قصص و روايات - روايات صعيدية :

رواية شمس الصعيد الجزء الأول للكاتبة ياسمين علاء الدين الفصل الثاني

رواية شمس الصعيد الجزء الأول للكاتبة ياسمين علاء الدين الفصل الثاني

رواية شمس الصعيد الجزء الأول للكاتبة ياسمين علاء الدين الفصل الثاني

أخيرًا، وصلت السيارات إلى قنا. وسط استقبالٍ صاخب واحتفالٍ يليق بعروس كبير عائلة الهاشمي.
الأصوات ترتفع، الزغاريد تملأ المكان. والأنظار تتجه نحو الوافدين.
كان صقر أول من استقبلهم، يتقدم بخطوات واثقة وابتسامة مرحبة.
صقر: نورتوا قنا يا جماعة، اتفضلوا.
كانت ضحى تلمع عيناها فرحًا. تتأمل صقر بنظراتٍ مليئة بالعشق. ولم يكن هو أقل منها، فقد ردّ لها النظرة بأخرى تحمل نفس الشعور.

عابد كان يسير ممسكًا بيد آمال. وبجوارهما ناصرة وصقر.
أما شمس...
فكانت تسير بينهم كجسدٍ بلا روح. خطواتها بطيئة، ونظراتها شاردة. وقلبها مثقل بحزنٍ لا يراه أحد.
دخلوا المنزل. وجلس الجميع في الصالون ليستريحوا من عناء السفر.
ناصرة: فزاع فين يا صقر؟
صقر: بيخلص ترتيبات الفرح، مشغول جدًا.
ناصرة (بحزم): قوله ييجي يسلّم الأول، وبعدين يكمل شغله.
صقر: حاضر يا حاجة.
خرج صقر ليناديه.
في تلك اللحظة، حاولت شمس الهروب...

شمس (بصوت خافت): عمتو، عايزة أطلع أرتاح.
ناصرة (تنادي): يا سعاد! تعالي يا بت.
دخلت فتاة تعمل في المنزل.
سعاد: نعم يا حاجة؟
ناصرة: طلّعي شمس وضحى أوضتهم يرتاحوا.
سعاد: حاضر، من عيني.
خرجت سعاد أولًا. تلتها ضحى. وخلفهما شمس...
كانت شمس تسير وعيناها إلى الأرض. غارقة في أفكارها. حتى—
اصطدمت بشيءٍ صلب.
رفعت رأسها ببطء...
وتجمّدت.
فزاع.

واقف أمامها. يرتدي جلبابه الصعيدي. بهيبته الطاغية، وحضوره الذي يفرض نفسه دون كلمة.
صوته جاء عميقًا، هادئًا، لكنه أربكها أكثر: فزاع: كيفِك يا بت خالي؟
ابتلعت ريقها بصعوبة...
كانت تهرب منه، فإذا بها تقف أمامه.
شمس (بصوت متوتر): الحمد لله، إنت عامل إيه؟
فزاع (بنبرة غامضة): الحمد لله بخير.
تدخلت ضحى بسرعة، محاولة كسر التوتر: ضحى: فزاع! عامل إيه؟
فزاع: نحمد الله، وإنتِ كيفك يا ضحى؟
ضحى: بخير يا كبير.

ابتسم فزاع ابتسامة خفيفة، أظهرت جانبًا مختلفًا منه: فزاع: لسه زي ما إنتِ، عفريتة وشقية.
ضحى (بمزاح): وهفضل كده، عندك اعتراض؟
فزاع (بمكر خفيف): لا، وأنا مالي؟ اسألي صقر لو عنده.
احمرّ وجه ضحى فورًا، وتلعثمت: ضحى: أحم، أنا هطلع بقى.
شمس بسرعة: استني، أنا كمان طالعة، تعبانة.
صعدت شمس الدرج بسرعة. وكأنها تهرب، ليس من المكان. بل منه.
أما هو...
فوقف مكانه لحظة. عيناه تتبعان حركتها بصمتٍ غامض.

ثم استدار، ودخل إلى الداخل. ليسلم على خاله عابد، وزوجته آمال، ووالدته ناصرة.
في الأعلى...
غيرت شمس وضحى ملابسهما. وألقت كلٌ منهما نفسها على الفراش من شدة التعب.
أما في الأسفل. جلس فزاع مع ناصرة يتحدثان عن ترتيبات الفرح. حتى خيم الهدوء على المكان...
وخلد الجميع للنوم. استعدادًا ليومٍ، لن يكون عاديًا أبدًا.

أشرقت الشمس على قنا.
ومع أول خيط نور، بدأت الاستعدادات.
في الساحات، انشغل الرجال بذبح الذبائح، والطباخون يجهزون الولائم، والبيت امتلأ بحركةٍ لا تهدأ
فاليوم، يوم الكبير. استيقظ الجميع.
واجتمعوا على الإفطار في الأسفل.
إلا فزاع وصقر، كانا في الخارج. ينهيان أدق التفاصيل.
كأنهما يحاولان السيطرة على يومٍ أكبر من مجرد فرح.
شمس، فكانت جالسة بينهم، لكنها بعيدة، بعيدة جدًا.

قلبها مضطرب، وعيناها لا تستقران. وأنفاسها متقطعة كأنها تسبق شيئًا تخشاه.
كانت ضحى تحاول كعادتها أن تخفف عنها. تمزح، تضحك، تثرثر، لكن الخوف لا يضحك.
فزاع لم ينسَ شيئًا، أرسل لها خبيرة تجميل. وجلب لها فستانًا من أرقى الأماكن...
فستانٌ بدا وكأنه صُنع لها وحدها. ومع اقتراب المساء
بدأ التحول.
ضحى...
ارتدت فستانًا أحمر داكنًا، مع حجابٍ بنفس اللون. فبدت كقمرٍ مشتعل بالحياة.

أما شمس، فكانت شيئًا آخر.
فستان أبيض بأكمام واسعة، ينساب حولها كضوءٍ ناعم، وحجاب أبيض يزيدها صفاءً. وتاجٌ صغير، جعلها تبدو كأميرةٍ خرجت من حكاية.
كانت، شمسًا بالفعل.
تُضيء، رغم خوفها.
في الخارج...
ارتدى فزاع جلبابه الصعيدي الفخم. فازداد هيبةً ووقارًا
وكأن المكان كله يدور حول حضوره.
وصقر كذلك، بوسامته الواضحة وابتسامته التي لا تفارقه.

أما عابد، فارتدى الجلباب بفخر. فهو تقليد، وهو انتماء. بدأ استقبال الضيوف. والزغاريد تعلو. والفرحة تمتد من قلبٍ إلى قلب.
في الداخل. كانت ناصرة وآمال تستقبلان النساء. وسط بهجة لا تُخفى
وصل المأذون، وساد الصمت لحظة.
ثم قام يبارك بارك الله لكما،
تم عقد القران. وانطلقت الطلقات في الهواء. واشتعلت الأفراح.
والطبل البلدي يضرب بقوة كنبض الأرض نفسها.

صعد فزاع وصقر على الخيول، يرقصان بالعصي. والرجال من حولهما يشاركونهم الفرح.
في الأعلى
كانت شمس وضحى تقفان عند النافذة. تشاهدان المشهد.
ضحى بعينين لامعتين وحب، وشمس بقلبٍ لا يزال يرتجف.
في الأسفل. كان عابد يرقص وسط الرجال. بينما وقفت ناصرة تراقبهم ودموعها تنساب.
دموع فخر، وحب...
وخوفٍ أمٍ ترى أبناءها رجالًا أمام عينيها.
رفعت يديها، تتمتم بالدعاء. تحصنهم من كل عين.

اقترب منها فزاع وصقر. وانحنيا يقبّلان يدها ورأسها.
ناصرة: ربنا يحميكم ويحفظكم يا ولادي...
فزاع (بحب): تسلمي يا أم الرجال.
قال صقر (باندفاع): ما تجوزيني ضحى يا حاجة؟ المأذون لسه هنا! متحفظ عليه.
ضحى تجمدت مكانها، وقلبها كاد يقف فرحا.

ناصرة: خالك ما يرضاش دلوقت يا صقر...
صقر: لو إنتِ موافقة، أنا أكلمه.
نظرت له ناصرة، ثم ابتسمت: انا موافقة يا ولدي طبعا.
ذهب صقر إلى عابد: صقر: ما تجوزني بنتك يا خال.
ضحك عابد، ثم قال: لما تخلص الجامعة الأول.
صقر (بإصرار): نكتب الكتاب بس، والجواز بعد ما تخلص. ووعد مني، ما ألمسها غير بعد تعليمها.
تدخل فزاع بهدوء: وافق يا خال، صقر راجل وقد كلمته.

وقفت ناصرة: ها يا خوي، قولت إيه؟ نخلي الفرحه فرحتين ونكتب الكتاب
رفع عابد رأسه فرأى ضحى تبتسم بسعادةٍ خجولة.
تنهد، ثم قال: موافق، بس افتكر وعدك.
صقر (بفرحة عارمة): وعد الحر دين عليه. وانا راجل يا خالي. عشيلها في عيني
وتم عقد القران. ليلة واحدة
تحولت إلى فرحتين. انتهى الاحتفال بعد وقت
لكن...
لم تكن كل القلوب مطمئنة.
سلّم عابد شمس إلى فزاع، التي كانت مغطاة بطرحتها، وخطواتها ثقيلة. أمسك فزاع يدها...

ودخل بها غرفته.
الغرفة كانت أشبه بجناحٍ كامل. فخم، هادئ، منظم.
نظرت حولها بإعجابٍ صامت. في عمتها وفزاع هما من تولو كل شئ وأصرت أن تراها مفاجاه يوم الزفاف
اقترب منها، ورفع الطرحة ببطء.
ابتسم بإعجاب ولمعان بعينه
فزاع: ما شاء الله، طالعة كيف الشمس المنورة.
ارتبكت شمس: شكرًا...
حاول أن يقترب، تراجعت خطوة.
فهم أنه تشعر بالخجل. فسكت قليلا ثم قال
فزاع بهدوء: عاجبك المكان؟
شمس: جميل جدًا.

فزاع: لو عايزة تغيري حاجة قولي، معتتكسفيش مني واصل، (لم تجيب ليقول بهدوء وصبر)
تحبي تدخلي تغيري، ولا أخرج أنا؟
لم تجب. أمسك يدها وشعر بارتجافها.
نظر لها بجدية: أنا مش هاكلك، ومش هجبرك على حاجة. ادخلي غيري براحتك، وأنا هنزل.
خرج واغلق الباب خلفه، تنفست شمس بارتياح، ذهبت لتبدل ملابسها
أما عند صقر...
فبعد أن استأذن من عابد. أخذ ضحى وخرجا إلى حديقة البيت.
الليل كان هادئًا...

والهواء يحمل بقايا أصوات الفرح من بعيد. لكن هنا، كان كل شيء أهدأ. أصدق.
وقفا لحظة دون كلام...
كأن الكلمات تخاف أن تفسد ما بينهما.
قطع الصمت أخيرًا، بصوته الدافئ: صقر (بابتسامة مليئة بالشوق): أخيرًا يا ضحى، بقيتي مراتي.
نظرت له، وقلبها يدق بقوة لم تعهدها من قبل.
ضحى (بخجل): بجد فرحان يا صقر؟
اقترب خطوة، وعيناه لا تفارقانها: صقر: فرحان؟، ده أنا حاسس إني هطير.
يا بنتي، أنا بحلم باليوم ده من زمان.

ابتسمت بخجل، وخفضت نظرها: ضحى: وأنا كمان...
سكت لحظة، ثم مال قليلًا ناحيتها، بنبرة مشاكسة: صقر: وإنتِ إيه يا بت، وأنا كمان دي اللي هي إيه؟
توترت، وعضّت على شفايفها بخجل.
صقر، أخذ نفسًا عميقًا، كأنه بيجمع شجاعته. ثم قالها، بصوت صادق: بحبك.
رفعت عينيها فجأة. وكأن الكلمة نزلت عليها دفعة واحدة
ضحى (بدهشة): ها؟
صقر (بثبات أكتر): بحبك.
سكتت لحظة، ثم ابتسمت بخجل: ضحى: أخيرًا نطقت اول مره اسمعها منك.

اقترب منها أكثر، صوته أصبح أهدأ، وأعمق: عمري ما كنت هقولها، غير وإنتِ على اسمي. وحلالي
كانت غرقانة في عينيه. صقر (بابتسامة خفيفة): أنا اعترفت، الدور عليكي، مش هتقولي حاجة؟
ظلّت صامتة
والصمت بدأ يوجعه. ابتعد خطوة، ووقف. وملامحه اتغيرت. صقر: أنا بتكلم، وإنتِ ساكتة؟
يعني بتحبيني؟ ولا أنا لوحدي اللي حاسس كده؟
لفّ كأنه هيبعد
ضحى بسرعة مسكت إيده.
إيده كانت دافية، وقلبها كان أسرع.

صقر أنا مش هضغط عليكِ، اللي عايزاه قوليه
ضحى (بصوت مرتعش: استنى يا صقر
رفعت عينيها له...
وكان فيها كل اللي ماعرفتش تقوله قبل كده.
ضحى: أنا، بحبك.
سكتت لحظة
وبعدين كملت بسرعة، كأنها خايفة تندم لو سكتت: بحبك بجد...
بحب طولك، وشعرك، وعينك العسلي...
بحب ضحكتك، وهزارك...
بحب طريقتك معايا...
بحب كل حاجة فيك،
كملت بابتسامة صغيرة: إنت، صقر قلبي.
بس المرة دي هو اللي اتصدم.

قرب منها خطوة، وعينيه بيلمعوا: كل ده جواكي، وساكته؟!
ثم ابتسم ابتسامة واسعة: ده أنا بعشقك، وبموت فيكي.
خفض صوته، قرب منها أكتر: إنتِ بنتي، وحبيبتي، وكل حاجة ليا.
وبنبرة فيها شقاوة خفيفة: يا سلام لو النهارده كان فرحنا، كنت وريتك بحبك قد إيه.
ضربته بخفة على دراعه، ووشها احمر: قليل الأدب
صقر ضحك بصوت عالي: حد بينادي عليا؟
وضعت يدها على وشها وهي بتضحك بخجل. أما هو، فكان ينظر لها، كأنه أخيرًا...

وصل إلى مراده.

الفصل التالي
بعد 08 ساعات و 04 دقائق.
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة