رواية ظنها دمية بين أصابعه للكاتبة سهام صادق الفصل مئة وستة
فركت ليلى يديها لعدة مرات أسفل صنبور المياة وهي شاردة ويدور بعقلها المخاوف من كذبة صغيرة أضطرها هو إليها بعدما وجدت منه عدم التقبل لأي شئ يجعلها تتنفس به خارج أسوار مملكته.
حنونًا هو ولين القلب، يُراعيها لأبعد الحدود. ، يرفع من قدرها أمام حتى نفسها وسخيًا في عطائه لكنه يفرض أمورًا لا تعرف سببها ثم بعدها يُدللها ويُغدقها بمشاعر خاصة باتت تنتظرها منه بشوق وتنسى بعدها ما أرادته وأعترض عليه، فالعمل صارت لا تحتاج إليه ولا يؤمن بفكرة أن يكون للمرأة أصدقاء بعد الزواج وإذا رغبت بالخروج والتنزَّه لابد أن تكون برفقته.
أطبقت جفنيها بأختناق وأخذت نفسًا عميقًا ثم أطلقته حتى تنفض عن رأسها تلك الأفكار التي تأتيها من وقت لآخر وتسلب منها راحتها.
أغلقت الصنبور ثم التقطت منشفة المطبخ وجففت بها يديها مُتنهدة بثقل وخزي من نفسها.
بدأت رائحة الطعام الذي تُسخنه تفيح، فأسرعت نحو موقد الطهي تغلقه وكادت أن تبدء بسكب الطعام بالأطباق لكن تذكرت أمرًا لا تستطيع عدم الأنتباه إليه.
طبق السلطة، عزيز بيحب السلطة مع الأكل.
أتجهت نحو البراد والتقطت ما فيه من خضار، وضعت الخضار بالطبق حتى تغسله أولًا جيدًا. أنتفضت بوجل عندما هتف اسمها ووجدته يقف داخل المطبخ.
أسرع عزيز إليها يلتقط منها الطبق قائلًا بصوت رخيم يحمل لهفة صاحبه.
حببتي مالك أتفزعتي كده ليه، هاتي الطبق من أيدك.
تمالكت رعشة يديها ونظرت إليه ثم نظرت إلى الطبق الذي لم ينتظر أن تعطيه له وألتقطه منها.
أنا قولت أعمل ليك السلطة بسرعة، أنت بتحبها جانب الأكل.
وأطرقت رأسها بعد أن حدق بها بتلك النظرة التي تُربكها.
تعرفي إني كنت زعلان منك لأنك مسمعتيش كلامي وفضلتي في الفيلا ورجعت بدري عشان خاطرك وقولت أجي أتغدا معاكي، غير خوفي لما فضلت واقف قدام الباب ومش سامع صوت لحد فيكم.
أرادت أن تُقاطعه، فأسرع بمواصلة كلامه وأبتسم وهو ينظر للطبق الذي يحمله.
لكن دلوقتي يا ليلى زعلي كله راح.
أخذ يُمرر يده على خدها دون أن يزيد بالكلام الذي توقف بقيته على طرف لسانه ثم أغمض عينيه متنعمًا بشعورٍ يحتاجه هذه اللحظة.
أسبل جفنيه وفي داخله سؤالًا بات يسأله كثيرا لنفسه منذ أن صارت له كتابًا مفتوحًا، هل كل النساء مثلها أم هي منفردة في خصالها أم هو رجلًا محظوظًا وهي أتت إلى حياته القَاحلة كالغيث.
تحديقه بها بتلك الطريقة شتتها، فأبتلعت ريقها وهتفت بصوت متعلثم وناعم.
خليني أعمل السلطة.
أفتر ثغر عزيز بأبتسامة صغيرة ثم أستدار بجسده.
لأ أنا هعملها بدالك لحد ما تحضري الأكل وناكل كلنا سوا.
لم تعترض وأبتسمت بوهن وهي تراه يتحرك بالمطبخ.
تراجعت عايدة إلى الوراء قبل أن تدلف المطبخ وتفتح فمها بكلمة ثم أسرعت بوضع يدها على شفتيّ سعيد الذي أتى ورائها وسحبته بعيدًا.
في إيه يا عايدة.
ثم تساءل بعدما نظر أمامه.
هو البيه كمان راح فين.
أشارت عايدة برأسها جهة المطبخ، فألتوت شفتيه بسخط.
بتكلميني بالأشارات ليه؟
وفي لحظة أخذت حدقتاه تضيق وهتف بصياح وهو ينظر إلى نحو المطبخ.
البيه جوه مع ليلى.
روح ليهم يا سعيد، روح ما أنت مش هترتاح غير وأنت واقف وسطيهم وشايف بيعملوا إيه.
أسرع بالفعل إلى المطبخ لكنه تراجع بعدما التقطت أذنيه حديثهم.
خليني أكمل السلطه عنك.
لو سبتك تكملي باقي طبق السلطة هخرج أحضر الأكل على السفرة وأستلمي بقى أحلى كلام من عم سعيد.
لم يستطيع العم سعيد تمالك فضوله رغم محاولته مع نفسه.
ألتف ورائه ليجد عايدة تزجره بنظراتها، فغمغم بكلمات مُستاءة وحرك رأسه رافضًا تحذيراتها.
يا خبر يا بيه واقف بنفسك تعمل السلطة، كده برضو يا ليلى.
توقفت ليلى عن سكب الطعام بالأطباق وأشتعلت وجنتاها حرجًا ونظرت نحو عزيز الذي أستمر في تقطيع ما تبقى من خضار.
وفيها إيه يا راجل يا طيب، ده أكل كلنا هناكل منه ومافيش مشكله لما أشارك فيه وديه سلطة مش طبخه يعني.
حدق بهم العم سعيد به مبتسمًا.
كله عشان خاطر ليلى أكيد.
رد عزيز بعدما أستدار برأسه جهتها.
طبعًا عشان خاطرها.
توردت وجنتاي ليلى خجلًا، فتلك الأحاديث تُحرجها وتمتمت وهي تتحرك بما سكبته من طعام إلى خارج المطبخ.
أنا هجهز السفرة بسرعة وأشوف طنط عايدة.
توهجت عيناى عزيز بلهفة وهو يراها تفر من أمامهم.
مش عارف أمتى هتبطل كسوف، تعرف يا بيه النهاردة قولت يا زين ما أختارت، ويكرم مأوى الست عائشة والسيد حامد ، ونعمه التربية.
قطب عزيز ما بين حاجبيه وقد أنتهى من تقطيع السلطة، فزفر العم سعيد أنفاسه بحيرة وأقترب منه.
النهاردة أنا وهي أتصدمنا لما لقينا البشمهندس سيف مخبوط في رأسه...
أحتل الهلع ملامح عزيز لكنه أختفى في لحظتها عندما أستكمل العم سعيد كلامه.
بصراحه هي أتصادفت معاه الأول لما لقيته في المطبخ بيعمل عصير لنفسه. أصل أنا في الوقت ده كنت بره في الجنينة والبنت اللي بتساعدني راحت السوق...
أزدادت تقطيبة عزيز وحثه على المواصلة.
كمل يا عم سعيد.
أبتسم العم سعيد وهو يهز رأسه.
خرجت من المطبخ تدور عليا عشان ميصحش طبعًا تفضل معاه لوحدهم والفيلا مفيهاش حد وصممت تعمل له العصير وتحضر له فطار، لأ وكمان عقمنا له الجرح.
ألقى ما لديه وحدث أمام عينيه وأستطرد.
مش عارف يا بيه إزاي يخبط العربية في الرصيف، ده البشمهندس شاطر في السواقة للدرجادي مكنش مركز، الحمدلله إنها جات على خبطة رأسه.
ثم تقوست شفتيَّ العم سعيد بعد رضا وتساءل.
شكلك مكنتش تعرف حاجة عن الموضوع ده يا بيه، أنت نزلت شغلك بدري.
وحتى يُطمئنه عليه قال:
أوعى تقلق يا بيه، زي الفل هو لكن عايز منك شدة ودن عشان ميتهورش تاني في السواقة.
اتجه عزيز نحو الحوض حتى يغسل يديه وتمتم بصوت جامد لم ينتبه العم سعيد على نبرته.
قالك إنه خبط العربية في الرصيف لأنه مكنش مركز.
أوْمأ العم سعيد برأسه وتناول أحد الأطباق.
طول ما هو شغال مع العقربة يا بيه هيركز في حاجة، ده غير الحرباية اللي أتجوزها. مش عارف ليه بحس إن وراها شر.
غامت عيناي عزيز بنظرة خاوية.
أنا شوفته أمبارح وهو راجع متأخر في عربية بيسان.
خرج صوت شهد بوهن ثم أخفضت رأسها هربًا من تساؤلاتهم.
خرجت أتمشى شوية في الجنينة لأن كنت مخنوقة وشايفه بابا قدامي بينادى عليا...
وأنسابت دموعها، فهرول العم سعيد نحوها يحتضنها.
كان شكله خارج مبسوط من العربية.
أشاحت زينب وجهها بعيدًا متأففة بعدما ضجرت من مزاح سما وأزداد حرجها لأن جميع أفراد العائلة أنتبهوا على أهتمام صالح المبالغ به أمامهم.
أنتِ متأكدة أنكم بقالكم شهور متجوزين، أصل اللهفة ديه بيقولوا مش بتحصل غير في أول شهر جواز.
دهست زينب قدمها، فكتمت سما صرختها وضحكت.
هتلفتي الأنظار علينا يا زوزو، قوليلي صح رحلة أسوان محلياكم أنتوا الأتنين كدة إزاي.
أحتقنت ملامح زينب ونهضت من جوارها حانقة.
أنا مش عارفه ليه قاعدة جانبك لحد دلوقتي، ماشي يا سما.
أستني يا زوزو، ده أنا حتى جيبالك هدية حلوة، قولت إزاي أجيب ل أشرقت وأنتِ لأ.
أسرعت سما ورائها لكن قصي أعترض طريقهن.
أشمعنا المرادي أنتوا الأتنين مؤدبين، ومش شايف حاجات بتلمع.
ألقى حديثه بدعابة غامزًا لهم بطرف عينه، فأنطلقت ضحكة سما بخفوت.
ما أنت شايف يا قصي، الليلة تنظيمها تحت أشراف سيادة المستشارة و لبنى هانم وأنت عارف أنا و زوزو مهاراتنا مش بتبان غير مع الشعبي.
سما، أنتِ بتقولي إيه!
صاحت زينب بأستياء من أفعالها، فتلاعبت سما بحاجبيها ونظرت نحو قصي.
متظبط لينا الدنيا يا سيادة الرائد وأهي فرصة الكابتن أختفى عن الأجواء شويه ولحد ما يجي تاني هو وعيلته نكون أنبسطنا وأحنا أسرة واحدة محدش يعيب فينا.
تجلجلت ضحكات قصي ونظر نحو زينب التي أحتقنت ملامحها.
البت ديه أنتِ متأكده إنها بنت عمنا، وصي عليها جوزك في المطار لتفضحنا.
مزاح قصي جعل تجهمها يزول وأبتسمت رغمًا عنها.
هي كان نفسها تكون رقاصة بس أنت عارف طنط يسرا بقى...
رمقتهم سما بنظرة ساخطة ودارت بعينيها بينهم، فأنفلتت ضحكاتهم بقوة.
بقى أنا يا ست زوزو، طب خليني أسلط عليكي طنط لبنى أه حتى تفرفشي الجو شوية وهي هتحب ده أوي بدل الليلة الحزينة ديه حتى أشرقت هتفرفش معانا بدل ما بقت كئيية كده، أول مرة أشوف عروسة ضربه بوز ووشها مقلوب علينا.
وضع قصي يده على معدته من شدة الضحك ونظر إلى زينب التي وضعت يدها على شفتيها حتى تكتم صوت ضحكاتها.
لحظي إن اللي بتتكلمي عليها ديه أختى لكن برضو عندك حق مع إنها بتموت في سي مراد اللي لحد دلوقتي مش قادر أبلعه.
أرتجف جسد زينب عندما أتى بذكر أسمه وتذكرت مكالمته لها ذات ليلة ولا تعرف إلى اليوم سبب اتصاله بها وقد أخبرها إنه مجرد أطمئنان عليها لا غير.
بقولكم إيه أنا أتحمست، هروح أشوف حاتم، دماغه مطرقعة زينا لكن علي أخويا نكدي زي أشرقت.
قالها قصي بحماس وأبتعد عنهم، فأحتدت نظرات زينب وسحبت سما ورائها إلا أقرب غرفة.
أنا مش هرقص قدام حد، فبلاش تحرجيني قدامهم...
أتسعت ابتسامة سما، فأستشاطت ملامح زينب غيظًا لتبتعد عنها سما وهي ترفع ذراعيها لأعلى.
خلاص يا زوزو أنا بس كنت عايزه نفرفش الدنيا ل أشرقت، أنتِ مش شيفاها قاعده مش مبسوطة إزاي وبتبتسم بالعافية.
ألتقطتها زينب بأطراف أصابعها من لياقة القميص الذي ترتديه.
عادي يا سما، أكيد قلقانه يا حببتي.
برقت عينين سما بمكر فهي تُحب التحدث بتلك التفاصيل.
تفتكري هتكون قلقانه ليه يا زوزو، على فكرة أشرقت سهونة وأكيد كان بيحصل بينها وبين مراد تجاوزات ولا أنتِ فكراها قطة مغمضة زيك أخرها تقرء روايات رومانسية وتعيط من مشهد رومانسي.
أسرعت زينب بتكميم فمها، فنفضت سما يدها عنها بحنق.
برضو بتاخديني في الكلام ومش راضية تقوليلي إزاي رحلة أسوان مرجعاكي حلوه كده، زوزو الفار بدء يلعب جوايا لتكوني...
خفق قلب زينب وأزدردت لعابها بتوتر، فهل تأكدت سما من ذلك الشئ الذي أخبرتها به مرارًا من قبل.
لتكوني حامل يا زوزو...
أسترخت ملامح زينب ثم تحولت ملامحها للذعر عندما تذكرت أمر الوسيلة التي عليها أخذها للحَيْطة من حدوث حمل.
أصلهم بيقولوا في ستات بتحلو مع الحمل.
عاد عقل زينب يعمل في هذا الأمر الذي كادت أن تتنساه وعليها أن تذكره به الليلة.
زوزو سرحتي في إيه، أكيد طبعًا في حلاوة الكابتن وعيونه.
أمتقعت ملامح زينب ومدَّت يديها حتى تلفهم حول عنقها، فهرولت سما ضاحكة.
مش بقول شكلك حامل، أصل روحك بقت في مناخيرك.
أنتشل عزيز نفسه من بينهم بصعوبة بعدما وجد أن شروده صار ملحوظًا، أسرعت ليلى خلفه بعد نهوضه وسألته.
- عزيز هو أنا ممكن أفضل هنا لحد ما ترجع من مشوارك.
أبتسم رغم الفوضى والتساؤلات الكثيرة التي تُسيطر على عقله ثم أحتضن وجهها.
- خلي تليفونك بس جانبك أول ما أرجع هتصل بيكي، مافيش نوم بعيد عني تمام.
لم تتذمر بل هزت رأسها إليه.
- حاضر وهجهز كمان ليك زي ما أنت بتحب...
أندهش من كلامها الذي لم يستوعبه إلا عندما هربت بعينيها وتوترت.
تنهد وقد وصل له مبطنه، هو من وضع برأسها أن أحتياجه لها دائمًا يكون في أمر واحد وتعمد ترسيخ هذا الشئ داخل رأسها، فصارت مكافأتها له هي إرضائه بالطريقة التي يرغبها.
شعر بثقل شديد على صدره وتمنى أن يتأسف لها عن حقارته.
- وجودك معايا و جانبي أهم حاجة بالنسبة ليا دلوقتي يا ليلى.
ترك الصغير يزيد يد رغد التي أستطاعت بتلك الفترة القصيرة أن تجذبه إليها بعدما لفتت الخادمة نعمات نظرها بالطريقة التي تُعامل بها زينب الصغير.
رمقها صالح بنظرة غاضبة ثم أشاح وجهه ونظر إلى صغيره الذي هرول إليه.
بابي وحشتني أوي، كنت هخاصمك لو مجتش أخدت يزيد، فين زوزو أنا زعلان منكم أنتوا الأتنين أوي وبحب طنط رغد.
رفع صالح صغيره بين ذراعيه وألقى بنظرة خاطفة نحو رغد وضمه إلى حضنه بشوق.
أنت أول ما قولت تعالا يا بابي، جيت علطول، أوعدك رحلتنا الجاية هتكون معانا وأنت هتختار بنفسك نروح فين.
وعد يا بابي.
أبتسم صالح وغمره بقبلاتٍ كثيرة.
وعد يا روح وقلب بابي...
ما دام هو غالي عندك كده، حارمه ليه من وجود أخ له.
أبتسمت رغد عندما سمعت كلام العجوز، فهي اليوم لعبت برأسه عن أمر الحفيد الذي رُبما لا يحصل عليه من زينب.
اغلق صالح جفنيه حتى يسيطر على غضبه ولا يتشاجر معه اليوم.
بابا، إحنا أتفقنا على إيه؟
صاح صفوان وهو يهبط الدرج وأتبعته حورية التي تلاشت سعادتها.
خلاص مش هتكلم في حاجة النهاردة لكن الولد ده أنا ليا كلام معاه. أنا مش هفضل مستني كتير.
رمقه صالح بنظرة مستهزءة ثم أستدار بجسده وتحرك إلى خارج الفيلا.
هتستنا كتير يا شاكر باشا لأن أنا اللي ممانع فكرة الحمل.
أرتفع صياح شاكر بغضب وتحرك ورائه.
أنت يا ولد أستنا عندك، أنت شكلك فاكرني مش هقدر أسيطر عليك زي زمان.
أخفت رغد أبتسامتها سريعًا ونظرت نحو حورية التي اعتذرت منذ ساعات، فهي لا تستطيع دعوتها معهم.
متقلقيش يا طنط أنا مش زعلانه ومتفهمة السبب كويس.
واتجهت بعينيها نحو صفوان.
قريب يا عمو بابا وماما نزلين مصر من تاني وهرجع شقتنا.
تقابلت عيناي صفوان و حورية وأقترب منها رابتًا على خدها.
أنتِ مرحب بيكي معانا ديما يا رغد، وأنتِ عارفه مكانتك عندي إزاي.
توقف عزيز بسيارته في حي السيدة زينب ثم أرخى رأسه إلى الوراء مستندًا على مقعد السيارة.
بدء صوت أذان العشاء يملأ المكان، فنفض رأسه مُستغفرًا ثم ترجل من سيارته.
دخل إلى المسجد الذي يأتي للصلاة فيه من وقت لآخر ثم أتجه إلى دورة المياة الخاصة به حتى يتوضأ.
ألتمعت عينين الحاج عبدالرحمن عندما أشار أحد العاملين لديه - في محل العطارة - نحو سيارة عزيز.
عزيز بيه شكله هنا يا حاج.
لقد ورطتها سما وأنتهى الأمر وها هي زوجة عمها تلتقطها من ذراعها حتى تريهم مهاراتها مثلما تفعل بقية فتيات العائلة.
خجلت بالبداية أن ترقص أمام أولاد أعمامها لكن مع فرحة عائلتها أندمجت معهم.
إن غاب القط ألعب يا فار.
هذا ما تمتم به شاكر بأستنكار عند دلوفه إلى منزل نائل.
جلس عزيز على أحد المقاعد وأمامه سحب الحاج عبدالرحمن المقعد الأخر.
كوبايتين شاي يظبطوا الدماغ مش كده يا حاج.
ضحك الحاج عبدالرحمن وتبسم عزيز.
ما أنت عارف طلبنا يا وفيق
أسرع وفيق عائدًا إلى داخل المَقْهى حتى يُجهز لهم طلبهم كما يفعل دائمًا.
شكلك مهموم يا عزيز وجاي تاخد مشورتي.
تنهد عزيز بنفس ثقيل وأخفض رأسه.
مصدوم على زعلان ومهموم يا حاج عبدالرحمن وجاي ليك عشان تقولي أعمل إيه.
ربت الحاج عبدالرحمن على يده.
همك شكله كبير يا عزيز، أحكيلي.
أستند عزيز بذراعيه على الطاولة وزفر أنفاسه.
أستمع إليه الحاج عبدالرحمن بأنصات ثم أخذ يُردد.
أستغفر الله العظيم وأتوب إليه.
أنتهى عزيز من سرد ما صار يعرفه عن أبن شقيقه ومخاوفه، فتساءل الحاج عبدالرحمن.
هتسمع نصيحتي يا عزيز؟
أسرع عزيز بالرد وهو ينظر إليه.
أكيد يا حاج.
بدأت حدقتيّ عزيز تضيق في ترقب ليتحول ترقبه سريعًا إلى حيرة ثم برقت نظرة عيناه بالدهشة والذهول معًا، هو ألقى بكل ما يجيش بصدره وأنتظر مَشُورة الحاج عبدالرحمن لأنه يثق برأيه وحكمته لكن ما يخبره به من نصيحة لا يستوعبها ولا يفهم ما ورائها.
مالك يا عزيز مستغرب من نصيحتي ليه، صدقني سيف مش هتعرف تقومه غير كده، أنت أديته كل حاجه لكن نسيت تعرفه أصله من البداية كان منين وإزاي أنت و سالم والحاج رياض الله يرحمهم تعبتوا عشان توصلوا لكل ده، هاتوا يا عزيز هنا تحت عيني وجانبي، هاتوا يشرف على المعرض ويقرب مننا.
زفر عزيز نفسًا طويلًا ثم نظر حوله حيث المَقْهى البسيط الذي يجلس فيه مع الحاج عبدالرحمن.
ده مهندس ومعيد في الجامعة يا حاج عبدالرحمن، أقوله إزاي يجي يمسك شغلي في حي السيدة زينب، أعقلها يا حاج.
أنشرحت ملامح الحاج عبدالرحمن ثم أبتسم وهو ينظر إليه بنظرة واثقة.
فكر فيها يا عزيز وأنت هتستوعب كلامي وهتعرف إزاي تجيبه هنا يشتغل في الحارة وفي الأول والأخر ده مالكم وديه فترة مؤقتة يتحمل فيها شوية عنك.