قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية ظنها دمية بين أصابعه للكاتبة سهام صادق الفصل مئة وتسعة وثلاثون

رواية ظنها دمية بين أصابعه للكاتبة سهام صادق الفصل مئة وتسعة وثلاثون

رواية ظنها دمية بين أصابعه للكاتبة سهام صادق الفصل مئة وتسعة وثلاثون

لماذا هو اليوم هنا بعد أن طردته من منزلها وأخبرته أن يتركها بحالها؟
والسؤال الآخر الذي لا يجد له إجابة، ما هذا الشعور الذي يغمره وهو يرى سعادة صغيريها بهداياه؟
شكرًا يا عمو، تعال عندنا كل يوم.
قالها الصغير أنس وهو منشغل في اللعب بلعبته باهظة الثمن، فزجره شقيقه محمود بنظرة التقطتها عينا هارون على الفور.

اقترب الصغير أنس من شقيقه محمود وهمس في أذنه وقد ظن أن صوته لن يسمعه إلا شقيقه: عمو هارون طيب وبيجيب لينا هدايا حلوة يا محمود.
عقد هارون حاجبيه مبتسمًا، فعفوية ذلك الصغير أنس تتسلل إلى فؤاده دون مجهود منه.
أنس تعال معايا.
هتف بها محمود وهو يجتذب ذراع أنس حتى يترك لعبته ويتحرك معه.
تذمر أنس قائلًا: خليني آخذ لعبتي معايا.

تنهد محمود بغضب من أفعال شقيقه: اسمع الكلام يا أنس لأحسن أقول ل ماما لما ترجع من السوق.
أغلق الصغير محمود باب الغرفة أمام أنظار هارون المسلطة عليهما، وسرعان ما ضاقت حدقتاه عندما بدأ عقله يستوعب ما يحدث.
أخفض رأسه وعلى شفتيه ابتسامة خفيفة، فما يفعله ذلك الصغير محمود يذكره بما كان يفعله شقيقه معه في الصغر قبل أن تفرقهما الأيام في الكبر وتأخذهما في دوامتها وصراعاتها.

ارتفع صوت الصغيرين فجأة وكأن كل واحد منهما يريد فرض رأيه على الآخر، والرأي لم يكن إلا على وجوده كضيف في منزلهم.
عمو هارون طيب يا محمود وماما قالت لنا إن جدو كان شغال عنده في الجنينة بتاعته.
وبصوت مبتهج أردف الصغير أنس، فهو وحده من بدأ يرى هارون فانوسهم السحري: شفت هو جايب لينا حاجات حلوة إزاي؟
إحنا مش محتاجين حاجة من حد يا أنس، ماما بتشتغل وهتجيبلنا كل حاجة نفسنا فيها.

زمَّ الصغير أنس شفتيه بعبوس، فوضع محمود يديه على كتفيه وكاد أن يتحدث لكن أنس قاطعه بتذمر قائلًا: أنت كنت فرحان زيي باللعب يا محمود.
وأردف بنبرة صوت لامست قلب هارون: إحنا عمرنا ما جالنا لعب حلوة كده.
ماما مش هترضى ناخدها يا أنس بلاش بقى تفرح بيها وكأنها بتاعتنا.
طأطأ الصغير أنس رأسه في حزن، فارتعشت أهداب هارون بتأثر قوي وتراجع بخطوات واهنة عن الباب حتى يعود إلى مكان جلوسه قبل أن يخرج الصغيران.

خلينا نشبع لعب بيهم قبل ما ماما تيجي...
وتابع الصغير حديثه بتوسل لامس قلب شقيقه الأكبر: عشان خاطري يا محمود.
ولم يكن أمام محمود سوى الموافقة، فهو الآخر مثله يرغب بامتلاك تلك الألعاب لكنه يخشى من رؤية العجز في أعين والدته عندما تراهم سعداء بهدايا هذا العم وهي لا تستطيع أن تحضرها لهم لأنهم لا يمتلكون إلا القليل من المال الذي يكفي طعامهم.

خرج الصغير أنس أولًا وأسرع بالهتاف إلى هارون الذي رفع رأسه ناحيته: أنت أكيد زهقت وأنت لوحدك يا عمو.
هز هارون رأسه سريعًا وقد تلاقت عيناه بعيني محمود الذي يراه بعمره الصغير وجسده الضعيف رجلًا يعتمد عليه.
علي فكرة أنا جبت أكل كمان معايا، إيه رأيكم نحطه في الأطباق وناكل سوا لأن أنا جعان، أنتوا مش جعانين؟
أسرع أنس بالرد، فاحتقن وجه محمود غضبًا من شقيقه: أيوه جعانين يا عمو.

ارتبكت ليلى عندما بدأ منزل الجد نائل يكتظ بأفراد العائلة.
نظرت حولها تبحث عن زينب التي اختفت فجأة من المكان بعد أن أتى زوجها.
عارفة اللي يشوفنا يقول قمة الترابط والحب لكن من جوه هلا هلا ومن بره يعلم الله.
غمغمت بها سما قرب ليلى التي انتفضت فزعة والتفتت إليها.
بقولك الحقيقة عشان متنبهريش.
ابتلعت ليلى ريقها، فنظرت إليها سما بنظرة ثاقبة: ليلى ممكن تيجي معايا نتكلم في الفرندا شوية؟

قطبت ليلى جبينها بحيرة، فاجتذبتها سما من يدها: أنتِ مترددة كده ليه؟ تعالي مافيش حد هيساعدني غيرك.
زفر بسام أنفاسه بسأم ثم التقط ذلك المشروب البارد حتى يبتلع ثرثرة سلوى التي لا نفع منها.
إحنا من ساعة ما قعدنا وأنتِ مبتتكلميش في حاجة مهمة يا سلوى.
امتقع وجه سلوى، فهل ثرثرتها عن عريسها الذي ستزف إليه بعد أيام شيء ليس مهماً؟

ادخلي في الموضوع المهم يا سلوى وقوليلي إيه السر اللي خبته ليلى عني وكانت عايزة تعترف لي بيه؟
أخذت سلوى نفسًا عميقًا واسترخت على المقعد الجالسة عليه قائلة: يعني كلامي عن نفسي وخطيبي مش مهم وكلامي عن ليلى مهم يا سي بسام؟ ماشي يا سيدي نعديها ليك.
شعر بسام بالحرج وقد ظهر هذا بوضوح على ملامحه، فابتسمت سلوى وهي تهز رأسها هازئة.
سلوى أنا شكلي بضيع وقتي معاكي، عن إذنك.

كاد أن ينهض، فأسرعت سلوى بوضع يدها على يده: أنا هدخل في الموضوع على طول لأن أنا كمان وقتي الفترة دي مش ملكي.
وبابتسامة واسعة وهي تتلاعب بأظافرها المطلية بطلاء الأظافر أردفت: عروسة بقى.
افتر ثغر بسام باستياء وهمس في نفسه: الله يعينه على الابتلاء.
نظرت إليه سلوى ثم تنهدت: ليلى كانت بتحبك يا بسام وعمها أجبرها إنها تتجوز عزيز بيه.

انمحت ابتسامة بسام وخفق قلبه، فأسدلت سلوى أجفانها حتى تخفي عن عينيه نظرتها الماكرة.
أنا ندمانة لأني شجعتها وندمانة أكتر لأني خبيت عنك حب ليلى رغم أني كنت عارفة بحبك ليها وشايفاه.
وبنبرة صوت شجية مصطنعة استطردت قائلة: ليلى من ساعة ما اتجوزته وقطعت علاقتها بكل البنات زميلاتها في المصنع وأولهم كنت أنا.

توقفت عن الكلام ثم استكملت حديثها بدهاء: سمعت إنه بقى حبسها في البيت من يوم موت عمها، أنا حاسة بالذنب أوي أني شجعتها تبص ل عزيز الزهار لأنه البيه وهيعيشها كويس وبلاش تخلي قلبها يحركها.
أطلق بسام زفرة طويلة تحمل حيرته، فهو لا يصدق سلوى لكن فضوله يتحكم به.
أنت أكيد طبعاً مش مصدقني يا بسام وأنا عذراك لكن أنا قلت أصارحك قبل ما أسافر مع جوزي.

حدق بسام بها، فواصلت حديثها: حاول تتواصل معاها، مين عالم يمكن لسه ليكم نصيب مع بعض...
وحتى تزيد من قناعته نحو تلك الفرصة قالت: أنا كنت فاكرة إن أهم حاجة في الجواز هي الفلوس لكن...
ضم بسام كلا حاجبيه متعجبًا من صمتها فجأة ثم تلك التنهيدة الطويلة التي خرجت من شفتيها: الحب غير لي مفاهيم كتير يا بسام ويا بخت اللي يتجوز حبيبه.

التوت شفتا بسام بسخرية، فلو صدق جميع كلامها لن يصدق تلك القناعة التي صارت سلوى تتمتع بها اليوم.
اختفى الاسترخاء عن ملامح ليلى وهي ترى سما تمسك يديها متوسلة: ليلى، أنا مافيش حد يقدر يساعدني غيرك دلوقتي.
ابتلعت ليلى ريقها ونظرت حولها بتوجس، فهتفت سما برجاء: أنا هخليهم بس يدوروا عليا لحد ما ييأسوا ويحسوا بالفضيحة وبعدين هظهر ليهم.
استطاعت ليلى أخيرًا استيعاب ما أخبرتها به سما: عايزة نصيحتي يا سما؟

زفرت سما أنفاسها بضيق قائلة: خلاص يا ليلى اعتبريني محكتش ليكي حاجة.
التقطت ليلى ذراعها حتى لا تتحرك وهتفت بصوت خافت: سما أنا بحبكم أوي كعيلة جميلة.

ظهر الاستنكار على وجه سما، فأردفت ليلى بعد أن تنهدت بحزن: تفتكري سيادة اللواء هيقدر يستحمل موقف زي ده؟ أنتِ نفسك قلتي إنه من ساعة ما عرف الحقيقة وهو لا بيكلم عمك ولا مامتك ولا باباكي وبنفسي شفت تجاهله ليهم، ده غير سيادة الرائد شكله وهو خارج من أوضة سيادة اللواء كان باين عليه الحزن وعايز يكلمك.
أشاحت سما بوجهها حتى لا تتأثر بحديثها.

سما قوليلي هتستفادي إيه لما توصليهم لمرحلة الجنون من اختفائك يوم الفرح؟
أطبقت سما أجفانها وزفرت أنفاسها بمقت: قلتلك يا ليلى هظهر وقت ما أعرف أنهم وصلوا لمرحلة اليأس وبقوا خايفين من الفضيحة.
ليه تعملي فضيحة لنفسك ما دام هتكملي؟
رد ليلى جاء سريعًا، فاستدارت سما بجسدها واتجهت نحو الشرفة تقبض بيديها على حافة السور: مين قالك إني هكمل يا ليلى؟

وأردفت بعد إخراج زفرة عميقة حملت معها إرهاقها: أنا وقصي مبنحبش بعض يا ليلى، أنا كنت مجرد اقتراح وهو لما قيم الاقتراح لقاني مناسبة من كل النواحي.
توقفت سما عن الكلام ومسحت دموعها ثم ابتسمت ساخرة: جوازة مبنية على الخداع والمظاهر الكدابة.
أطرقت ليلى برأسها وعلى شفتيها ابتسامة حزينة: مش كل الجواز المبني على الحب ناجح يا سما.

التفتت إليها سما، فأطلقت ليلى تنهيدة طويلة: عارفة جوازتك دي كلها مش مفهومة، وساعات كتير الحاجات اللي بنرفضها ونكرهها بعدين بنتعلق بيها وبنحبها.
دخلت سماح الشقة بأكتاف متدلية وفي عينيها نظرة انكسار على حالها بعد إهانتها على يد عساكر دورية الشرطة المكلفين بتأمين الأسواق.
صوت صغارها المبهج جعلها رغماً عنها تبتسم، لكن مهلاً هناك صوت آخر يتداخل مع أصواتهم.

سقطت الأكياس التي بيديها ثم نظرت حولها تبحث عن صغارها بفزع: أنس، محمود، أنتوا فين؟
انتفض محمود من مكان وقوفه وهرول إليها قائلًا بخوف: عمو هارون بيصلح لينا حنفية الحوض.
ضاقت حدقتا سماح ونظرت إلى الممر الضيق الذي جاء منه صغيرها والذي يوجد به مطبخها الصغير والحمام.
أنا كل يوم قبل ما أمشي الصبح أقولكم إيه؟
هتفت غاضبة عندما تأكدت من وجود هارون في شقتها وكأنه لا يهتم بآخر حديث دار بينهما.

أطرق محمود رأسه ثم بدأ بفرك يديه: بتقولي لينا منفتحش الباب لحد منعرفهوش ولا ناخد حاجة من حد.
وبسرعة أردف الصغير محمود: أنا مكنتش عايز ألعب باللعب ولا آكل لكن أنس قالي...
رفع رأسه حتى يرى ردة فعل والدته والتي للتو انتبهت على الأغراض التي أتى بها هارون: سامحيني يا ماما مش هعمل كده تاني ولا هسمع كلام أنس.

خرج أنس بملابسه المبتلة مختبئًا وراء جسد هارون ورد بنبرة صوت مهزوزة: ماما آخر مرة وهسمع الكلام بعد كده.
تلاقت عينا هارون بعينيها ثم صاحت بصوت مرتفع: أنت عايز مني ومن ولادي إيه يا بيه؟
والرد لم يكن موجودًا ولم يجد أمامه إلا خفض رأسه بحرج.
أنا قلتلك إننا مش محتاجين إحسان من حد.

رفع هارون رأسه مندهشًا في أمرها وهتف وهو ينظر في عيني الصغير محمود: وأنا مش بحسن عليكم يا سماح، وبجد وجودي مع ولادك رجع ليا ذكريات حلوة مليانة دفء.
هزت رأسها مستهزئة من حديثه، فهي تعلم نواياه الخبيثة نحوها: بقى هارون بيه سايب القصر بتاعه وخدمه وحشمه وجاي يحس بالدفء في بيت بنت الجنايني؟
ماما عمو هارون طيب وبيحبنا.
تمتم بها الصغير أنس بعد أن أظهر وجهه من وراء جسد هارون.

احتدت ملامح سماح، فابتسم هارون وكاد أن يتحدث.
أنس تعال اقف جنب أخوك وحسابي معاك بعدين.
ارتجف الصغير أنس من شدة خوفه ثم سار نحو شقيقه وطأطأ رأسه.
لم تنتبه بعد على ابتلال ملابس صغيرها، فغضبها من وجود هارون في شقتها للمرة الثانية يشل عقلها عن التفكير ولا ترغب بشيء هذه اللحظة إلا الخلاص منه دون رجعة.
ممكن تتفضل تاخد حاجتك وتمشي من هنا وياريت عطفك توفره لحد محتاج.

اتجهت عيناه بتلقائية نحو المفتاح الذي كان يصلح به صنبور المياه ثم إلى قميصه المبتل.
أسرعت بألتقاط المفتاح منه وأشارت نحو الأشياء التي أتى بها: خد حاجتك يا بيه واتفضل من غير مطرود.
دارت عينا الصغيرين بينهما، فشعر هارون وكأن دلو من الماء البارد انسكب فوق رأسه: هكلم السواق بتاعي.
ثم أردف بعد أن عاد لتأمل هيئتها: أنتِ ليه لبسك متبهدل كده؟ وليه حتى وشك متعفر بالتراب؟

ابتلعت سماح ريقها بغصة: أكل العيش مر يا بيه لكن ما دام بالحلال نبلع مرارته وإحنا راضين وحامدين.
تهاوى سيف بجسده على تلك الأريكة القديمة التي تشبه كل أثاث الشقة ثم أخفى وجهه بين كفوف يديه متمتمًا بوجع وأنفاس ثقيلة: سامحيني يا بيسان، كان لازم أجرحك وأقولك إنك كنتي مجرد لعبة عايز أوصل ليها وإني كنت بضحك عليكي لحد مخليتك تسيبي خطيبك.

انسابت دموعه، فأسرع بمسحها قائلًا بكره وهو يتخيل آخر ابتسامة خبيثة رآها على وجه والدته: أنا دلوقتي فهمت ليه عمي كان بيبعدني عنها، عارف إنها لعنة على حياتنا...
أغلق أجفانه بقوة حتى يقاوم تلك الدموع التي كادت أن تغزو مقلتيه مرة أخرى.

بدأت بعض اللقطات تتسلل إلى ذاكرته منذ أن عاد إلى أرض الوطن؛ أمه كانت بارعة في استغلال شتات نفسه وسيطرة شيطانه عليه، ولولا ما فعله عمه عندما أقحمه بالعمل معه لاستمر في طريق ضياعه.
خرج عزيز من سيارته بوجه مكفهر ونظر جهة سيارة بيسان التي مرت من جواره ولم تنتبه إليه بسبب بكائها الشديد، وقد اتضح هذا على وجهها عندما سقطت عيناه عليها.
فرك جبينه ثم زفر أنفاسه بفتور وأغلق باب السيارة.

بخطوات بطيئة سار نحو تلك البناية واستمر في زفر أنفاسه.
ثقلت أقدامه عند صعود الدرج، فالقرار الذي اتخذه صعب لكن لا تراجع فيه، وقد اكتفى من كل شيء وعليه إغراق السفينة التي ظل سنوات يتقبل أضرارها دون أن يرى نفعاً منها.
الحقيقة بتكون صعبة بس بتريح يا ابن أخويا، وبدل ما كل شوية تنصدم من الدنيا خد كل حاجة مرة واحدة وبعدها هتقدر تتعافى لأن ابن سالم الزهار راجل.

غمغم بها عزيز عند وصوله للطابق الذي توجد به الشقة التي وصفها له زميل ذلك العامل الذي يعمل لديه هو الآخر.
وقف عزيز أمام باب الشقة بعد أن ألقى بنظرة مترددة نحو الشقة الأخرى ثم أخذ نفسًا طويلًا.
في ميلانو، إحدى مدن إيطاليا، يجلس مراد مسترخيًا أمامه على الطاولة فنجان من القهوة وفي يده السيجار الكوبي، وقد اتكأ برأسه إلى الوراء مستندًا على ظهر المقعد الجالس عليه.
ميعاد الطيارة بعد خمس ساعات.

قالها عدنان وهو يسحب المقعد الذي قبالته وجلس عليه.
قرب مراتك من سيلين مش مريحني، الستات مش بيقربوا من بعض غير وبعدها بتيجي كارثة.
ألقاها عدنان صريحة، فهو لا يفضل تقاربهن خاصة أن أشرقت صار يأتي من ورائها صداع رأس.
اعتدل مراد في جلوسه ورماه بنظرة تحمل سخرية مماثلة: والله يا باشا أنا عايزك تبعد مراتك عن مراتي لأن مراتي أنا قادر أسيطر عليها كويس.

صدحت ضحكات عدنان عالياً، فلو كان ألقى عليه مزحة ما كان ضحك هكذا.
تجهم وجه مراد وانتفخت أوداجه من الغضب، فضحكات عدنان لم تنقطع.
معلش يا مراد، بقالي مدة مسمعتش نكتة حلوة.
انمحى الغضب عن ملامح مراد، فهو لا يحتاج أثناء التعامل مع والده إلا البرود الذي أصبح يتقنه على يديه.
مراد بنت المستشار عايزة قرصة ودن.

نفض مراد رماد السيجارة ورمقه بنظرة فاترة، فتابع عدنان حديثه بسخط: إياك تكون فاكر مبيوصليش إنها بتدور ورانا عشان توقعنا، مالك يا ابن عدنان بقيت ناخخ كده؟
وبامتعاض أردف: ده اللي يشوفك يوم فرحكم يقول هتخليها تقول سمعًا وطاعًا.
دس مراد السيجارة بين شفتيه ثم نفث ما عبأه في صدره من دخان ثم قال وهو يعود لاسترخائه: أنا عايزها تدور عشان وهي بتدور هتكتشف إن باباها العظيم سيادة المستشار متورط في حاجات كتير.

هز عدنان رأسه غير مقتنع ونظر إلى أحد رجال مراد الواقفين: أنت حر معاها...
افتر ثغر مراد باستهجان، فزفر عدنان أنفاسه بضيق: خلينا نتكلم في الأهم، أبعد رجالتك وتهديدهم عن أنجي.
بحاجبين معقودين تساءل مراد وكأنه لا يعلم مقصده: أنجي مين؟
نظر إليه عدنان بنظرة ساخطه وصاح بضجر: مراد مش على بابا، وأنت عارف كويس إن أنجي هي مروة مرات أبوها...

وبحنق أسترسل عدنان: صالح الزيني مش ساكت وقريب هتلاقيه اكتشف إن اللي بيدور عليها عايشة معاه في نفس العمارة وبقت تدخل بيته.
ضغط مراد بأصابعه على السيجارة وغمغم بخفوت: غبية، إزاي معرفتهاش ولا قلبها حس...
ابتسم عدنان عندما رأى الغضب مرتسماً على ملامحه: تعرف إن هدفي في الأول خالص من النسب مع عيلة نائل الرفاعي كان زينب لأني كنت عارف كويس أنك مرتبط بيها من طفولتك.

برقت عينا مراد بنظرة جعلت عدنان يشيح بوجهه عنه: لقيت حفيد شاكر الزيني سبقك وبعدين عرفت إن عندنا فرصة حلوة مع العيلة وهي بنت المستشار.
وبثغر منفرج ببهجة لا سبب لها إلا أن عدنان يعاني من خطب ما في عقله: ارفع إيدك عن زينب وأنا أجيبهالك راكعة تحت رجليك وأخليك تفوز ببنات العم الاتنين...
ضاقت حدقتا مراد وتساءل بثبات: وتعملها إزاي دي؟

داعبت شفتي عدنان ابتسامة عريضة واتكأ بساعديه على الطاولة: ارفع إيدك الأول عن زينب لأني عايز أخلص الموضوع في أسرع وقت وأخد الأرض من شاكر الزيني.
وبطرف عينه غمز له: سيبلي الحكاية أوعدك في وقت قصير هخليها ليك، لا وإيه والطفل اللي في بطنها من صالح الزيني هخلصك منه وجيب أنت الأطفال منها، وأمك لما تحس روحها بيهم هترتاح...

توقفت أشرقت بسيارتها أسفل البناية التي يسكن فيها جدها ثم نظرت إلى هاتفها الذي يصدح رنينه برقم والدتها: أنتِ فين؟ العيلة كلها هنا والكل بيسأل عليكي، مش كفاية جوزك اللي ظهوره وسطينا بقى معدوم والكل دايماً يسألني عليه، دي آخرة الجوازات اللي ست بتهدر فيها كرامتها.

ترقرقت الدموع في عينيها، فوالدتها بارعة في زيادة بؤسها ونقمها على الآخرين: بقى زينب اللي كنا بنقول عليها مسكينة ومحدش كان يسمع ليها رأي في حاجة، تعالي شوفيها دلوقتي راسها مرفوعة ب صالح الزيني، لا وواكلة بعقله حلاوة وقاعدة هي وهو حوالين جدك بيضحكوا ويهزروا معاه وبيحكوله عن آخر زعل كان بينهم وإزاي زينب كانت واخدة الموضوع بحساسية.

نظرت لبنى حولها حتى تتأكد من عدم وجود أحد قربها: تعرفي كانت زعلانه منه ليه...
أطبقت أشرقت على شفتيها حتى لا تخرج صرختها وتخبرها أن تتوقف عن كلامها الذي يحرق فؤادها.
زعلانه منه عشان اشترى ليها شقة باباها، لا وإيه بيقول أنه مدفعش غير مبلغ بسيط عشان يكمل ليها على الفلوس.

تجهمت ملامح لبنى فجأة وبسخط واصلت حديثها: كنت عايزاكي أنتِ مكانها، أشوف جوزك فرحان بيكي وبيعملك ك ملكة ولو طلبتي نجمة من السما يجيبهالك، آه يا حسرة قلبي، عملت إيه في حياتي عشان أتحسر الحسرة دي؟
أجهشت أشرقت بالبكاء وارتجف قلبها قهرًا، فأردفت لبنى بمقت: يفيد بإيه الندم؟ أنا هقفل قبل ما حد ياخد باله.

سقط الهاتف من يدها بعد أن انتهت المكالمة وبحرقة لطمت خديها: هقتلك يا مراد، مش هرتاح غير لما أشوفك ميت قدامي.
وبهستيريا بدأت تردد حديثها والدموع تسيل على خديها.
دقائق مرت وهي تجلس في سيارتها مستندة بجبينها على عجلة القيادة ثم رفعت رأسها بعد أن بدأ هاتفها بالرنين ولم يكن إلا اتصالاً آخراً من والدتها.
ابتلعت غصتها بمرارة ثم لمعت عيناها فجأة ببريق من الأمل عندما أبصرت تحرك صالح نحو سيارته.

عاد حديث سيلين زوجة عدنان يتردد صداه في أذنيها، فهي أخبرتها أن هناك شيئاً خفياً يربط مراد مع زينب وعليها البحث عنه، لتتمتم بعد أن مسحت الدموع العالقة بأهدابها: أستغل كلام سيلين حتى لو كان كدب وأضم صالح حليف ليا عشان أنتقم من مراد.

أستند عزيز إلى أقرب جدار بعد أن غادر الشقة وترك سيف وحده كما يرغب ورغمًا عنه انفلتت دمعة من عينيه: أنا اتجوزتها عشانكم زمان، لو كنت أعرف إنك لما تكبر هتفضل الذكرى جواك ووجعاك مكنتش وافقت.

ودمعة أخرى كانت تنفلت من عيناي عزيز عندما صرخ عليه وأخبره إنه كان يراها وهي تذهب إلى غرفته وترتدي ملابس لا تستر، وحينما كان يسألها بالصباح ماذا كانت تفعل عند عمه تخبره أن عمه صار زوجها وعليها أن تنام جواره، ثم بعدها تضحك وتسأله هل سيفرح إذا أنجبت طفلاً من عمه، وعندما يثور عليها تحتضنه قائلة وكأن عقله الصغير سيفهمه: حبيبي أنا لازم أخلف من عمك، الطفل ده هيربطه بينا ولا أنت عايزه يتجوز واحدة تانية ويبعد عننا؟

توقف عزيز عند مدخل باب تلك البناية وبأنفاس هادرة تمتم: منك لله يا سمية، خليتي ابن أخويا عايش عمره كله شايفني واخد حق أبوه ولولا حنيتي عليه وإني طلقتك كان الكره اتزرع جواه.
وبوجع أردف عندما تذكر عجزه عن الإنجاب، فربما كانت قد حملت منه تلك الليلة: الحمد لله إني طلعت مبخلفش.
تمالك نفسه ثم سار بوهن واتجه نحو سيارته وقبل صعودها أخرج هاتفه ليهاتف أولاً ذلك العامل الذي أعطاه عنوان هذا المنزل.

انتظر لثوانٍ حتى رد العامل بنبرة صوت قلقة: أيوه يا عزيز بيه، حاضر يا بيه...
نظر النادل نحو الطعام الذي لم يمسه هارون متسائلاً: الأكل مش عاجبك يا فندم؟
نظر إليه هارون ثم ابتسم: أكلكم على طول هايل، أنا الظاهر ماليش نفس.
ثم أردف بلطف يتمتع به: ممكن الحساب؟
أسرع النادل بالاستجابة لطلبه، وبذهن شارد نهض هارون لمغادرة المطعم.
ضاقت حدقتاه قبل صعوده سيارته عندما وجد اتصالاً من عزيز.
عزيز الزهار غريبة!

تمتم بها ثم أجاب بتوجس: عزيز؟ عايزني أقابلك؟ موضوع مهم أوي؟ خلاص خلينا نتقابل في ال?يلا عندي أو تعالا ليا أنا في مطعم...
قاطعه عزيز ونظر نحو الطريق وهو يضغط بيديه على عجلة القيادة: لا خلينا نتقابل في مكان فيه خصوصية أكتر.
والمكان الذي اختاره هارون هو الذهاب إلى شركته التي خلت من الموظفين وقد انتهى دوام العمل.

تقابلا في ردهة الشركة ليحاول هارون نفض رأسه عن تلك المرأة التي أصبحت تجذبه بأفعالها وابتسم وهو يمد يده ليصافح عزيز.
خير يا عزيز؟ قلقتني.
تساءل هارون عند دلفهما إلى المصعد.
أخفض عزيز رأسه متنهدًا: هتعرف كل حاجة يا هارون بيه...
أومأ هارون برأسه والقلق صار يسيطر عليه بالكامل، وانتظر أن يصبحا في غرفة مكتبه.
أخذ عزيز نفسًا طويلًا ثم زفره بثقل فور أن صارا داخل غرفة المكتب الخاصة ب هارون.

أبعد بنتك عن ابن أخويا يا هارون.
تجهمت ملامح هارون سريعًا وارتفع صوته باستهجان: أنا اللي كنت عايز أقولك أبعد ابن أخوك عن بنتي، مش كفاية خسرها خطيبها؟
وبضيق واصل حديثه: عزيز يا زهار أنا بحترمك وأقدرك لكن لحد هنا كفاية أوي...
حرك عزيز رأسه مستهزءً: أنا اللي جاي أقولك كفاية عليا وعلى ولاد أخويا لحد النهاردة، بنتك ومراتك سمية هانم أبعدهم عننا.

احتدت عينا هارون وأشار إليه بأن يغادر غرفة مكتبه: علم ابن أخوك الأول الأصول والعيب يا عزيز بيه وأنا أوعدك ههتم بشؤون بنتي كويس.
رمقه عزيز بنظرة مستخفة ثم اتجه نحو طاولة مكتبه بعد أن التقط بعينيه تلك الصورة العائلية التي تجمع هارون وسمية وبينهما تقف بيسان سعيدة.

مرر عزيز أصابعه على تلك الصورة، فحدق هارون بفعله، وقبل أن يستكمل هارون حديثه الساخط عن أفعال سيف الذي يتمنى عدم رؤية وجهه بعد أن جعل ابنته تخسر رجلاً مثل فارس، قال عزيز: إزاي قدرت كل السنين دي تخدعك وتسيب بنتك تتربى على إيدين عقربة كانت السبب في موت أمها؟
تجمدت ملامح هارون متسائلاً بلسان ثقيل: أنت بتقول إيه؟

استدار عزيز إليه وعلى شفتيه ابتسامة اختفت عن وجهه عندما وجد هارون يتمتم: قالتلي قبل ما تموت إنها مش هتسامحني.
وتذكر زوجته الراحلة عندما التقطت يده ترجوه قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة: متخليهاش تربي بنتي يا هارون.
أطبق عزيز يديه قائلًا بعد أن أشاح بوجهه عنه: قالتلك كده لأنها كانت السبب في موتها، موتتها بالبطيء وبعدها قهرتها على جوزها لما خطفته منها وبجبروت راحت تقولها إنك اتجوزتها عليها.

استمر هارون في هذيانه عندما استرجع في ذاكرته ذكرى تلك الليلة...

الفصل التالي
بعد 19 ساعة و 12 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة