قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية ذنوب على طاولة الغفران ج1 للكاتبة نورهان العشري الفصل الرابع عشر

رواية ذنوب على طاولة الغفران ج1 للكاتبة نورهان العشري الفصل الرابع عشر

رواية ذنوب على طاولة الغفران ج1 للكاتبة نورهان العشري الفصل الرابع عشر

أكثر من شاق على المرء أن يكُن عاجزًا عن رد الأذى أو حتى تجاوزه. تعبر مخاوفه و انكساراته أمام عينيه وهو عاجز عن الهرب منها ولا يملك القدرة على مقاومتها، و على الرغم من آثارها المُدمرة على روحه التي بكل صفعة خذلان تتلقاها تفقد جزءً منها، و المُتبقي يحيا برفقة حفنة من الجراح التي لا ترياق يُداويها ولا دواء يمحي آثارها.
نورهان العشري.

هيام أنتِ واخدة بالك بتطلبي مني ايه؟
هيام بتصميم
ايوا واخدة بالي، و ياريت انت كمان تاخد بالك.
اخد بالي من اي؟
هيام بحنق
من بنت الناس اللي روحها فيك، وانت ولا انت هنا!
ياسر بصدمة
ايه؟ مين دي اللي روحها فيا!
هيام بإصرار
روضة. معقول مشفتش الحب اللي في عينيها دا كله! مش بقولك انت مش معانا.
زفر ياسر بحنق قبل أن يقول بجفاء
لا مشوفتش، و واضح انك حاسبه الموضوع غلط روضة مش شيفاني غير أخ كبير وبس.

غلط. أنا واثقة أنها بتحبك.
ياسر بنفاذ صبر
وجبتي الثقة دي منين؟
صمتت هيام تسترجع ماحدث بينها و بين روضة البارحة
عودة لوقت سابق
أبلة هيام ممكن اتكلم معاكي شوية؟
هكذا تحدثت روضة بوجه خالط الكدر معالمه، وكذلك عينين يعشعش الحزن في بياضهم مما جعل هيام تقول بحنو
طبعًا يا عيون أبلة هيام. تعالي يا رودي يا حبيبتي اقعدي جنبي.

تقدمت روضة تجلس بجانب هيام وهي تُخفض رأسها خجلًا مما تريد اخبارها به و خوفاً من إجابه قد تُهدم جميع أمالها في هذه الحياة
مالك يا حبيبتي؟ حد مزعلك ولا ايه؟
رفعت رأسها تُطالعها بصمت، وبداخلها ضجيج و صخب يجعل الرؤية مشوشة أمامها و يحجب عنها التفكير بشكل سليم لذا قالت بارتباك
هو. هو لو حد ملهوف على حد، و خايف عليه، و مش متحمل يشوفه تعبان يبقى بيحبه؟

كانت ذكية بالقدر الكافي لجعلها تراوغها حتى تصل إلى أبعد من تلك الكلمات التي أثارت فضولها
علي حسب نوع الحب اللي تقصديه.
كانت بريئة للغاية، فلا تعرف طريق المراوغة لذا قالت بعفوية
اقصد حب الراجل لحبيبته.
هيام بابتسامة هادئة
وهو مين الراجل دا و مين حبيبته؟
تفشى الخجل بأوردتها وانطبع على صفحة وجهها المُستدير، فجعل الكلمات تتعثر فوق شفاهها حين قالت
مقصدش حد معين. انا.
هيام بصراحة أذهلتها.

انتِ كدابة، وانا متعودتش عليكِ بتكدبي، و خصوصًا عليا وأنتِ عارفة أنتِ عندي ايه.
أفصحت عينيها عما تحمله من ألم انهمر كالأمطار فوق وجنتيها وهي تقول بأسى
انا متضايقة اوي. معرفش هو انا ينفع اقول كدا ولا لا. بس انا النهاردة شفت ياسر بيتعامل مع واحدة و كأنه روحه فيها. أول مرة كنت أشوفه في الحالة دي عشان حد. دا حتى شخط فيا من كتر ماهو قلقان عليها.

برقت عينيها غضبًا، فهي لم تكُن بحاجة لأن يُخبرها أحد عن هوية هذه الفتاة، ولكن ما الذي حدث؟
اهدي يا حبيبتي و احكيلي اللي حصل بالتفصيل.
شرعت روضة في قص ما حدث مع غنى إلى أن انتهت وهي تقول بتنهيدة حارقة
خوفه عليها و لهفته مشوفتهاش مع أي حد. دا عيونه مفارقتهاش في المرايه، و كان عمال يطمنها و كأنه مش متحمل أنها تكون خايفة أو متألمه.

تعاظم الغضب بصدرها، فما خافت منه يتحقق الآن أمام عينيها، ولكنها لن تسمح بذلك لذا احتوت كفوفها بين يديها وهي تقول بحنو
قد كدا بتحبيه؟
رفعت رأسها بلهفة، وحرج، ولكنها تغلبت عليه لتقول بصدق
انا مش بحبه بس انا بعشقه. دانا كنت بعد الثواني عشان اجي واشوفه. ياسر دا أحن راجل قابلته في الدنيا. انا مشوفتش ابويا، ولا عمر ماما كانت حنينة عليا، الوحيد اللي شفت منه حنية في حياتي هو.

احتوتها هيام بين ذراعيها وهي تشعر بالأسى على تلك الفتاة الرائعة، والتي عانت من فقدان والدها حين كانت صغيرة، و جفاء والدتها التي لم تكُن تهتم لأجلها أبدًا و الآن بُليت بعشق رجُل وضع قلبه أسفل أقدام امرأة لم تتردد في دهسة حتى حولته إلى أشلاء، ولكنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام ما يحدُث لذا جذبت روضة لتجعلها في مواجهتها لتقول بجدية.

انا عن نفسي متمناش لياسر واحدة تانيه غيرك، ولو لفيت الدنيا دي كلها مش هلاقي بنت زيك، و خلي بالك انا مشوفتش الموقف اللي حصل بس ياسر مستعد يرمي نفسه في النار لو لقى حد محتاج مساعدة، وانتِ بنفسك قولتي انه عنده حنية مش على حد، و جايز البنت دي تبقى زيها زي اي حد، وجايز لا. دا مش موضوعنا. موضوعنا ان اللي عايز حاجه بيسعى عشانها وانا هساعدك.
عودة للوقت الحالي.

متأكدة أنها بتموت فيك و بشوف دا في عنيها، وانت كمان لو كلفت خاطرك وركزت في نظراتها ليك، و طريقتها معاك هتعرف أنها بتحبك. ها قولت ايه؟
اليوم كان كارثيًا بالنسبة له ولم يكُن ينقصه أبدًا هذا الأمر الذي جعله يشعُر بالذنب تجاه هذه الفتاة التي يعتبرها مثل شقيقته، والآن ماذا عساه أن يفعل؟
ساكت ليه؟ مش مقتنع ولا مش عايز تقتنع؟
أجابها ياسر بتعب
اللتنين.
تعلم ماذا يجول بصدره لذا اقتربت منه قائلة بحنو.

انت راجل مؤمن وعارف ربنا، و عارف ان ربنا مبيعملش غير الخير، و يمكن روضة خير ليك. بس انت مش واخد بالك. ايه رأيك تاخد وقت تعرفها، و تحاول تشوفها بعين راجل لست. مش اخ لأخته؟
ناظرها بحنق، فتابعت بلهفة.

مقصدش حاجه وحشة. بس قيمها و شوف اذا كانت تتفع تبقى مراتك أم ولادك ولا لا؟ اركن قلبك على جنب متخليهوش يسوق بيك، و حكم عقلك، وقارن كدا ولو للحظة بين روضة وبين اي بنت هنا في الحارة هتلاقيها احسن واحد و ست البنات كلهم، و هو دا مقامك واللي تستحقه.

صمت لثوان يقلب حديثها برأسه لتشعر بالغبطة تعبأ صدرها، فهي أكثر من يعرفه، و تعرف انها غرست الأمر بتفكيره، و ستعمل على تعزيز كفة روضة بداخله لذا اكتفت بالصمت حين أجابها باختصار
ربك يصلح الحال.

اللهم يا قوي يا عزيز، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، اجعل لي من كل ما أهمني فرجًا ومخرجًا. - اللهم وإن عز طلبي فأنت العزيز الذي لا يعجزك شيء في الأرض ولا في السماء، يسر أمري واقض حاجتي يا من تقول للشيء كن فيكون. يا رب، يا قريب يا مجيب، يا من تجيب المضطر وتكشف الضر، يا ميسر كل عسير.

عاملة ايه يا صابرين؟
هكذا تحدثت رضا وهي تناول شقيقتها كوب الشاي لتُجيبها صابرين وهي ترتشف منه
الحمد لله بخير. في ايه قولتيلي في التليفون انك عيزاني خير ياختي؟
ترددت رضا كيف تصيغ حديثها لكي لا تُغضِب شقيقتها لذا قالت بارتباك
خير يا حبيبتي. كله خير بإذن الله. انا بس كنت حابة الفت انتباهك لحاجة كدا. بس عيزاكي تفتحي مخك معايا و تفهمي كلامي صح.
صابرين بقلق.

في ايه يا رضا انا الفار لعب في عبي. حصل ايه قولي على طول.
مصمصت رضا شفتيها قبل أن تقرر البوح بما يكتظ به صدرها
بصي كدا ياختي من الآخر الناس عمالة تلسن على بنتك، في الراحة والجاية.
شهقت صابرين بصدمة
بنتي! ليه هي بنتي عملت ايه؟
رضا بتوضيح
معملتش. بس أنتِ عارفة الناس هنا بييجوا في الهايفة و يتصدروا.
صابرين بغضب.

بقولك ايه يا صابرين تعالي دوغري ياختي. كلامك دا مُريح. قوليلي في ايه؟ و بيقولوا ايه الناس دي على بنتي؟
رضا باندفاع
الصراحة يا صابرين انا مش هينفع اخبي عليكي اكتر من كدا. الناس مقطعين فروة بنتك مع اللي اسمه ياسر دا. بيقولوا أنها اتطلقت عشانه، وانها لامؤاخذه يعني دايرة معاه على حل شعرها.
صابرين بصدمة
ايه الكلام اللي أنتِ بتقوليه دا يا رضا؟

مش انا اللي بقول وحياتك انا سمعت الكلام دا النهاردة و أنا بجيب العيش من الفرن، ومقدرتش اسيبك على عماكي. قولت افطمك عاللي بيتقال من ورا ضهرك.
صابرين بانفعال
قوليلي سمعتي ايه تاني وشافوا ايه عشان يقولوا كدا؟
بيقولوا انهم شافوها راكبة معاه عربيته، وأنها لما وقعت في الحضانة هو اللي لحقها و جري بيها عالمستشفى، و كان قلقان عليها، و طبعا محدش بيقول الحقيقة لازم كل واحد يزود من عنده.
صابرين بانفعال.

اكيد دول كذابين.
رضا بحرج
الصراحة يا صابرين هما مكذبوش اوي يعني. أصل.
صاحت صابرين بانفعال
اصل ايه ما تقولي اللي عندك كله يا رضا.
رضا بارتباك
اصل انا كمان شفتها واقفة معاه قبل كدا قصاد بيتهم يوم طلاقها الصبح. بس خفت اقولك قولت يمكن صدفة.
برقت عيني صابرين بالشر لتُتابع. رضا بلهفة.

المهم ياختي انا عيزاكي تفكري بعقلك، و تحافظي على بنتك احسن يرجع يميل دماغها تاني، ودي دلوقتي بقت مطلقة. يعني الدنيا بقت سهلة، و البت كانت بتحبه، و جايز تحن، وهو محروق منكوا عشان رفضتوه زمان، و ممكن يفكر ينتقم و يكسر عينكوا بيها. خدي بالك من البت و خلي رجلك على رجلها، ولازمن تخاف، و تعرف انك مفتحه عنيكي، و مش سيبالها الحبل عالغارب.

كانت كلمات رضا تطن برأسها كالذُباب طوال طريق العودة إلى المنزل إلى أن وصلت و بداخلها براكين غصب لا تهدىء، فما أن دخلت إلى باب البيت حتى صرخت بانفعال
هي فين؟ هي فين اللي جيبالنا العار و خلت سيرتنا لبانه في بق اللي يسوى واللي ميسواش.
انتفض مرزوق الذي كان يُتابع النشرة الإخبارية و هو يقول بقلق
في ايه يا صابرين؟
خرجت غنى هي الأخرى من غرفتها وهي تقول بلهفة
حصل ايه يا ماما؟

صابرين بحدة وهي تقترب لتجذبها من خصلات شعرها بقوة
في ايه يا ماما؟ بقى مش عارفة في ايه؟ هو دا اللي اتطلقتي عشانه و ديرالي معاه على حل شعرك؟!
تلوت من فرط الألم الخارجي والداخلي الذي جعلها تقول من وسط بكائها
حرام عليكي والله ما عملت حاجه.
صاح مرزوق بانفعال وهو يُخلص غنى من بين يدي صابرين
سيبي البت وفهميني في ايه؟ هتفرجي علينا الناس.
صابرين وهي تلطم خديها و تصيح بولولة.

ماهي الناس اتفرجت خلاص. الهانم دايرة مع البيه على حل شعرها بعد ما طلقها من جوزها. مقرطساك و مقرطسانا، و عاملة الحضانة حجة عشان تروح وتيجي واحنا نايمين في العسل.
التفت مرزوق بملامح تنذر بالشر مما جعلها تتراجع إلى الخلف و الدماء تسيل من جُرحها الذي لم يطِب بعد ليقول بهسيس مُرعِب
الكلام دا حقيقي يا بت؟
كان جسدها ينتفض من فرط الخوف و الألم معًا لتخرُج الكلمات من بين شفاهها متوسلة جريحة كحال قلبها.

والله أبدًا. انا معملش حاجه. الناس دي كذابة.
صابرين بصياح
الناس كذابه و بيتبلوا عليكي وخالتك كمان كذابة؟ دي شيفاكي واقفه معاه يوم طلاقك الصبح حصل ولا محصلش.
هوى قلبها بين ضلوعها من فرط الذُعر وخاصةً حين التفت مرزوق يُطالعها بنظرات مُرعبة و نبرة تُشبهها حين قال
حصل الكلام دا؟
اخذت تتراجع إلى الخلف وهي تقول بشفاة مُرتجفة
انا هفهمك يا بابا.
مرزوق بنبرة شرسة
هتفهميني! يعني حصل.

رفع كفه وهوى فوق خدها بصفعة قوية وهو يصيح بانفعال
اه يا بنت الك، بتضحكي عليا و تقرطسيني. انا هخلص عليكي النهاردة.
كان يضربها بكل ما أوتي من قوة، وهي كالذبيحه أسفل أقدامه و صوت بكائها يُدمي القلوب، ولكنه لم يؤثر بأولئك الذين لم تعرف الرحمة طريقها إلى قلوبهم يومًا.

بتلك اللحظة تذكرت يوم زفافها و الوحشية التي تعامل بها ذلك الرجل، والآن يعاد المشهد مرة أخرى ولكن مع رجل من المفترض أن يكُن هو أمانها و حاميها ليُصبِح جلادها، وهي الشاة التي تتشاجر الخناجر على جز عنقها، ولكنها في تلك اللحظة اختارت أن تحيا رغم أنف الجميع لذا حين جلب مرزوق تلك العصا ليضربها بها لا تعرف من أين واتتها هذه القوة لتمد كفها ليكون حائل بينها و بين ضربتة وهي تصرُخ بعُنف غير مسبوق منها.

كفاية بقى. ابعد عني.
شهقت صابرين بصدمة تجلت في كلماتها حين قالت
يخربيتك دانتي عيارك فلت. بتعلي صوتك على ابوكي.
لم يعُد هُناك مجال للتراجع، فما عاد أمامها سوى رد الهجوم بآخر مِضاد لتنجو من بطشهم، وليحترق الظلم والظالم في الجحيم.
أيوا بعلي صوتي و هسمع الناس كلها. حاسبين نفسكوا أب و أم؟ بتحاسبوني على أيه؟ انا اللي مفروض احاسبكوا، وربنا هيحاسبكوا على اللي عملتوه فيا.
مرزوق بصدمة من حديثها وحالتها.

احنا عملنا فيكي ايه؟ كمان بتتبلي علينا؟
صرخت بقهر يجيش به صدرها
رمتوني للديابه تنهش في لحمي وكملتوا عليا معاهم. جوزتوني واحد عاجز. كان بيطلع عجزه في ضربي و اهانتي لحد ما كان هيموتني.
برقت عيني الزوجين من حديثها الخطير لتهمهم صابرين بصدمة
بت. بتقول ايه؟
غنى بحرقة.

بقول الحقيقة. رأفت كان عاجز، ومقربش مني من يوم ما اتجوزني، و يوم الصباحية لماجيتوا و لقتوني مضروبي مكنش عشان قولتله اني بحب واحد تاني. كان عشان معرفش يعمل اي حاجه. قعد يضرب فيا لحد ما كان هيموتني، و جيت انت تاني يوم و كملت عليا.
صمت تام خيم على المكان، فحديثها تخطى حدود العقل والمنطق ليهمهم مرزوق دون وعي
يع. يعني انتِ لسه...

لم تعُد قدماها قادرتين على حملها لتسقط على اقرب مقعد وهي تقول بنبرة مُلتاعه و صدر احترق من فرط الظلم
تاني يوم لما رمتوني تحت رجليها ومشيتوا. قالتلي أهلك رموكي ليا ومبقاش ليكي غيري، و بعدها بأسبوع خدتني وراحت لدكتورة في بلد جنبهم، وفهمتني أن دا كشف عادي عشان الجروح اللي كانت في جسمي.
أغمضت عينيها و العبرات تتساقط كالمطر الذي لم يفلح في إخماد حرائق الماضي المُشتعلة داخلها لتُكمل بقهر.

مكنتش عارفه ولا فاهمه حاجة، وهي استغلت دا، و خلت الدكتورة عملت اللي ابنها معرفش يعمله. الألم اللي حسيت بيه عمري ما اقدر انساه طول حياتي.
رفعت رأسها إلى صابرين التي كانت تبكي بصمت و عيونها جاحظة من هول ما تسمع لتواصل جلدها حين قالت بلوعة
بقيت اعيط زي الطفلة الصغيرة نفسي حد يطبطب عليا. ياخدني في حضنه وانا برتعش وبقوم اصوت بالليل من كتر الخوف. بس مكنتش بلاقي غير واحد مريض مجنون بترعب من نظرته.

التفتت تناظر والدها وهي تقول بحرقة
كل مرة كان بيجي يضربني، و يبهدلني فيها كنت بتمنى الاقي حد ينجدني منه ويرحمني من وحشيته و إجرامه.
طافت أنظارها عليهم وهي تقول بقهر و حرقة
وقتها اتمنيت لو عندي أب و أم غيركوا. يحموني من بشاعة الناس.
لأول مرة ترى والديها في هذه الحالة، ولكنها لم تكُن أفضل منهم لذا تابعت بنبرة مغلولة.

عارفة عنايات دي ياريتها كانت أمي. بالرغم من بشاعتها إلا أنها عملت كل الغلط اللي في الدنيا عشان تداري على ابنها، و متكسرهوش قدام الناس. و عبد الحفيظ احسن منك، على الأقل بيحمي ابنه، و بيدافع عنه حتى لو بالباطل.
تعالت شهقاتها حتى شعرت بصدرها يتمزق من فرط البكاء وهي تُتابع بحرقة.

انا مش مسمحاكوا أبدًا، و حقي عند ربنا هو اللي هيجبهولي منكوا، و عشان تبقوا عارفين انا مبقاش عندي حاجه اخسرها، و لا عندي حد في الدنيا دي غير نفسي اخاف عليه، فلو اللي حصل دا اتكرر تاني هطفش ومحدش فيكوا هيعرفلي طريق عشان يبقى عار بعار بقى.

انهت كلماتها و توجهت للخارج تبغي كتف يحمل رائحة الأمان يُمكنه أن يهون عليها ما تشعر به الآن، فقد كانت تهرول كشخص لم يعُد يتبقى له سوى دقائق معدودة في هذه الحياة، ويُريد أن يقضيها بين يدي من يُحِب، ولكن حتى تلك الأمنيه حُرِمت عليها، فأرادت الذهاب الى صديقتها و ابنة خالتها الوحيدة التي يمكنها البكاء على كتفها وحين كانت تأخذ المنعطف المؤدي للمنزل اصطدمت بجسد قوي تغلغلت رائحة صاحبه داخل أنفها لينتفض قلبها الذي تعرف إلى حبيبه في الحال، فرفعت رأسها تُناظره وعلى الرغم من أن الشارع كان مُعتمًا ولكن ضوء القمر كان يُنير المكان حولهم، فكانت الإضاءة كافية ليرى هذا الدمار الذي حل بها إضافة إلى نهنهاتها التي اخترقت صدره لتشتد يديه حول ذراعيها وهو يقول بنبرة فزعة.

مالك و ايه اللي عمل فيكي كدا؟
كانت لحظة رُبما هي المُنجية بالنسبة إليها، فقد أرسله القدر كالمطر على أرض قتلها الجفاف ليُحييها من جديد، فهمست باسمه بنبرة مُلتاعة
ياسر.
تغيب العقل تمامًا ولم يعُد يرى سوى حبيبته التي تنتفض بين يديه ليجذبها بقوة إلى داخل أحضانه وهو يقول بنبرة عاشقة
غنى.

دفنت وجهها في صدره وهي تبكي بحرقة ليتردد صوت بكائها داخل ضلوعه مُحدثًا آلام عظيمة و عواقبها قاسية كقسوة تلك الحياة التي لم ترحم قلوبٍ ما اشتهت سوى العيش بسلام تحت مظله العشق الساكن بداخلهم، والذي جعلها تنوح بألم
انا تعبت اوي. تعبت.
قوليلي مين اللي عمل فيكي كدا وانا ورحمة أمي ما هخلي نهار ربنا يطلع عليه.

هكذا تحدث بنبرة صادقة مُتألمة ليوسوس لها عقلها الذي يلوثه الماضي وما يحمله من مآسي، فتراجعت عنه بحدة وهي تقول بقهر
انت.
برقت عينيه من حديثها لتُتابع بحرقة
انت السبب في كل اللي حصلي. انت يا ياسر. أنت.
كانت تتحدث وهي تضربه بقوة فوق صدره الذي كان أكثر من مُرحُب لأي شيء منها حتى الألم، ولهذا التزم الصمت إلى أن تراجعت عنه وهي تقول بلوعة.

انا عمري ما هسامحك لا انت ولا هما. ياريتني أموت عشان تعيشوا بناري العمر كله.
بعد الشر عنك
هتف رغمًا عنه وكأن قلبه من يتحدث لا شفتيه، فلم تعُد قادرة على الصمود أكثر تود الإنهيار و هو أكثر منطقة مُحرمة عليها، فيكفيها تلك الثوان الماضية التي سرقتها من الحياة بين يديه لتتوجه إلى بيت خالتها، ولكنها توقفت إثر تلك القبضة الفولاذية ليديه التي أمسكت بيدها وهو يقول بجفاء
أبوكي اللي عمل فيكي كدا!

لاح شبح ابتسامة ساخرة على شفتيها قبل أن تقول بجفاء
لو تقصد الضرب. ايوا هو، و دي أهون حاجة عملها فيا. سيبني يا ياسر سيني.
جذبت يدها من بين يده بقوة وهي تتوجه إلى بوابة خالتها لتغلقها خلفها و تستند على الباب تبكي بقهر مزق صدره الذي وصل اليه صوت نهنهانها.

اللهم ارزقني العمل الحلال والرزق الحلال والسعادة الأبدية. اللهم ارزقنا التوفيق، وزدنا علمًا وعملًا صالحًا. اللهم اغمرني في خيرك الواسع. اللهم رب السموات السبع ورب الأرض ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء ارزقني التوفيق في عملي وسعة في رزقي وبركة في مالي.

ألا جوليلي ياما. هو ايه قصة الوشم اللي في يدي ده؟
رفعت بدرية انظارها إلى ضي التي كانت تتحدث باستحياء قابلته بدرية بالحدة التي شابت لهجتها حين قالت
ماله الوشم و بتسألي عنِه ليه؟
ضي بجزع من لهجتها
ايه ياما بسأل عادي يعني. عمرك ما چبتي سيرته.
بدرية باقتضاب
دي حاچة من الماضي ماريداش اتحدت عنيها.
تعاظم فضولها أكثر لتهتف بترقب
ما تتحدتي ياما داني بتك يعني. احكيلي هروح اجول لمين!
بدرية بنفاذ صبر.

مفيش حاچة تتحكي. اني كنت زمان بعمل الوشم دا، وبعدين عرفت أنه حرام، فبطلت اعمله دي كل الحكاية. عماله تسألي كتير ليه؟
أصل كل اللي يشوفه يعچبه، و يسأل عنه.
بدرية بترقُب
ومين ده اللي شافوا و سأل عنه؟
ضي بعفوية
البنات، و خالتي رضا. دا حتى في راچل چه يصور ورج من سبوعين، وشافوا و سألني عنيه، وجالي مين اللي عملتهولك؟ كان بيفكر يعمل واحد زيه.
جذبتها بدرية من يديها وهي تقول بحدة
مين ده؟ و جولتيله ايه؟

فزعت ضي من مظهر والدتها و قالت بلهفة
مع. معرِفوش بس لهچته من جبلي، و جولتله اللي عملتهولي بطلت تِعمل لأي حد.
شعرت بالقلق يغزو أوردتها، و عقلها يعج بالاستفهامات عن هوية هذا الرجُل ثم التفتت الى ضي قائلة بانفعال
اني مش جولتلك تداري يدك، و محدش يشوفه واصل!
ضي بذُعر
والله ياما بعمل اكده، بس غضب أن عني. يدي اتكشفت وهو شافه.
طب غوري من وشي. يالا جومي نامي.

شعرت بالحزن من طريقتها معها التي دائمًا جافة و قاسية لذا قالت بخفوت
هطلع اجعد مع البنات فوج.
توجهت لتفتح باب الغرفة، فتفاجئت بوجود غنى التي كانت تجلس على الدرج وتضع رأسها بين يديها تبكي بحرقة فهتفت بذُعر
غنى.

اللهم يا رزاق ارزقني، اللهم يا فتاح افتح لي أبواب الرزق والخير، اللهم يا غني اغنني، اللهم يا غفور اغفر لي. - اللهم إن كان رزقي في السّماء فأنزله، وإن كان في الأرض فأخرجه، وإن كان بعيدًا فقرّبه وإن كان قريبًا فيسّره، وإن كان قليلًا فكثّره، وإن كان كثيرًا فبارك لي فيه.

و بعدين يا محمد بيه هنعمل ايه في المصيبة دي؟
هكذا هتف رحيم بحنق، وهو يتحدث إلى أحد ضباط المباحث التي أجابه بغضب
والله مانا عارف يا عمدة القضية اللي مش راضيه تخلص دي. انا عقلي هيشت.
رحيم بانفعال
معرِفش الموال دا مش راضي ينفض ليه؟ اديلنا سنين عالحال ده. كل كام سنة يختفي من البلد ياچي عشرين بت ما بين عشرة لخمستاشر سنه، و كأنهم فص ملح و داب ولا بتظهرلهم چثة ولا بنسمع عنهم حاچة. دي حاچة تچن.

الضابط بتفكير
ماهي في جثث عماله تظهر بس للأسف مفيش حلقة وصل بينهم، لكن أنا احساسي بيقول أنهم مرتبطين ببعض، و خصوصًا الوشم اللي على رجل البنات اللي ماتوا كلهم.
رحيم بغضب
لو بس نلاجي بنت الرفدي دي. انا متوكد أنها اللي عِملتلهم الوشم دا، وهي اللي هتچيب رجبة رماح.
محمد باستفهام.

المشكلة أن جثث البنات اللي لقيناهم متشوهه و متاخد منها أعضائها كلها. تعتبر فاضية. طب لو هما البنات المخطوفين ايه اللي خلاه يستنى لما يكبروا و يعمل فيهم كدا؟
رحيم بحنق
يا باشا اكيد ممشيهم في الحرام. انت مش بتجول أن الچهاز التناسلي كلها مش موچود. اكيد بيسرحهم.
محمد بانفعال.

طب بيوديهم فين؟ يعني على الأقل بيقعدوا معاه تلت اربع خمس سنين الفترة دي بيوديهم فين؟ احنا قلبنا البر كله من شرقه لغربه مفيش اي خيط يوصلنا له. دا بالرغم من كل اللي بنعمله الا ان هو دايس ولا هامه.
رحيم بغل
ده فاچر، ومبيهموش حد، و كمان اني متوكد أنه مسنود من ناس تجيله جوي بره وچوا البلد.
محمد بتهكم.

اهي بره البلد دي مبلوعه. انما جوه دي اللي كارثة، و اللي يقلق اكتر بقى أن لو زي ما احنا شاكين أن في حد من الداخلية سانده ليه سايبنا ندور وراه؟
رحيم بتفكير
معرفش ليه حاسس ان في حد بيبلغه بكل اللي بنعمله، وده بيخليه دايمًا يسبجنا بخطوة.
زفر محمد بتعب قبل ان يقول بحدة.

طب خلينا نربط الخيوط ببعض. اول حاجه من اكتر من خمستاشر سنة و كل فترة تختفي مجموعة بنات من البلد عندكوا، والبنات دي من سن عشر سنين لخمستاشر سنة أقصى حاجه، و انت بتقول شعبان قبل ما يختفي قالك أن حل اللغز دا كله عند واحدة في الجبل كان متجوزها رماح، والست دي هي اللي رسماله صورة صافية على دراعه، و هو اللي اغتصب صافية. طيب الست دي تقريبًا فص ملح وداب.
زاغت عيني رحيم حين أتى على ذكر شعبان ثم هتف قائلًا.

بس منجدرش نستثنيها من الموضوع. خصوصي انك شفت الوشم اللي على رچل الچثتين بتوع البنته اللي لجيتهم مرميين في الچبل.
محمد بتأييد
عارف يا رحيم، وبالرغم اني كنت ضد التفكير في وجودها أصلًا بس موضوع الوشم دا اكدلي أنها ليها يد في اللي حصل للبنات دول.
رحيم بتأكيد
و مليون في المية تِعرف بيوديهم فين.
محمد بتفكير
طب ودي نوصلها ازاي؟ احنا قلبنا الكهوف اللي في البلد كلها، ومفيش ليها أي أثر. لا في النجع ولا في الجبل.

لا يعلم لما تذكر ذلك الوشم الذي رآه على يد تلك الفتاة مما جعل عقله يتوقف عندها لثوان يُقلب الأمر بينه وبين نفسه قبل أن يقول باختصار
لابد هتظهر. اني متوكد من دا.
اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.

مر أسبوع وهي تذهب إلى العمل الذي بدأت تحبه كثيرًا وتندمج مع المُحيطين بها في الشركة، وقد كانت تتعامل معهم بطبيعتها الرقيقة، و قد أحبها الجميع لهدوئها و ذوقها في الحديث، وهي أيضًا أحبتهم، وقد وجدت نفسها أخيرًا للحد الذي جعلها تتجاهل منغصات حماتها وزوجها الذي ساءت حالته كثيرًا بسبب تلك القضية و محاولته المُستميته للرجوع إلى منصبه، و جعل الأمر يبدو و كأنه مُلفق حتى يتم الوشاية به، و قد وصل الأمر لأن يتحجج بأي شيء حتى يُفرغ بها طاقة غضبه في تلك العلاقة المُقززة التي تُشعرها بأنه مُجرد حيوان، ولكن البارحة تخطى حدود المنطق والعقل حين اقترب منها وهو ثمل يجذبها من يدها قائلًا بوقاحة.

تعالي عايزك.
ارتعبت من مظهره و كعادتها حاولت الإحتماء بأطفالها حين قالت
الولاد صاحيين ولسه متعشوش.
ان شالله ما اتعشوا. قولتلك تعالي.

ارتعبت من أن يرى الأطفال مظهره و طريقته لذا ذهبت معه كمن يذهب إلى المقصلة، و بداخلها تتمنى لو تحدُث مُعجزة تخلصها من يده، ولكن للأسف المعجزات لا تتحقق، فمرت الدقائق عليها كالدهر وهي تبكي بخفوت تتوسل إلى الخالق حتى ينتهي منها ذلك الحقير الذي غضب حين شعر ببرودها معه ليقوم بصفعها وهو يقول بصياح
أنتِ ايه؟ مبتحسيش. قرفتيني وكرهتيني في عيشتي. ربنا ياخدك.

كان جسدها ينتفض من حديثه و اتهاماته و وقاحة أسلوبه مما جعلها تقول من بين نهنهاتها
انا عملت ايه؟
صرخ بها كالمجنون
اخرسي وكمان بتردي عليا.

اخذ ينهال فوقها بالضربات وهي تنتفض من فرط الألم حتى خارت قواه و سقط في النوم بفعل تلك المخدرات التي يتناولها لتظل تبكي طوال الليل تتمنى لو تهبط عليه صاعقة من السماء و تخلصها منه، والآن تقف أمام المرآة في الحمام تحاول إخفاء تلك الندوب التي تركتها يداه القذرة فوق وجهها لألا يراها أحد، فيكفيها ما تمُر به لا تستطِع احتمال النظرات الفضولية و الهمهمات الجانبية.
أشجان جبتي الملف اللي قولتلك عليه؟

هكذا تحدث توفيق رئيس القسم الذي تعمل به ما أن رآها تدلف إلى المكتب لتقول بخفوت
ايوا اتفضل.
ناولته الملف ليهرول إلى الأعلى فأثار الأمر اندهاشها فسألت أحد زميلاتها
هو في ايه؟ بيجري كدا ليه؟
هو أنتِ متعرفيش ولا ايه؟ دي الشركة مقلوبة، و في اجتماع طاريء للمديرين، و كلهم مرعوبين من الوحش.
أشجان بصدمة
وحش ايه؟
خالد بيه. اصل هو لما بيتعصب بيقولوا الوحش خرج من كهفه و هياكل اللي ييجي في سكته.
أشجان بذُعر.

يا ساتر يارب. طب وايه اللي حصل خلى الوحش يخرج؟
بيقولوا في غلط في صفقة الأدوية هتكلف الشركة مليارات، و عشان كدا طلب الملف بتاعهم، وربنا يستر ويعدي اليوم دا على خير.
في الأعلى كان ينفُث النيران من أنفه، و يُطلق نظرات على هيئة أعيرة نارية جعلت الجميع يلجأون للصمت خوفًا من أن يكونوا فريسته اليوم
اقتربت سهام احد افراد طاقم السكرتارية و قامت بوضع الملف أمامه وهي تقول بخفوت
الملف اللي حضرتك طلبته يا فندم.

تناول منها الملف وما هي إلا لحظات حتى قست ملامحه وأصبحت تحاكي ملامح الوحوش بالفعل ليُزمجر بشراسة
سهااام.
نعم يا فندم.
هكذا تحدثت الفتاة بذُعر ليقول بعُنف
انا طالب ملف شركات الأدوية جيبالي ملف شركات التغذية أنتِ بتستعبطي؟
ارتعبت الفتاة وانتفض جسدها وهي تقول بتلعثُم
حضرتك دا توفيق اللي ماسك قسم الأرشيف اللي جابه مش انا.
وهو فين زفت؟
شهقت بذُعر حين صرخ عليها بتلك الطريقة لتقول بلهفة
ثواني وهيكون عندك.

و ماهي الا دقيقة مرت حتى جاء توفيق يهرول وهو يدلف إلى الداخل و ساقيه ترتعش من فرط الخوف و خاصةً حين صرخ خالد بشراسة
انا طالب ملف ايه؟
شر. شركات الأدوية يا فندم.
هكذا تحدث توفيق بتلعثُم ليقول خالد بحدة
و اللي قدامي دا ملف ايه؟
قال جملته وهو يُلقي الملف بوجهه ليتبلور الذُعر بملامح توفيق حين شاهد أن هذا الملف يعود لصفقة التغذية، لينتفض إثر صوت خالد الغاضب حين قال
مشفش وشك في الشركة تاني. مفهوم.
توفيق بتوسل.

يا فندم والله انا ماليا ذنب. دي البنت اللي لسه متعينة جديد انا قولتلها تجهز ملف شركات الأدوية، وهي اللي جابت الملف دا.
خالد بقسوة
مين البنت دي؟
اسمها أشجان عزام يا فندم.

اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت وأبوء لك بنعمتك على وأبوئ بذنبي فاغفر لي فأنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، استغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه توبة عبد ظالم لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا.

كانت تبكي بصمت تشعُر بالقهر الذي لا يستطِع اي شيء في العالم محوه. هذا العالم الذي تبغضه و تشعُر بالسخط على الجميع به. تريد الصُراخ حتى يصل صوتها الى جميع ساكنيه وهي تقول لما؟ لما قست قلوبكم بتلك الطريقة؟ لما لا ترحموا الضعيف؟ اي ذنب اقترفته شقيقتها حتى تتعرض لمثل هذه التجربة؟

كانت تنظر حولها في كل مكان وهي تُذكِر نفسها بأنها وحيدة لا تمتلك جدار واحد قد تستند عليه حتى تلك الجدران التي تأويها لا تمتلكها.
صدح استفهام غاضب نابع من رغبة هوجاء بالانتقام تولدت بداخلها.

من السبب يا تُرى؟ هل والدتها التي تركت عائلتها لأجل الحب؟ أو والدها الذي غادر تاركهم في هذه الحياة من دون أي احد أو اي شيء؟ ام عائلة والدتها التي لم ترحم والدتها و اذاقتها الويلات؟ و فجأة انغرزت سهام تلك التساؤلات في صورة واحدة لإمرأة تحمل دماء الأفاعي بين أوردتها. نعم انها هذه المرأة نبيلة.

اقتحم خلوتها صوت طرق على باب الشقة لتمحي عبراتها وتتوجه للفتح الباب فإذا بها تجد نفسها وجهًا لوجه مع عمر الذي شعر بالأسى تجاهها في هذه اللحظة ليقول بخشونة
عاملة اي؟
شروق بجفاء
زي ما انت شايف.
عمر بنبرة حملت بعض التعاطُف حين قال
كنت متأكد اني هلاقيكي بتعيطي.
صمتت لثوان و عينيها لا تحيدان عن عينيه قبل أن أن تتجاهل حديثه لتُباغته قائلة
سعاد هانم بعتاك عشان تسمع رأيي صح!
عمر بعدم فهم
نعم.

كانت نظراها غامضة مليئة بالغضب الذي حاولت تجاهله وهي تقول بنبرة حادة
سعاد هانم قالتلي انك عايز تتجوزني وانا موافقة.

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة