قصص و روايات - روايات صعيدية :

رواية شمس الصعيد الجزء الأول للكاتبة ياسمين علاء الدين الفصل الرابع

رواية شمس الصعيد الجزء الأول للكاتبة ياسمين علاء الدين الفصل الرابع

رواية شمس الصعيد الجزء الأول للكاتبة ياسمين علاء الدين الفصل الرابع

في الشاليه
انتهت شمس من أداء الصلاة، وجلست تنتظر فزاع.
دخل الآخر بابتسامة هادئة.
سألته شمس: - اتأخرت ليه؟
أجاب فزاع: - كنت بجيب فطار، تعالي نفطر.
قالت وهي تنظر إليه بحماس: - طيب، بعد الفطار ينفع أنزل البحر شوية؟
رد سريعًا: - لا، اتفرجي بس، ما تنزليش.
عبست شمس عبوسًا لطيفًا، وقوّست شفتيها بطريقة طفولية جعلتها تبدو كالأطفال تمامًا.
ابتسم فزاع وقال مستسلمًا: - خلاص هنزلك، ما تزعليش كيف الأطفال إكده.

ضحكت شمس من جديد، فهي سهلة المصالحة، ثم جلس الاثنان يتناولان فطورهما معًا. وبعدها بدّلا ملابسهما استعدادًا للخروج.
ارتدت شمس رداءً طويلًا باللون الأسود مزينًا بورود بيضاء، وتحته بنطال جينز، مع طرحة ملونة زادت مظهرها حيوية.
نظر إليها فزاع باستغراب وقال: - نعم؟ إنتِ لابسة إكده ليه؟!
أجابته بثقة: - التونيك واسع وتحت الركبة، وبعدين الشط خاص يعني محدش معانا، فكك بقى وخليك طيب.

ضحك فزاع وقال: - أفكك؟ والله إنك طلعتي مشكلة، قدامي يا ست شمس!
خرجا معًا، وظلا يسيران على الشاطئ يتحدثان طويلًا، وكل واحد منهما يفتح قلبه للآخر، بينما كان الثاني يكتفي بالإنصات باهتمام.
جلست شمس على الرمال، ثم جذبت فزاع من يده ليجلس بجانبها. استجاب لها بهدوء، فوضعت رأسها على كتفه، ولم يكن منه إلا أن ضمها بسعادة صامتة.
قال فزاع وهو ينظر إلى الأمواج: - لسه خايفة مني؟

أجابته بصدق: - لا، مبسوطة وأنا معاك. تعرف إنك طلعت طيب؟
ضحك وقال: - تشكري يا ستي.
تابعت شمس: - بجد، بتضحك ليه؟ أنا كنت واخدة عنك فكرة إنك جامد وكل حاجة عندك جد، بس طلعت غير كده.

تنهد قليلًا ثم قال موضحًا: - لازم أكون شديد قدام الكل، أنا كبير العيلة. بس والله أنا كده بس وقت الجد، ودايمًا بحاول أراعي ربنا في كل تصرفاتي. إنتِ عارفة؟ يوم ما أبوي مات كنت في تانية هندسة، واضطريت أسيب الدراسة وأمسك الشركة والبلد، وشلت مسؤولية كبيرة فوق سني.
نظرت إليه شمس بإعجاب وقالت: - بس ما شاء الله عليك، راجل وقدها. وأنا آسفة إني كنت واخدة عنك فكرة غلط، وأتمنى تسامحني.

ابتسم فزاع بهدوء: - من حقك تتكلمي وتقولي اللي جواكِ. وبعدين إنتِ شريكتي، ولازم تنبهيني لو غلطت. وأنا هتقبل منك أي كلام بصدر رحب.
ابتسمت بمكر لطيف وقالت: - كده أنا هطمع في كرمك وأطلب منك تنزل معايا أشتري مايوه، عشان نفسي أنزل الميه، شكلها جميل.
انتفض فزاع بخضة واضحة: - إيه؟! مايوه؟! انسي!

ضحكت شمس وقالت بسرعة: - استنى بس، فيه مايوهات للمحجبات طويلة ومحتشمة. تعال ننزل المحلات وأفرجك، لو عجبك أشتريه، ولو لأ خلاص، اتفقنا؟
تنهد فزاع أخيرًا وقال: - تمام، يلا بينا.
قاد فزاع السيارة إلى منطقة المحلات، وبعد بحث قصير اختارت شمس مايوه شرعي طويل وواسع حتى يناسب شروطه. وبعد محاولات كثيرة منها، وافق أخيرًا على شرائه لها، رغم أنه لم يكن يحب هذا الأمر أبدًا.

وبينما كانا يسيران، لمحت شمس محلًا للملابس الرجالية، فابتسمت فجأة، ثم جذبت يده ودخلت به إلى المحل.
فزاع بضيق واضح وهو يعقد ذراعيه أمام صدره: - بطّلي زن يا شمس، أنا مستحيل ألبس الحاجات دي.
اقتربت منه شمس بخطوات هادئة، ثم رفعت تيشيرت أمامه وهي تنظر له بعينين مليئتين بالحماس: - ليه بس؟ بص عليه، هيبقى تحفة عليك. جرّبه مرة واحدة بس، علشان خاطري يا فزاع، بلييز.

نظر للتيشيرت ثم لها، وكأنها تضعه في معركة خاسرة مسبقًا. تنهد بثقل وهو يتمتم: - يا بنتي افهمي، دي مش طريقتي في اللبس أصلًا.
لكنها لم تستسلم، بل اقتربت أكثر وهي تهز ذراعه بدلال طفولي: - مرة واحدة بس، ولو ما عجبكش خلاص مش هقول حاجة تاني.
رمقها بنظرة طويلة، ثم خطف التيشيرت من يدها بملامح متذمرة وقال: - والله إنك متعبة.

دخل غرفة القياس، بينما وقفت شمس بالخارج تنتظر بخفة واضحة، وما إن خرج حتى اتسعت عيناها بصدمة وإعجاب حقيقي.
وضعت يدها على فمها وهي تقول بانبهار: - واااو، يا نهار أبيض! ده طالع عليك جامد جدًا!
تجمد فزاع مكانه للحظة من طريقتها، ثم نظر لنفسه في المرآة بعدم اقتناع: - حلو؟ يمكن، بس أنا ما ألبسش إكده. جلاليب، بدل، قمصان، إنما الحاجات دي لا، مش شبهي.

اقتربت منه شمس ببطء، ثم قالت وهي تتأمله بإعجاب صريح: - بالعكس، لايق عليك أوي. وبعدين ما شاء الله، جسمك متناسق وكل حاجة بتطلع عليك حلوة.
التفت لها فورًا وقد التقط معنى كلماتها، ثم ابتسم بمكر وهو يقترب خطوة: - لحظة، إنتِ كده بتعاكسيني يا شمس؟
احمرّ وجهها قليلًا، لكنها رفعت ذقنها بعناد لطيف وقالت بثقة: - أيوه، بصراحة آه.

ثم أسرعت تلتقط قميصًا آخر وتدفعه نحوه وهي تضحك: - يلا بقى، قيس ده كمان، وده بعده بسرعة.
ضحك فزاع رغمًا عنه، وهو يهز رأسه باستسلام كامل أمام إصرارها ودلالها الذي بدأ يضعف مقاومته شيئًا فشيئًا.
وفي النهاية، خرج من المحل محمّلًا بعدة أكياس، بينما كانت شمس تسير بجانبه بانتصار واضح، تبتسم كلما نظرت إليه.

أما هو، فكان يراقب فرحتها بصمت، شاعرًا أن ابتسامتها وحدها تستحق أن يغيّر لأجلها أشياء كثيرة اعتاد عليها طوال عمره.
عادا إلى المنزل معًا، والهدوء الدافئ يرافقهما كأن المسافة بين قلبيهما صارت أقصر من أي وقت مضى.
في المنزل...

شمس ابتسمت وهي تنظر إليه بتأمل واضح، ثم قالت بنبرة هادئة تحمل عتابًا لطيفًا: - شوفت؟ شكلك اتغير خالص. وبعدين إنت مكبّر نفسك ليه؟ إنت لسه ما وصلت الثلاثين حتى، ليه شايل الدنيا كلها فوق كتافك؟ عيش حياتك يا فزاع، إنت تستاهل تعيش لنفسك شوية.
ابتسم لها فزاع وهو يهز رأسه بخفة: - يعني التيشيرت هو اللي هيخليني أعيش حياتي؟

ضحكت شمس وقالت بسرعة: - أهو بداية تغيير. وبعدين مال حضرتك؟ والله شكلك قمور كده. خلي بالك، البنات هتعاكسك أكتر، وساعتها أنا اللي هتخانق معاهم.
انفجر فزاع ضاحكًا، ثم نظر إليها بنظرة طويلة دافئة وقال بصوت منخفض: - المهم عندي إنتِ شايفاني كيف، وبعدين إنتِ اللي قمر فعلًا.
سكت لحظة، ثم أكمل بصدق جعل قلبها يرتجف: - شمس، منورة حياتي وقلبي. وكل كلمة بقولها حاسس بيها بجد، صدقيني.

تعلقت عيناها به للحظات، وشعرت بدقات قلبها تتسارع بطريقة أربكتها. كان صوته مختلفًا هذه المرة، صادقًا لدرجة أخافتها.
أنزلت عينيها سريعًا وهي تحدث نفسها بصمت: وبعدين معاك يا فزاع، شكلي هحبك أوي.
في البلد...
كانت ضحى تقف في حديقة المنزل، شاردة الذهن وهي تعبث بأطراف حجابها بهدوء.
اقترب صقر من خلفها بخطوات حذرة، ثم نظر حوله سريعًا ليتأكد أن لا أحد يراهما، قبل أن يميل ويطبع قبلة خاطفة على وجنتها.

انتفضت ضحى بخضة وهي تلتفت إليه بعتاب: - صقر! إيه ده؟ خضّتني!
غمز لها بمكر وقال: - الجميل كان سرحان في إيه؟
تنهدت ضحى وهمست: - في اللي شاغل قلبه.
اقترب أكثر وهو يبتسم بعشق واضح: - واللي شاغل قلبه، بيموت فيه.
ابتسمت له بخجل، لكن ابتسامتها اختفت سريعًا وهي تقول بحزن: - بابا عايز يرجع القاهرة.

رد صقر فورًا وكأنه كان مستعدًا لطمأنتها: - وأنا كلمته، وخليت الحاجة ناصرة تكلمه كمان عشان يقعد يومين يغير جو، ووافق.
اتسعت عينا ضحى بفرحة حقيقية: - بجد يا صقر؟
ابتسم لها بحنان: - بجد يا قلب صقر. أنا نفسي تفضلي دايمًا قدام عيني، بس حكم القوي بقى.
قالت وهي تنظر له بحب: - وأنا على طول معاك وجنبك.
اقترب منها أكثر وهمس: - تحبي نخرج النهارده تاني؟

ضحكت ضحى بخفة: - خروجة امبارح كانت تجنن، وأحلى حاجة إنك كنت معايا اليوم كله.
نظر لها صقر بعشق واضح وقال بصوت خافت: - والله يا ضحى نفسي أخبيكي جوايا.
وفجأة جاء صوت من الخلف جعل الاثنين ينتفضان: - بتقول إيه يا صقر؟!
شهق صقر بفزع والتفت بسرعة: - بسم الله الرحمن الرحيم!
كان عابد يقف خلفهما عاقدًا حاجبيه، بينما حاول صقر التماسك بسرعة: - لا يا خال، بس اتفاجئت بيك. عامل إيه؟

لكن عابد تجاهله، وأمسك بيد ضحى يسحبها معه للداخل، بينما التفتت هي إلى صقر بعينين حزينتين.
هتف صقر بضيق: - خليها معايا يا خال!
رد عابد بجدية صارمة: - لا، إنت ملكش أمان.
تأفف صقر بضجر: - أووف! هو أنا عملت حاجة؟ كنت بكلمها بس.
قال عابد بحزم: - كفاية كلام. ادخلوا اقعدوا قدامي.
اعترضت ضحى بخجل: - يا بابا، صقر جوزي.
نظر لها والدها بحدة خفيفة: - بس يا قليلة الأدب، اتلمي.

خفضت ضحى رأسها بحزن، بينما كان صقر يراقبها بضيق واضح. كانا يريدان فقط بعض الوقت معًا، لكن الجميع كان يصر على مراقبتهما.
في قاعة الجلوس...
دخل عابد ممسكًا بضحي، وصقر خلفهما بوجه ممتعض.
رفعت ناصرة حاجبها باستغراب وقالت: - مالك يا عابد؟ ماسك البت كيف اللي قافش حرامي فراخ!
رد بجدية: - ابنك، مش ناوي يجيبها لبر.
تدخلت أمال بهدوء: - ليه يا أبو شمس؟ مكتوب كتابهم وكانوا واقفين بره بس.

أشار بيده بضيق: - اسكتي إنتِ. العيال دي تقعد قدام عيني أحسن.
ضاق صدر صقر من كلامه، فتركهم وخرج دون كلمة، بينما حزنت ضحى لأجله وصعدت إلى غرفتها سريعًا.
تنهدت ناصرة وهي تقول: - اللي تشوفه يا خوي، اقعد بس واهدأ.
قالت أمال محاولة تهدئته: - مالك متعصب كده؟ صقر راجل وقد كلمته.
تنهد عابد أخيرًا وقال بصدق: - أنا بحب صقر، بس خايف عليهم. لسه صغيرين والحب بياخد العقل.

أخذت ناصرة الهاتف واتصلت بشمس لتطمئن عليها وعلى فزاع.
- ألو يا شمس، عاملة إيه؟
ابتسمت شمس وهي تجيب: - الحمد لله يا عمتو.
- وفزاع عامل إيه معاكي؟
- بخير الحمد لله. ماما وبابا وضحى وصقر عاملين إيه؟
- كلنا كويسين يا حبيبتي.
أخذت أمال الهاتف وابتعدت قليلًا وهي تقول بخفوت: - شمس، أخبارك إيه؟ عملتي اللي قلتلك عليه؟
تنهدت شمس بخجل: - حاضر يا ماما، بس إنتِ مستعجلة ليه؟
قالت أمال بقلق أم: - هو فزاع بيعاملك وحش؟

أجابت بسرعة: - لا يا ماما، بالعكس، معاملته اتغيرت جدًا وبقى كويس معايا.
ابتسمت أمال براحة واضحة: - ربنا يهديكم لبعض يا بنتي، وخلي بالك من نفسك ومن جوزك.
- حاضر يا ماما. سلميلي على بابا وضحى.
كانت ضحى تقف عند الشباك تمسك هاتفها وتهمس: - إنت فين؟
جاءها صوته ضاحكًا: - تحت الشباك.
ضحكت فورًا وأزاحت الستارة لتجده واقفًا ينظر إليها. أشارت له بيدها بخفة، فابتسم وقال بصوت دافئ: - بحبك.

ردت بخجل صادق: - وأنا كمان. افتكرتك زعلان من بابا؟
هز رأسه نافيًا: - هو بيخاف عليكي، بس والله ما هضرّك أبدًا. أنا بخاف عليكي أكتر من نفسي.
ابتسمت بدلال وهي تهمس: - بحبك أوي يا صقر.
ضحك بخفة وقال محذرًا: - يا بت اتلمي، لا أطلعلك وربنا.
ضحكت بسرعة: - لا خلاص، اتلميت.
وظلا يتحدثان طويلًا عبر الهاتف، وكأن العالم كله يختفي حين يجتمع صوتاهما معًا...

فهو لم يكن فقط زوجها، بل حبيبها وصديق عمرها وابن عمها أيضًا.

الفصل التالي
بعد 08 ساعات و 15 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة