رواية صرخات أنثى للكاتبة آية محمد رفعت الفصل الختامي
لم تتوقف زهرة الأعمار عند عامًا محددًا، تمر تارة ببطءٍ وتارة بسرعة الريح، وكأن البركة انتزعت من الوقت انتزاعًا، وقد قد الخريف على القصر لأكثر من مرةٍ، يتساقط أوراق الأشجار، وتعاد لصياغتها الأولى، تزدهر وتتناغم أوراقها مجددًا، في مظهر أكثر من رائع بباحة قصر الغرباوي.
بينما بالداخل.
كانت لمظاهر الحياة صورة أخرى داخل حوائط القصر، يضخ من الصالون المفتوح للحديقة رائحة القهوة الشهية، ومن خلف المكينة الخاصة بالقهوة، كان يقف بقامته الطويلة وجسده الرفيع، يعد مفضلته باستمتاعٍ.
التقط علي الكوب، وأتجه للمقعد المقابل للشرفة الزجاجية، يعتليه واضعًا ساقًا فوق الاخرى، وقد بدأ القراءة باحدى كتبه، وما هي الا دقائق حتى اندمج كليًا برحلته.
وهي نفس الدقائق الذي إتخذها ذلك الصغير، لأن يخطة خطوتين خلفها، ثم انحنى يزحف بذراعيه خلفها، وكلاهما يتجهات لوجهتهما المحددة، حيث يجلس علي يقرأ كتابه.
عدل من نظاراته الطبية، وهو يتابع قراءته، حتى شعر بلمساتٍ لطيفة تستحوذ على قدميه، أبعد الكتاب عنه مبتسمًا لرؤية هذا الوجه الملائكي، التقفه إليه، يُجلسه على ساقيه ويده تعبث بخصلات شعره البني الطويل، قائلًا بحبٍ: على باشا، أيه اللي مصحي جنابك في الوقت ده.
ضحك ابن أخيه، فطلت أسنانه العلوية التي لم تكتمل بعد، ويديه تزحف لنظاراته، ضحك على وهو يبعدها عنه قائلًا بمشاكسةٍ: شكلك هتبقى مثقف!
تسلل لأذنيه صوتًا خافتًا يأتي من خلفه: ألي (علي)
استدار علي خلفه؛ فتفاجئ بمن تعقد ذراعيها أمامها، وهي تتابعه يحمل الصغير بحزنٍ، استدار خلفه يشير لها بحبٍ: فيروزة حبيبة قلبي، تعالي!
خطت إليه، ومازالت تحمل البيبرون بين يدها، تركته جانبًا، وتسللت على ذراع أخيها الأكبر، حتى جلست قبالة الصغير، بينما يغمرهما علي بالقبلات، حتى نزع أحدهما مرءه، هاتفًا: اللي جابلك يخليك يا دكتور!
قالها ذلك الذي هبط من الأعلى للتو، يضع حقيبته السوداء على الطاولة القريبة منهم، ثم نزع نظارته السوداء الحاملة لماركة دولتشي آند جابانا، وحرر زر جاكيته البني؛ ليتمكن من الجلوس على حافة المقعد، يمنح أخيه بنظرة ساخرة، وهو يتابع: شايفك مريح بقالك كام يوم إنت اعتزلت وقلبتها babysitter ولا أيه!
تركهما أرضًا، وإتجه إليه يتفحصه باستغرابٍ: على فين؟
رد عليه عُمران بينما يلتقط مشروبه الدافئ من الخادم: عندي اجتماع مهم، وبعده ههرب على شقة الشباب، مستحيل أرجع هنا أقعد بالعفاريت دول.
ارتشف من كوبه، فاذا به ينتبه لابنه الذي جلس قبالة أخته الصغيرة يلعبان بأحد الالعاب الصغيرة، وصوت ضحكاتهما جعلوه يبتسم تلقائيًا، فمال الصغير يطبع قبلة على وجنة فيروزة، استدار على تجاه الدرج يراقب الطابق الاول بينما يهتف: لو فريدة هانم أو مايا قفشت ابنك هيسبقك على الmeeting بتاعك.
تعالت ضحكاته، ومال يضع الكوب جانبًا واتجه ينحني تجاههما وهو يخبره بجدية تامة: أنا بريء صدقني بحاول أعلمه يكون جنتل مان بس هو لقطها غلط!
عُمران!
لحق صوت النداء الرقيق صوت دعسات حذاء نسائي، فاستدار للخلق ليجدها زوجته، راقبهما على بملل، فتسلل يحمل فنجان قهوته وكتابه وتسلل لغرفة مكتبه، تاركًا لهما ساحة القتال، دنت.
إليه حتى وقفت قبالته، فنهض يتفحص المكان من حوله وحينما تأكد بانعزالهما عن الجميع ردد بهيامٍ: حبيب قلبه إنتِ!
هاجمته بنظراتٍ شرسة لحقها عصبية مندفعه: إنت عملت للولد أيه كل ما يقعد مع حد يعمل اللي عمله من شوية ده.
زوى حاجبيه بدهشةٍ مصطنعة، واستدار لابنه يتساءل ببراءة: عملت أيه يالا؟!
ربعت يديها أمام صدرها ونظراتها تحتد بشكلٍ جعله يتفحص ساعته، وقال: اتاخرت جدًا بليل نشوف موضوعك يا بيبي، يلا باي.
اتجه للمقعد ليحمل حقيبته، فصعق حينما لم يجدها محلها، عاد ينزع نظارته من جديد وردد بدهشةٍ: شنطتي كانت هنا!
هزت كتفيها وهي تجيبه: أنا لسه نازلة!
استدار محل جلوس الصغار، فلم يجد أي منهما، ركض عُمران يسارًا ويمينًا كالذي مسه عفريت من الجانٍ، وهو يصيح بانفعالٍ: عملوها.
رؤيته غاضبًا هكذا أثلجت صدرها تجاه ما أصاب ابنها الصغير من وقاحة ورثها من هذا الطاووس الوقح، التقط عُمران صوتًا قادم من أسفل الطاولة، انحنى للأسفل، فأصابته صاعقة حينما وجد حاسوبه بين يد ابنه، واليد الاخرى تحمل إحدى أزراره، بينما صاعقة أخرى أصابته، من تلك التي تقف أعلى السفرة تحمل هاتفه وسماعته.
ترك صدمة ما فعله ابنه جانبًا، واتجه إليها يجاهد في رسم ابتسامة مصطنعة: فيري حياتي إنتِ، هاتي الموبايل ده حالًا عشان منخسرناش بعض!
تعالت ضحكاتها، وألقت بالسماعة تجاه مكان وقوفه، سقط قلب عُمران خلفها، كادت أسنانه أن تدمي شفتيه السفلى، ليتحرر صوته بعصبيةٍ بالغة: فيروووز الموبايل لو مجاش في ايدي حالًا تصرفي مش هي...
لم يستكمل باقي كلماته ولحق الهاتف سماعته الحبيبة.
عُمران إنت اتجننت نزل الاولاد!
قالتها مايا بصدمة وهي تراه يحمل فيروزة ويضعها بالأعلى جوار ابنها على باب المنزل الداخلي، أشار لها بالاقتراب، فاقتربت لتجده يحرك رقبته يسارًا ويمينًا كأنه على وشك أن يتحول، بينما بنبرة هادئة قال: أنا وانتِ دايبين في بعض، وبينا مشروع عفريت أقصد طفل تاني، فعشان أيه نخسر بعض يا بيبي؟
ورفع اصبعه للاعلى مشيرًا، بينما يغمز لفيروزة بمكر، وقد خفف قيدها: الحيوان ده هو والبطريق اللي جنبه أتلفوا لاب وموبايل بنص ثروتي تقريبًا، وأنا سبق وحذرته مش حذرته انا قبل كده قدامك مرة لما دخل أوضة مستلزماتي!
!
هزت رأسها بخوف، فقبل جبينها وقال: ادخلي افطري وحضري نفسك للحفلة بتاعتك بليل، أنا اختارتلك dress شيك جدًا، وسبيني أنا أربي الكائنات دي عشان متتعقديش، أنا عايزك تركزي في المشروع اللي جاي بحيث ميجيش كائن مشابه للكانتلوب ده ولا شبهي نهائي.
عاد يتطلع للاعلى بحنقٍ، ثم استدار لها يستطرد: انا سميته على عشان يطلع محترم، وابن ناس زي دكتور على الغرباوي، فبما إن مفيش أمل يبقى أربيه أنا قبل ما يجبلي التهزيق على كبر!
ضمها إليه وهو يتطلع للاعلى تجاه الصغير الذي انطلق بنوبة من الضحك ظنًا من أن عمران يمازحه، فقال من بين اصطكاك أسنانه: مستفز الواد ده أوي!
همست له بارتباك: نزلهم يا عُمران.
ربت على كتفها وقال بتأثرٍ: قلب الأم ده مثالي بجد.
وتركها واتجه لغرفة الحرس الجانبية، فلحقت به تتساءل: رايح فين؟
رد عليها ببساطةٍ: هشوف حبل كبير شوية عشان متقعيش وتنكسر رقبتك الحلوة دي يا بيبي، مهو أنا مكنش ينفع أفرقك عن فلذة كبدك بردو!
هرولت مايا للداخل تصرخ دون توقف: علي!
فُتحت البوابة الرئيسية استقبالًا لسيارة أحمد الغرباوي، طل من الشرفة الخلفية يتمعن بصدمة مما رآه، فصاح لسائقه بجنون: نزلني.
صف السائق السيارة جانبًا، فهبط الاخير يركض تجاه البوابة، وهو يتساءل بصدمة: أيه اللي بتعمله ده يا عُمران؟!
وتابع وهو يهزه بعنف: نزل البنت بدل ما أعلقك مكانها.
جلس على المقعد البلاستيكي، واضعًا ساقًا فوق الاخرى، وبعنجهية الطاووس الوقح قال: لو لياقتك البدنية قدرت لده مش هعارضك!
زفر بضجرٍ واتجه إليه يقول: بطل البرود ده وقولي عملوا أيه؟
أجابه بحدة: اتسببوا في اتلافات ومصايب تقدر ب750 ألف دولار، لو عايز تنزل بنتك أو حفيدك تجبلي موبيل ولاب نفس النوع، نفس اللون، من نفس المكان، غير كده مفيش مجال للتفاوض.
يعلم كم هو عنيدًا، شرسًا، فقال بضجر: هكتبلك شيك بيهم ونزلهم.
هز رأسه معترضًا بغرورٍ: مقبلش أنا بالكلام ده، طلباتي قولتلها، وياريت من نفس الدول اللي جبتها منهم، وخد بالك انا بعت موظف من عندي يجبهم بنفسه عشان ميتخدشوش، يعني شغل الاون لاين والكلام ده مش هيحل معايا!
حرر الصغير ذراعيه بالهواء، فور أن رأى علي، فاذا بالاخير يهتف بثبات ماكر: على مغلطتش، فيروزة اللي حرضته.
ومال يحل الصغير، وقال مبتسمًا بخبث: عاقب إنت بقى!
تعجب أحمد من برود تصرفات علي، ولكن قد وصل إليه المفهوم حول أفعاله، حينما غلب قلب عُمران المعركة، ولأول مرة يتهاون مع من يمس متعلقاته، فاذا به يحل وثاق الصغيرة، ويحملها بين ذراعيه مثلما اعتاد، ومن ثم وضعها قبالته على الطاولة، يعاتبها كأنه يتحدث مع فتاة بالغة: دلعي ليكِ خلاكي تتخطي الحدود يا فيروزة، وده هيزعلني منك جدًا، وهيخليني أبعد عنك، أنتِ عايزة ده يحصل؟
ضحكت وصفقت بيدها ببراءة، فابتسم رغمًا عنه، وعاد يدعي خشونته: لما أكلمك تبصيلي وتركزي معايا، سامعه يا هانم!
عاد صوت ضحكاتها تغمر المكان، فرفع وجهه لزوجته التي تتابعه عاقدة الذراعي، يخبرها: بذمتك دي تنفع تتعاقب، دي تتأكل أكل!
قالها ومال يقبلها، فتعالت ضحكاته بسعادةٍ، إلى أن وضعها بيدي المساعدة، وقد كان يفكر جديًا بعدم الذهاب إلى العمل وأن يقضي اليوم برفقتها، وقف يراقبها وهي تبتعد معاها بابتسامة هادئة، وعاد يستعيد ثباته مجددًا، بينما يميل لزوجته، يفاجئها بضمها إليه، ويخبرها بجدية شتت عقلها: مش ناوية تحققيلي حلمي وتجبيلي بنت يا عسولة؟
حدجته بنظرة نارية، ودفعته بكل قوتها بينما تثور به: معنديش نية لذلك، وبعدين ما أنت ماشاء الله عندك تلات بنات.
وضع احدى يده بجيب سرواله وقائلًا ونظراته تتعمق بها فأربكتها: ولو بقوا عشرة أنا بحب البنات جدا يا مايا، وحابب نجيب بنت، راجعي الموضوع تاني.
دفعته برفق تجاه سيارته وهي تصيح: بلا تاني بلا تالت، إتاخرت على البشمهندس جمال، يلا.
عاد يتصلب أمامها، وبخشونة قال: أنا أروح المكان اللي أحبه في التوقيت اللي أحبه.
وأضاف بخبث: ثم إن الواقفة هنا عاملالي ميكس خطير.
واردف بينما يغمز لها: حبيبي، قلبه قوي واستقوى على حبيبه، كلها ساعتين وهتبتدي حفلة البراند بتاعكم، وقتها هنشوف قلب مين هيغير ويحقد على عيون البشر كلهم.
ومازحها قبل أن يعود للقصر: والاعراض دي هتحصلي أنا طبعًا، عشان متفهمش صح.
أشرقت بسمة العشق على وجهها بعدما تأكدت من مغادرته، بينما هو أتجه للحديقة الصغيرة، حيث وجد قطعتا السكر ملكه، تجلسان بالمساحة الأمنة المخصصة بالاطفال.
هرع ينحني إليهما. فتعالت ضحكاتهما بجنون، يشجعونه على حملهما، فانحنى إلى كلتهما، يشدد من ضمتهما ويطبع قبلات على أوجوههما بالتساوي، وكلما زاد من قبلة للاخرى، عاد يقبل الاخيرة حتى استسلم وجلس بينهما متناسيًا عمله نهائيًا.
صباح الخير.
قالتها فاطمة بابتسامتها الرقيقة، فقال عمران وهو ينتزع جاكيته: ظهورك بالتوقيت ده معناه أن جمال أو آيوب بلغك أني مرحتش، وأكيد هتتولي الاجتماع من هنا، فأنا افراج.
ضحكت وهي تراه يعود ليمازح تؤامتها بلطفٍ ومحبة، فقال فاطمة: بالظبط كده، الموضوع مش هياخد مني غير نص ساعة متقلقش.
حرك كتفيه بخفة وهو يحمل كلتاهما على ذراعيه: ده شكل واحد قلقان؟
هزت رأسها ضاحكة، ونطقت: لا نهائي، بس مش عدل انك تستغلنا في يوم أجازتنا، واللي قررنا نعمل فيه حفلة بسيطة للبراند بتاعنا.
سحب البيبرونة، ووضها بفم الصغيرة، بينما يخبرها: مكنش عندي أي نية والله، بس عملية الأغراء بدأت من فيروزة هانم، ولما فشلت جت كاري ولين وتمموا المهمة، فتم أغرائي وباكتساح كمان.
قالها وجذب المشط الصغير، ثم أخذ يمشط خصلاتهما الطويلة، وحاول بقدر الامكان الامساك بإحدى الخصل لصنع خصلة لكلاهما، وقد بذل مجهوده حتى وضعها بمنتصف شعرهما، هاتفًا: لو كانوا كبار شوية كنت أخدتهم معايا.
استدار صوب فاطمة يخبرها: فاطيما خلي المساعدة ترجعلي فيروزة تاني، ولو مش هتعبك تاني، تكلمي حد من الخدم يبلغوا على السواق يروح يجبلي مراد من شمس.
وأضاف وهو يجذب الألعاب ويرنو للطفلتين بحماس: أنا هكسب فيكم ثواب وهقعد بالاولاد، لما تخططوا لحفلات الشنط بتاعتكم.
كبتت ضحكاتها بنجاح، وقالت: عنيا حاضر.
غادرت لتنفذ ما يمليه عليها بينما مضى هو يلاعب الصغيرتين، وصوت ضحكهم كان يزيد سعادته، فمال يدغدغهم، وهو يهتف بخبث: الصوت القمر ده هيجذب بغبغاء بابا علي، هيخليه يسيبه ويجيلنا جري.
وقد صدق ما قال، فاذا بابنه يأتي مهرولًا زحفًا من باب المكتب المطل للحديقة، ينزع البيبرون من فمه، ويهتف بتلعثمٍ: أبا، بي...
ضحك وهو يوليه ظهره، بينما يتابع لعبه رفقة التؤامتان، حتى وجد من يستند على ظهره حتى دعم وقفته، رغم قامته الصغيرة، ومال يقابل وجهه ويضع كفه الصغير على وجه عُمران، الذي منحه نظرة حازمة، وقال: أنا لسه زعلان منك ومش هصفى بسهولة، فبلاش شكل السهوكة اللي عملهالك على ده، مش بيأكل معايا.
زم شفتيه، وتمتم بجمل غير مفهومة للاخير، فأصر عُمران على، حديثه قائلًا: وبعدين أنا مش مخصص ليك وقت للعب، وقولتلك مينفعش تلعب معايا طول ما أنا بلعب مع الهوانم القمرات دول.
جلس الصغير أرضًا يقلب حاجبيه، ليصبح نسخة لا تتجزأ عن الطاووس الوقح، فأشار له مدعيًا قلة حيلته: أنت راجل وهما بنات كوتي، هتلعب معاهم ازاي!
وأضاف وهو يسيطر على نفسه بصعوبة: وبعدين بحاول أقنعك ان فيروزة عمتك ولا تصلح ليك، نازل فيها بوس لما هتودينا في داهية!
ومال على النجيلة، يزحف حتى تمدد جواره يخبره ضاحكًا: متركزش مع اللي لا تجوز ليك، وركز مع الكوتي القمرات دول، نقيلك واحدة منهم، لانك كده كده هتتجوز واحدة فيهم.
وأضاف متفاخرًا باختياره: أوعى تفكر إنك هيكون ليك خيار تنقي من برة قصر الغرباوي، وبره عن بنات على الغرباوي نفسه، إنسى يا حبيبي، وبردو عشان متتعبش لازم تعرف أن نهاية أي تحدي مع أبوك أخره حيطة سد.
رفع الصغير رماديتاه الساحرة إليه، وكأنه يحاول فهم ما يقول أبيه، فقهقه ضاحكًا وقال: متعملش نفسك مش فاهمني، كده هشك أنك مش ابني.
عاد الصغير يتطلع أرضًا ويدلي بشفتيها، فمال عمران يتلقفه ويقبله ضاحكًا، بل ويهتف في حيرة: يا عُمري أنا أوعى تزعل مني أبدًا، ده أنا بوق في الفاضي أقسم بالله.
ونهض يستند بذراعيه ليضع ابنه على ركبتيه، ليستكمل حديثه: أنا ميهونش عليا زعلك، ولو على اللاب والموبايل ففداك ألف لاب يا حبيبي، بس ده ميسبلكش الباب مفتوح لتكرار هذا الفعل، متفقين يا على باشا؟
عاد الصغير يضحك مجددًا، وقد وضعه عُمران بالبقعة المخصصة للصغرتين، فما أن وُضع بداخلها حتى هرول زاحفًا ليجلس بين التؤامتان، فهتف عُمران ساخرًا: مش محتاج نصايح يا حبيب قلب بابي، عارف هدفك ومركز عليه!
ينتقل القصر بمواسم آخرى، كبر فيها الأطفال عامين اضافين، وقد اشتد الرباط القوي، بين على الصغير والكبير المثقف، حتى عُمران بالرغم من أنه كان يعشق الصغيرات، الا أنه لم يرفع يده عن تربية صغيره مثلما لم يرفع على يده عن الفتيات، ولكنه يفشل فشل ذريعًا بحجر بعض الامور التي يضعها عُمران خطًا أحمرًا لا يخص سوى الصغيرات، والتي يعاني منها أحمد بالاخص، الذي كان يسرق بين الفترة والاخرى القبل المسروق لحفيداته التؤامتان، في حين أن عُمران كان يتفاخر بكرمه، وتواضعه بتركه يقبل ابنه كلما شاء!
ومن بين تواطئ العلاقات، وبكل دبلوماسية يلجئ للمساعدة ليجد حلًا لتلك المعضلة التي يمر بها،
فانحنى يحمل صغيره بين ذراعيه، ثم وضعه قبالته على السراحة، يطالعه بنظرة ماكرة، حتى توصل إلى ما سيفعله، فمال تجاهه يخبره ببسمة خبيثة: علي، حبيب قلب بابي السكر، أنا محتاج مساعدة منك يا بطل، هتقدر تساعدني ولا هتطلع خرع من أولها؟
راقبه الصغير بتركيزٍ تام، وكأنه يخبره بسرًا حربيًا، يصعب عليه فهمه، فاذا بعُمران يتجه للخزانة، ويعود حاملًا بذلة صغيرة تحمل نفس لون بذلته، ساعد الصغير على النهوض، وبدأ بتبديل ملابسه وهو يخبره بإيجازٍ: مامي مش طايقاني، وعايزة تسيب البيت، لمجرد أني بحاول أقنعها تجبلك أخت صغنونة عسل، فللأسف هي رافضة تمامًا، بس أنا وإنت هنحاول نخليها تغير قرارها، اتفقنا ولا هتخلع؟
ضحك الصغير ومال يختطف البرفيوم الخاص بأبيه، يلهو به، فاذا بعُمران يخطفه منه وهو يحذره بغضب: لا، قولتلك ألف مرة حاجتي لأ يا علي، سامع!
ضم الصغير شفتيه بحزنٍ، ومال على يديه يزحف لنهاية طرف السراحة بضيقٍ، جعل الاخير يزفر بضيقٍ من ذلك الذي يتخذ كل أغراضه الشخصية مباحة له، فتح إحدى الادراج وجذب منها زجاجة كانت على وشك أن تنتهي، وقد قبل التضحية بها.
إتجه إليه يمنحه إياها، قائلًا بسخط: أنا مش فاهم إنت مش مركز في ألعابك ليه، كل تركيزك على أشياء أكبر من سنك!
ضحك الصغير بسعادة فطلت أسنانه العلوية التي لم تكتمل بشكلٍ أضحك عُمران، ومال يقبل وجنتيه بحنانٍ، بينما يعود ليعاونه بالانتهاء من ارتداء البذلة الأنيقة، وفور أنا انتهى سحب الزجاجة منه وقال: تمام بقيت بتاعتك، ممكن تركز معايا بقى.
ومنحه إحدى الزهور قائلًا: هنأخد الورد ده لمامي، أنت هتديها وردة وبوسة جميلة عشان تحن عليا وتقبل تتناقش معايا، تمام؟
سلطت رمادية الصغير على باقة الزهور الموضوعه بعشوائية، ثم عاد يتطلع على تلك الزهرة التي يحملها أبيه بعدم رضا، فتركها وحمل بعضًا من الزهور المنفردة، زفر عُمران بغيظٍ: آه منك أنت! أووف.
ثم حاول أن يجذب الزهور من يده في محاولة اقناعه بحمل الزهرة المنفردة ولكنه أبى، فلم يريد أن يضغط عليه فيبكيه، ووضعه أرضًا يتمسك بيده، متبعًا خطواته المتعثرة حتى وصلوا للمصعد، صعدوا معًا وهبطوا للأسفل حيث تجلس مايا بالحديقة، منشغلة بحاسوبها الشخصي.
انحنى عُمران إليه وقال: مامي أهي، يلا إعمل زي ما قولتلك، وأنا هاجي وراك.
تركه الصغير وخرج يتجه صوب والدته، التي ما أن رأته حتى تهللت آساريرها، فحملته وهي تقبل وجهه قائلة برقة: روح قلبي نازل ومتشيك كده ورايح على فين؟
ضحك الصغير وحمل لها وردة من بين الزهور التي يحملها، ثم مال يطبع قبلة على وجنتها، فانكمشت تعابيرها غضبًا بعدما رأت من يختبئ بالخلف ويغمز لها بابتسامة واسعة، فتركت الصغير الذي مازال يحمل بعض الزهور على الطاولة، واتجهت حيثما يقف الطاووس، الذي تظاهر بأنه يتأمل الحديقة مطلقًا صفيرًا مستمتعًا.
ربعت يديها أمام صدرها ووقفت تراقبه بغضب، فاذا به يستدير لها قائلًا: خلاص بقى يا مايا، متكبريش الحوار، أنا بقالي ساعة بدرب الولد على الحركة اللي تجاهلتيها دي، قلبك بقى قاسي أوي يا بيبي!
صرخت بوجهه بعنفوان: أنا اللي قلبي قسي! اللي فيك هتجيبه فيا ولا أيه؟!
دنى منها بنظراتٍ تحذيرية: صوتك عالي وده هيلغي أي نقاش سلمي بينا؟
استدارت تتجاهل حديثه، فاذا بها تبحث عن صغيرها في الطاولة التي تركته على أحد مقاعدها، فتمتمت بدهشةٍ: على فين؟!
انتبه عُمران لحديثها، ومال برقبته تجاه الطاولة والحديقة، فأسرع كلاهما إليها، يفتشان عنه بالحديقة، حتى وقف عُمران بمدخل القصر يشير لزوجته بأن تأتي لمحله.
ركضت تجاهه، تراقب ملامحه الغاضبة باستغراب، فاذا بها تفتح فاهها ببلاهة، حينما وجدته ينحني تجاه فراش ?يروزة ابنة فريدة، ويحيطها بالزهور المتبقية معه، ثم يميل وهو يطبع قبلات على وجهها، وضحكاته تتعالى بشكلٍ مضحك.
تمتم عُمران من بين اصطكاك أسنانه: أقنعه إزاي أن دي عمته!
انفجرت مايا ضاحكة وقالت بقلة حيلة: لما يكبر هيفهم أكيد.
وتساءلت باستغراب، حينما وجدته يحمل زهرتين ويركض صوب غرفة الصالون: هو رايح فين؟
تخطاها عُمران ولحق به، فتصنم حينما وجده يقدم الزهرة لفريدة، ويطبع قبلة على وجنتها، ومن ثم انتقل لشمس التي تجاورها وكرر فعلته، فهتف ساخرًا: هو ده اللي هو فالح فيه!
أتاه صوت على الضاحك من خلفه: مش تعليمك ده ولا هتتبرى من اللي زرعته فيه يا أوقح خلق الله!
زم شفتيه بنفور وقال: عملت أيه أنا، مش أحسن ما يطلع معقد وبتاع كتب زيك يا علي!
ارتشف من كوب قهوته التي يحملها بين يده، مرددًا بسخرية: خلاص متشتكيش يا حبيبي.
ترك عُمران محل زوجته، واتجه يسحب الكوب من أخيه، يرتشفه جرعة واحدة، ومنحه اياه بابتسامة خبيثة وهو ينادي صغيره: علي!
انتبه الصغير لابيه، فخطى إليه حتى وصل لأبيه، حمله عُمران، وأخرج الزهرة التي احتفظ بها لزوجته، وقدمها إليه قائلًا بمكرٍ: عملت الواجب مع هوانم عيلة الغرباوي كلهم، ونسيت عروستك كده أنكل على هيزعل منك يا حبيبي، بينا نطلع لفاطيما عشان نشوف كوكي ولين، وتدي واحده لاختك وواحدة لعروستك.
وعدل من جاكيت الصغير، قائلًا، وعينيه لا تفارق أخيه: لو زعلت كوكي أو لين منك هقيم الحد عليك، إتعامل بمنتهى الجنتلة والشياكة، مش عايز شكاوي منك، فاهم!
سقطت مايا بنوبة من الضحك، بينما انتزع علي، الصغير من يد أخيه: سيب الولد أنا مش عايزه يطلع وقح زيك، أنا قولتلك هربيه بنفسي عشان أضمن يتعامل مع البنات باحترام.
قالها، وسحب من الصغير الزهرة التي بيده، فابتسم علي ومال يطبع قبلة على وجنتي عمه الذي اتسعت عينيه في صدمة من أخيه الذي ربط بعقل الصغير أن من يمنحه زهرة يمنحه قبلة بعدها!
لف عُمران يده حول كتف أخيه المندهش من فعلة الصغير، ومال يهمس له: مش هتنجح يا علي، دي جينات يا حبيبي، أنت مش ساحر يعني عشان تغيرها!
وأضاف ضاحكًا: أنا بقول نختارله عروسة من الاتنين، ونضربلهم ورقة عرفي، ولا نسفر الولد ده مدرسة داخلية من دلوقتي أيه رأيك؟!
دفعه على للخلف وهتف بحنق: إبعد أنت عنه وهو هيتصلح حاله، بس ده مش هيحصل طول ما أنت جنبه يا أوقح خلق الله.
قالها وغادر بالصغير للاعلى، فاستغل عُمران هدوء مايا، وحاوط كتفيه، يخبرها بمكر: ما تيجي نكمل كلامنا فوق يا بيبي؟
دفعت يده عنها وصعدت الدرج، فراقبها وهتف بمزح: من ساعة ما خسيتي ورجعتي بطل تاني وأنتِ محدش عاد عارف يكلمك، بس على مين أنا نفسي طويل يابنت عثمان!
وما أن استدار ليغادر، حتى تفاجئ بفريدة تطالعه بحدة، فقال ببسمة واسعة: مساء الفل والجمال والورد المسقي بالندى، حقيقي مهما وجد أبطال بعيلة الغرباوي، مش هيجي بطل في مقومات فريدة هانم الغرباوي!
تحررت عن صمتها بعصبية بالغة: بطل! هقولك أيه، ما أنت مستواك متدني، الحمد لله أن حفيدي بيقضي أغلب وقته مع على مش معاك.
وأشارت تحذره: خليك بعيد عنه، سامع، أنت بتبقى كيوت ولين مع البنات، فأوكي معنديش مانع بقربك منهم، مع أني مش بكون راضية عن تصرفاتك مية في المية بس بالنهاية هما بيحبوك.
ابتسم وهو يخبرها بعنجهية: مفيش حد مبيحبنيش يا فريدة هانم، أنا واثق أنك بتقولي الكلام ده من جوه قلبك اللي واقع في دباديبي، وواثق أنك بتفكري مع نفسك تأدبي بنت أخوكي، بس للاسف هضطر أتدخل وأقف حارس مرمر ليها.
وشد ذراعها يلفها برقي، قائلًا بمكرٍ: أنا معنديش أمنية غير إنها تكون في رقتك وشياكتك، مين يملك الحظ الكفاية أنه يكون شبيه لفريدة هانم الغرباوي!
غمرت ضحكاتها القصر، ومازال يحركها بخفة وتزان، حتى تناست كل شيء كانت تحمله بانزعاجٍ له.
صيفًا، خريفًا، شتاء.
مرت الفصول بدورتها مجددًا، ليكتسب الاطفال ثلاثة أعوامًا آخرى، ويزداد تعلقهم الشديد بمن يقطر قلبه من فرط الحنان والمحبة، وبالرغم من أن مشاريعه نُفذت على أعلى مستوى، بما يجعله منشغلًا للغاية، الا أنه كان يخصص وقتًا لابنه وبناته، ويوم الجمعه كان يجتمع بمراد والاطفال.
يقضوه بلعبة كرة القدم، والسلة، وأكثر من لعبة، وها قد جمعه بهم اليوم، وقد كان أول دروسه لهم ببداية اليوم، هي الصلاة.
لقد اشترى جلبابًا لابنه ولابن شقيقته، واسدالات صغيرة لفيروزة وليان وكيان، وأصر أن يعلم الاولاد بمفردهم والبنات كذلك.
وحينما انتهى جلس بمنتصفهم، يفصل جلسة الولدين عن الفتيات، وبات يقص لهم عن قصص الانبياء، ويشاكسهم من فترة للاخرى، حتى أن انتهى فقفز الاطفال من فوقه، والاخر يتمدد على الارض ضاحكًا، يحتوي الفتيات الثلاث بين ذراعيه ومن فوق كتفيه يرفع على ومراد معًا.
وبعيدًا ومن خلف الزجاج يراقبه على مبتسمًا، ولجواره آدهم الذي ردد بابتسامة جذابة: هرجع وأقولك أني بحس كل مرة أني معرفش عُمران كويس!
ابتسم على واستدار يطالعه بنظرة ثابتة، وبثقة قال: بس أنا أعرفه، وأعرفه كويس أوي!
رد عليه يمازحه بقولًا كان محق فيه مئة بالمئة: ومين غيرك هيقدر يفهمه!
وضحك ومزحته تزداد بقوله: ولا أيه يا بابا علي؟
استدار صوب الباب الزجاجي، يسلط رماديتاه التي توهجت بمشهد أخيه الذي تتعالى ضحكاته من قلبه، ومازال يحمل الفتيات بين أحضانه، ويدعم الولدان من فوق ظهره، كأنه ينقل صورته المجسدة بالقادم بعلاقته مع أعمدة التي ستحمل العائلة من جديد!
الختام ربما كان لينغلق إن صُوب سهم زواج علي من خطيبته السابقة، وحينما لم يتخلى خطيب فطيمة السابق عنها، وإن نجح عُمران باستمالة الأفعى ألكس للزواج منه، وأن أصاب مايسان اليأس من أن تستعيد حب طفولتها، وكان سينتهي إن لم يُكشف أمر راكان، وبدأت قصة حضرة الضابط و شمس هانم لم تكن تلك القصص ستُكتب وتدون يومًا.
ربما حزن الجميع بخسارتهم الأولى، وانخرطت قلوبهم جميعًا بموجة من الالم، وقد ظنوا أن ما يمروا به هو السييء، ولكن وعسى أن تكرهوا شيئًا وفيه خيرًا كثيرًا لكم، ولقد من الله عز وجل عليهم جميعًا.
خاضوا ما خضوه من عقبات، لم تكن قصتهم بالمثالية مئة بالمئة، ولكنها بالنهاية اكتملت أركانها.
وحينما تتحدث عن شهامة رجالًا سيتذكرهم عالم رواياتي، ثق أنك لن تنسى #البابا الذي كان ونعم الأب، وموكدًا أنك لن تستطيع أن تنسى #الطاووس الوقح، وجديرًا بالذكر #حضرة الضابط، مرورًا ب #عبد الحليم الصديق الذي يصعب نسيانه، و من يتقاسم مع البابا بهدوئه #دكتور الحالات المتعسرة، وأن ذكر فجدير بالذكر أخيه #سي?و، وإن صفن العقل، سيتعلق ب #ابن الشيخ مهران، ولا تنسى ان تذكر ذلك الذي ألقى بغياهب الجُب #يُونس، وصديقه المسيحي #كابتن إيثوو، وإن ظهر #موسى و#صابر ضيوف شرف، حتمًا انك لن تناساهم أبدًا.
والذكر الخاص والدائم لبطلات حاربن بكل عزيمة، حتى كنا ونعم المتممات لكل أقصوصة ?.
تمت