قصص و روايات - قصص رائعة :

رواية غوثهم يا صبر أيوب ج2 للكاتبة شمس محمد الفصل مئة وعشرة

رواية غوثهم يا صبر أيوب ج2 للكاتبة شمس محمد الفصل مئة وعشرة

رواية غوثهم يا صبر أيوب ج2 للكاتبة شمس محمد الفصل مئة وعشرة

أخبرني يا عزيزي كيف لي أن أكتب لكَ؟
كيف أخبرك عن الأحداث وأنا قلبي مليءٌ بالقهر؟
كيف أقول لك أن الحدث في مدينتنا بات جللًا.
فاليوم أمست السماء فارغةً بلا نجوم، ليلُنا أتى بلا قمرٍ.

بطلنا المغوار رمى? سيفه وغادر البلاد، اليوم يا عزيزي أسرد لكَ عن قسوة الحال، فالمدينة اليوم أنطفأت أضوائها، راح عنها الفرح، وليس فقط بذلك؛ وإنما احتلت الكآبةُ معالمها من أطرافها لأقصى? المدينة، اليوم علت صرخات القهر أمام قسوة الظُلم، الليلة كان البطل فيها أكثر الناس بُغضًا وكُرهًا، اليوم استصعب الحال على الأحرار، خصيصًا ذاك الذي فقد نفسه وصوته في سبيل الحُرية ورثاء الفقيد.

لعلك لا تعلم لكن الأمر حقًا يُحزنني، أشعر بالقهر وأنا أكتب لكَ عن أرضٍ حُرة أُتيحت حدودها لمعتدٍ عاث بها فسادًا.
فكيف أسرد لكَ عن صرخات الصغار؟ وكيف أوصف لك غياهب الظلام في قلوب النساء؟ كيف أصف لك ذُل الأحرار؟
وكيف أكتب لك عن قهر الرجال؟
كيف أصف لكَ قسوة الحال وتغييره الجذري شبه محال؟
لعلك غيبت عن مدينتنا وابتلعتك الغُربة في جوفها،.

لكنك من المؤكد ستعود، ولعل عودتك تلك المرة تكون في صورة صغارٍ نرى بهم المستقبل المخبوء، فياليتك هنا يا عزيزي،
وياليت بلادي لازالت بعز خيرها، لكن هذا ما حدث وهذا ما صار، الخير في بلادي أصبح ركامًا بداخل الغار.
< لعل خسوف القمر كان سببًا في حُب الضوء >.

لعل العالم يسمع صرخات المغدورين.
يصله خبرٌ بقهر الضعفاء، وألم النساء، لعل العالم يرى صورة أخرى? من تلك الحقوق الخيالية التي يدافعون عنها، فياليتهم انتبهوا للمواطنين بدلًا من حرقتهم لأجل المستوطنين، ياليت العالم يعلم، وياليت الأصوات تصل.
كانت صرخاتها تشق الليل شقًا.

الصفعات توالت فوق وجهها حتى نزفت منه الدماء، محاولة اغتصاب كانت ستبدي بحياتها وهي تُنتهك بهذا العنف، كانت تناجي ربها صارخةً أن يرحمها مما هي فيه، بدأت تفقد وعيها وتدخل في مرحلةٍ أكثر خطورة.

يا رب يا رب.

آخر ما استطاعت أن تتفوه به بعدما يأست من الخلاص والنجاة، بينما هو فلم يرغب في البعد عنها إلا بتحقيق ما يريد، لذا تجاهل صمتها وصمم على فعل ما رغب وحينها أدركت هي أن سبيل الخلاص بات مستحيلًا لها، لذا وقبل إتمام هذا الفعل المُشين شعرت بسقوط الضوء على وجهها بعدما أُزيح ماكسيم عن جسدها فجأةً، شُل جسدها وشُلِت حركتها، بينما مغيثها رفعها عن الأرض بين ذراعيه وهو يصفعها بخفةٍ ثم ظل يناديها مذعورًا بهلعٍ، فارقت جفونها بتعبٍ لتجد أمامها آخر من توقعت ظهوره، فهمهت بصوتٍ خافتٍ تستنكر هويته:.

ن. نادر.!
كان هو بالفعل مُغيثها، أرسله الخالق لها كي يلحقها من أذى إن أصابها لن يبرأ جرحها منه، وآخر ما استطاعت أن تضيفه كان:
ش. شرفي يا نادر. شرفي.
سقطت رأسها للخلف تفقد وعيها بينما هو ظل يناديها بصوتٍ مذعورٍ مرتجفٍ وحينما أدرك الوضع حملها فوق ذراعيه يهرول بها للخارج فوجد في وجهه عُدي يضرب أحد الرجال، كما أن رجاله الذين أتوا معه قاموا بفرض سيطرتهم على الوضع بالكامل، لذا ما إن خرج صرخ مناديًا عُدي.

التفت له كي يراها فوق ذراعيه غافيةً، هرول مقتربًا بعقلٍ متوقفٍ وعقله لا يرحمه من الخيالات، فهدر نادر بصوتٍ عالٍ: أنا لحقتها، يلا بسرعة على العربية.

ركض بها بينما سبقه عُدي الذي فتح باب السيارة وجلس بها ثم حمل قمر الغافية بقلبٍ ملتاعٍ وعينين باكيتين وهو يناديها ويمسح فوق وجهها المنتفخ بلونٍ قرمزي إثر الصفعات التي توالت فوق وجهها، بينما نادر فعاد للداخل كما الأسد الحبيس الذي نال حريته، ولج ليجد رجاله قاموا بتدمير الجميع حتى ماكسيم وقع في قبضة أحدهم، حينها اقترب منه سحبه من خصلاته جرًا فوق الأرض ثم هدر في رجاله بصرخةٍ عنيفة: ورب الكعبة لو ما سبقتوني بيه على حارة العطار ورميتوه هناك في مقلب زبالة لحد ما أجيلكم أنا هقعدكم في بيوتكم جنب حريمكم، يلَّا.

صرخته كانت بقهرٍ حتى أتته إيماءة موافقةٌ منهم جميعًا وجَّروا منه ماكسيم يضعوه بسيارةٍ أخرى متجهين حيثما أخبرهم هو، بينما نادر فعاد لرفيقه وبدون مقدمات ولج السيارة يشق بها سكون الليل حتى كادت الإطارات تُخرج من احتكاكها نارًا وشررًا، وصل بها لأقرب مشفى قابلته في طريقه ثم ترجلا من السيارة يركضا بها حتى تم تسليمها للطاقم الطبي فوق السرير المعدني المدولب ومن ثم سقطت أجسادهما بتعبٍ عند يتكيء كلاهما على الجدار بهزيمة مُحاربٍ خسر الحرب بأكملها.

في قسم الشرطة كان أيهم يخبر الضابط بكل شيءٍ منذ أن اكتشف غيابها حتى تلك اللحظة وبحثهم المتواصل عنها، بينما أيوب فكان يجلس بصمتٍ وبداخله البركان لا يتوقف، عيناه تسبح في فراغٍ مُظلمٍ، عقله يشن ضده حربًا قاسية لن يقدر عليها وحده، قلبه بكل أسفٍ لازال ينبض وكل نبضة كانت تنبض بخوفٍ عليها، عاد كما كان صغيرًا يخشى الزحام والظلام وقلوب الناس.

أنهى شقيقه كافة الإجراءات ومعه يوسف الذي حاول أن يستمسك بجزءٍ من قوةٍ واهية كاذبة لكنه يحاول لأجل أمه، ولأجل شقيقته، خرج معهما أيوب بصمتٍ أطبق على روحه فراح عنن براحته، أما يوسف فصدح صوت هاتفه بينهما وحينها زفر بمللٍ ثم أخرج الهاتف فوجد رقم نادر في شاشة هاتفه.

كان يعلم سؤاله لذا كتم الصوت ولم يجاوب على المكالمة، وما إن سأله أيهم بعينيه عن السبب فقال بتعبٍ ونبرةٍ ملولة:
دا نادر وأكيد هيسألني وصلت لإيه، مش قادر أرد.

أومأ كلاهما، بينما أيوب فكانت هناك قبضة في قلبه تخبره أن موضع هذا الضلع الناقص تم كسر ضلعه، كان يشعر بغصةٍ في حلقه وهو يشعر أن ضلوعه تضيق به على أنفاسه؛ وكذلك ضاقت على الموضع الفارغ بدونها، كان لسانه يردد التضرع بصوتٍ خافتٍ حتى صدح صوت هاتفه برقم نادر فأغمض عينيه ثم أخرج الهاتف ولأنه يفهم معنى القلق فتح المكالمة وقال مباشرةً:
لسه يا نادر موصلناش لحاجة، لما نوص.

قمر معايا يا أيوب تعالى على مستشفى اللي على الطريق الإقليمي الجديد.

توسعت عينا أيوب وهرول نحو السيارة مسرعًا وخلفه سار الاثنان وقد ظل شقيقه يسأله عن سبب تحوله بتلك الطريقة وركضه الغير متوازن حتى كاد أن يسقط عدة مراتٍ فصرخ بهما ما إن ولجوا السيارة:
قمر مع نادر في مستشفى اللي عند الإقليمي.

وفقط كان الجواب كافيًا ووافيًا كي يعلموا سبب تحوله، بينما أيهم فشق الطريق بسيارته مسرعًا، وكذلك يوسف أخرج هاتفه يطلب رقم نادر فوجده قد أرسل له مسبقًا:
قمر معايا وبخير الحمدلله لحقيتها أنا و عُدي.

ترقرق الدمع في عينيه وأغلق هاتفه بصمتٍ، نعم لقد زادت عليه الأعباء وكثرت عليه الأحمال، وكتفه أصبح محنيًا لكنه لازال يعتز بنفسه وشموخه، كان يشبه عود الثقاب المحترق لكنه لازال قائمًا، كل شيءٍ كان يسحبه للجنون سحبًا لكنه كان يأمل في الخالق أن يمن عليه برحمته.

في المشفى التي بها قمر.
كان كلًا من عُدي و نادر يجلس بجوار الآخر، كان الخوف بلغ عليهما أشده خاصةً وهي تلفظ أنفاسها بصوتٍ متقطعٍ كأنها تودعهما بتلك الطريقة، كلما تذكر نادر مظهرها بين يديه أراد أن يحرق جسد ماكسيم حيًا، انتفض قلبه وبحميةٍ بدائية ونزعة قبالية لشرفه وعرضه أراد أن ينتقم حقًا، بينما عُدي فهرعت عبرة من عينيه وهو يتذكر حديث الممرضة التي ركضت في الرواق تقول بلهفةٍ:.

محاولة اغتصاب وتعرضت لضرب مبرح.

نكس رأسه باكيًا بقهر الرجال، فانتبه له نادر وحينها ضمه لعناقهِ وكلاهما يحاوط الآخر باكيًا بنيرانٍ متأججة في صدره، البكاء كان لأجلها وعليها ولأجل حقها، تركه نادر في عناقه ثم أخرج هاتفه يراسل شخصًا ما حينما كتب له يشكره:
لحقتها، شكرًا يا مارسيلينو.

لا شكر على واجب، لما آجي مصر بس أبقى اعزمني على فتة.

هكذا رد عليه بينما نادر رحب بقدومه ثم أغلق الهاتف ورمى رأسه للخلف وهو يربت فوق كتف عُدي وهو يتذكر كيف كتب الله النجاة لها عن طريقه هو، حينما كان يبحث عن قمر معهم بالحارة ويتردد على أبيه المحبوس بمخزن عبدالقادر ثم يعود يصول ويجول في الحارة.

حينها صدح صوت هاتفه برسالةٍ جعلته يخرج هاتفه وما إن وجد المكتوب توسعت عيناه حيث كانت الرسالة تحوي:
دا عنوان هتلاقي ماكسيم موجود فيه، ومعاه قمر بنت خالك لو عاوز تلحقها، أنا مارسيلينو بس متتصلش بيا غير لما تلاقيها، وأنا هفهمك بعدين، أهم حاجة لما تلاقيها عرفني.

حينها شكك في الأمر، كان يظنه فخًا صُنع له، وقتها خشى على الجميع حتى هي، وما بين العجالة في إنقاذها وبين التردد في الولوج لتلك الحرب قابل في طريقه عُدي الذي كان ينتظره، وحينها نزل من السيارة ووقف يضع الهاتف نصب عينيه ثم قال بتيهٍ وحيرةٍ:.

دي رسالة جاتلي بس أنا مش متطمن، خايف يكون فخ حد عمله لينا، أو يمكن ل يوسف و أيوب بس خايف برضه تكون هناك فعلًا وأنا بغبائي أمشي ورا فرضيات، أنا اللي حصلي مخليني معرفش أثق في حد.

كان عُدي حينها في حالٍ أقرب لمحاربٍ يتأهب لإندلاع حربٍ، لذا هرولت الكلمات من فمه بقوله:
إحنا لسه هنخمن؟ نروح إن شاء الله نموت هناك، بس منقعدش حاطين إيدنا على خدنا لحد ما نستنى اللي يحصل؟ مش هينفع يا نادر نقعد، أتصل ب يوسف و أيوب ونروح كلنا.

وفي تلك اللحظة قاطعه نادر بلهفةٍ قاطعة:
مش هينفع، الحل الوحيد إن الطلعة دي نروح أنا وأنتَ بس، وعلشان الأمان هجيب رجالة من اللي بيحرسوا الشركة ورجالة عاصم يروحوا معانا يكونوا في ضهرنا، على الأقل لو الموضوع طلع فخ، يبقى يوسف و أيوب يكونوا برة عننا هنا علشان يقدروا هما يلحقوها ونتصرف إحنا بالرجالة معانا، بس الأول نروحلهم الشركة، ها معايا؟

وبدون تفكير جاوبه عُدي وسبقه للسيارة، بينما نادر طلب رقم رئيس الحراسة بالشركة وبدون الدخول في أية مقدمات قال بصرامةٍ:
اسمع يا جاسر أنا هجيلك دلوقتي على الشركة تحضرلي طقم رجالة وعربيتين علشان تيجوا معايا، بس اسمع أنا عاوز ناس قلبها ميت وجايبها، ها هتيجي؟

تحت أمر معاليك يا باشا، اعتبرهم حضروا.

وبالفعل ذهب بهم للمكان ولولا وجودهم معهم لكان دخولهم مستحيلًا، لكن ما سهل عليهم عملية الدخول هي القرية النائية وهذا البيت المهجور، كما أن ماكسيم اعتمد على عددٍ قليل من الرجال حتى لا يلفت الأنظار نحوه ونحو رجاله، وما تلى ذلك كان سهلًا على نادر كي يدخل بمعاونة رجاله لتلك الغرفة التي بها قمر.

خرج من شروده على هرولة يوسف و أيوب نحوه وقد مر على محادثته لهما ساعة ودقائق أخرى، وبالتزامن مع وصولهما خرج الطبيب وقال جملته الأقسى على رجالٍ تعرض شرفهم للوث:
دي محاولة اغتصاب ولازم نقدم بلاغ علشان نخلي مسئوليتنا، هي الحمدلله كويسة بس للأسف فيه كدمات كتيرة في جسمها ووشها، وأهم حاجة الفترة الجاية دي نراعي التعامل ويكون ياريت بحذر.

وقع الجملة عليهما كان أصعب مما يُمكن، حينها شعر يوسف كأن السكين ينغرز بقلبه، شعر كأن السكين تخرج وتدخل في جرحٍ غائرٍ ثم تعود من جديد تضربه، بينما أيوب فكرر خلفه بوجعٍ وتيهٍ كأنه ضُرِبَ فوق رأسه:
اغتصاب!

< ياليت العالم كان يدرك قسوة الحال في قلبي >.

الحقيقة المرة التي لا يُمكن إنكارها أنك وحدك من تعاني.
وحدك تتحمل كل شيءٍ في تلك الحياة، لا يمكن للعالم أن يهتم بك أو يكترث بما تحمله أنتَ طوال الدهر في قلبك، لن يفهم أحدهم نظرة عينيك وأنتَ تخفي نظراتك بأخرى كاذبة، لن يستطع أحدهم أن يحدثك عن مزاياك وإنما العالم لن يرى إلا فقط كل عيبٍ فيك، فياليت العالم تبدل، ياليت قسوة الحال في قلبي مرئية.

فجر اليوم الجديد أتى.
فجرٌ جديدٌ بنهار جديد أتى مصطحبًا معه الأمل، خاصةً بإيفاقة مُحي وبداية إدراكه بالوضع حوله، في باديء الأمر كان تائهًا ومتألمًا وضائعًا لكنه بدأ يدرك الحال حوله وقد خضع لإجراءات طبية ورعاية فائقة من الجميع حتى اعتدل فوق الفراش بمعاونة الطاقم الطبي، حتى أصبح هكذا يجلس فوق الفراش.

ولج له نَعيم وخلفه تَيام يركضان له ما إن علما بصحوه وإفاقته بينما هو ابتسم لهما حتى هرول نَعيم ووقف أمامه بصمتٍ خشيةً من اقترابٍ يؤذيه، لذا تمالك نفسه بصعوبةٍ بالغة وقال بصوتٍ متهدجٍ باكٍ:
أنتَ أنتَ بقيت كويس؟

أومأ له مُحي بعينين مغرورقتين وتعبٍ بلغ عليه أشده، فاقترب منه والده بخفةٍ ثم لثم جبينه فلامست عبرته جبين الفارة وجه ابنه، أما تَيام فكان يقف بخوفٍ وسرعان ما تكرر المشهد أمامه حينما قام مُحي بتبديل وضعه في طرفة عينٍ لتخترق الرصاصة جسده هو بدلًا عنه، غرق في التفكير حتى ناداه شقيقه بقولٍ مازحٍ:
مش هتيجي تطمن عليا طيب؟

كان الصوت هو جرس الإنذار الذي أخرجه من شروده فاقترب منه بهدوء ثم مرر كفه فوق ملامح شقيقه الذي ابتسم له بحنوٍ وقال بصوتٍ هاديء:
الحمدلله إنها ماجاتش فيك وقومت لقيتك كويس.

ابتلع تَيام غصته ثم سأله بصوتٍ متهدجٍ أقرب للبكاء:
ليه يا مُحي؟ عملت كدا ليه؟ ماكنتش أنتَ المقصود.

كان نَعيم بينهما لا يعلم المقصود بالحديث، بينما مُحي فأدرك أن شقيقه علم بما فعل لذا قال بصوتٍ مبحوحٍ واهٍ:
علشان دا اللي كان لازم يحصل، أنا وأنتَ واحد، بس أنتَ مش واحد، فيه في حياتك واحدة مينفعش تسيبها لوحدها، اللي جاي في السكة دا مكانش هينفع ييجي يلاقي نفسه لوحده.

وقد اندفع شقيقه لأجله فزعق بقوله:
تقوم تعمل كدا في نفسك؟ طب أنا كنت هعمل إيه من غيرك؟ دا أنا ما صدقت بقى ليا أخ وصاحب وبعتبره ابني الكبير، عاوز تخليني لوحدي وأعيش عمري كله بذنبك؟ دا أنا كنت بتمنى روحي تخرج قبل روحك.

ابتسم له مُحي ثم مسح بطرف إبهامه دمعته التي هربت من حصار جفونه ثم قال بصوتٍ غطى عليه الحزن والشجن:.

عارف ليه؟ علشان أنا عارف يعني إيه عيل يتربى يتيم، أنا جايز مقولتش ليك كلامي دا قبل كدا بس هقوله، أنتَ حظك كان أحسن مني مليون مرة، أنتَ اتربيت مع أب وأم، جربت يعني أم حضنها مفتوح ليك، حتى لو هي مش أمك، إنما أنا مجربتش وعيشت عمري كله ببص لأي عيل في حضن أمه كأني محروم، خوفت ابنك يكبر يفضل يبص نفس البصة لأي عيل في حضن أبوه.

والحديث كان مؤلمًا أكثر بكثيرٍ من الحدث الجلل، لذا اقترب منه تَيام ثم مال على كفه ورفعه يلثمه بعمقٍ حتى انتفض قلب مُحي وسارت القشعريرة بجسده بمجرد أن فعل شقيقه هذا الفعل، وقد وقف نَعيم يحمد ربه على عودتهما له بين أحضانه سالمين.

في الخارج حيث مقر الممر الطويل كان إسماعيل و سراج بجوار بعضهما وقد كان سراج على متابعةٍ مع إيهاب يستعلم منه عن قمر وحالها، حتى أخبره إيهاب بما حدث لها حتى توسعت عيناه وأغلق هاتفه فسأله إسماعيل عن آخر الأخبار فقال بصوتٍ غلبه القهر:.

لقوها ودلوقتي هي في المستشفى، اتعرضت لمحاولة اغتصاب من ماكسيم واللي لحقها نادر أنا معرفش أي حاجة تانية بس ربنا يهونها على يوسف ويرزق أيوب بصبر أيوب صعبة دي وتوجع الراجل أوي، اللي يخص عرض الراجل وشرفه يوجعه أوي.

أومأ له إسماعيل ثم قال بشرودٍ حينما جال الحال وتكرر في عينيه من جديد فتذكر كل ما حدث في السابق:
اللي ييجي على حرية الطير كله بيوجع يا سراج.

أيده سراج في الحديث مؤكدًا وموافقًا بينما إسماعيل فتذكر تلك الأبيات التي قرآها ذات مرةٍ توصف حال شبابٍ بل وتتحدث بلسان حالهم، فكررها في خاطره قائلًا:
أَنَا مَا هُنْتُ فِي وَطَنِي
وَلَا صَخَّرْتُ أَكْتَافِي.
وَقَفْتُ بِوَجْهِ ظُلامِي
يَتِيمًَا.
عَارِيًا.
حَافِيًا.
حَمَلْتُ دَمِي عَلَى كَفِّي
وَمَا نَكَّسْتُ أَعْلَامِي.

- توفيق زياد.

< لعل الميلاد الجديد كان البداية للحياة الجديدة >.

في بلاد الأحرار لا يموت الحُر.
وإنما يولد بدلًا عنه ألف حُرًا، يخرجون وينتشرون بالأرض مدافعين، ومحاربين، يخرجون حاملين شعلة الضوء في ممرات الظلام، في بلادنا يا سيدي لا نفقد عزيزًا وإنما نعتز بفقده، لطالما كان حُرًا ومحاربًا فبلادنا لم تفقد عزيزًا بعد، وإنما هو فارسٌ ذهب كي يقود مضمار الحرب في أعين صغار الأحرار.

مع انشقاع الفجر وبداية بزوغ الضوء، وُلِد الخيط الأول في السماء من نهارٍ لعله يروح بظُلمة الليل وعتمة اليأس، كانت تشعر ببوادر الألم لكن ظنتها مجرد خيالات وهمية، ربما التوتر كان هو السبب في ذلك لذا تجاهلت نِهال ألمها وأجبرت نفسها على الخضوع للراحةِ، لكن ما إن تزايد الألم وبدأت تشعر بتشنجات بمنطقة الرحم صرخت في منتصف الليل.

هبت منتفضة من فراشها صارخةً وهي تمسك بطنها، وحينها ولجت لها وداد التي تبيت معها وركضت تمسكها فوجدتها تصرخ بصوتٍ متقطعٍ:
شكلي بولد كلمي أيهم بسرعة.

ولج لها إياد بخطواتٍ مهرولة واقترب يمسكها مع السيدة بينما هي ظلت تصرخ بملء صوتها وهي تتكيء على جسد وداد وهي تُساندها وقد وقف عبدالقادر بتيهٍ وهو يحاول الوصول لسبب الصرخات، وما إن أدرك وفهم السبب أخرج هاتفه يطلب رقم بيشوي كأنه لا يعلم حلًا في هذا الوقت غيره، فهو لن يأمن لغيره على بيته وعرضه.

ما إن استمع بيشوي للحديث هرول من الحارة نحو البيت وجهز سيارته كي يأخذ فيها زوجة رفيقه إلى المشفى، وقد عاونها عبدالقادر وحفيده الذي حمل الحقيبة الخاصة بالولادةِ، وقد ذهب بهم بيشوي نحو مشفى الولادة الموجودة بالحارة فلم يستغرق الأمر سوى دقائق قليلة فقط ووصل بها إلى هناك.

في المشفى المتواجده بها قمر.
كان أيوب جالسًا على باب الغرفة الفاصل بينه وبين روحه مجرد بابٍ، باب فقط يفصله عنها وهي وحدها في دربٍ أظلم عليها وهو لم يكن رفيقًا لها فيه، لذا كان يصرخ بداخله ألف مرة، ويبكي آلاف المرات، كان يأمل أن تكون بخير، لطالما كانت مصدر الخير في أيامه، لا يهمه ما دون ذلك.

أما يوسف فهذا الرجل أشبه ببركانٍ.

كان يجلس بصمتٍ وعيناه تستمسك بالفراغ، بينما قلبه فمد يده يسحب قلبه معه لرحلة الآلام، حينذاك كان يسبح في خيالاته مع والده الذي اقتحم الذاكرة بذكرى سعيدة لمن هو سعيد الحظ، حيث كانت قمر فوق ساق والده وهو بين أسفل ذراعه، كما الطير أسفل جناح أمه، كان يومها الطقس باردًا والأمطار غزيرة، بيتهم كان كلاسيكيًا وراقٍ، شرفاته الزجاجية كانت تعكس ضوء الرعد والستائر البيضاء تطير بدفعة هواءٍ يصاحبها صوت البرق.

كانت غالية بمطبخها تصنع لهم الحساء الدافيء وحينها كانت قمر مذعورة بسبب صوت البرق العالي وهي ترتعد فوق ساق مصطفى وحينها مد يوسف كفه يربت فوق رأسها يداعب خصلاتها حتى استكانت هي للمسته وارتمت عليه، فحملها ودثرها بوشاح أمه يحشرها بداخله بين ذراعيه، وقد كان مصطفى مبتسمًا لحنو صغيره على صغيرته فمد كفه يحتضن كليهما وقال بتأثرٍ غطى صوته:.

عاوزك تكبر وتكبر أختك على حبك يا يوسف عاوزك تكون سند ليها وأي حد يفكر يرفع عينه فيها يلاقيك بتاخد حقها، ربنا سبحانه وتعالى كرم الإنسان بالأخوات علشان الأخوات هما اللي بيشدوا بعض، وأختك حنينة، وهتكون حنينة، صحيح أنا ربنا كرمني بأخوات بس حنية قلبهم مش موجودة، علشان كدا واجبي أقولك تحط أختك في عينك، وتحافظ عليها، دي أمانتي ليك يا يوسف تحارب الدنيا كلها علشانها، ومتعملش زي عمك وتسلمها لواحد يقضي عليها، سلمها لواحد يحطها في عينه، اللي تشوف نفسه فيه، سلمه أختك يا يوسف.

وقتها أسبل عينيه نحو قمره الصغير ثم لثم وجنته وربت فوق خصلاته الكثيفة بنعومةٍ مُغرية للمداعبة ثم نظر في وجه أبيه يقول بصوتٍ هاديء:
متقلقش عليها، أوعدك هكون قد الأمانة.

خرج من رحلة ماضيه على غصة توسطت حلقه وعبرات حارقة هرعت من عينيه فمسحها سريعًا ثم تحرك بخطواتٍ واسعة في الرواق حتى ولج المرحاض ووقف أمام المرآة، شريط عمره بأكمله مر في عينيه، كل الحياة التي مرت عليه تكررت أمامه، لذا ترك العبرات تنهمر من عينيه ثم نكس رأسه يستند بكفيه على الحوض وقال بصوتٍ باكٍ:
بس ابنك مطلعش قد الأمانة يا مصطفى.

والقهر في قلبه يصل لنهاية المدينة.
مدينته الظالمة اليوم أظلمت في عينيه وأعمت قلبه، تلك المدينة اليوم أحرقت قلبه وتشعب القهر ممتدًا في خلاياه، اليوم إن أتت له الفرصة سوف يقلب المدينة رأسًا على عقبٍ، سوف يحرق الميادين العامة ويعيث الفساد، اليوم مدينته كانت سببًا لغلظة النار في قلبه، اليوم إن سنحت له الفرصة،
سوف يحرق المدينة لأجلها، ويثور في العالم ليعود بحقها.

في الخارج كان أيهم يشد عضد شقيقه وهو يسانده، كان يجلس بجواره وهو يمسك كفه خاشيًا عليه من نوبة صمته، تمامًا كما كان صامتًا يوم وفاة أمه، كان يريد منه كلمة واحدة فقط حتى لو كانت سبابًا لاذعًا لكنه لم يفعل، فقط صمت وجلس هكذا بهدوءٍ يعلم أنه في الداخل براكينٍ تغلي وتناقض هذا الهدوء بل وتُغاير برودة كفه، حاول أن يسأله كي يجاوب، لكن أيوب ظل صامتًا والبركان في قلبه يغلي.

صدح صوت هاتفه للمرة التي لا يعلم عددها وقد قرر رفض الرد حتى وجد رسالة تزين شاشة هاتفه تنذره بحياة جديدة من رفيقه:
مراتك بتولد في المستشفى اللي في الحارة يا أيهم.

انتفض من جلسته ووقف بتيهٍ يرى الرسالة مرة وثانية وثالثة وقد هوى قلبه أرضًا وهو يُخرج رقم رفيقه يتصل به هو حتى جاوب الآخر عليه، فقال بلهفةٍ:
قسمًا بربي لو اشتغالة منك هولع فيك.

انتبه له أيوب وحرك عينيه نحوه، فيما قال الآخر بضجرٍ:
يا عم هو أنا خاطبك علشان أهزر مع أهلك، ياعم مراتك بتولد تعالى علشان تكون موجود معاها، أنا هنا ومعايا إياد وأبوك وأمي جت أهيه وحماتي، أتنيل تعالى بدل ما اسميه بيشوي وتبقى فتنة طائفية بين الاتنين.

أغلق أيهم في وجهه بملامح مختلطة بين التيه والفرح والسعادة والضحك، ثم الحزن والقهر لأجل شقيقه، لذا وقف بجوار أيوب الذي حرك رأسه له فازدرد هو لعابه وقال بصوتٍ خافت:
نِهال بتولد في المستشفى و بيشوي لسه مكلمني.

ولأنه لم يكن بشخصيةٍ أنانية أدرك أن للآخرين حقوقٌ عليه، فضغط على نفسه وقال بصوتٍ أعرب عن تعبه وضغطه:
روح لمراتك، أنا كويس الحمدلله وأول ما هي تفوق أنا هاجيبها وآجي البيت، روح وأبقى طمني، وادعيلي بالله عليك، أدعيلي أنا محتاج دعواتك أوي، ومحتاج لحضن رقية أوي يا أيهم.

خطفه شقيقه في عناقه يربت فوق ظهره بقوةٍ، كان يحميه في كنفه كأنه يخشى عليه من بلل المطر، بينما أيوب فكان يتمنى أن يعود صغيرًا بلا وجعٍ ولا ألمٍ ولا دنيا تكون أكبر من قدرته على مواجهة مصائبها، وقد أدرك ذلك فابتعد عن شقيقه يرجوه بقوله:
روح بالله عليك علشان مراتك متبقاش لوحدها، وطمني عليهم.

أومأ أيهم ثم رحل من المشفى مسرعًا، لكنه كان مجبورًا، فالواجب يحتم عليه أن يقوم بكلا الطرفين معًا، عليه أن يقف ويُساند شقيقه كأخٍ، وعليه أن يكون برفقة زوجته بصفته زوجًا. وداعمًا وشريكًا لها، لذا قطع عهدًا مع نفسه، أنه ما إن يطمئن على زوجته، سوف يعود لشقيقه كي يكمل معه الطريق ويرافقه حتى يخرج به من هذا الدرب المظلم.

< كان أملي في الأرض، أن تتسع لي فقط >.

قد تضعف الأحلام، وتخفت الأمال.
فيصبح جل ما يريده المرء مجرد يومٍ عابرٍ بسلامٍ وفقط، أن تحمله الأرض فوقها فقط ويمر خفافًا، قد تقل أحلامه فتصبح أكبرها فقط في مجرد نظرة عابرة للسماء دون أن يعكر شيءٌ صفو لحظته تلك، وحينها سوف يشعر أنه ملك الدنيا بأكملها.

افترشت السماء بضوء النهار، أشرقت الشمس بأمر ربها وزار النور العيون المغضمة ففتحها تزامنًا مع صرخة جديدة لفردٍ جديد بحياةٍ جديدة، كانت صرخته مع شروق الشمس في الساعة السابعة صباحًا، هو صرخ بصوتٍ عالٍ والقلوب بأكملها انتفضت بفرحٍ لأجله هو، لذا خرجت الممرضة تعطيهم البشرى بقولها:
ألف مبروك جالك ولد زي القمر، يتربى في عزك.

ضحك أيهم لها وحمد ربه بامتنانٍ، بينما إياد فكان يخشى على أمه لذا سألها بلهفةٍ:
وماما كويسة؟ هي ملهاش صوت ليه؟

ضحكت له وهي تقول بمزاحٍ معه:
لأ دي كتر خيرها يعني بعد كل دا عاوز يكون ليها صوت؟ متقلقش عليها هي زي الفل والنهاردة هيروحوا معاك كمان، ألف مبروك يا حج، ربنا يبارك فيه ويجعله خلف صالح لأهله.

دقائق مرت وقد خرج الصغير لوالده محمولًا فوق اليدين، حينها كبر وهلل وذكر اسم الخالق ما إن حمله وابتسم يطالع وجهه البريء الذي لم تتحدد فيه معالمه بعد، وقد وقف إياد فوق المقعد كي يرى أخيه ثم مال عليه يُلثم جبينه وقال بحماسٍ:
اتفقت مع ماما هنسميه إيه، هيكون اسمه سيف.

ابتسم أيهم له ثم مال على وجه ابنه الثاني يتغنى بالاسم كأنه يذكر لحنًا عذبًا فقال:
سيف أيهم عبدالقادر بكر العطار.

ابتسم لوالده الذي ربت فوق كتفه وقال بحبٍ:
ربنا يكرمك ويتربى في عزك ويباركلك فيه هو وأخوه ويارب أشوفهم مع بعض زيك أنتَ وأخوك، وربنا يجعله سيف للحق وسبب لنصرة المظلوم وجبر خاطر المكسورين، هاته بقى.

حمل حفيده فوق ذراعيه ثم ظل يُملي عينيه بالطَّلة في وجه هذا الملاك الصغير، ترقرق الدمع في عينيه وتذكر أول مرةٍ حمل فيها ابنه البكري وكيف كانت فرحته تصل للسماء، لذا ضم حفيده الثاني ثم قال بنبرةٍ عاد الحزن يخيم عليها من جديد بمجرد أن تذكر تلك الأوضاع الجديدة:
ربنا يجعلك سبب في رجوع النور لحياتنا كلنا تاني.

وهذه هي الحكاية بأكملها.
نحتاج للبدايات الجديدة كي نبدأ من جديد، نحتاج لأملٍ ينير الحياة المظلمة في أعيننا، نحتاج لسببٍ يجعلنا نستمسك بنورٍ في حياتنا، نحتاج لمن يخبرنا أن الحلم لازال مستمرًا والطريق لازال باقيًا في انتظار تكملتنا، نحتاج لمن يمسك كفنا ويجعلنا نقف عن بداية طريقٍ كدنا نتركه ونرحل، لكننا ها عُدنا نخوض مضمار الحروب من جديد، وسيوفنا القديمة أصبحت باترة أكثر من السابق.

ففي بلاد الأحرار لا تسقط السيرف، بل تتجدد.

< لكنني لم أخبرك أن النيران أحرقت قلبي أولًا >.

في حقيقة الأمر أن النيران التي أندلعت منك كي تحرق بها المدينة أحرقت قلبي أنا أولًا، فهذا الضوء في عيني لم يكن ضوء الفخر وإنما كان إنعكاس الحريق من قلبي، فياليتك حتى تركت لي فرصة واحدة أخبرك فيها أن النيران أحرقت قلبي قبل مدينتك الظالمة، وكأنني كنت عليك أشد قسوةً منها.

داهمها الضوء وبعض الآلام في جسدها، كانت تشعر بثقلٍ يجثم فوق روحها وجسدها، بدأت مقلتاها تتراقص أسفل الجفون حتى بدأت تفتح عينيها حتى داهمها الضوء فجأةً فعادت تُغمض جفونها مجددًا، ثم تذكرت آخر ما عَلُق بالذاكرة فانتفضت بخوفٍ من فوق الفراش لتجد الحامل المعدني بجوارها يهتز، ومنطقة الحوض لديها ألمتها من مجرد الانتفاضة.

دارت بعينيها في المكان وبعض الهواجس تسيطر على عقلها، صورته وهو يدخل الغرفة عليها، نظرته وهو يستبيح حرمة جسدها، صفعاته وهي تسقط فوق وجهها، تكميمه لفاهها كي يمنعها من الصراخ، تذكرت كفه البغيض وهو يمتد فوق جسدها كي يأخذ ما لا يحق له أخذه، حينها رفعت كفها الحر تمسح جسدها من أثر لسماته، ظلت تبكي بانهيارٍ وهي تنهش في جسدها بيديها ظنًا منها أنها بتلك الطريقة تمحو أثره عنها، زادت حالتها اضطرابًا فصرخت بملء صوتها صرخة عالية جعلت أيوب يهرول للغرفة بدون تفكيرٍ.

ولج لها الغرفة ورآها بهذا الوضع فتألم قلبه لأجلها، ابتلع غصته وهو يقترب منها بينما هي فظلت هكذا حتى ضربت رأسها في الفراش عدة مرات وكأنها تتعمد إيذاء نفسها، قهرها على نفسها جعل عقلها يتغيب عن الأحداث التالية، حتى أن أيوب اقترب منها يضمها قبل أن تؤذي نفسها فوجدها تصرخ وهي تدفعه بعيدًا عنها، ظلت تصرخ وتضربه كأنها تراه موضع المغتصب.

أبتعد عنها كي لا تؤذي نفسها؛ فولج يوسف لها وما إن وجدها بتلك الحالة انتفض قلبه بذعرٍ من مكانه، حاول أن يقترب فسمعها تهزي بعنفٍ وهي تمسح فوق جسدها موضع لمسات الآخر:
شرفي، شرفي.

كانت في حالٍ يُرثى له، تلك النوبة التي أصابتها أزادت القهر فوق قلوبهم جبالًا، كانت تود لو يحترق جلدها وتتحمل ألمه لكان أهون عليها من لمسات هذا البغيض وهو يحاول أن يمتلكها، هذا الجسد الطاهر وتلك الروح النقية التي حافظت عليهما بعفةٍ، أتى من لا يستحق كي يملكها ويضع عليها ختم الملكية كما توهم هو، كلما حاول أحدهما أن يقترب منها كانت تصرخ بهياجٍ وصوتٍ عالٍ حتى ولج الطبيب والممرضة معه تحقنها بإبرةٍ طبية تهديء تلك النوبة البغيضة.

وقف يوسف أمامها بعجزٍ وقد غلبه القهر، بينما أيوب فلأجل حقها أراد الثأر، أراد أن يصرخ في العالم بأكمله، أراد أن يسترد حقها من عيني الجميع، لو كان الأمر بيده لكان أحرق جثثهم وهم على قيد الحياة، كل شيءٍ حوله أرغبه تلك المرة أن يصبح قاتلًا، لقد سأم من دور المقتول وعليه تلك المرة أن ينتفض في وجه الظلم والفساد، ولأجلها هي وحدها لن يتردد في أن يقتص لها من معتدٍ استباح حقها في عيني نفسه.

في حارة العطار.
تحديدًا بشقة غالية كانت تصرخ وتبكي كي تذهب لابنتها، كانت تحاول الفرار من بينهم، لكن شقيقها رفض تنفيذًا لأوامر الشباب ورفض يوسف القاطع بقدومها، فهو حتى الآن لازال صريعًا وهو يعجز عن معاونة شقيقته، فما باله بحال أمه حينما تعلم بما حدث لابنتها؟ بالطبع سيتوقف قلبها عن العمل، لذا كان أمثل الحلول في تواجدها وحدها بالبيت، وقد صرخت في شقيقها بملء صوتها:.

هفضل قاعدة حاطة أيدي على خدي؟ بنتي كانت مخطوفة ولقوها وأنا بعيد عنها، على الأقل أروح أشوفها وأخدها في حضني، مش كفاية قلبي محروق عليها طول الليل؟ هو أنا مكتوب عليا حرقة القلب على عيالي يا فضل ليه؟

صرخت ثم ضربت رأسه بكلا كفيها حتى اقتربت عهد تمسكها وقد عاونتها أسماء بينما شقيقها قال بقلة حيلة وغلب على أمره:.

يا ستي حرام عليكِ اللي بتعمليه في نفسك دا، علشان خاطر ابنك حتى فيه اللي مكفيه وزيادة، هتروحي تعملي إيه؟ وتروحي ليه؟ تزودي فوق حمله؟ أخواتها معاها، وجوزها جنبها، خليكِ هنا صلي وأدعي ربنا يردلك عيالك بعافية وخير، مرواحك هناك هيزود الطين بلة فوق دماغ الكل، بنتك بخير، وهتيجي ليكِ من غير ما تقلقي، أدعي لعيالك، أدعيلها يا غالية.

بكت غالية وهي ترتمي بثقل جسدها فوق الأريكة، بينما عهد فكانت تضمها بقوةٍ حتى تدعمها في هذا الوقت العصيب، خاصةً بعدما عاندت ضُحى مع الجميع ورحلت حتى غضب والدها وأغلق الباب على البقية في عقر داره.

أما ضُحى فبمجرد أن هاتفت شقيثها وألحت عليه أخبرها عن المكان فذهبت لهناك مُسرعةً، كانت تبكي قبل أن تصل حتى للمشفى، نصفها الآخر وقمر ليلها في محنةٍ، وهي كما أخبرها والدها أن لا نهار بدون ضُحى ولا ليل بدون قمر وكأن كلتاهما تُكمل جزءًا ناقصًا بالأخرى، لذا ما إن وصلت لهناك هرولت وركضت حتى وصلت لهم، وسؤالها القاطع خرج بصوتٍ عالٍ:.

أختي فين يا أيوب.؟ فين أختي ومحدش يقولي مش هينفع أدخل علشان معملش فضيحة هنا، أنطقوا هي فين؟!

زعقتها العالية وصدى صوتها المتردد بالرواق جذب نحوها شقيقها و نادر و يوسف أيضًا، وقد صرخت في وجه شقيقها الذي أشار لها نحو الغرفة وما إن فعلها دفعت الباب وولجت تكسر في وجهها كل القواعد وتتمرد كعادتها على كل القوانين، ولجت وما إن فعلت تيبست موضعها من جديد، لمحت بعينيها وجه أختها المتورم، أسفل شفتيها استقر جرحٌ كبيرٌ حتى ذقنها، وجهها أصبح قرمزي اللون إثر الصفعات والكدمات، اقتربت منها باكيةً ثم مالت عليها تتفحص عن قربٍ ورأت الخدوش التي بكفها وذراعها، كل شيءٍ كان يخبرها بحقيقة حاولت أن تهرب منها، لكن العقل رفض الهرب.

خرجت من جديد تسأل بصوتٍ باكٍ عن سبب نومها هكذا، فأتاها الجواب من شقيقها بصوتٍ مهزومٍ هزيمة ساحقة:
محاولة اغتصاب يا ضُحى.

وياليته ما جاوب عليها وتركها في مضمار الحيرة تخوض الدروب القاسية وحدها، على الأقل لم تعاني هناك بقدر ما وقفت أمامه تعاني بالخبر الذي وصلها الآن وهو محاولة اغتصاب أختها، لم تستطع الوقوف فكادت أن تسقط لكن شقيقها دعم ثقل جسدها بكفه، بينما هي شهقت أولًا ثم بكت بعينيها وصوتها وانتحبت وهي تتخيل قسوة المشهد على أختها التي ظهرت بتلك الطريقة القاسية.

في مكانٍ آخرٍ ببيتٍ آخرٍ.

حيث المكان التي تقبع فيه المغدورة الثانية، كانت فُلة تمسك الخطاب في يدها وآخر جملة بالتحديد تتكرر في عينيها وتقسم أنها سمعتها بصوته المهزوم، كانت تبكي وتصرخ تارة، ثم تعود وتمسك الخطاب تارة أخرى، تنهار في ثوانٍ، ثم تعود للقوة من جديد تتلبسها كي تستوعب ما حدث، كل شيءٍ حولها يدعوها للجنون، هي حقًا على حافة الجنون، ما حدث منه لها كان أكبر من أن يتم وصفه في جملة واحدة، أكبر وأعظم من يختصر حتى ولو بكلمة الخذلان، لا تعلم حتى الآن ماذا فعلت كي تجني هذا الرد القاسي منه.

وقفت أمام المرآة تطالع ملامح وجهها الباهتة، احتل القهر ملامحها منذ الأمس، أصبحت أكبر من عمرها بين ليلةٍ وضُحاها، لذا وضعت الورقة فوق طاولة الزينة ثم مسحت وجهها والتفتت للخارج تقسم على البدء من جديد، قابلت في وجهها حبيبة زوجة جواد التي طالعتها بشفقةٍ، فيما قالت هي بقوةٍ مصطنعة:.

أنا هنزل المستشفى، مش هقعد أحط أيدي على خدي علشان واحد سابني ومشي، حياتي كملت وهتكمل، بيه غصب عنه هكمل حياتي وطريقي، هو مش هيعطلني، غار في داهية ومقدرش قلب حبه، يبقى خلاص، أكمل أنا بقى من غيره.

ظهر جواد من العدم وأشار بحدةٍ نحوها وهو يقول:
اسمعي يا فُلة أنا مش هخاطر بيكِ، اللي حصل دا أنا هعرفه لعمه، هقوله ابنك اللي جيت تطلب أختي ليه مقدرش الأمانة وغدر بيها وسابها ومشي، من غير ما حتى يقدرها ويقدر قيمتها، أنتِ عاوزة تتغاضي عنه وعن اللي عمله يبقى خلاص، لكن أنا مش هسكت عن حقك، وزي ما عمه وثق فيه وجيه يطلبك ليه هقوله إنه للأسف اختار الشخص الغلط وأنا وثقت فيه غلط علشان أسلمك ليه.

تصنعت أمامه بالثبات وهي حتى لن تقدر على الدفاع عنه، لذا رفعت رأسها بشموخٍ وهي تقول بصوتٍ واهٍ:
أعمل اللي تعمله يا جواد أنا ميهمنيش غير نفسي بس، هو مبقاش يخصني ولا أنا أخصه، هو طلقني خلاص وطلاقي ملهوش عدة علشان أنا مراته على الورق بس، يعني لو حصل إيه أنا مش ليه وهو مش ليا، يبقى خلاص ملهوش لازمة أجيب سيرته حتى، صفحة مُنذر أن حرقتها ولو قدرت هحرقه هو بنفسه زي ما ولع النار في قلبي كدا.

رماها شقيقها بنظرة قهرٍ بينما هي نكست رأسها ثم ركضت من المكان نحو الخارج تكتم عبراتها قبل أن تظهر وتفضح أمرها من جديد أمامهما، كانت حبيبة تشعر بالقهر لأجلها لكنها فضلت الصمت على عكس جواد الذي كسر المزهرية بجواره تعبيرًا عن غيظه.

في إيطاليا تحديدًا بقصر عائلة ماكسيم رايدر.

كان الكبير الذي تولى المنصب بعد ماكسيم يقف وسط رجاله، زعيم جديد بمنصب جديد يظن أنه يُهيمن على العالم بطريقته، تخطيط وتدبير يسعى لاستعباد العالم بأكمله، كان في انتظار الخطوة الأخيرة كي يبدأ هو، لذا ما إن ولجت الدراجة الخاصة ب مُنذر ابتسم بزهوٍ كونه استطاع أن يجذبه إليه من جديد، فتح ذراعيه يرحب به، بينما مُنذر اقترب منه يصافحه بفتورٍ، عاد لشخصية القاتل من جديد، قتل قلبه أولًا، ثم العالم ثانيًا.

أما الشخص الآخر فقال بثباتٍ وهو يتحدث معه باللكنة العربية:
قولت أنتَ مش هتيجي تاني هنا بعدما لاقيت نَعيم وعيشت معاه، كلامك دا معناه إن مُنذر اللي أعرفه رجع تاني خلاص؟

ابتسم مُنذر بسخريةٍ ثم رد عليه بجوابٍ غير مباشرٍ:
أنا جاي هنا أقتل مُنذر دا قولي هخلص إمتى على ماكسيم؟

ابتسم الآخر بزهوٍ كونه استطاع أن يُعيده للساحة من جديد بعد أن تركها وولى المعركة الدُبر، بينما مُنذر فهو لم يملك قلبًا حتى كي يشعر بالألم فيه، وإنما أصبح كما الصخرة القاسية وأشد قسوةً منها.

الفصل التالي
بعد 40 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة