رواية ليتني لم أحبك للكاتبة شهد الشورى الفصل التاسع عشر
عم الصمت على الجميع، كأن الزمن توقف، والعيون اتجهت نحو جيانا، وجوهٌ مصدومة، وأخرى مترقبة
في تلك اللحظة، لم يكن في القصر من لم يشعر أن الأرض تهتز تحتهم.
كلمة واحدة كانت كفيلة بأن تفتح كل الأبواب المغلقة، أن تكشف كل الوجوه التي احترفت التنكر خلف الأقنعة!
ساد الصمت المكان لثوانٍ كانت كفيلة أن تُشيع الارتباك في النفوس، قبل أن يكسره فادي بابتسامة ماكرة وقلب لا يعرف للحياء معنى، قال بصوت لاذع يشق الأرواح كالسكاكين: هو يعني أنا عارف إنك برضو كنتي ضحية، بس ده ميمنعش إنك خونتي صاحبتك وكنتي في حضن خطيبها وفي حفلة خطوبتهم كمان، أممم، كان يستاهل المشهد ده يتصور، بس للأسف ملحقتش أصوره، كان حضن جامد، مش كده؟
لم يُكمل جملته إلا وقد غاصت غمزته الوقحة في قلب فريد كنصل غادر، فاندفع عليه كالوحش الجريح، ليسقطه أرضًا على الأريكة ويوجه له اللكمات العنيفة.
ردد فريد وهو يضربه بانفجار غضب مكبوت منذ سنين: أقسم بالله لو جبت سيرتها على لسانك تاني، لأخليك تتمنى الموت ومتطولهوش.
هرع أيهم لمحاولة إبعاده، لكن فريد كان كالبركان لا يهدأ، بينما الصدمة تلبدت على وجوه الجميع، وانفجر صلاح بصوته المهيب الذي أخرس حتى الجدران: حالاً، أفهم كل حاجة، وإلا مش هيحصل خير أبدًا.
رفع فادي جسده بصعوبة، ومرر يده على فمه ينفض عنه دمًا امتزج بسُمّه، ثم قال بسخرية مميتة: أحكيلك أنا يا صلاح باشا، ببساطة كده، أحفادك الاتنين، أيهم وفريد باشا، من كام سنة اتراهنوا على بنت والرهان؟ إن فريد يوقعها في حبه ويقضي معاها ليلة، بسلامته فضل يرسم دور العاشق الولهان، لحد ما خلى البنت تحبه، بس قبل ما ياخد اللي هو عاوزه، هي شافت خيانته بعنيها، كان مع واحدة تانية، ده حتى حاول يعتدي عليها يوم ما كشفت خيانته، وبلاوي تانية مش عارف أبدأ منين ولا منين.
ده حتى خبى عن خطيبته إنه كان على علاقة بصاحبتها
حفيدك عامل مصايب يا جدي ومش لوحده تؤ ده كان معاه شريكين، أيهم وأركان!
الوجوه شاحبة، الأرواح معلقة، والنظرات المذهولة تتقافز بين فريد وجيانا، بينما صلاح يصرخ بنبرة حادة كالسيف: اللي فادي بيقوله ده، صح؟
صمت فريد، فتعالت صيحة صلاح من جديد بصرامة: ما تنطق!
لكن فادي، وكأنه لم يكتفي، ألقى بقنبلة أخرى انفجرت في قلب الجميع، وهو ينظر لفريد باحتقار وتشفي: هيقول إيه بعد كل ده، طبعًا ده غير أختي اللي مسلمتش منه
من سبع سنين، لما كان في شغل بره، وهايدي كانت هناك ضحك عليها، وخلاها تسلمله نفسها وباعها!
أطرقت هايدي برأسها نحو الأرض، كأنها تلتمس منها رحمة غابت عن الوجوه من حولها. تساقطت دموعها في صمتٍ حزين، لم تصدق أن من يتحدث عنها بهذا الجفاء هو شقيقها وبكل بساطة، وأمام الجميع!
أرسلت نظرة خافتة نحو سمير، نظرة جمعت بين الحزن والخجل، والخوف من أن تفقده، ذاك الذي أحبّته بصدق.
أما سمير، فظل يحدق بها بذهولٍ يملؤه الإنكار. يحاول فهم ما يُقال
أي أخت هذه التي يتحدث عنها؟
لا، لا يمكن أن تكون هي
لابد أن هناك خطأ...
فهو أحبها، ولم يرى منها إلا النقاء.
رفع رأسه إليها مجددًا، يتشبث بنظراته لعلها تنفي. لعلها تصرخ، تبرر، تدافع عن نفسها، أي شيء.
لكن دموعها كانت أصدق من الكلمات. تنهمر في صمتٍ موجع، دون اعتراض، دون دفاع، دون حتى محاولة للشرح، وهنا، لم تعد الظنون ظنونًا، صمتها كان اعترافًا، ودموعها ختمًا للحقيقة التي لم يشأ تصديقها.
تراجع خطوة إلى الوراء، كأن الأرض لفظته. أخفض عينيه، كمن خُذل في صدقه. في قلبه، انكسر شيء لن يلتئم ابدًا!
بينما تجمدت عينا جيانا على فريد، لم تكن تراه، بل كانت ترى شبحًا لإنسانٍ ظنت يومًا أنها تعرفه، تكشف لها حقيقته كل يومٍ أكثر، وتزداد صدمتها كلما ظنت أنها وصلت للنهاية.
خانها، لا مرة، بل مرتين!
خانها وهي إلى جواره، تمنحه كل ما تملك من حب واحتواء.
خانها في غربته، بينما كانت تتلوى شوقًا ووجعًا من بعده تبكي وتنتظره، وهو هناك يخونها بقلبٍ بارد.
هرب بنظراته منها، كمن يعجز عن مواجهة ما اقترفته يداه، عيناه مليئتان بالخجل، يغمرهما ندمٌ لا يجدي.
هرب وهو يدرك تمامًا أن ما بينهما يتحطم مرة بعد مرة ولا رجعة فيه!
تقدم فادي بخطوات ثابتة نحو رونزي، تلك التي كانت لا تزال تتلقى وقع كلماته الأخيرة، مزيج من الذهول والقرف والتساؤل يغمر ملامحها، لم تكن الصدمة فقط مما قيل عن أخته، ولا عما فعله فريد بجيانا، كانت تظن أن ما فرق بينهما خلاف عابر، أو جرح من سوء الفهم، لم تتخيل للحظة أن الخيانة هي الجواب!
نظر إليها فادي بنظراتٍ مصطنعة، مزيج من الحزن الكاذب والمواساة المزيفة، بينما داخله يحتفل، يتلذذ بنظرات الشك التي بدأت تتوزع بين فريد وأيهم، لكنه لم يعلم أن أعين الاتهام كلها كانت تستقر عليه أكثر من الجميع.
قال بلهجة خبيثة تخفي نشوته خلف ستار تعاطف بارد: عندِك حق تتصدمي، مش سهل أبداً تكتشفي إن خطيبك وصاحبتك اللي كنتي شايفاها أخت، كانوا بيخونوكي وطعنوكي في ضهرك!
قاطعت كلماته رونزي بنبرة جامدة، ولكنها تنزف قرفًا واحتقارًا: أنا عرفت اللي بين فريد وجيانا من زمان، الصدمة اللي شايفها دي مش فيهم، دي فيك إنت، في بجاحتك، وقرفك، بأخلاقك السودا، دي يا عديم الرجولة، إزاي تسمح لنفسك تتكلم عنها كده وتفضحها قدام الكل، إزاي، أنت إنسان مريض.
اشتعل الغضب في عيني فادي، واتسعت حدقتاه، هم أن يرد عليها بشيء يطفئ احتقارها، لكن محمد سبقه، صوته جاء قاطعًا، غاضبًا، موجوعًا: الكلام ده صح يا فريد، انطق!
صرخ فريد، كأن صمته كان حريقًا وانفجر: آه صح، أنا راهنت عليها، بس حبيتها، من قلبي، حبيتها لكن غصب عني ضعفت وخنتها، مش مرة، لا، مرتين، وفي لحظة كنت هخليها تخسر شرفها بإيدي، انا وجعتها، كسرتها، واذيتها
أكتر، وإنت ومراتك كنتوا السبب، انت ومراتك لما دمرتوا حياتي.
نظر إليه محمد بذهول، ممزوج بألم وخزى، لم يرد، لم يصرخ، فقط حدق، بينما فريد تابع بكلمات كالسكاكين، بسخرية مرة: مستغرب ليه؟ أنا مجرد نسخة تانية منك، يا محمد باشا.
ثارت الدماء بعروق آسر، تقدم بخطواتٍ غاضبة نحو فريد، قبضته مشدودة، لكن أيهم اعترض طريقه في اللحظة المناسبة، قابضًا على ذراعه بقوة، قبل أن يرتفع صوت عز بصرامة قاطعة: آسر، كفاية يلا بينا نمشي كفاية لحد كده.
في لحظة اختلط فيها الذهول بالغضب، شد أكمل يد ابنته التي كانت كتمثالٍ من الحيرة والصدمة، خرج بها من الفيلا وعقله لا يهدأ، قد اتخذ قراره في صمت.
لن تطأ قدماه هذا القصر مرةً أخرى، ولن يترك ابنته تُقرب من ذلك الوغد مهما كلفه الأمر...
لكن وقبل أن يصل إلى البوابة، وقعت عيناه على مفاجأة لم يكن يتوقعها، شهق، وتجمد للحظة، قبل أن يتمتم بذهول: دولت!
نعم، دولت، التي أنهت سهرتها وعادت للقصر، لتقف أمامه، بشموخها البارد، وجمودها العتيق، وكأن الزمان دار دورته ليصطدم وجهًا بوجه مع الماضي، بلا رحمة
يبدو ان الليلة لم تنتهي بعد!
لحظاتٌ مرت ثقيلة، كأن الزمن توقف عن الدوران، وكل من في المكان ينظر في ذهول وصمت، كأن الهواء قد تجمد فجأة، عدا حنان، كانت الوحيدة التي تدرك ما يحدث، وتعلم الحقيقة كاملة، الحقيقة التي ظلت طي الكتمان لسنوات، حتى قررت الأيام فجأة أن تُخرجها من الظلال!
قطع الصمت صوت فريد الحذر: حضرتك تعرف والدتي قبل كده،؟!
ضحك أكمل، ضحكة جافة مجردة من أي دفء، كأنها سخرية القدر حين يقرر أن يُعري الوجوه، ثم رمق دولت بنظرة احتقار طاعنة، نظرة لم يحملها من قبل لأحد بهذا القدر من الكراهية!
ردد أكمل بصوت غليظ يسكنه جراح الماضي: أعرفها بس؟، ده أنا أعرفها عز المعرفة، يمكن أنا أكتر واحد فيكم يعرفها، كل اللي أقدر أقوله عن الست دي إنها شيطان ماشي ع الأرض.
انتفض فريد، والغضب يتفجر من عينيه قائلاً: أنا ما اسمحلكش تتكلم عن والدتي بالطريقة دي.
قهقه أكمل بسخرية مريرة، بينما كانت حنان تراقبه بعينين تملؤهما الدموع، تعلم كم من الألم يختبئ خلف كلماته، كم كرهها وكم قاسى بسببها!
ردد أكمل بسخرية مريرة ولم يبالي بصراخ فريد: قال إيه وانا اللي كنت مستغرب إزاي فيه واحد بقلة أصلك، لو كنت عرفت من الأول إنك ابن دولت، كنت صدقت على طول، ده كفاية بس انك ابنها، بس متخافش، الست الوالدة معدية حقارتك بكتير، ومن زمان أوي كمان.
صاحت دولت غاضبة، بكره وغل: احترم نفسك يا أكمل.
انفجر فريد غضبًا، فقد أعصابه تمامًا، واندفع نحو أكمل، ممسكًا بمقدمة ملابسه، وصاح عليه بغضب: قولتلك ماتتكلمش مع امي بالطريقة دي.
كادت جيانا ان تتدخل لتُبعد يد فريد عن والدها، لكنها تجمدت مكانها، حين دفع أكمل يد فريد بقوة، وفي اللحظة التالية، طارت قبضة يده نحو وجهه بلا تردد، صفعة حملت ثقل السنين، وصفير الألم، وصفعت معها صمت القاعة...
شهق الجميع، مذهولين، مشدوهين بما رأوا وما سمعوا!
اقتربت حنان بسرعة، أمسكت بيد أكمل بكل رجاء، وعيناها تغرقان في الدموع، كانت تشعر بأنه ينهار من الداخل، رغم صلابته الظاهرة: اكمل، وحياتي عندك، كفاية كده، خلينا نمشي من هنا.
لكن أكمل لم يسمع سوى صدى الغدر، لم يرى سوى وجه دولت الذي يحمل ذاكرة ميتة تئن تحت التراب.
ضحك، ثم قال بصوت متهكم، يحمل خلفه سنوات من الكره: أمشي، لأ مش همشي، مش قبل ما ابنها يعرف ماضي الست الوالدة، ده حتى من حقه يعرف هو طالع ندل لمين.
ثم نظر إلى دولت مجددًا، وتكلم ببطء، والكره يتسلل من بين حروفه كالسم: ولا إيه يا، يا اختي يا كبيرة!
حل الصمت، لا كسكونٍ طبيعي، بل كصفعة على وجوه الجميع، وكأن الزمن توقف، وكأن الهواء تجمد في الرئة.
كانت جيانا أول من انكسر الصمت على شفتيها المرتجفتين: بابا، حضرتك بتقول إيه،؟!
قالتها بذهول، بعينين تائهتين في وجه والدها.
لكن أكمل لم يترك لها فرصة لالتقاط أنفاسها، نظر صوب دولت، كأن عينيه تقذِفان لعناتٍ لا تُرى، ثم قال باحتقار: أقدملك يا جيانا، عمتك.
توسعت الأعين، تراجعت الأنفاس، وكأن قنبلة سقطت في وسط القاعة، لم يكن وقع الكلمات وحده مؤلمًا، بل ما تبعه أشد!
تابع أكمل بصوت يقطر غضبًا دفينًا: أو نقول اللي كانت السبب في موت أبويا، واللي ورا بلاوي سودة حصلت زمان.
سأله آسر بصدمة: انت بتقول إيه يا عمي؟!
أما دولت، فكان لسانها كالسيف، يقطع بلا وعي، بلا ندم: ولو الزمن رجع بيا؟ كنت هعمل أكتر من كده، ده حقي، وانت وابوك وإبراهيم تستاهلوا أكتر من اللي حصل بكتير.
رد أكمل بضحكة ساخرة، تمزج بين الأسى والاشمئزاز: مهما عدت السنين، هتفضلي زي ما انتي، أنانية، طماعة، قلبك مفيش فيه غير سواد وغل، زورتي، نصبتي، وكلتي حق اخواتك، وسبحان الله، ابنك طلع على نفسك خُطاك، نفس القلة، نفس الندالة والخيانة.
انفجرت دولت كبركان لا يجد مخرجًا سوى الخراب: خُد اللي معاك واطلع برا يا أكمل، والله لو شوفتك تاني، حتى لو صدفة، هتشوف مني اللي عمرك ما شوفته، واللي حصل زمان هيكون نقطة في بحر من اللي هتشوفه تاني لو قربت على حياتي!
نظر لها أكمل بنظرة تقشعر لها الأرواح، ثم قال بغضب: واللي زيك يعرف ربنا عشان يحلف بيه، أمنا ما غلطتش في حياتها غير مرة، لما جابت شيطانة زيك ع الدنيا.
شهقت جيانا، وارتجفت نظرة فريد، ثم سألها بذهولٍ أقرب إلى الرجاء: الكلام ده، صح؟!
صرخ محمد، وقد بلغ منه الغضب ما لا يُطاق: دولت! أكمل أخوكي؟! واللي بيقوله ده حصل فعلاً،؟!
لكن الصمت كان جوابها لسؤاله، فردد أكمل بسخرية مريرة: اخوات من نفس الأم.
ثم تابع بنبرة تقطر ألمًا دفينًا: غلطتي أنا وإبراهيم إننا دورنا عليكي، كنا فاكرينك أختنا اللي هتخاف علينا، نسينا إنك بنت منصور الناجي، اللي مات وسب وراه شيطانة من نسله، أنا تربية أحمد النويري، وانتي تربية منصور، وده هيفضل الفرق اللي بينك وبينا طول العمر.
رفعت دولت يدها لتصفعه، لكن قبضة أكمل كانت أسرع، أوقف يدها في منتصف الهواء، نظر لعينيها وقال كجمرة مشتعلة: اوعي تفكري ترفعي إيدك عليا، اقطعها قبل ما تلمسني، ورحمة أمي وأبويا، لو شوفت خيالك أو خيال ابنك حوالين أي حد من عيلتي، هتشوفي جحيم ما خطرش على بالك يوم، أنا من زمان اعتبرت اني ماليش أخت يعني مش باقي عليكي لو فكرتي تأذي عيلتي.
ثم التفت إلى عائلته، قائلاً بصوت صارم: امشوااااا.
تحرك الجميع خلفه في ذهول، صدمةٌ تُقطع الأوصال
لكن دولت ظلت في مكانها، لم تتحرك، نظرت إلى أثر أكمل، بعيون تشتعل نارًا، لم تنتهي الحرب بعد، بل بدأت للتو: زي ما خلصت على اتنين قبله، هو كمان جيه دوره!
أما سمير، فكان ثابتًا لا يتحرك، كأن قدميه التصقتا بالأرض...
لم تكن عينيه ترى غير هايدي، تلك التي ظنها حلمًا، فكانت له كابوسًا
خرج فجأة، خطى عنيفة، خطوات هروب لا عودة بعدها بينما هايدي تبكي، تركض خلفه، تصرخ من قلبها: استنى، اسمعني الأول، عشان خاطري يا سمير.
لكنه دفعها بيده، كمن يدفع شوكًا من أمامه، فسقطت على الأرض، تبكي وتصرخ وتضرب الأرض بيديها.
كانت جيانا كالصنم، لا ترى ولا تسمع، لا تصدق أن من أحبته يومًا، يكون ابن عمتها!
أما عليا، فلم تقترب من هايدي، بل نظرت لها كأنها ترى عارًا مجسدًا في ابنتها،؟!
ظلت هايدي على الأرض تنهار، لا أحد يقترب منها، إلا أيهم
اقترب ببطء، بصمت، بعين تملأها الشفقة، كأنها طفلة تحطمت لعبتها الوحيدة، حملها عنوة إلى غرفتها، ووضعها على الفراش، لكنها تمسكت به، ترجوه بدموع وهزيان: روح قوله يسمعني، أنا بحبه، أنا مش وحشة، أنا والله تبت، هو اللي عمل فيا كده، أنا ماليش ذنب، قول لسمير مايسيبنيش.
ألقت نفسها في حضنه، فضمها كمن يضم وجعًا لا يُشفى، يهدئها، يربت على ألمها، حتى نامت بين ذراعيه.
تركها وخرج، وهناك في الأسفل، حيث الجميع ما زال يترنح تحت وطأة الصدمة، كان محمد يصرخ: اكمل كان بيقول إيه؟! أنتي عملتي إيه يا دولت؟!
ازاي السنين دي كلها وأنا مش عارف إن ليكي إخوات؟!
لكنها لم تُجبه، فقط فركت يديها بتوتر، وعيونها تهرب من المواجهة، حتى صعدت لغرفتها، أغلقت الباب عليها، وزاد الغل بداخِلها عندما تذكرت الماضي...
تذكرت والدتها...
وتذكرت صوت والدها القاسي وهو يصرخ عليها بغل: بتسألي عن امك ليه؟ امك اللي ضحك عليها راجل بكلمتين خلاها تسيبك وتسيبني وتختاره هو.
نظرت إلى المزهرية، وكأنها تمثل قلبها، ثم رفعتها وألقتها على الأرض، فتهشمت كأحلامها القديمة، ذلك الرجل كان يستحق ما فعلته به، سرق منها أمها وطفولتها، فانتزعت منه الحياة!
عاد الجميع إلى المنزل، عدا سمير، الذي ظل وحده، يختنقُ بين صدمةٍ لم يكن يتوقعها...
لأول مرة في حياته، أراد أن يبكي، لكنه لم يفعل.
ليست تلك الماكرة من تستحق دمعةً منه، ولن تكون...
كانوا جميعًا يقفون أمام أكمل، يتهامسون، يتصادمُ الذهول في أعينهم مع الغضب والأسى.
ردد آسر بانفعال: عمي، احنا من حقنا نفهم، في إيه؟!
وتلاه صوت جيانا بصدمة: بابا، الكلام ده صح، الست دي تبقى عمتنا بجد.
صوت ثالث، وهو صوت رامي بضيق: بابا، حضرتك ازاي تخبي عننا حاجة زي دي؟
ثم جاء صوت رقيق، فيه رجفة قلق وهو صوت تيا: بابا، انت كويس؟
تنفس أكمل بعمق، وأجاب بصوتٍ هادئ، كأنه يستجمع بقايا تماسكه: أيوه، الست دي تبقى عمتكم، أخت أبوكم الكبيرة، بس مش من نفس الأب.
رفعت جيانا عينيها نحوه، وسألته بزهول: طب، هي فعلاً قتلت جدو الله يرحمه؟
قاطعتها حنان قائلة بحدة لم تألفها: مش وقته أسئلة، سيبوا أبوكم يرتاح، وبعدين اسألوه زي ما تحبوا بس مش دلوقتي.
أشار أكمل بيده لزوجته أن تصمت، ثم جلس على الأريكة، كأن ثقلاً سُحب من قلبه فأسقط جسده دفعة واحدة.
قال بصوتٍ مبحوح، يخنقه الألم: اقعدوا...
جلس الجميع، وبدأ هو الحكاية، لا، لم تكن حكاية، بل وجعًا متوارثًا، لم يلتئم حتى الآن: جدتكم حُورية كانت من عيلة غنية، بنت وحيدة، لا اخوات ولا سند، بعد وفاة أهلها، اتجوزت منصور الناجي راجل الكل كان فاكره طيب، بس هو، كان شر وشيطان ماشي ع الأرض.
ضرب، إهانة، خيانة، حتى على سريرها خانها، لكنها كانت ساكتة عشان خاطر بنتها واللي هي دولت، منصور حبسها، منعها من الخروج، سرق منها حريتها وحياتها وكل حاجة، لما وصلت صبرها نفذ ومقرتش تتحمل، اتخانقوا، ضربها وطردها، وخد دولت وهرب بيها، وهي رفعت عليه قضية عشان تاخد بنتها، وساعدها أبويا، لأنه كان محامي وقتها، بس منصور وسخ سمعتها، وقال كلام مايتقالش، وكسب القضية، وسافر ببنته، ومن وقتها، ماحدش عرفله طريق.
صمت قليلًا، ثم تابع: بعد فترة، ماما اتجوزت بابا، وعاشوا كويسين ومبسوطين، أنا وإبراهيم كبرنا، وعرفنا اللي حصل، وفضلنا نحاول نلاقي دولت، بس مفيش فايدة كنا بنفشل في كل مرة، وفي يوم، عرفنا إن منصور رجع مصر، ومعاه دولت، حاولت جدتكم تقابلها، بس هي رفضت، وساعتها ماما كانت في المرحلة الأخيرة من السرطان، واتوفت تاني يوم والأصعب؟
إن بعد موتها، فتحنا وصيتها، والوصية فيها إن ماما كتبت كل أملاكها لدولت، اتصدمنا قولنا، ازاي ماما تعمل كده وهي كانت دايمًا تقول إن كل حاجة هتتقسم بينا بالعدل.
صمت أكمل قليلاً ثم تابع بصوت واهن: الوصية كانت مزورة، واحنا عرفنا ده من محامي ماما قبل ما يموت، اعترف بكل حاجة، اعترف إن دولت ومنصور اتفقوا معاه على التزوير، بابا ساعتها كان تعبان ولازم يعمل عملية طلبنا منها فلوس عملية أبويا قالت لنا بدم بارد ما يموت، مش فارق معايا، ومات بابا فعلاً ولما مات جت تشمت بكل غل فينا وتقولنا ان يوم موته اسعد يوم ليها، سرق منها امها ودمر عيلتها، فقتلته!
مرت لحظة صمت مقيتة، قبل أن يكمل: وبدأت دولت تأذينا في كل حاجة، في الشغل، في حياتنا، في علاقاتنا، حتى يوم كتب كتابي، لفقت لإبراهيم قضية مخدرات لولا ستر ربنا جدكم عز اثبت براءته وعرفنا نطلعه، وقبل ما يتجوز والدتك، يا آسر، كان بيحب بنت، واتقدم لها قامت بعتت لها بلطجية ضربوها و، اعتدوا عليها.
شهق البعض من الصدمة، بينما هو قال بمرارة: البنت، ماستحملتش، وانتحرت، وإبراهيم اتجنن، حاول يقتلها، . بس قدرنا نمنعه في آخر لحظة، قالت لنا بعدها بمنتهى البرود، زي ما كنت سبب في موت أبوكم، هبقى سبب في خراب حياتكم واحد واحد فيكم.
ربت على يد عز، الذي كان يجلس بجواره، نظر إليه أكمل بعينين ممتنتين، وقال: انت الوحيد اللي وقفت جنبنا، حسيت إنك أبويا التاني.
ابتسم عز، وربت على كتفه بحنان، بينما جلس كل من في الغرفة في ذهولٍ تام، كأنهم خرجوا لتوهم من زلزالٍ خلفهم بلا صوت.
نهض كل منهم بهدوء، وانسحب إلى غرفته، كل يختلي بنفسه، يحاول فهم ما حدث واستيعابه.
إلا آسر، خرج يبحث عن سمير، ولم يجده
بحث عنه في كل الأماكن التي قد يخطر بباله أن يذهب إليها.
في مكانٍ لم يُذكر من قبل...
في أثينا، عاصمة اليونان، كان يجلس رجلٌ طويل القامة، ما زال يحتفظ ببقايا وسامته، لكن ملامحه باتت تغلفها قسوة الليل وسواده إنه م جدي القاسم.
كان يتحدث عبر الهاتف، بنبرة غاضبة: مش هيحصل!
جاءه صوت من الطرف الآخر، حادٌ كحدّ السكين: لا، هيحصل، وفي أقرب وقت كمان، زي ما ساعدتك تخلص من إبراهيم النويري زمان، هتساعدني وإلا والله ما هيحصل خير أبدًا، عايزة أسمع خبره قريب جدًا، زي ما سمعت خبر التاني، مفهوووم!