رواية غناء الروح الجزء الثالث للكاتبة زيزي محمد فصل خاص مشاغبين الشعراوي
دخل زيدان إلى شقته بعد غياب دام يومين كاملين بسبب عمله، وما إن خطا للداخل حتى نادى بصوت خافت على صغيرته
-تيا يا قمر.
خطى بخطوات هادئة وهو يبحث عنها حاملًا في يده الحلوى وبعض الهدايا الصغيرة، وابتسامته تتسع كلما اقترب من الصالة لرؤيتها، فقلبه يزداد شوقًا لاحتضانها وتدليلها، نكاية في مليكة التي تصرخ دائمًا حتى لا يفسدها، رغم أنها لم تتجاوز العامين.
اقترب بهدوء حتى تفاجأ بوجود طفلته الحبيبة ممددة على الأرض، ويجلس فوقها أحد أبناء يزن، وكان تيم يحاول تقبيلها عنوة!
فانطلق زيدان بخطوات سريعة نحوه وجذبه بعنف رافعًا إياه للأعلى، وكان الصغير لا يتعدى العام وستة أشهر.
-انت يا حيوان يا معفن، بتبوس بنتي وفي بيتي.
ابتسم الصغير بسعادة لرؤية زيدان وتعلق بعنقه وهو يقول بلهجة غير مفهومة:
-زي، زي.
أنزله زيدان بغيظ وهو يتمتم من بين أسنانه:.
-اه يا أخويا زي جه، انت يالا هحبك ازاي أنا وانت بتبوس بنتي.
ثم انحدرت عيناه نحو ابنته فوجدها تبكي بصمت وتكتم أنفاسها، وتلك كانت عادتها كلما بكت، فاقترب منها وربت على شعرها الذهبي الكثيف:
-مالك يا تيا، مالك يا بابا.
رفعت يدها عن وجهها وهي تبكي بعنف فتفاجأ زيدان بأثر غرس أسنان صغيرة على خدها الأيمن، فالتفت إلى تيم الذي كان يقف محاولًا جذب سلاح زيدان من خلف سرواله، حيث كان زيدان جاثيًا على ركبتيه:.
-اوعى يالا، انت عضيت تيا ليه يا مجرم انت.
اقترب تيم ببرود يشبه أباه وغرز أسنانه بقوة في يد زيدان الممسكة به، فأبعده زيدان وهو يصيح بأعلى صوته:
-مليكة، مليكة، انتي فين؟
خرجت مليكة مهرولة من دورة المياه وهي تحمل تيام، وكان وجهه ملطخًا بالمعكرونة والصلصة الحمراء:
-في إيه يا زيدان؟ كنت في الحمام مع تيام.
وكان تيام توأم تيم، نسخة مطابقة له مع فروق بسيطة، فأنزلته مليكة واقتربت من ابنتها بلهفة، التي كانت تبكي بعنف في أحضان والدها:
-إيه ده مين عمل فيها كده؟
أشار زيدان بعنف نحو الصغير تيم الذي كان يعبث بالهدايا والحلوى هو وأخوه تيام:
-المتحرش تيم ابن المتحرش يزن هو اللي عمل فيها كده.
نظرت مليكة بأسف إلى صغيرتها، وظلت تربت على رأسها بحنان، ثم توقفت فجأة وصرخت بفزع:.
-يالهوي في ريحة غاز، ده أكيد تميم في المطبخ.
وكان تميم أخاهم الثالث لكنه لم يكن يشبههما، إذ كانت ملامحه أقرب إلى سليم، وكأنه نسخة مصغرة منه.
صرخ زيدان بعنف وهو يندفع نحوهما لإيقافهما:
-أنا مقولتش العيال دي متدخلش البيت وأنا مش موجود، هات يالا حاجة البت، خد يا تيام انزل من على الترابيزة هتكسرها يالا وانت تخين.
وفجأة اندفعت المياه من فم تيم في وجه زيدان الذي جلس أرضًا مصدومًا، تعالت ضحكات الصغار الثلاثة بسعادة وهم يشاهدون تحول زيدان المرعب، فهمست مليكة وهي تجذبهم بعيدًا:
-انتوا بتعملوا إيه؟ اسكتوا.
نهض زيدان دفعة واحدة وجذب الصغار من مليكة، فحمل تميم على ظهره، وتيم وتيام على ذراعيه، وكانت تلك طريقة حملهم المعتادة في منزل آل الشعراوي، واتجه نحو الباب.
-رايح فين يا زيدان، والله يزن ما فوق، أنا اخدتهم عشان سيرا تنام شوية.
توقف وهو يتنفس بعنف:
-متخافيش، أنا هنزلهم لعمهم الكبير يتصرف معاهم، طالما هما مش بيحترموني.
نزلت خلفه مليكة وهي تحمل صغيرتها ثم حاولت تهدئته:
-والله ولا بيحترموا سليم، ما هما لسه دالقين عليه كوباية القهوة امبارح، ورموا مفاتيحه ومحفظته في الشارع، اهدى مينفعش كده.
أما في الأسفل وتحديدًا شقة سليم الشعراوي.
كانت قمر ابنة سليم تجلس في غرفة والدها على فراشه تبكي بحزن، وهي ترفع نظراتها الراجية وتتوسل لشمس والدتها، للمرة التي لا تعلم عددها:
-نفسي اطلع العب معاهم، شوية صغنيين اوي.
ثم أشارت بأصابعها الصغيرة وهي تتوسل مرة أخرى، فتوقفت شمس عن تمشيط خصلات شعرها وقالت بحزم:
-بابا قال مينفعش تطلعي فوق عند طنط سيرا يبقى مينفعش.
رمشت بأهدابها الكثيفة وهي تزيح خصلاتها البنية للخلف، ثم قالت برقتها الطفولية:.
-ليه بقى مينفعش؟
التفتت إليها شمس وقالت بهدوء وصوت خافت كي لا يسمعهما سليم، الذي كان جالسًا في الصالة يكتب حسابات مهمة في أجندته:
-أولاً لما بابا يقول على حاجة لا يبقى لا، ثانيًا ولاد عمو يزن بيضربوكي يا حبيبتي وبيعضوكي، وأخر مرة كانوا بيجروا وراكي بالسكينة، بابا خايف عليكي.
حاولت قمر التحدث لكنها فزعت بسبب طرق شديد على باب الشقة، عقدت شمس حاجبيها وركضت للخارج وهي ترتدي حجابها، فوجدت سليم يفتح الباب وملامح وجهه حانقة، ليجد زيدان يقف أمامه وهو يحمل أولاد يزن، وملامح وجهه لا تبشر بخير، فخشنت نبرة سليم وهو يقول معاتبًا:
-إيه يا زيدان خبطة المخبرين دي، مش جايز تكون العيال نايمة.
قدم زيدان تيام لشمس التي حملته سريعًا، ثم وضع تيم في يد سليم، ثم أنزل تميم الذي ركض سريعًا إلى داخل الشقة وهو يقول بسعادة:
-ليم، ليم، ليم.
راقبه سليم بقلق لكن صوت زيدان اخترق الأجواء:
-خد العيال دي عندك عشان هما مش محترمني ولسه المتحرش تيم عاضض تيا في خدها، عشان ملاقاش أب يربيه.
زفر سليم بقوة وهو يتساءل بهدوء:
-أبوهم فين؟
اقتربت مليكة التي كانت تحمل تيا على يدها، ولا تزال آثار البكاء على خدها تغمر غرسة الأسنان القوية الملتصقة به:
-دي سيرا كانت دايخة وتعبانة وأنا عرضت عليها أخدهم واهو فرصة تنام شوية.
أنزل سليم تيم فانطلق هو الآخر بسعادة إلى داخل الشقة يعبث بها، أما سليم فحمل تيا وقبلها بحنان وهو يربت على ظهرها:
-حقك عليا يا حبيبتي، كنتي خدي بالك منها يا مليكة.
ثم نظر إلى زيدان وقال بلهجة صارمة:.
-وانت وطي صوت، واحترام إيه اللي بتتكلم عنه، هما دول يفهموا إيه يعني إيه احترام، دول لسه صغيرين.
انتبه سليم إلى محاولات شمس وهمساتها للصغير تيام، الذي كان يصر على إدخال يده داخل ثياب شمس محاولًا إبعاد حاجبها بشتى الطرق وهو يهمهم بتذمر:
-هم، هم، أنا، هم.
أنزله سليم سريعًا وهو يرفع حاجبيه بعدم رضا:
-الهم عند ماما فوق، مش عند شمس عيب.
ارتفعت ضحكات زيدان الساخرة بقهر:.
-شوفت بيعمل إيه؟! واقسم بالله ما عندهم أب عاقل يربيهم، ولو شوفته دلوقتي هربيه أنا.
ارتفع صوت أنس صارخًا:
-الحق يا بابا، يا بابا الحق.
اندفع الجميع إلى الداخل بسرعة ولهفة، خوفًا من أن يكون الصغار قد أصابهم مكروه، فوجدوا كل دفاتر سليم مبعثرة وأوراقها ممزقة، بينما كان تيام يقطع الورق ويحاول أكله،
اندفعوا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بينما كان سليم يحاول إخراج الورق من فم تيام فقام الصغير بغرس أسنانه بقوة:.
-بس يا بابا، سيب صابعي، الحق يا زيدان.
في الوقت نفسه كان تيم يحاول تسلق عنق زيدان، في ظل محاولات زيدان لجمع الأوراق، فارتفع صوت سليم غاضبًا:
-لا الورق ده مهم مالوش نسخة تانية، هات يابني بقى.
أما تميم فكان يقف في زاوية يحاول خلع أزرار الريموت ليأكلها، فاندفع سليم بحنق وهو يجذبه:
-ده سابع ريموت أجيبه يابني.
وبينما كان سليم يمسك به أتى صوت خطوات رجولية، ثم صوت صاخب مازح:.
-حبايب بابا بيعملوا إيه هنا، منورين الدنيا.
لكن الصدمة ارتسمت على وجهه عندما رأى المشهد،
فكانتا شمس ومليكة جالستان على الأرض تجمعان الأوراق، وزيدان يتعلق بعنقه تيم، وسليم يمسك بتيام بيد، وبالأخرى يقبض على تميم من ثيابه من الخلف، بينما أنس يحمل الصغيرة تيا حتى لا ينقض عليها أحد من المشاغبين الثلاثة، وخاصةً أنها لعبتهم المفضلة، وقمر تقف بجانب أخيها بأمر من والدها.
ترك سليم أبناء يزن، وترك تيم مهمة التعلق بعنق زيدان، وانطلقوا جميعًا نحو مدللهم الذي استقبلهم بحنو وضحكة مشاغبة تشبههم تمامًا، فحملهم كما حملهم زيدان وهو ينظر للجميع بنظرات بريئة:
-في إيه يا جماعة مالكم خير؟
كتم زيدان سبابًا لاذعًا داعب طرف لسانه، وسقط بإرهاق على الأرض وهو ينظر إليه بحنق:
-لا مفيش حاجة، بس القرود حبايبك محتاجين تربية؟
هز كتفيه ببرود وهو ينظر إليه بتحدٍ:.
-والله أنا قولت قبل كده اللي شايفهم محتاجين تربية، ياخدهم يربيهم هو، أقولك خدهم أنت يا زيدان ربيهم، أنا متنازل عنهم ليك.
اندفعت ضحكات زيدان الساخرة ثم ألقى وسادة في وجه أخيه البارد الذي تفاداها يزن وتحرك جانبًا:.
-اه البس أنا فيهم، عشان انت يحلالك الجو مع مراتك، وتلبسنا في تلاتة تانين، احنا خلصنا من دول لما تجيبلنا عيال تانية، ولا السلالة دي لازم تنتهي من الوجود، كفاية كده واعمل تحديد نسل، أنا كرهت العيال والخلفة.
نظر يزن إلى أبنائه ثم همس إليهم بعدم فهم وقلق، خصوصًا في ظل غضب سليم الذي كان يلملم أوراقه:
-انتوا عملتوا إيه؟!
زفر سليم بقوة وهو يعيد خصلاته للخلف ثم قال بنبرة صارمة:.
-معملوش حاجة، خد عيالك واطلع شقتك كفاية كده بجد واه خد تميم بكرة قصله شعره، شعره زي البنات وأنا مش حابب كده.
رفع يزن حاجبيه باعتراض، ونظر لابنه تميم بطرف عينيه المتعلق في ظهره من الخلف وكان شعره البني كثيف ويتعدى كتفيه وكان ذلك نتيجة لجينات وراثية تعود ليزن نفسه، ولكن يزن قال معارضًا للمرة الألف:
-وشعره عاجبني أنا! وبعدين محدش يتدخل لو سمحتوا في تربية عيالي، من كتر ما بتتدخلوا بتبوظوا أخلاقهم.
ثم ابتسم ابتسامة مستفزة وقال:
-يلا قولوا باي لعمو سليم، وتفوا على عمو زيدان.
ثم انطلق هاربًا بأطفاله وسط صدمة زيدان، الذي انطلق راكضًا خلفه، فلحق به سليم ومنعه وهو يقول بهدوء:
-اهدى وأنا هربيه بكرة، هناخد تميم أنا وانت ونلحق شعره ونضايقه، هناخد حقك بس بالطريقة.
زفر زيدان بقوة وهو يقول برجاءٍ لم يخلُ من حدة:.
-تعالى أنا وانت نسيبلهم البيت وناخد ماما ونمشي، يا أما نطرده هو وعياله من البيت، المهم العيال دي منتجمعش معاها تاني.
زمت مليكة شفتيها بضيق وقالت بلهجة يغلبها العتاب:
-بس يا زيدان أحسن يزن يسمعك ويزعل، دول عياله بردو، وبعدين والله هما حتة السكرة اللي في البيت.
ارتفع جانب فمه بامتعاض ولم يعلق، بل اندفع فجأة وجذب ابنته من يد أنس وهو يقول بتذمر واضح:
-مالك قافش فيها ليه كده!
ثم حملها بين ذراعيه وغادر الشقة بخطوات غاضبة، فيما ظلت نظرات سليم المستنكرة تلاحقه حتى اختفى عن الأنظار، التفتت مليكة إليهم بعده، وفي عينيها أسف واضح ثم تبعته هي الأخرى بصمت.
عندها انفجر أنس متذمرًا وهو ينظر إلى والده:
-هو ليه عمو زيدان بيضايقني كل ما أشيل تيا أو ألاعبها؟
رفع سليم عينيه إلى السقف وكأنه يستنجد بالصبر، ثم تمتم بغيظ مكبوت:
-مش ناقصك يا أنس اقسم بالله، كفاية اللي ولاد ال...
توقف فجأة كاظمًا كلماته قبل أن تخرج عن السيطرة، ثم قال بحدة مكبوتة وهو يلوح بيده، في حين كانت شمس تحاول كتم ضحكتها:
-يخربيتهم بجد! أنا هعمل ده كله ازاي؟ شمس خدي عيالك وادخلي أي أوضة بعيد عني، أنا أصلاً راجل أهبل عشان آخد أوراق مهمة زي دي معايا البيت.
كتمت شمس ضحكتها بصعوبة وهي تجذب طفليها مبتعدة، فهي تعرف جيدًا أن سليم رغم هدوئه الدائم، سريع الاشتعال حين يُستفز لكنه لا يُظهر غضبه أبدًا أمام طفليه، فهما خط أحمر لا يتجاوزه، حتى لو اشتعلت الدنيا من حوله إلا أن وجود أولئك المشاغبين اليوم نجح أخيرًا في إخراج كبير عائلة الشعراوي عن طوره.
بالأعلى.
أنزلهم يزن في منتصف الصالة ثم وقف أمامهم محذرًا، يشير بإصبعه نحو إحدى الأرائك بصرامة مصطنعة:.
-تقعدوا هنا ومتتحركوش لغاية ما شوف ماما فين.
تمتم تيام بتذمر وقد اغرورقت عيناه بالدموع وهو يحاول التعبير بصوته الصغير المتقطع:
-هم، أنا، هم.
هز رأسه مبتسمًا رغم تعبه، وربت على شعره بحنان وقال بجدية وكأن الصغير يفهم كل حرف:
-هشوف ماما بس لو نايمة، هصحيها.
ثم اتجه بخطوات سريعة نحو غرفته، وما إن فتح الباب حتى وجد سيرا غارقة في نومٍ عميق، تحتضن وسادته كأنها كنزها الثمين وملامح الراحة مرتسمة على وجهها بوضوح راحة لم تدم طويلًا.
فما هي إلا لحظات حتى اندفع المشاغبون الثلاثة نحو السرير، مستخدمين الأغطية والملاءة كوسيلة تسلق محترفة، حتى اعتلوا الفراش واحدًا تلو الآخر، وبدأوا مهمتهم التخريبية بحماس طفولي؛ عبثوا بخصلات شعرها وجذبوا ثيابها، فيما حاول تيام بجدية تامة فتح أزرار منامتها باحثًا عن طعامه المفضل.
أما تيم فتولى مهمة الإزعاج العنيف إذ راح يصفع خدها الصفع تلو الآخر، بينما يتطاير رذاذ لعابه الصغير على وجهها، في حين جلس تميم فوقها بثبات القائد، يطلق أصواتًا غير مفهومة بحماس:
-بيب، ، بيب، عن عن.
اندفع يزن نحوهم سريعًا بعدما ألقى مفاتيحه وما بيده جانبًا، محاولًا سحب تميم وهو يقول بغيظ:
-هي أمك عربية يا أهبل، اوعى يلا.
لكن ما إن أبعده حتى فوجئ بصفعات تيم المتتالية على خد سيرا، فصاح به بحدة:.
-ولا عيب كده، أنا قولتلك متضربش ولا تعض حد إلا زي بس.
وما زاد الطين بلة أن يده وقعت فجأة على يد تيام المغروسة داخل ملابس سيرا، فسحبها بسرعة وهو ينهره بحدة واضحة:
-بس بقى عيب كده، أنا قولتلكم استنوا برة لما أصحي ماما.
عندها فقط وتحت وابل العبث والضجيج واللمسات الصغيرة، أطلقت سيرا صوتًا ناعسًا متذمرًا دون أن تفتح عينيها:
-والله لو عملتوا إيه ما هصحى.
زفر يزن بضيق وهو يحاول إبعادهم عنها، وكلما نجح في إزاحتهم عادوا إليها بإصرار أشد، فقال بتذمر واضح:
-قومي يا سيرا أنا لو سيبتهم عليكي هياكلوكي.
فتحت نصف عينيها بصعوبة وقالت بصوت مبحوح يغلبه البكاء:
-هما طلعوا بسرعة ليه؟ أنا حلمت بنص حلم حتى مكملتوش.
جلس يزن إلى جوارها ممسكًا بتيام وتيم محاولًا السيطرة عليهما، بينما ترك تميم على حاله يقودها كأنها سيارة، دافعًا رأسه في جسدها بحماس طفولي.
قال يزن وهو يزفر:
-معرفش أنا شبه اتطردت بيهم، المهم عملتي أكل أنا جعان.
وكأنه ألقى تعويذة مشؤومة، إذ نهضت فجأة واقفة فوق الفراش، فبانت هيئتها كاملة؛ ترتدي سروال منامة وفوقه قميصًا آخر، وشعرها مبعثر بعشوائية، والهالات السوداء تحيط بعينيها كعلامة واضحة على الإرهاق، فصرخت بغيظ مكبوت:
-لا ماعملتش أكل ومش هعمل يا يزن أكل، عشان أنا تعبانة، أنا إيه؟ تعبانة، واقسم بالله أنا تعبانة.
لم تعجبه نبرتها المرتفعة فرفع حاجبه محذرًا، وقال بلهجة جافة آلمتها:
-وطي صوتك وانتي بتكلميني، اخواتي لو سمعوكي هيقولوا إيه دلوقتي! في إيه أنا مسألتش غير عن أبسط حاجة ممكن تعمليها، تيام باين عليه جعان والرضاعة ضعيفة إنهم يعتمدوا عليها، فأكيد محتاجين أكل عشان يبطلوا شقاوة وتنطيط.
هنا انفجرت وكأن شيئًا انكسر بداخلها، فانزلقت دموعها بغزارة وهي تهبط عن الفراش وتلوح بيدها في وجهه بانفعال:.
-انت بتبرر إيه؟ بجد شايف يعني إن أنا مقصرة في الأكل، أنا بقضي أسود أيام حياتي ومحدش حاسس بيا، وانت بتصحى من النجمة تهرب على شغلك وسايبني البس لوحدي مع التلاتة، لوحدي يا يزن، لوحدي، لا عارفة استحمى زي الناس ولا اهتم بنفسي.
توقفت لحظة تلتقط أنفاسها المتقطعة ثم أكملت بصوت مبحوح:.
-شوفت أنا لابسة إيه؟! طيب شوفت شعري باظ ازاي؟ تعرف أنا بروق البيت كام مرة، وبلحق كام مصيبة، وبقعد اجري وراهم عشان ارضعهم واكلهم واغيرلهم كام مرة في اليوم، حتى لو ناموا، ده ينام وده يصحى وده يصرخ، وأنا حقيقي بنهار والله بنهار.
ثم جلست على الفراش منهكة، ودفنت وجهها بين كفيها وانخرطت في بكاء مرير هز قلبه تعاطفًا معها،.
وقف تميم وتيام ينظران إليها بوجوه صغيرة لا تفهم، لكن شيئًا في أعينهما تأثر بالمشهد، بينما تيم كعادته اختار طريقته الخاصة في التعبير، فرفع يده وصفع والده بقوة مفاجئة، كأنه ينتقم لأمه بطريقته البريئة.
تنهد يزن بعمق لم يعلق، فقط اقترب أكثر لكنه تجمد حين سمعها تهمس من بين بكائها بصوت مكسور:
-أنا عايزة أرجع زي زمان، رجعوني لبابا وماما، أنا كده مترمطة.
زم يزن شفتيه وهو يشاهد انهيارها أمامه، ثم اقترب منها أكثر وضمها إلى صدره بحنان صامت، قبل أن يهمس بالقرب من أذنها بعتاب ممزوج بالحب:
-عايزة تسيبنا يا سرسورة، طيب أنا وعيالك نتلطم من غيرك، ده مفيش حد يستحملنا غيرك.
لم تجبه بل تشبثت به كالغريق الذي وجد طوق نجاته أخيرًا، بينما كان يربت على ظهرها بحنان بالغ، يوزع قبلات دافئة على خدها وهو يقول بصوت خفيض:.
-وبعدين انتي زعلانة على شكلك، وانتي في نظري أحلى واحدة في الدنيا، مهما ولاد ال دول عملوا فيكي.
ابتعدت قليلًا عنه وحدقت في صغارها بنظرة متعبة، ثم عادت ببصرها إليه وكأنها تلقي باللوم كله فوق كتفيه:.
-عيالك صعبين أوي يا يزن، مفيش حد في البيت هنا بيستحملهم، ماما منال بتصدع من العصر وبتنام من المغرب بسببهم، وزيدان لو هنا كل شوية يطردهم، وسليم كتر خيره بيحاول يستوعبهم بس لازم يقفلوها بمصيبة وفي الآخر بردو بيطردهم، وعندي أبلة حكمت حلفت أخر مرة لو عملوا حاجة في شقتها تاني لتضربهم، ومفيش حد راضي ياخدهم مني شوية، أستحمى وأنام لغاية ما أشبع من النوم وأقوم براحتي.
اقترب منها تيام وهو يمسح أنفه المحمر، وقال بصوت مختنق من البكاء:
-ما، هم، هم.
هزت رأسها باستسلام وقبلته بحنان ثم قالت بصوت منهك:
-حاضر، هقوم اعملك أكل.
انسحبت بهدوء نحو المطبخ فالتفت يزن إلى أولاده ليجد تيم وتميم قد غرقا في النوم، بينما تيام ما زال يقاوم النعاس، حاول أن يوقظه لكنه سبق بخطوة وأمسك به قائلًا:
-لا يا تيام، روح شوف الهم، لغاية ما أنيم اخواتك.
خرج الصغير مسرعًا بينما بدأ يزن مهمته الصعبة في نقل الصغيرين إلى فراشهما دون أن يستيقظا.
ثم بدل ثيابه سريعًا وحين عاد وجدها تطعم تيام حتى غفا بين يديها، فاقترب منها بهدوء وحمله منها قائلًا بابتسامة:
-اقعدي انتي ارتاحي وأنا هنيمه جوه.
حمل الصغير ووضعه بجوار أخويه ثم عاد فوجدها جالسة أمام المرآة تنظر إلى انعكاسها بحزن، تتمتم لنفسها:
-والله لو اتجوز عليا عنده حق.
فجأها بظهوره خلفها وطبع قبلة قوية على خدها وهو يقول بابتسامة عاشقة:
-ليه معنديش نظر عشان اتجوز عليكي، ده أنا لو لفيت الدنيا كلها مش هلاقي زيك.
جلس بجوارها حاملاً طبقًا من السندوتشات، وقدم لها واحدًا لكنها هزت رأسها رافضة:
-ماليش نفس.
رفع حاجبيه معترضًا ونظر إلى جسدها النحيل بعين قلقة:
-مش ملاحظة إنك ناسية موضوع الأكل وبتخسي.
هزت كتفيها بلا مبالاة وقالت بصوت خافت يختلط بالحرج:.
-حقك عليا يا يزن حقيقي، أنا حتى الأكل مبقتش لاقية وقت اعمله، انت بردو بتخرج الصبح وبترجع عايز تاكل حاجة، بس أنا...
قاطعها وهو يقبل يدها برقة وقال بمزاح خفيف:
-متخافيش مش هقول لأبلة حكمت، أكيد خايفة تهزقك.
ابتسمت رغماً عنها وشعرت بقليل من الراحة، ثم أسندت رأسها إلى كتفه وهمست بنعاس:
-يارب الحق انام شوية وميصحوش.
حاوطها يزن بذراعه وضمها إلى صدره بقوة، كأنه يحاول أن يخبئها من كل ما أرهقها، ثم قال بصوت خافت يحمل كثيرًا من الحنان والاعتذار:
-بكرة الجمعة هقعد معاكم، ويوم السبت هقضيه معاكم واعملكم أكل بنفسي، وانتي طول اليومين قضيهم نوم وراحة.
ابتسمت بخفة وهمست بصوت دافئ:
-بحبك يا يزون.
هزت رأسها بسعادة ودفنت وجهها في صدره، ولم تمضِ سوى لحظات حتى استسلمت لنوم عميق وهادئ، كأن جسدها أخيرًا وجد الأمان الذي افتقده طويلًا.
ظل يزن جالسًا لبعض الوقت يتابع التلفاز بلا تركيز، بينما يده لا تزال تحيط بها بحماية غريزية، وحين غلبه النعاس نهض بهدوء ووضع الصحن جانبًا، ثم حملها بخفة شديدة وكأنه يخشى أن يوقظها من حلمها، وسار بخطوات حذرة كمن يمشي فوق الجمر.
وما إن أراحها على الفراش حتى جذب الغطاء عليهما معًا، وابتسم ابتسامة رضا، قبل أن يغمض عينيه أخيرًا، متمنيًا ألا يوقظهما صغاره وأن يمتد هذا الهدوء أطول مما اعتادا عليه.
في الصباح.
شعر يزن بأصابع صغيرة تعبث بأنفه، فتذمر وهو يبعدها بنعاس، لكن ما لبث أن شهق بقوة حين انسكب عليه كوب ماء بارد، ففتح عينيه على وسعهما ليرى تيم يحاول ارتشاف ما تبقى من الماء، وقد فشل فشلًا ذريعًا، بينما انسكب أغلبه فوق وجه يزن وصدره.
وفوقه تمامًا كان تميم جالسًا بثبات القائد، يعتلي صدره ويضحك بملء فمه، تتدلى خصلات شعره الكثيفة على عينيه، وهو يهتف بحماس وهو يقوده كالسيارة:
-عن عن، بيب، با، با.
أما تيام فكان منشغلًا بمحاولة الوصول إلى سترة يزن، يدس يده داخله بإصرار حتى نجح ثم أطلق ضحكة منتصرة وهو يعبث بجلده الصافي، تنهد يزن بغيظ وهو يلتقطهم واحدًا تلو الآخر وأنزلهم عن السرير قائلاً بتأفف:
-انتوا صاحيين الساعة 7 الصبح تعملوا إيه؟
حدقوا فيه جميعًا ثم تبادلوا نظرات سريعة قبل أن يركضوا دفعة واحدة نحو باب الغرفة، فهم الإشارة وفتح لهم الباب، فانطلقوا كالعاصفة إلى الخارج، بينما دخل هو المرحاض بنية الاستحمام سريعًا وتركهم يعيثون في البيت فسادًا، لثوانٍ فقط.
خرج بعد دقائق بمنشفة صغيرة على كتفه، يمسح بها شعره ووجهه، فتجمد في مكانه وهو يرى المشهد الكارثي أمامه؛.
تميم يفرغ علب المعكرونة على الأرض، ويدفعها بقدميه في كل الاتجاهات، وتيام يركض خلفها مبتهجًا، أما تيم فقد غطى وجهه بالكامل بالدقيق، حتى لم يعد يُرى منه سوى عينين لامعتين وسط البياض.
اتسعت عينا يزن بصدمة مكتومة ثم قبض على تيم سريعًا وحمله متجهًا إلى الحمام وهو يزمجر:
-إيه اللي انتو عاملينه ده؟!
وضعه في حوض الاستحمام لكن الصغير أخذ يصرخ ويركل بعنف، فزفر يزن بحنق وحمله وهو عارٍ، أخذ منشفة وثيابه الصغيرة، ثم ألقى نظرة أخيرة على تيام وتميم اللذين كانا ما زالا يتقاذفان المعكرونة في أرجاء المكان.
اطمأن أن الكارثة ما زالت تحت السيطرة نسبيًا ثم خرج مسرعًا من الشقة، متجهًا إلى شقة زيدان وهو يحمل تيم بين ذراعيه.
طرق الجرس بقوة وما إن فتح زيدان الباب واجمًا حتى اتسعت عيناه دهشةً، وهو يحدق في الطفل العاري المغطى بالدقيق من رأسه حتى قدميه وقال بذهول:
-إيه ده؟! الواد ده نازل بلبوص ليه كده؟
ابتسم يزن ابتسامة بريئة لا تشبهه وقال بنبرة أقرب إلى التوسل:
-ورحمة أبوك الغالي، خلي مليكة تحميه وهدومه أهي، أنا لو صحيت سيرا احتمال ترفع عليا قضية خلع، ولازم الحق المصايب اللي فوق.
وما إن أنهى جملته حتى انطلق مهرولًا على الدرج، تاركًا تيم بين يدي زيدان الذي تنهد باستسلام وهو يغلق الباب خلفه، ثم اتجه نحو غرفته ليوقظ مليكة، ما إن فتحت عينيها ورأت الصغير حتى شهقت بدهشة، وسرعان ما حملته بين ذراعيها واتجهت به إلى المرحاض لتغسله.
أما زيدان فقرر العودة للنوم، لكن محاولته باءت بالفشل حين سمع صوتها تناديه باستغاثة:
-زيدان الحقني، تعالى مش عارفة أمسكه.
هب من مكانه فزعًا وهو يقول بقلق:.
-في أيه؟ الواد حصله حاجة؟
زفرت بضيق وهي تحاول الإمساك بالصغير الذي كان يتلوى بين يديها:
-امسكه معايا يا زيدان مش عارفة احميه بيهرب مني.
فرك زيدان وجهه بقوة محاولًا كبح لفظٍ كاد يفلت من فمه، ثم انحنى ليُمسك بتيم، ولكن قدمه انزلقت على أرضية المرحاض المبتلة، فسقط داخل الحوض ومعه الصغير دفعة واحدة.
انفجرت مليكة ضاحكة وقد أفلتت المياه من يدها لتنسكب فوق رأس زيدان، الذي رفع عينيه إليها بغيظ شديد بينما هي تضحك بلا توقف.
لم تستطع التوقف عن الضحك وهي تقول بين شهقاتها:
-أنا أسفة، مش قادرة، أسفة، خليك كده بقى وهو قاعد في حضنك احميه بالمرة.
كاد يعترض لكن تيم انتهز الفرصة وقفز من بين ذراعيه، فاندفع زيدان خلفه محاولًا الإمساك به، لينتهي بهما الأمر في فوضى عارمة؛ الصابون يسقط وزجاجات الشامبو تتدحرج والماء يتناثر في كل مكان، فصرخ زيدان بضيق وهو يحاول اللحاق به:
-اهمد بقى يالا، ده أنا بداهم تجار مخدرات ومحدش بيفرهدني كده، وانتي اخلصي وبطلي ضحك.
أما يزن فكان قد حمل تميم بين ذراعيه بعدما فاحت منه رائحة لا تُحتمل، وأخذ معه ثيابه على عجل، ثم نزل مسرعًا إلى شقة سليم، طرق الجرس بعصبية حتى فُتح الباب، ليظهر سليم بملامح نصف نائمة وعينين مثقلتين بالإرهاق.
-في إيه يا يزن على الصبح؟
قال يزن بصوت متحشرج وهو يدفع الصغير نحوه فورًا:.
-خلي شمس تغيرله وتحميه لتميم عشان مليكة بتغير لتيم، وسيرا أنا على جثتي أصحيها أنا مش هطلع عيل معاها، يلا الحق بقى تيام فوق.
ثم استدار بسرعة البرق وصعد السلم قبل أن يسمع أي اعتراض، تاركًا سليم واقفًا يحدق في الصغير بين ذراعيه بدهشة.
لم تمضِ ثوانٍ حتى ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيه حين سمع تميم يقول بصوته الطفولي اللطيف:
-ليم، ليم.
ابتسم سليم رغماً عنه وانحنى يقبله بحنان، لكن سرعان ما تراجع وهو يشم الرائحة الكريهة فتمتم متقززًا:
-إيه الريحة المقرفة دي، الله يقرفك، انت بتاكل إيه يا مقرف أنت؟!
ضحك الصغير بسعادة وقال بثقة:
-هم، ليم، هم.
هز سليم رأسه وهو يتجه به إلى الغرفة حيث كانت شمس قد استيقظت بالفعل على الضجيج، وما إن فتحت الباب حتى رمقته بنظرة متسائلة فدفعه نحوها قائلًا:.
-خدي معرفش هتعمليها ازاي، بس يزن عايزك تغيرله وتحميه، عشان مراته نايمة وتعبانة.
ابتسمت شمس بخفة ومدت يديها لتأخذه وهي تقول بلطف:
-تعالى يا أستاذ تميم، أنا هتصرف معاك.
وحملته بين ذراعيها وهي تبتسم، غير عابئة بالفوضى الصغيرة التي جاء بها معها، بينما وقف سليم يراقبهما مبتسمًا على مضض، وقد أدرك أن يومه بدأ رسميًا وبفوضى كاملة.
غابت شمس لدقائق ثم عادت وهي تحمل تميم، وقد لفته بالمنشفة ورموشه ما زالت مبللة بالماء، وضعته برفق على الفراش أمام سليم الذي كان جالسًا يعبث بهاتفه ثم قالت بجدية:
-بسرعة قبل ما ياخد برد هدومه فين والبامبرز بتاعه؟
أجابها وهو يشير بلا مبالاة:
-هدومه اهي بس مفيش حفاض، الحيوان أبوه مجبش حاجة معاه.
تذكرت شمس على الفور بعض الحفاضات التي تحتفظ بها احتياطًا من عمر قمر ابنتهما، فقالت بهدوء:.
-طيب هجبله من اوضة قمر واحد كنت محتفظة بكام واحد هناك، خلي بالك منه.
أومأ سليم برأسه وما إن غابت حتى كشف المنشفة عن الصغير، وانحنى نحوه يلاطفه وهو يبتسم ثم قام بتصويره بهاتفه وهو يبتسم له بشقاوة:
-هزلك بيها لما تكبر لو ربنا كتب لي...
لكن فجأة شهق بقوة حين شعر بدفعة دافئة تصيبه في وجهه، فتجمد مكانه لثوانٍ قبل أن يقفز مبتعدًا وهو يمسح وجهه باشمئزاز:
-يا ابن ال، يا ابن ال، ازاي تعمل كده؟!
لم يدرك الصغير ما فعله بل ظل يضحك ببراءة، بينما دخلت شمس في تلك اللحظة، فحدقت بالمشهد ثم انفجرت ضاحكة:
-هو عمل بيبي في وشك.
زمجر سليم وهو يخلع سترته القطنية بتقزز:
-اه الزفت عملها في وشي، إيه القرف ده.
عضت شمس على شفتها وهي تحاول كتم ضحكتها، ثم نظرت إلى الصغير قائلة بنبرة ممزوجة بالمرح:
-عملت إيه في عمو يا مجنون؟ عملت اللي مفيش طفل قدر يعمله.
ثم حملته من جديد واتجهت به نحو مرحاض آخر لتغسله جيدًا قبل أن تُلبسه، بينما بقي سليم واقفًا في المرحاض الذي بغرفته يتنفس بعمق، محاولًا استيعاب ما حدث، وموقنًا أن هذا الصباح لن يمر بسلام، طالما ظهر هؤلاء المشاغبين من جديد.
أما يزن فجلس على الأرض متهالكًا بعد أن أنهك جسده في جمع فتات المعكرونة المنتشرة والدقيق المتناثر هنا وهناك، وقد أمضى دقائق طويلة في محاولات يائسة لإخفاء كل آثار الفوضى التي أحدثها الصغار، فكان جسده متعبًا وروحه منهكة، لكنه ابتسم ابتسامة هزت وجنتيه، إذ نجح أخيرًا في تسريب الصغير تيام إلى والدته، وطلب منها أن تتولى مهمة استحمامه وتبديل ثيابه.
وفي هذه الأثناء كانت قد استيقظت سيرا وأخذت حمامًا دافئًا وأبدلت ثيابها، خرجت تبحث بقلق عن صغارها، وسرعان ما ارتسم على وجهها الهلع حين لم تجد لهم أثرًا، فالتفتت نحو يزن الجالس أرضًا، وعيناها تتوسلان إجابة:
-يزن انت قاعد في الارض ليه؟ وفين العيال؟
رفع يزن رأسه ببطء وارتسمت على محياه ابتسامة انتصار صغيرة، ثم قال بصوت متقطع مليء بالمرح والرضا:
-سربتهم.
نهض بعدها ببطء، ثم خطى خطوات واسعة تجاهها، وكأن كل خطوة منه تعكس شعوره بالارتياح بعد ساعة طويلة من التعب، وقفت سيرا للحظة تتأمله ثم لاحظت كيف أن الإرهاق لم يطفئ ابتسامته ولا روح الدعابة التي تملأ عينيه،
بينما اقترب منها يزن أكثر وظهر في عينيه بريق الطفولة والمرح الممزوج بالحب، وهو يقول بصوت دافئ وملؤه الحنين:
-تعالي بقى هاتي حضن، عشان أنا عندي جفاف عاطفي قبل ما العيال دي تطلع ويقطعوا عليا.
تراجعت سيرا خطوة إلى الوراء بحذر، ملوحة بإصبعها بارتباك وكأنها تحذر من خطورة الموقف:
-لا اهدا، هما أصلاً ثواني وهيطلعوا محدش هيستحملهم.
ابتسم يزن ابتسامة حانية ثم عاد يتحرك ببطء قريبًا منها، متجاوزًا خوفها بصبره وهدوئه، وهو يقول بثقة وطمأنينة:
-لا أنا نيتي صافية، ان شاء الله هيكرمني، تعالي يا سروسرة متخافيش، أنا أليف.
اقترب منها أكثر ومد يده ليضمها إليه، وكان قلبه يخفق بقوة يرسل دفئه إلى قلبها، فيما شعرت سيرا بطمأنينة لم تختبرها منذ وقت طويل، كأن حضنه يزيل كل توتر الأيام والفوضى المحيطة بهما.
كانت لحظة صمت طويلة ممتلئة بالدفء، تنفسا فيها معًا، وكأنهما يجدان في حضنهما الملاذ الوحيد من صخب الأطفال وصعوبة الأيام، لم يكن هناك أحد حولهما سوى تلك العلاقة البسيطة الصافية، التي تمنحهما القدرة على الصبر، وعلى الاستمتاع بلحظة هدوء نادرة وسط كل فوضى الحياة.
فصل لذيذ يخرجنا من جو الكآبة ومفيهوش تعقيدات وكفاية أوي على عيلة الشعراوي اللي بيحصل فيهم من عيال يزن.