رواية قلب القمر الجزء الأول للكاتبة شيماء سعيد الفصل الثاني والعشرون
لأول مرة في حياته يعلم كيف يموت الإنسان و هو على قيد الحياة...
ما يشعر به الآن و هي بداخل غرفة العمليات و ما شعر به أمس عند إزالة خصلاتها التي يعشقها مشاعر لا يتحملها بشر...
يعلم أن ذلك عقاب الله له و لكنها هي لا تستحق أن يأكلها الألم بتلك الطريقة...
سقطت دموعه و هو يجلس على أحد المقاعد فقدميه لا تستطيع الصمود أكثر...
حياته معاها تسير أمام عينيه و كأنها أحد افلام السينما...
صوتها ليلة أمس و هي تصرخ و تترجى الجميع لا يفارق أذنه...
- لالالا سعد خليهم يبعدوا عني ده شعري أرجوك لالالا. خليني أموت يا رب بس شعري لا مش عايزة أعيش كده...
حرك يده على وجهه عدة مرات حتى تختفي تلك الصرخات من أمامه لتأتي غيرها قبل دخولها العمليات...
- سعد خد بالك من ماما هي خلاص مفيش ليها حد في الدنيا بعدي و بعد أسماء غير ربنا و أنت، اعتبر أنها وصيتي...
آه يا حبيبة العمر الموقف يستحيل تحمله، قلبه بداخل ضلوعه يضرب صدره يريد التحرر و الذهاب إليها...
لا يعلم كيف صمد أمام دموعها و رجائها لا يعلم كيف تركها تدلف لتلك الحجرة المخيفة بدونه؟.
سقطت دموعه أكثر و هو يتذكر أول مرة اعترفت له بالحب و كيف كانت جميلة خجولة...
فلاش باااااااااك...
جعل المكتب رأسا على عقب أي شيء يراه أمامه يكسره...
هو يريدها بأي ثمن و هي تسوق الدلال عليه مل من لعبة القط و الفأر هذه...
لا يوجد إمرأة رفضت الزواج من سعد الدميري و هي رفضته للمرة التي لا يعرف عددها...
الشيء الوحيد الذي يمنعه عن أخذها بالقوة خوفه من الله...
أخذ يتحرك بالمكتب مثل الثور الهائج كيف يجعل تلك الفتاة زوجته؟.
مع صوت التكسير دلفت هي لتعرف ماذا يحدث بالداخل...
شهقت بصدمة من المكان حولها ماذا فعل ذلك المختل بالمكتب...
اقتربت منه بتوتر قائلة...
- حضرتك كويس يا سعد بيه...
استغل تلك الفرصة أسوأ استغلال فهي فرصته التي أتت له على طبق من ذهب...
يعلم كم هي حنونة و رومانسية لذلك سيلعب بتلك الورقة التي لم يستخدمها من قبل...
ورقه الحب أقترب منها بغضب ثم أردف بصريخ...
- لا مش كويس عشان انتي باردة من غير إحساس بقولك عايز اتجوزك اكتر من عشرين مرة، ليه مش قادرة تحسي بيا و اني بحبك يا غبية...
صمت بعدها يأخذ أنفاسه المسلوبة و يرى تأثير ما قاله عليها ابتسم عندما رآها تفتح عيناها.
بصدمة...
يحبها هل هو يحبها بالفعل و ستعيش معه مثلما كانت تتمنى دائما...
حياة هادئة و زوج عاشق لها أطفال يحملون دمائه بداخل أحشائها...
لا تصدق انها أخيرا و بعد طول انتظار وجدت ذلك الحب الذي كانت تحلم به و مع من...
مع الرجل الوحيد الذي احتل قلبها...
وجدت نفسها فجأة و بدون وعي تنطق كلمة...
-بحبك...
إنتهى الفلاش باااااااااك...
كان شيطان على هيئة إنسان لا يعلم كيف لعب بها بتلك الطريقة البشعة...
اعتصر يده بقوة. حقير و يستحق القتل تلك الغرفة التي تعافر هي بداخلها من أجل الحياه لا أحد يستحقها غيره...
ذلك العذاب و الألم الذي تشعر بهم له و ليس لها هي...
مرت الساعات و هو مثل الجثة بالخارج مثل السجين الذي ينتظر حكم القاضي البراءة أو الإعدام...
ارتجف قلبه و جسده بالكامل مع خروج الطبيب من الغرفة و على وجهه علامات الإرهاق...
اتجه إليه سعد بلهفة ليقول الآخر بعملية...
- اطمئن سيد سعد فالسيدة بخير و ستكون تحت الملاحظة لمدة أربعة و عشرين ساعة و بعدها يمكنك رؤيتها، و لكني أريد قول شيء مهم أنتم الشرق أهم شيء لديكم الأطفال و السيدة نفين بعد كل ما مرت به ستأخذ فترة حتى تستطيع الإنجاب...
ها هو يأخذ عقاب آخر منع نسائه سنوات من الإنجاب و الآن هو من حرم منه...
كان يتمنى أن يكون أب لطفل هي والدته و لكن الله المنتقم الجبار أخذ حق الجميع منه و بأبشع الطرق...
نفين منذ أن رأته عانت الكثير و مازالت تعاني لا يعلم من منهم يستحق العقاب...
- موافقة...
كلمه نطقتها دون تفكير في العواقب كل ما تريده هو الهروب و الانتقام بالإبتعاد عن ظلم الحياة مع السلطانه...
فهي تتذكر جيدا يوم سفرها مع السلطان لحفل زفاف آصف و لقائها بالسلطانة الأم بقصر الصيد...
فلاش باااااك...
أخذت تتجول بالحديقة بسعادة صعب وصفها، فالسلطان سيأخذها معه لحفل الزفاف على أنها زوجته...
تعشقه كلمة قليلة عليه لم يخفيها عن الجميع كما كانت تتوقع فهو يريد الحضور معها أمام الجميع دون خجل من زواجهم...
قطع سعادتها صوت السلطانة الأم التي دلفت كانت تقف ورائها لا تعلم من أين أو كيف أتت...
- أنا عارفة انك في كوكبك كنتي هتبقى حاجة عظيمة جدا و قيمتها عالية بالنسبة للناس، و كتب التاريخ هتتكلم عنك سنين لحد ما تنتهي البشرية، بس وجودك هنا ضيع كل أحلامك حتى ضيع اهلك منك، أنا مش جاية هنا عشان أتكلم في اي حاجة كل اللي جاية عشانه عرض تفكري فيه و وقت ما تحبي التنفيذ قولي...
نظرت لها سوما باهتمام و فضول تريد معرفة ذلك العرض التي تتحدث عنه...
رأت الأخرى فضولها بعينيها لتقول بثقة و بكبرياء...
- عرضي ليكي أنك ترجعي كوكبك تاني و تعيشي حياتك و شغلك كأنك عمرك ما جيتي هنا، و لو حد حب يعرف ايه اللي حصل اعملي نفسك فاقدة الذاكره أو النطق من الصدمة، هتكوني بطلة و الوحيدة اللي رجعت من الكوكب ده...
بس لو لسانك طلع بكلام ملوش لازمة رقبتك انتي و اهلك مش كفاية عندي، فكري و بعدين ابقي ردي...
إنتهى الفلاش باااااك...
بكل غباء كانت تتخيل أن امرأة واحدة مع رجل مثل سنمار تكفي و لا تعلم أنها مجرد شيء جديد أراد تجربته...
لا تعلم لما قلبها اللعين يرفض فكرة الرحيل و يحاول بشتى الطرق الدفاع عن ذلك الخائن...
ضغطت على يدها و هي تنظر للسلطانة الأم بقوة، هذا المكان لا يشبهها...
مستحيل أن تكون أسماء نعم أسماء فهو إسمها الحقيقي الذي حصل على الكثير من الجوائز و الامتيازات...
مستحيل أن تكون جارية أو حتى زوجة أولى و عليها زوجة ثانية و سبعون جارية...
مقامها أعلى من ذلك بكثير فهي من حبها له تخلت عن حلمها كرائدة فضاء و تخلت عن كوكبها و عائلتها...
آه من عائلتها الآن تفكر بهم.
و هي بين أحضانه كانت تفكر به و بنفسها فقط و والدتها و شقيقتها ليس لهم مكان...
أخذت تتابع السلطانة الأم كل شيء بدقة و تتذكر ماضيها و كيف جاءت لذلك الكوكب و وقعت في عشق السلطان...
نفس قصة سوما و لكن الفرق أن سنمار عشق سوما و أبتعد عن كل الجواري و لكن والده جعلها واحدة من جواريه لولا قدوم سنمار...
إبتسمت ثم اقتربت من سوما تغير من تلك الفتاة نعم تغير من عشق سنمار لها و من لقب سلطانة الذي أخذته دون أدنى تعب أو حق...
أردفت السلطانة الأم بجدية و هي تضع شال على عينين سوما...
- هتمشي من هنا من غير ما حد يحس بيكي، سنمار عمره ما حبك بس حب يجرب واحدة لا هي من كوكبه و لا حتى من تفكيره و مقامه، بس لما حب يخلف و يكون له ولي عهد جابه من جاريته المفضلة...
إجابتها سوما بضيق لا تريد سماع كلمة أخرى من تلك السيدة...
- لو سمحتي مش عايزة اتكلم في الموضوع ده انا عايزة أرجع لحياتي و بس، و بعدين انتي بتربطي عينية ليه...
ضمتها السلطانة الأم بقوة جعلتها تتألم بخفوت ثم أردفت...
- عشان اللي هيحصل دلوقتي مش لازم تشوفيه...
شعرت بالألم الشديد بسبب شيء لا تعرفه ثم شعرت بنفسها تحمل على شيء و تركب شيء مثل الطائرة أو السيارة و صوت السلطانة الأم و هي تقول...
- المرة اللي فاتت خليتك ترجعي قبلها بسنة عشان تنسى سنمار بس ده محصلش، دلوقتي هترجعي عادي زي اي واحده كانت مسافرة و رجعت بس احفظي السر...
ثواني مرت لتفتح عينيها بألم شديد يحتل جسدها نظرت للمكان حولها لتجد نفسها على فراشها بغرفتها القديمة...
وضعت يدها على رأسها بسبب ذلك الصداع و التشويش الذي يحتل عينيها...
ابتسمت باشتياق و هي ترى والدتها تجلس بالمقعد المقابل لها تبكي بغضب و انهيار...
و قبل أن تفتح فمها بكلمة واحده كانت يد والدتها تسقط على وجهها بعنف...
ثم أردفت بحسرة...
- بقى تغيبي سنة و ترجعي حامل يا خسارة عمري اللي ضاع عليكي...
دلفت لغرفة المكتب دون إذن و عيناها ينطلق منها شرارات الغضب...
لا تعلم إذا كان ما هي فيه غضب ام خوف؟ بالفعل هي خائفة...
ثائر جعل الطريق و الحياة بينهم مغلقة تحاول بقدر المستطاع تغييره و هو مصر على تقمص دور الشرير...
يوم بعد يوم تتأكد أنها أتت للحياة لتتعذب فقط لا غير...
مجرد فتاة بلا هوية أو عائلة خرجت هاربة من بيت الأيتام لتكن فريسة سهلة له و لغيره...
رفع عيناه إليها بتعب بالفعل تعب من تلك الدائرة التي يدور بها...
هي زوجته و حبيبته لا يهم رأي الناس بشيء فهو أخيرا سيكون له عائلة...
بيت و زوجة و أطفال يعلم أن هروبها منه هو السبب الرئيسي به...
فهو علم كل شيء حدث معها منذ خروجها من بيته حتى دخولها إليه من جديد...
عاد بظهره للخلف بعد كل ما حدث بينهم. باب السماح لديها مغلق...
هذا من حقها فهو من أغلق كل شيء بينهم و جعلها تكرهه...
ابتسم لها بحنان لأول مرة تراه بعينيه ثم اردف...
- تعالي يا هبة قولي عايزة إيه...
هبة لا يوجد عندها كرامة تلك الجملة قالتها بداخلها...
بعد كل ما فعله بها و خوفها الرهيب منه عندما يعلم أنها فتاة مازالت تعشقه...
فركت يدها بارتباك أخفته خلف غضبها و قوتها التي ليس لها مكان...
ثم اردفت...
- أنور مشي و الا لا؟.
ثائر الهاديء الحنون اختفى مع نطقها لاسم غيره على لسانها...
في لمح البصر كانت تجلس على قدمه و يحاصرها بيده...
بعيداً عن غيرته و عشقه إلا أنه كان مشتاق لوجودها بداخل أحضانه...
ابتسم ببرود ثم همس بالقرب من اذنها بصوته الذي يسحرها و يرعبها بنفس الوقت...
- لسانك هقطعه يا بنت عمري لو نطق اسم راجل غيري، أنا جوزك و حبيبك و ابوكي و أخوكي و كل دنيتك، مفيش حاجه اسمها أنور أو سالي في حياتنا يا هبة أنا مستحيل أقبل وجود حد في حياتك غيري، اتعودت أنك ليا و بس...
ابتسمت هي الأخرى ببرود ثم اردفت بصوت هامس بجوار أذنه مثلما فعل...
- انا لما رجعت رجعت عشان أنا عايزه كده مش عشان انت عايز أو انا خايفه، تاني حاجة يا ابن العامري بلاش نلعب على بعض انت عارف اني مليش غيرك و كده كده مش هسيبك، و أنا عارفة رغم كل اللي بتعمله انك مستحيل تكون لغيري أو حتى تعيش من غيري، عشان كده لازم تخليني انسى اللي فات و أرجع زي زمان معاك، و المشوار ده طويل أوي و اللعبة المره دي بقوانين هبة يا ثائر بيه...
ضمها إليه أكثر و أكثر يريد أن يشعر بها و ينعم بتلك المشاعر الذي يشعرها معها...
هبه الشي الوحيد الصحيح بحياته أو بمعنى أدق الشيء الوحيد الذي أختاره بحياته...
قبل عنقها بخفة ثم أردف بعشق و إصرار...
- وعد هتنسي كل اللي فات و هتكوني مبسوطة معايا، و بالنسبة للزفت اللي بتسألي عليه مشي من غير أي عاهة، و دلوقتي المفاجأة بتاعتي جهزت حضرت ليكي اوضه في القصر فيها كل حاجه تخص الحمل و الولادة و فيها أكبر دكتوره نسا في البلد، يلا عشان نشوف ابننا...
ذهبت معه برعب حقيقي تخشى رد فعله ارتفعت دقات قلبها...
نظر إليها بقلق عندما وجد يدها ترتجف بين يده و كأنها بداخل ثلاجة...
ضمها إليه قائلا...
- مالك يا روحي انتي بخير؟.
أومأت بصمت ليأخذها لتلك الغرفة و يضعها على الفراش بحرص حتى تكشف عليها الطبيبة التي أردفت بابتسامه...
- بنوته زي القمر يا ثائر بيه تتربي في عزك إن شاء الله. بس المدام ضعيفة و لازم تاخد بالها من نفسها، و انا هكون معاها الفترة اللي جاية بإذن الله...
كانت تتوقع أنه سيكون سعيد بوجود طفلته أو على الأقل يتقبل أنها فتاة و لكن ما تراه أمامها الآن يجعلها تموت رعبا...
نظراته الحارقة. يده التي يضغط عليها بقوة، أسنانه التي يجز عليها و كأنه يفكر بقتل أحدهم...
كلمه واحدة خرجت منه بكل قسوة لتجعلها تنتفض بعدم استيعاب لا تصدق أن ثائر يصل لهذا الحد من الجنون...
- هتنزل...
عاد بنظره للطبيبة التي أتى بها حتى يعلم نوع الجنين بعدما خصص غرفة كاملة لأي شيء يحتاجه الطبيب و كأنها مشفى...
أومأت الطبيبة بخوف لتحرك هبة رأسها عدة مرات متتالية تنفي ما تسمعه و تراه...
ليقول هو بصرامة...
- كنتي عارفة أنها بنت و ساكتة اخرسي لحد ما نخلص من المصيبة دي و بعدين نتحاسب يا حرمي المصون...
انتهى عقد القران بسعادة لا توصف السلطانة أميره تقف بجوار سنمار بإبتسامة بلهاء...
مع أنها تزوجت من قبل إلا أن لتلك الزيجة مذاق خاص...
تشعر و كأنها فتاة بكر تزوجت حبيبها الذي تمنته سنوات طويلة...
أبتسمت بخجل عندما قبل سنمار رأسها قائلا.
- مبروك يا أميرة...
انحنت تقبل يده بإحترام مهما كان مقامها و حبه لها إلا أنه السلطان...
أردفت بحب...
- الله يبارك فيك يا مولاي انا مش عارفة اشكرك ازاي على كل حاجة بتعملها معايا، دايما بتكون السند ليا انت مش بس اخويا انتى كمان بابا يا سنمار...
قبل رأسها بحنان هي بالفعل ابنته و ليست شقيقته فقط...
تربت على يديه منذ أن كان عمرها يوم يهتم بها و بكل تفاصيلها...
ترك لها مساحة مع زوجها و أنهى باقي الإجراءات اللازمة...
إقترب منها ابراق بسعادة و عشق أخيرا سلطانة قلبه أصبحت زوجته...
بدون كلمة ضمها داخل صدره فذلك العناق كل ما يتمنى حتى يصل لبيتهم...
دفنت رأسها بداخل صدره تتمسح به مثل القطة التي تتمسح بصاحبها...
أردف بهمس...
- بحبك يا سلطانة قلبي و عقلي، دلوقتي انتي مراتي و أنا زوجك مفيش قوه في الكون تقدر تخلينا نبعد بعد النهارده، انتي سلطانة و أميرة على عرش قلبي و حياتي...
أخذت نفس عميق انها تتنفس كلماته مثل الأكسجين بداخل صدرها...
ابتعدت عنه قليلاً ثم نظرت بداخل عينيه الساحرة مردفة...
- و أنا كمان بحبك و حاسة انك عوض ربنا عن كل حاجة وحشة حصلت معايا، آسفة اني كنت غبيه و قولتلك كلام وحش بس صدقني ده من حبي و خوفي...
وضع يده على فمها يمنعها من الحديث مردفا...
- بلاش كلام لما نروح نبقى نتكلم براحتنا...
جاء صوت سنمار الجاد من خلفه...
- السلطانة أميره مش هتروح معاك إلا بفرح يليق بيها يا باشا...
قطع حديثهم صوت الحارس و هو يردف برعب لأنه يعلم مصيره بعد ذلك الخبر...
- مولاي السلطانة الأم رجعت القصر و بعدين اختفت السلطانة سوما من القصر كله و حارس القصر القديم بيقول إنهم راحوا هناك...