رواية ظنها دمية بين أصابعه للكاتبة سهام صادق الفصل الحادي والعشرون
رفعت شهد عيناها عن الكتاب الذي تدرس به بعدما دلفت ليلى الغرفة.
الطريق كان زحمة أوي، الواحد راجع هلكان.
رمقت شهد ساقها -التي مَازالت بالجبيرة- ببؤس، فهي تعيق حركتها رغم مرور أكثر من اسبوعين على خروجها من المشفى.
وماما كمان زمانها هلكانه في الخدمة هناك وأهو استاذ سيف رجع ومعاه مراته الأجنبيه.
قالتها شهد بحزن، فتعلقت عينين ليلى بها وقد اعتلت الحيرة وجهها.
سيف مين؟
وسُرعان ما كانت الحيرة تغادر ملامح ليلى وتحتلها الدهشة.
باشمهندس سيف ابن أخو عزيز بيه.
امتقعت ملامح شهد وعادت تنظر في سطور كتابها.
شكل وجودنا هنا قرب ينتهي، اكيد العروسة هتكون سيدة القصر.
نظرت إليها ليلى وجلست على الفراش وهي تزيل وشاح رأسها ثم خرجت من شفتيها زفرة طويلة.
أغلقت شهد كتابها وقذفته جوارها وقالت بضجر وهي تحاول النهوض من الفراش.
أنا زهقت من القاعده دي.
أسرعت ليلى صوبها بعدما نفضت رأسها من الأفكار التي طرقت رأسها والتقطتها من ذراعيها لتسندها.
فاضل اسبوع وتفكي الجبس.
أنا زهقت يا ليلي، كل يوم تقولولي فاضل ايام وتفكي الجبس والايام بتاعتكم مش راضيه تيجي.
ابتسمت ليلى على تذمرها الذي اعتادت عليه وتحركت بها ببطئ نحو الصاله لتُجلسها على الأريكة برفق.
الأيام بتعدي بسرعة يا متذمرة ويلا قوليلي هنعمل غدا إيه النهاردة، أنا شوفت طنط عايدة الصبح كانت بتبل البانيه.
مطت شهد شفتيها؛ فضحكت ليلى عليها.
هغير هدومي وأصلي الفرض اللي ضاع مني واجهز الغدا بسرعة. اكيد هيرجعوا من شغلهم في ال?يلا هلكانين.
نظرت عايدة نحو سعيد الذي وقف ينفخ خديه بغضب وقد ارتسم الوجوم على ملامحه منذ أن رأى تلك الفتاة التي تزوجها سيف أثناء رحلة دراسته بالخارج.
الشوربة ملحها زايد يا عايدة.
تمتم بها العم سعيد بعدما تذوق القليل منها؛ فأسرعت عايدة نحو وعاء الطعام الساخن -الذي تصاعدت أبخرته- لتتذوق منه.
امتعضت ملامح عايدة بعدما تذوقت مذاق شوربة اللحم لتنظر نحو سعيد.
الشوربة ملحها مظبوط يا سعيد.
زجرها سعيد ثم أشاح عيناه عنها قائلاً وهو يتحرك ليغادر المطبخ.
سايبلك المطبخ خالص وخارج.
دلف عزيز من باب المطبخ وهو يقطب حاجبيه مندهشًا من مظهر شقيق زوجته الحانق.
ماله سعيد يا عايدة، ده أنا قولت النهاردة الدنيا مش هتكون سيعاه عشان رجوع الباشمهندس.
هزت عايدة رأسها بيأس من أفعال شقيقها.
من ساعة ما شاف عروسة الباشمهندس وهو قالب وشه...
وإحنا مالنا.
قالها عزيز بعدما جلس على أحد المقاعد الموجودة بالمطبخ والتقط حبة التفاح ليأكلها.
ما أنت عارف يا عزيز دماغ سعيد.
اقتربت من زوجها وجلست أمامه تتساءَل.
هي ليلى رجعت من الشغل؟!
ابتسم عزيز وابتلع ما قضمه من حبة التفاح قائلًا.
رجعت وبتجهز الغدا و شهد هانم قرفاها بطلباتها الكتير.
امتقعت ملامح عايدة وتنهدت بضيق من دلع ابنتها الزائد.
البنت دي محتاجه مني تقويم بس تقوم بالسلامة لأن شكل سعيد كان عنده حق دلعنا الزايد ليها مش هيخليها تحس بغيرها...
وبتمني واصلت عايدة كلامها.
ياريت تطلع زي ليلى.
اندهشت ليلى من تلك المعركة التي نشبت من العم
سعيد مع البراد بعدما أخرج منه زجاجة ماء.
رمقت تحركه بالمطبخ خلسة وقد أخذ يضرب كفيه ببعضهما.
ليه يا سيف تتجوز واحدة مش شبهك يا بني، ليه تجيب سمية تانيه في حياتك، قلبي بيقولي قدمها هيكون قدم خراب على البيت.
توقفت ليلى عن تقليب المعكرونة بالصلصة عندما بدأ العم سعيد بالكلام مع نفسه بصوت مسموع.
نظر إليها وهو يعلم أنها تنظر له بتعجب من حالته.
الله يرحمك يا سالم بيه، لو كنت عايش مكنتش هتكون مبسوط بالجوازة دي.
غادر العم سعيد المطبخ وقد ابتلعت ليلى أحرف كلماتها التي حملت فضولها لتعرف منه سبب عدم رضاه عن تلك العروس.
انسحبت عايدة من غرفة الطعام وبقى العم سعيد واقفًا كعادته قُرب عزيز.
نظرت سمية نحو عزيز الذي شرع بتناول طعامه في صمت.
الباشمهندس من اولها هو والهانم اللي جايبها لينا في ايده مش محترم وجودنا.
اكتفي عزيز برمق سمية بنظرة أخرستها لتزفر أنفاسها حانقة من تقبل عزيز لزواج سيف.
نظر نحوه العم سعيد بنظرة مشفقة؛ فهو أكثر من يعلم ما وراء صمت سيده، هو لم يتقبل هذا الزواج ولكنه مُرغم على الصمت بعد حمل الفتاة.
ابتسامة واسعة ارتسمت على محيا سيف عندما دخل غرفة الطعام وقد فاحت الرائحة الشهية وداعبت أنفه.
كان وحشني أكل عايدة اووي والكشك اللي أنت بتعمله يا راجل يا عجوز.
داعب سيف العم سعيد الذي ابتسم على الفور وأسرع قائلاً بحبور.
أنا عاملته ليك مخصوص النهاردة.
ربت سيف على كتف العم سعيد بحب ثم نظر نحو عمه و والدته التي أخذت تأكل بغيظ.
مساء الخير.
رد عزيز عليه تحيته لكن سمية لم ترفع عيناها عن طبقها إلاّ عندما جلس قُبالتها.
رفعت شفتيها مستنكرة من عدم هبوط تلك التي لن تعترف يومًا بأنها كنتها.
فين الغندورة بتاعت بلاد بره.
تعلقت عينيّ سيف بها بنظرة يائسة ثم أشاح عيناه عنها وبدأ يتناول طعامه.
تعبانه يا ماما من السفر، الرحلة كانت طويله علينا ومتنسيش إنها حامل.
عندما أتى بذكر هذا الأمر، فارت دماء سمية من الغضب وألقت بشوكتها على الطبق بوجة محتقن.
وأنت لحد دلوقتي مصدق إن الطفل ده منك.
احتقنت ملامح سيف وقبض على الملعقة التي لم تمسها شفتيه بعد.
ماما لو سمحتي، متنسيش إن اللي بتسئ في سمعتها دلوقتي مراتي وحامل في ابني، ابن سيف سالم الزهار.
سمية.
صاح بها عزيز بعدما ترك ملعقته؛ فلم يعد يتحمل أي حديث بهذا الأمر بعدما ألقى بقراره عليهم بالظهيرة.
تجاهلت سمية صياح عزيز بها، فهي مَازالت لا تستوعب أنه تزوج من فتاة أخرى غير بيسان ابنة زوجها.
ابنك اللي جايبه منها في الحرام، سالم لو كان عايش كان طب ساكت لحظتها يابن سالم الزهار.
سمية كفاية.
انتفخت أوداج عزيز من الغضب بعد ذكرها لاسم شقيقه الذي كان لا يستحق زوجة مثلها ولا يستحق أن يأتي ذكره في حديث كهذا.
رمقته سمية بنظرة ساخرة واقتربت منه بعدما نهض من مقعده وترك طعامه.
ابن اخوك المبجل اللي أنت وافقت يسافر بره ويكمل دراسته هناك...
توقفت سمية عن الكلام إلى أن صارت أمامه وجهًا لوجه.
عمل علاقه في الحرام ولما الهانم اللي انت سمحت النهاردة تقعدها في بيتك حملت قرر يتجوزها، شايف تربيتك يا عزيز بيه.
ما بلاش تتكلمي عن الفضيله يا سمية هانم.
قالها سيف ونظر نحو عمه الذي أخرسته هي هذه المرة بكلامها السام.
أطبق عزيز على جفنيه بعدما اشتد صداع رأسه وقد تحرك سيف من أمامهم بعد رمق والدته بنظرة اشتعل فيها غضب أخمدته السنين.
بعد إذنك يا عمي.
احتدت نظرات سمية وهي تتبع خُطواته بعينيها التي ضجت بالغضب.
شايف الولد يا عزيز، شايف تربيتك يا عزيز بيه.
لم يتحمل عزيز سماع المزيد؛ فصاح بعلو صوته.
عم سعيد.
أتى إليه العم سعيد مُهرولًا بعدما استمع إلى ندائه وقد اتجهت عيناه نحو سمية بغضب، فما الذي فعله سيده بحياته ليحمل كل هذا الهم وحده.
امرك يا عزيز بيه.
نظر إليه عزيز بعدما أخذ يدلك جبينه من شدة صداع رأسه.
محتاج مسكن للصداع يا راجل يا طيب.
قالها عزيز وهو يتحرك نحو غرفة مكتبه؛ فأسرعت سمية ورائه بعدما خمدت ثورتها.
مالك يا عزيز فيك إيه؟
امتقعت ملامح العم سعيد وهو يراها كيف تتبع سيده.
الله يرحمك يا سالم بيه.
تهاوى عزيز بجسده على الأريكة الموجوده بغرفة مكتبه ثم أغمض عيناه بقوة وأرخى رأسه إلى الوراء.
عزيز أنت كويس.
تساءَلت سمية وهي تقترب منه ثم جاورته، كادت أن تمد يدها نحو رأسه لكنها قبضت على يدها بقوة...
دلف العم سعيد الغرفة وهو يحمل حبة المسكن وكأس الماء ولم يروقه جلوس سمية قرب سيده الذي أغلق عيناه من شدة التعب.
حبة المسكن يا بيه.
تمتم بها العم سعيد وهو يمد يده له بالحبة وكأس الماء؛ ففتح عزيز عينه ونظر إليه ثم التقط منه الحبة ليبتلعها مع رشفة من الماء.
شكرًا يا راجل يا طيب.
بقيت أحسن دلوقتي يا عزيز.
رمقها العم سعيد شَزْرًا بعد نحنحتها وسؤالها الناعم وأخذ يردد داخله.
ست بمليون وش صحيح، ليه بس يا سيف يا بني تجيب لينا سمية تانيه،
نهض عزيز من فوق الأريكة وتحرك نحو شرفة مكتبه التي كانت مفتوحه.
سمية روحي بيتك.
شعرت سمية وكأن دلوًا من الماء انسكب على رأسها؛ فنظرت نحو العم سعيد الذي حدجها بنظرة شامته.
اندفعت سمية من مكانها ونظرت إليه بنظرة حملت وعيد يُخمد بعد وقت.
ماشي يا عزيز.
غادرت سمية المنزل وهي تتوعد له، لكن وعيدها كان يتبخر مع كل لقاء آخر يجمعهم.
تنهيدة طويلة وبطيئة خرجت منه وهو واقف مكانه شاخص البصر.
متفكرش كتير ولا تشيّل نفسك فوق طاقتك يا بني.
قالها العم سعيد واقترب منه ليقف قُربه.
اللي حصل حصل خلاص.
رغم عدم رضى العم سعيد بما حدث إلا أنه أراد أن يهون على سيده الأمر.
ده اختياره يا عم سعيد وأنا عمري ما وقفت قدام اختيار حد فيهم، وزي ما أنت قولت يا راجل يا طيب اللي حصل حصل خلاص.
هز العم سعيد برأسه وكاد أن يتحدث إلا أنه ابتلع حديثه الذي لن يجدي بنفع هذه الليلة.
لانت ملامح عزيز وخفق قلبه عندما رأها تتجه نحو المنزل الخشبي الصغير الذي يواجه شرفة مكتبه.
ضاقت عينين العم سعيد وتقدم بخُطواته للأمام وقد تفاجأ اليوم أن منزل القِطه الذي صنعه كان يقابل شرفة مكتب سيده.
أنا إزاي مأخدتش بالي وأنا بعمل قفص القطه، الله يسامحك يا سعيد، بقى تعمل قفص القطة قدام مكتب البيه.
تمتم بها العم سعيد بحنق من حاله، فانتبه عزيز على نفسه واستدار ناحيته.
مفيش مشكله يا راجل يا طيب. أنا مش متضرر من ده، الجنينه واسعه.
لا، لا، انا بكره هغير مكان القطه.
انتفض قلب عزيز وتلاشى اللين الذي احتل ملامحه عند رؤياها وقال بلهفة أخفاها سريعًا.
قولتلك يا راجل يا طيب أنا مش متضرر من ده، القطه خلاص اتعودت على المكان بتاعها.
أراد العم سعيد الإعتراض مُجددًا لكنه قاطعه قائلًا.
روح ارتاح يا عم سعيد، أنت النهاردة طول اليوم واقف على رجليك ولا أنت مبتتعبش يا راجل يا عجوز.
نطقها عزيز بمِزاح؛ فانشقت ابتسامة واسعة على شفتيّ العم سعيد.
نظرة نارية رمق بها عزيز تلك التي اقتربت منه لتلقي عليه تحية الصباح بلغتها.
تجاهلها عزيز واتجه نحو غرفة مكتبه؛ فاستدارت كارولين نحو سيف الذي دلف للتو من باب المنزل وقد شاهد الأمر.
ما الأمر سيف.
قولتلك اطلعي غيري هدومك، هنا مش زي أمريكا.
امتعضت ملامحها؛ فلم يمر يوم على قدومها هُنَا وكل شىء تتلقاه يحمل كلمة ممنوع.
تأففت بصوت مسموع وتحركت من أمامه نحو الأعلى؛ فرمقها وهو يظفر أنفاسه بقوة ثم تحرك نحو غرفة مكتب عمه.
صباح الخير.
هتف بها سيف وهو يغرز أصابعه في خصلات شعره وقد شعر بالحرج مما حدث.
بصوت تخلله الجمود تمتم عزيز:
صباح النور.
حاول ترتيب كلامه لكن عزيز قطع عليه الأمر.
فهم مراتك قوانين بيتنا يا ابن الزهار ولا عيشتك بره نستك الأصول وعوايدنا.
أخفض سيف رأسه بحرج شديد، فملابس كارولين كانت بالفعل غير لائقة لترتديها أمام عمه.
أنا آسف يا عمي ومعلش اعذرها هي لسا متفهمش نظام حياتنا ومع الوقت هتتأقلم.
لم يعجب عزيز رد ابن شقيقه؛ فأشاح عيناه عنه.
اتمنى تقدر تعلمها بسرعه نظام حياتنا.
هز سيف رأسه ثم أخذ يحرك يده على عنقه بتوتر متمتمًا بصوت خافت.
حاضر.
أسرع عزيز السائق بصعود السيارة بعدما أشار له عزيز بالتحرك نحو عملهم.
الوجوم الذي اِحتل ملامح عزيز كان واضحًا هذا الصباح، فتنحنح عزيز السائق حرجًا وسأله.
أنت كويس يا عزيز بيه.
رفع عزيز عيناه عن هاتفه ونظر له.
بخير يا عزيز، طمني على شهد بقت أحسن دلوقتي.
ابتسم عزيز وهو يتحرك بالسيارة ببطئ نحو البوابة.
بخير يا عزيز بيه وقريب هتفك الجبس.
عبرت السيارة بوابة المنزل وانغلقت البوابة بعد خروجها.
عاد عزيز لتصفح هاتفه لكنه رفع عيناه بعدما تمتم عزيز سائقه بالكلام.
شكل ليلى متأخرة على شغلها.
قالها عزيز السائق وهو ينظر نحو ابنة شقيقه التي تُسرع بخُطواتها نحو الطريق الرئيسي لتجد مواصلة تأخذها إلى الحافله التي تقلها للمصنع.
أقف ليها يا عزيز، أنا رايح المصنع.
أوقف عزيز السيارة وقد ابتعدت قليلًا عن مكان ليلى واستدار برأسه متسائلًا بدهشة.
أنت كنت قايل إننا هنروح معرض الزهراء النهاردة.
هرب عزيز بعينيه بعيدًا عنه حتى لا يرى تلك اللهفة التي تضج بعينيه عند سماع اسمها أو رؤيتها.
افتكرت إني عندي اجتماع مع مهندس الإنتاج في المصنع.
حرك عزيز رأسه بتفهم وابتسم وهو يطلق بوق السيارة حتى تتوقف ليلى عن سيرها.
اقتربت ليلى منهم وقد علت الدهشة ملامحها من وقوف السيارة جانب الطريق.
فتح عزيز زجاج السيارة ونظر لابنه شقيقه وقد أخذت تزفر أنفاسها بقوة بسبب سيرها بخُطوات سريعة.
تعالي يا ليلى نوصلك في طريقنا. عزيز بيه رايح المصنع.
ارتبكت ليلى ونظرت إلى عمها وهي لا تعرف بما تجيبه؛ فتلك المرة التي ذهبت فيها إلى المصنع معهم، انتشر الحديث ولم يرحمها البعض من اسئلته عن مدى تقارب عمها من السيد عزيز.
أنا هاخد مواصله من على أول الشارع وإن شاء الله هلحق باص المصنع.
اخترق حديثها سمع عزيز وتوقفت يده على شاشة هاتفه، وأخذ يتساءَل داخله هل رفضت بالفعل عرض توصيلها؟
يا بنتي وليه تتعبي نفسك في المواصلات وإحنا رايحين المصنع.
قطب عزيز حاجبيه وارتكزت عيناه عليها.
نظرت نحوه بنظرة خاطفة التقطتها عيناه وكادت أن تتحدث؛ فقاطعها قائلاً بعدما عاد يصطنع الإنشغال بهاتفه.
عمك كلامه صح، أنتِ في طريقنا وممكن متلحقيش الباص.
نظرت له ثم إلى عمها بقله حيله.
يلا يا ليلى عشان منأخرش عزيز بيه.
صعدت السيارة بعدما لم تجد ما تخبر به عمها دون حرج.
خفق قلبه الخائن لوجودها قُربه ولم يجد إلاّ اصطناع العبوس حتى لا ينفضح أمره وتظهر مشاعره.
وفي حضورها كانت أنفاسه تُسلب وفي حضوره كانت الحقيقة تتجلى بوضوح أمام عينيها.
أين هي و أين هو؟
وضعت زينب الحقائب الكثيرة التي تحملها جانبًا وجلست على أحد المقاعد تزفر أنفاسها بتعب.
كانت السيدة حورية مثلها تضع ما تحمله جوار مقعدها.
برضوه مصصمه منتغداش سوا.
شعرت زينب بالحرج منها؛ فهي لا تستطيع تناول الطعام دون جدها وقد وعدته أنها ستأتي قبل الرابعة عصرًا ليتناولوا طعامهم سويًا.
سامحيني يا طنط، وعدت جدو نتغدا سوا.
ابتسمت حورية بحبور وربتت على يدها بمحبة حقيقية.
ولا يهمك يا زينب، أنا مش عارفه هتعملي إيه لما تبعدي عنه.
ابتسامة واسعة ارتسمت على شفتيً زينب عندما تذكرت ما أخبرها به صالح في إحدى مكالمتهم القليلة.
صالح قالي تقدري تروحي ليه على طول لأنه اغلب الوقت بيكون في شغله.
لا تعلم لما عندما نطقت هذا الكلام، شعرت بشعور سئ عكس وقتما أخبرها. فعمله يأخذ كل وقته وهذا ما حدث عندما ذهب لمهمة التدريب التي يرأسها هو.
هو الشغل دايمًا واخد كل وقته...
تساءَلت بها بخجل؛ فنظرت لها حورية وهي لا تعرف بما تخبرها.
للأسف شغل صالح متعب وهو بيحب شغله اووي، ف دايمًا حاطه في المرتبة الأولى في حياته.
نظرت إليها زينب ثم فركت يديها معًا وقد تحرر أخيرًا الكلام من شفتيها.
حتى مكالمتنا قليله ومبعرفش اوصل ليه لما بكون عايزه اكلمه واسأله عن حاجة.
لم تعرف السيدة حورية كيف تجيبها ولم يخلصها من هذا الحرج إلاّ قدوم النادل.
استطاعت السيدة حورية رسم ابتسامتها الجميله وقد أخفت داخلها غضبها من تصرف ابنها، فحتى المكالمات الهاتفيه يحرم الفتاة منها.
خلينا نشرب حاجة ترجع لينا نشاطنا ونلحق نخلص قبل الساعه تلاته عشان متتأخريش على نائل بيه.
في الوقت الذي تعلم فيه محادثة ابنها لصغيره كانت تقف قرب الصغير منتظرة إنهاء محادثتهم.
التقط السيدة حورية الهاتف من يد نعمات بعدما أنهى صالح حديثه مع صغيره وأخبره أنه يحبه بشده وسيعود قريبًا.
اندهشت نعمات من تحرك السيدة حورية بالهاتف للخارج واتجهت نحو غرفتها.
قولي اخر مرة كلمة فيها خطيبتك كان امتى...
لم ينطق صالح بكلمة لأنه بالفعل لا يتذكر أخر مكالمه كانت لهم، ربما كانت بالأسبوع الماضي.
البنت بعد اسبوع هتكون مراتك، عارف يعني إيه مراتك.
مساء الخير يا دكتورة حورية.
ببرود ألقى صالح عليها السلام؛ فامتقعت ملامحها بغضب.
والله خسارة فيك البنت ديه، للأسف المرادي في عنادك مع جدك أنت الخسران يا صالح.
رسالتك وصلت يا دكتورة.
زفرت حورية أنفاسها بقوة، وهتفت بيأس منه.
هترجع امتى؟ فرحك بعد اسبوع يا استاذ.
تحرك صالح بالغرفة التي يقيم بها وأخذ يفك أزرار قميصه ثم جلس على الفراش بإرهاق.
هنزل بعد يومين.
صالح لآخر مرة بسألك، لو مش عايز زينب قول، حرام تظلم البنت معاك...
نظر لها صالح طويلًا لتقطع صمته قائله بدهاء.
أنا شايفه إن البنت بقت متردده في موضوع جوازكم وأنت اللي هتكون خسران.
تلك النيران التي رأتها السيدة حورية في أعين ابنها قبل إنهاء المكالمه المرئية جعلتها تتأكد أن ما يفعله ما هو سوى عناد مع جده تتمنى أن يفيق منه قبل فوات الأوان.
ضحك نائل من قلبه وهو يضمها لأحضانه بعد مزاحها له بأنه دومًا سيظل الرَجُل الأول الذي امتلك قلبها.
طيب و صالح هيكون إيه يا بنت أسامة.
توقفت زينب عن الضحك بعد سؤال جدها، فضاقت حدقتيّ نائل بحيرة عندما رأي صمتها وقد انتابه الشك.
مالك يا زينب، اوعي يكون حفيد شاكر زعلك في حاجه، أنا أصلا عايز افركش الجوازة ديه، البيه بدل ما تتعرفوا على بعض الشهر ده قام سافر مهمة تدريب، كان أجلها او وكل المهمة ديه لغيره...
ابتعدت زينب عن أحضان جدها وكادت أن تتحدث لكنه أشار إليها بالصمت.
هاتي التليفون بتاعي خليني اكلم جده.
يا جدو اسمعني.
قولت هاتي تليفوني.
قطع نقاشهم ارتفاع رنين هاتفها، نظر لها جدها بعدما التقطت الهاتف وقد التمعت عيناها باللهفة لرؤيتها اسمه.
مالك يا بنت أسامة.
أخفضت زينب عيناها بخجل من نظرات جدها ونهضت من جانبه وتحركت.
ده صالح يا جدو، هدخل اكلمه.
رمقها نائل بنظرة طويلة بعدما ابتعدت عنه وزفر أنفاسه بقوة، حفيدته وقعت في غرام هذا الرَجُل رغم افتقار لقائاتهم.
ما انت مجرب الحب يا نائل، بيجي من غير ميعاد، ياريت يا زينب حظك يكون احسن من اللي اتسميتي على اسمها ويعرف ابن الزيني قيمتك.
نظرت لها عايدة بأسف وهي تراها منهمكة في تحضير صنف الطعام الذي طلبه السيد سيف منهم.
سامحيني يا ليلى حتى يوم اجازتك مش سيباكي ترتاحي فيه ولا تخرجي زي البنات.
التفت ليلى نحوها بعدما انتهت من سكب محتوى الصنف الغربي في وعاء الطهي و ارتسم العبوس على ملامحها.
هو ليه مش مصدقين إني بكون مبسوطه وأنا بساعدكم.
بنت أصول يا بنتي، الله يرحم اللي احسن تربيتك واللي جيتي من صلبهم.
قالها العم سعيد بعدما دلف المطبخ واستمع إلى ردها الذي أبهج قلبه.
سعيد، أمتى هتيجي البنت اللي هتساعدني.
يومين وهتيجي يا عايدة، اختيار خدامة أمينة في الزمن ده بقى صعب اووي.
واصلت عايدة تحريك الملعقة في إناء الطعام وردت قائلة.
أفراد البيت رجعوا يزيدوا تاني يا سعيد وانا وأنت الصحة مبقتش زي زمان.
هز سعيد برأسه؛ فقد عاد الغائب لهم بعروس لا يرى فيها خيرًا.
مر الوقت إلى أن جاء وقت تقديم الطعام وقد انسحبت ليلى وعادت إلى المسكن لتسرع في تحضير الطعام لهم.
عندما تعلقت عينين كارولين بصنف الطعام الذي اشتهته هللت بسعادة.
رائحته شهية حبيبي، اشتقت لهذا الطعام.
طبعت قبلة خفيفة وسريعة على شفتيه أتى عليها عزيز الذي لم يعجبه الأمر.
امتعضت ملامح العم سعيد أما عايده أشاحت عيناها واستكملت مهمتها في وضع أطباق الطعام.
اكل عايدة كله يفتح النفس، تسلم ايديكم.
قالها عزيز بعدما جلس على مقعده؛ فابتسم سيف واقترب من عايدة ليقبل رأسها.
تسلم ايدك.
ابتهجت ملامح عايدة ؛ وربتت على خده بحب.
بالهنا والشفا. بس صنف الطعام اللي طلبته مني مخصوص مش أنا اللي عملاه.
لم ينتظر العم سعيد إكمالها لكلامها وقال بفخر وهو ينظر لهم.
ليلى هي اللي عملته.