هذا اليوم كُتب له وحده...
يرى بعينيه نظرات الغضب والاحتقار تتوجه إلى اثنين من أكثر من كرههم في حياته، كان قلبه يرقص شامتًا بهما.
تقدم جمال بخطى ثقيلة نحو ابنه، وصوته يخرج مخنوقًا بالغضب والخذلان: لأول مرة، أحس بالعار إني أبوك، والدتك، نور لو كانت لسه عايشة، كانت ماتت من الحسرة وهي شايفة ابنها اللي سهرت عليه وربته بالأخلاق دي، يا خسارة تعبي وتعبها، يا خسارة، يا خسارة كل حاجة يا ايهم.
لم يرد أيهم، فقط أطلق تنهيدة طويلة، مزيج من الألم والغضب، قبل أن يستدير ويغادر القاعة مسرعًا.
كان فريد يحاول اللحاق به، يناديه بصوتٍ منخفض، مترددًا...
لكنه لم يستطع الوصول إليه، فقد سبق أيهم إلى سيارته، وأدار المحرك هاربًا من الجميع، وربما هاربًا من نفسه!
كانت جيانا تجلس بجانبه في السيارة، تحاول أن تتبين في ملامحه ما لا تقوى على سؤاله، تتساءل في داخلها عما يريد جواد أن يخبرها به.
أما هو فمنذ أن انطلقت السيارة، لم ينبس ببنت شفة، فقط الصمت هو سيد الموقف، وكأن شيئًا أثقل من الحديث يعشش في صدره.
نظرت إليه أخيرًا، وسألته بهدوء مشوب بالحذر: كنت عاوز تتكلم معايا في إيه يا جواد؟
رد عليها دون أن يلتفت، بصوته الغامض الهادئ المعتاد: هتعرفي، بس استني شوية.
قطبت جبينها بدهشة، وأحست بشيء غريب يتسلل إلى عقلها، لكن قبل أن تدرك ما يحدث، كان قد أخرج بخاخًا صغيرًا من جيبه دون أن تراه، وبهدوءٍ قاتل، نثره على وجهها.
لم تمر لحظات حتى بدأت عيناها تترنحان، وثقل جفونها، وفقدت وعيها بالكامل، رأسها تميل عليه كدمية فقدت خيوطها!
ابتسم جواد بسخريةٍ باردة، نظرة مكر تلوح في عينيه وهو يواصل القيادة بهدوء، كأن شيئًا لم يحدث.
همس لنفسه بنبرة يملؤها الاشمئزاز، كأنما لفظ الكلمة من أعماق ضجره، يزفر بها قرفًا لا يُخفى، كم هي حمقاء لا تختلف عن البقية شيئًا.
مضى في تفكيره المظلم، وعيناه على الطريق أمامه، بينما عقله يسير في طريقٍ آخر...
طريقٍ يحسب فيه الأرباح والخسائر، يوزن فيه الخطوات ببرود قاتل، ويرتب المشهد الآتي وكأن الأمر مجرد صفقة.
كم من المكاسب سيجني من خلفها،؟
كم من الأبواب ستُفتح بمجرد سقوطها في فخه،؟
هي وكل من ظنّ يومًا أنه شخص جيد لا يدركون أنه ليس سوى حرباء!
يتلون كما يشاء، يتقمص ما يليق بالموقف، ويخلعه حين تنتهي اللعبة
لم يكن يرى في الأمر خيانة، بل مهارة
لم يكن يشعر بالذنب، بل بالذكاء!
بعد وقتٍ ليس بالطويل، وفي شقة بأحد البنايات الراقية، كان جواد يحملها بين ذراعيه، يرمقها بنظراتٍ يملؤها الشر والمكر
نواياه السوداء تتساقط من عينيه كما يتساقط السم من الأفاعي!
وضعها على الفراش بلطفٍ زائف، ثم بدأ يخلع سترته، وعيناه لا تفارق جسدها، نظرات وقحة، مفعمة بشهوة مريضة تملكته منذ أول لقاء.
حل أزرار قميصه الواحد تلو الآخر، ثم ثبت الكاميرا في مواجهة الفراش مباشرة.
تأكد من أنها تعمل، ثم اقترب منها ينحني فوق جسدها المسلوب الإرادة، يقبل وجهها وهي لا تعي شيئًا ويده امتدت ببطء إلى فستانها، تحاول نزع ما استطاعت.
همس بخبثٍ فاجر: أنتي جميلة اوي، كنت أتمنى تكوني صاحية وتحسي بيا، بس للأسف، الفرصة دي ما ينفعش أضيعها، بسببك هكسب كتير.
ما ان هم بتنفيذ ما نواه، إذ بصوت طرق قوي يُدوي من الخارج!
تجمد مكانه، توجه بسرعة نحو الباب، أزرار قميصه مفتوحة، وجهه متوتر، ليُفاجأ بفريد واقفًا أمامه، وعيناه تتقدان نارًا!
نعم، فريد الذي لمح جواد من بعيد وهو يصعد بالبناية يحملها بين يديه، فتبعه بشك وقلق، وها هو الآن يرى ما لم يتمنى يومًا أن يراه!
دون أي مقدمات، انهالت لكمة عنيفة على وجه جواد أسقطته أرضًا.
ركض فريد إلى الداخل، يبحث عنها بجنون، حتى وجدها على الفراش، فاقدة للوعي، أزرار الجزء العلوي من فستانها مفتوحة بعشوائية، والكاميرا مصوبة نحو الفراش.
احمرت عيناه من شدة الغضب والغيرة، ارتجف قلبه وجسده لكنه لم يترك نفسه للصدمة.
استدار ليذهب ويُنهي على ذلك الحقير، لكن قبل أن يصل إليه، كانت لكمة مفاجئة قد وجهها جواد من الخلف، ليتحول الأمر إلى صراعٍ دموي.
تبادل الاثنان اللكمات والضربات، بعنفٍ متوحش، كلاهما تملأه النيران، لكن فجأة أمسك فريد بمزهريةٍ زجاجية من الطاولة، وكسرها بقوة فوق رأس جواد، ليسقط الأخير فاقدًا للوعي.
توجه إلى الداخل سريعًا، يركض إليها بقلق، يحاول إيقاظها لكن لا استجابة
لاحظ كوب ماء موضوعًا بجانب السرير، سكب منه على وجهها برفق، بدأت تتأوه، تنفتح عيناها ببطء، حين رأته أمامها، فزعت، وجهه ملطخ بالدماء، أنفه ينزف، وهي لا تدري ما الذي حدث!
اعتدلت جالسة، تنظر حولها في صدمة، تحدق في جسدها
حتى قطع صمتها صوت فريد، وهو يقول بتعجل: خلينا نمشي من هنا، ابن ال، كان عاوز...
لم يكمل، لم يستطع، لكنها فهمت، وعيناها اتسعتا رعبًا وهي تتذكر كيف خدرها، ومن حسن حظها أن مفعول المخدر كان ضعيفًا.
أومأت له بصمتٍ خائف، ثم اعتدلت واقفة، فأشاح فريد ببصره عنها وهو يتمتم: اعدلي هدومك بسرعة.
أعادت ترتيب فستانها بخجلٍ وحرج، وقلبها يرتعش
أمسكت بيده دون تفكير، كأنها تستمد قوتها من وجوده.
خرجا معًا من الغرفة حتى يجعلها فريد تنتظر بالسيارة ويعود إلى ذلك الوغد، وفور أن وقع بصرها على الكاميرا المثبتة أمام الفراش، شهقت، الواقع بدأ يتضح لها، والخوف تسلل إلى أعماقها.
اقتربا من الباب، يكادان يغادران، لكن فجأة...
دوى صوت طلقٍ ناريٍ في المكان
تلاه صرخة مكتومة، سقوط جسد احدهما غارقًا في دمائه!