رواية ذنوب على طاولة الغفران ج1 للكاتبة نورهان العشري الفصل الحادي والثلاثون
قُدت حروف الألم بشواظٍ مُشتعِلة فوق جُدران القلوب.
تروي فجيعة نعامةٍ هلِكت برائتها وتناثرت دمائها بين أروقة الدروب.
فالعشق كان إثمها، والشجو بات عُقبها، والقهر مارس فُحشة كسافحٍ لا رادع له، ظالمٍ لا يهوب.
لا البوح يقدر أن يفِ، والصمت لم يكُن وفي، والدمع طوفانه سخي لا تكفه فيض الصبوب.
تُرى هل من سبيل ل نجاتنا؟ وثوب الروح أضحى هالكًا بُليت خيوطه ولفقتها إجثام الندوب!
أم أن الشِقاق بات رفيقنا برحلةٍ تأبى الفناء وهي غارقة بين أوحال الذنوب؟
بالله أُناشدك يا قلبٌ ما أذلني سواه ألم يحِن الوقت كي تهجر العشق وأن تتوب؟
نورهان العشري.
كان يعمل على جهاز الحاسوب الخاص به و إذا برنين هاتفه يتعالى فالتقطه مُجيبًا
ايوا يا متر.
لحظات وتبدلت ملامحه للصدمة التي تحولت لغضب مقيت جعل عروق رقبته تبرُز بشكل مُخيف وهو يُزمجر بشراسة
بتقول ايه؟
المحامي على الطرف الآخر
زي ما قولت لحضرتك مدام أشجان اتنازلت عن المحضر ضد زوجها.
بتقولي ايه يا أشجان؟ ازاي قبلتي تتنازلي عن المحضر؟
هكذا تحدثت سوزي حين أخبرتها أشجان بما اقدمت عليه لتقول الأخيرة بلهفة.
مكنش ينفع اعمل غير كدا.
سوزان باندهاش
لا معلش يا بنتي فهميني أصل انا حاسه ان مخي وقف.
صمتت أشجان تتذكر ما حدث قبل يومين من الآن
عودة لوقت سابق
شايفة يا أشجان. شايفة اللي عملتيه في جوزك أبو ولادك؟ اهو بسببك مش هيرجع شغله تاني.
هكذا هتفت مديحة بعويل قابلته أشجان بالاندهاش الذي تجلى في نبرتها حين قالت
بتقولي ايه؟ انا مش فاهمة حاجه.
المحامي لسه مكلمني و بعد اتهامك ليه بالضرب و التعدي رفضوا الدعوة اللي كان رافعها و اتفصل من شغله خلاص.
صدمها ما حدث ولكنها رفضت تحمل ذنب ليس ذنبها حين قالت بتقريع
يعني مش رفدوه من شغله عشان مسكوه في شقة مشبوهه، ولا عشان لما قبضوا عليه و عملوله تحاليل لقوه شارب قرف، ولا عشان ضربني لحد ما كان هيموتني!
مديحة بانفعال
أنتِ شمتانه فيه! شمتانه في جوزك أبو عيالك يا متربية يا محترمة!
أشجان بحدة.
أنا مش شمتانه في حد. دا عدل ربنا.
لمحت مديحة ظل الطفل الذي يستمع إلى حديثهم لتقول بتمثيل
تعالى يا أمجد تعالى شوف امك عملت ايه في ابوك و اتسببت في حبسه.
صُدِمت أشجان من حديث هذه المرأة و لكن الصدمة حين رأت العبرات تترقرق في مقلتي الصغير وهو يقول
ماما أنتِ بجد عملتي كدا في بابا؟
تجاهلت غضبها وحزنها على طفلها لتقول بحزم
امجد ادخل جوا و تاني مرة متدخلش في كلام الكُبار.
رأت في عيني طفلها التمرد ولكن كان للحظة تبددت ليحتل العتب نظراته و بالنهاية استمع الطفل إلى حديثها واندفع إلى الخارج لتهتف مديحة بغضب
كمان بتشخطي في الواد و محدش مالي عينك!
قاطعتها أشجان بحدة.
كفاية بقى أنتِ ايه مبتتعبيش! حصلت تستخدمي ابني ضدي و تقوميه عليا! مش كفاية خربتي بيتي. بس انا اللي استحق. انا اللي سكتلك لحد ما وصلتي للمرحلة دي. لكن خلاص كل شيء و له آخر، و اللي حصل دا انتقام ربنا. ابنك اللي كنتي بتعايريني بيه و بتتكبري بمنصبه على الناس اهو مبقاش له قيمة، و دا انتقام ربنا منك أنتِ وهو، و حقيقي تستحقوه.
عودة للوقت الحالي.
مكنش ينفع الوضع يفضل كدا. كان لازم اخلص و انفد بجلدي انا وولادي، وعشان كدا انا روحت للمحامي و قولتله اني موافقه أتنازل مقابل أنه يطلقني.
هكذا تحدثت أشجان بتعب فأشفقت عليها سوزان التي احتوت كفها بحنو تجلى في نبرتها حين قالت
أنا مقدرة حالتك، و كمان حسيت من كلامك قد ايه الست دي وحشة.
أشجان بانفعال.
ماهو دا اللي خلاني عايزة اخلص. مينفعش افضل قاعدة هناك اكتر من كدا، و مينفعش افضل مربوطة بيه لما يبقى يخرج. انا تعبت حياتي كلها صعبة و متعبة و مبقتش قادرة اتحمل الضغط دا. نفسي افوق بقى.
سوزان بهدوء
طيب خلينا نمشي خطوة خطوة أنتِ لما قولتي دا للمحامي هو قاله ايه ولا اتفقتي على ايه؟
المحامي قاله اللي انا قولتهوله، و هو وافق، واول ما يخرج هنطلق.
سوزان باستفهام.
طب معلش. ماهو ممكن بعد ما يخرج يقولك مش هطلقك و تبقي رجعتي لنقطة الصفر من تاني.
أشجان بتعب
مكنش في قدامي حل تاني غير كدا، و على فكرة انا متوقعة أن دا يحصل. لكن المرة دي أنا مش أشجان الضعيفة اللي هتستنى حد يجيبلها حقها. هروح ارفع عليه خلع من الصبح، و هستشهد بكل القرف اللي حصل دا و هطلق منه.
صمتت تقاوم عبراتها ولكنها في النهاية هزمتها و تدحرجت بقوة فوق خدها لتُتابع بقهر.
عارفة انا مشكلتي كانت ايه؟ اني مصيري مكنش في أيدي، وكنت مستنيه دعم من الناس اللي مفروض أنا أهمها. بس اكتشفت ان محدش هيحس بالنار اللي انا عايشة فيها غيري، و اني كان ممكن اموت في لحظة زي اي كلب أو قطة في الشارع و محدش من أهلي يحس او يعرف، و دا اللي خلاني مش ناوية اعتمد على حد، و هسند نفسي بنفسي و لازم هو يشوف كدا عشان يعملي ألف حساب بعد كدا، وعشان كدا رجعت اعيش معاها تاني. عشان تشوف بعينيها اني مبقتش أشجان بتاعت زمان. الناس دي جبانة اوي. مش بتستقوى غير على الضعيف وانا مش ناوية ابقى ضعيفة تاني.
حاولت سوزان تهدئتها قائلة
طب اهدي. ربنا أن شاء الله مش هيعمل حاجه وحشة.
أنا واثقة في ربنا اوي، و عارفه انه مش هيخذلني.
سوزان بحنو
طب اضحكي بقى عشان أنا مبشغلش ناس كئيبة و نكدية كدا عندي انا ست فرفوشة.
ابتسمت أشجان على مزحتها التي ذكرتها بكلماته في بعض المواقف، ولكنها راوغت ذكرياتها وهتفت بلهفة
يعني خلاص من النهارده اعتبر نفسي بشتغل معاكي؟
احتارت سوزان بماذا تُجيبها، ولكنها أبدًا لن تستطِع التخلي عن هذه الفتاة التي تُذكرها بشقها الغائب عن روحها منذ زمن بعيد لذا اومأت برأسها وهي تقول بهدوء
اعتبري نفسك بدأتي شغل من امبارح.
لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم.
للحظة شعرت بأنها قاب قوسين أو أدنى من الإنفجار كبالون امتلىء حتى لم يُعد هُناك به مجال لاحتمال نسمة هواء لتأتي شرارة واحدة و تجعل الحرائق تنشب بكل مكان دون أن تدع أي مجال للتفكير فيما اذا كان هُناك ضحايا ليس لها ذنب بشيء، و هذا كان حالها وهي تسلُك طريقًا لم يكُن عليها السير فيه أبدًا، ولكن كلمات هيام البارحة افقدتها كل ذرة تعقُل لديها.
والله انا ما اتمنيت لياسر حد غيرك. بس القلب و ما يريد يا روضة، وهو قلبه اختار.
و كأنه الكلمات ضربات قوية تُسدد إلى قلبها الذي من وسط صرخات ألمه هناك صرخات استنكار لهذا الهُراء من وجهه نظرها لتقول بانفعال
دلوقتي بتقوليلي القلب و ما يريد اومال ليه لما سألتك في حاجه بينهم قولتي لا؟ جاية دلوقتي تقوليلي قلبه اختار! ليه عشمتيني؟
أخذ الذنب يقرض هيام من الداخل لتقول بتأثر.
متخيلتش أنه هيفكر يرجعلها تاني. هو أكدلي أنه خلاص شالها من دماغه، وقولت مش هيلاقي أحسن منك.
روضة بانفعال
متكذبيش. أنتِ كل اللي يفرق معاكي اخواتك، و عشان كدا اتجوزتي عمي. عشان يعملهم بني آدمين و يخلي كل الناس تحترمهم.
كان رد هيام على حديثها أعنف مما توقعت، فقد قامت برفع يدها و هوت بصفعة قوية فوق خد روضة التي لم تُصدق ما حدث لتهتف هيام بشراسة أفزعتها.
أخرسي. قطع لسانك. انا اخواتي أحسن ناس في الدنيا، والناس كلها بتحترمهم بعمك أو من غيره. لما عمك وقع و كنتوا عايزين تاكلوه محدش شالوا غير ياسر و وقف جنبه، ودلوقتي هما شركا في كل حاجه، و يزيد مقبلش من عمك جنيه، و كان بيشتغل مع اخوه عشان يصرف على نفسه. اخواتي رجاله، و أنتِ فعلًا متستحقيش تكوني مرات الريس ياسر. انا نظرتي فيكي كانت غلط. بس الحمد لله ياسر فرملني في الوقت المناسب.
كان حديثها أشد وقعًا من الصفعة ليظل جسد روضة ينتفض من فرط الصدمة التي جمدت الحروف فوق شفتيها بينما عينيها أعلنت التمرد لتدفع بمياهها بغزارة أصابت قلبه هيام بالذنب مما جعل لهجتها تهدأ قليلًا حين قالت
أنا عاملتك بما يُرضي الله و زي بنتي، اللي أنتِ قولتيه دا غلط كبير و محدش يقبل بيه. راجعي نفسك يا روضة، و خلي اليوم دا يعدي على خير.
نفض تلك الذكرى المقيتة عن رأسها وهي تتوجه إلى بيت غنى التي كانت كالفراشة التي حوى قلبها الصغير سعادة العالم أجمع فأخذت تدور بفستانها أمام المرآة غير مُصدقة فاليوم ستكون له، و بعد كل هذا العناء.
أطلت صابرين برأسها من الباب لتجد غنى تقف أمام مرآتها وهي مُغمضة العينين تتلو عبارات الحمد بصوت خفيض مما جعل قلبها ينتفض بين ضلوعها وهي مدهوشة من فرط سعادة ابنتها بهذا الزواج، فهاجمها ضميرها بشراسة كيف تسببت بفراقها عن هذا الرجل الذي تنازل عن كل شيء لأجلها؟
تراجعت عنها دون حديث و توجهت إلى حيث زوجها لتخبره بأنها ستذهب إلى بيت شقيقها لصنع طعام العشاء لأبنتها، و لم يمُر وقتًا طويل حتى سمع مرزوق صوت طرق على باب المنزل ليتفاجيء بوجود روضة امامه، فاستقبلها بود
تعالي يا روضة يا بنتي اتفضلي.
روضة بنبرة مُتحشرجة
غنى هنا يا عمو؟
اه طبعًا هنا جوا في أوضتها ادخليلها.
استمعت غنى الى طرق خافت على باب الغرفة، و حين فتحته تصنمت بمكانها حين شاهدت روضة تقف أمامها
روضة!
دلفت روضة إلى الداخل بوجه مُغبر و عينين يشتغل بهم جمر الغضب و الألم الذي تجلى في نبرتها حين قالت
مبروك يا عروسة.
ناظرتها غنى بشمولية، فقد بدت هيئتها مُدمرة بالكامل، وهذه العباءة السوداء التي ترتديها جعلتها تشعُر بنذير شؤم اهتز له قلبها، ولكنها تجاهلت كل شيء وقالت بجمود
الله يبارك فيكي. اتفضلي اقعدي.
تقدمت روضة إلى المقعد الذي يتوسط الغرفة وعينيها مُثبتة على فستان الزفاف الذي كانت تتمنى لو أنها هي من ترتديه الليلة، ولكنها حُرِمت من أمنيتها الغالية، والآن ترى غيرها يتنعم بها
فستانك شكله حلو اوي.
تلاحقت دقات قلبها خوفًا من حدوث أي شيء قد يُعكر صفو سعادتها لذا جاءت نبرتها مُتحشرجة حين قالت
ربنا يخليكي عقبال فستانك.
انفلتت الكلمات من بين شفاهها حين قالت بنبرة مُلتاعة
ماهو دا فستاني!
حاولت غنى التحلي بفضيلة الرد و إلتزام ضبط النفس وهي تُجيبها بجمود
عمره ما كان هيبقى ليكي.
في الخارج كان ياسر يغلي من شدة الغضب، فهو يتصل بها منذ أكثر من نصف ساعة وهي لا تُجيب، فغزا القلق صدره ليُقرر مهاتفة والدتها و الإطمئنان عليها، ولكنه تفاجئ حين سمع صوت مرزوق يُجيبه
ايوا يا ريس ياسر صباح الفل.
صباح النور. صحيتك ولا ايه؟
مرزوق بسعادة
لا ازاي بقى انت تتصل في أي وقت، وبعدين هو حد ينام في يوم زي دا؟
ياسر بخشونة
ربنا يتمم على خير و كل حاجه تمشي تمام.
أن شاء الله. قولي كنت عايز أم غنى في حاجه؟
ياسر بحرج
لا. انا بس كنت عايز أسأل هي غنى لسه نايمة ولا صحيت؟ انا برن عليها مبتردش.
لا نايمة ايه؟ دي صاحية من بدري، وحتى روضة بنت اخو الحاج جابر عندها.
تفاجيء ياسر من حديث مرزوق، و تذكر أنها منذ أن أعلم عن ارتباطه الرسمي بغنى لم يلتقي بها أو حتى تحاول الحديث معه، فلما ذهبت الآن إليها؟ ولكنه لم يدع الحيرة تتلاعب به ليقول بجفاء
طيب أنا جايلك دلوقتي.
تشرف يا ابني.
في الداخل تجهمت ملامح روضة و غامت عينيها بألم تجلى في نبرتها حين قالت
طول ما أنتِ موجودة. دي كمالة الجملة بتاعتك.
زفرت غنى بحدة قبل أن تقول بجفاء.
مش عايزة أكون قليلة الذوق يا روضة بس ياريت اعرف أنتِ جاية ليه؟
روضة بتهكم مرير
جاية اقولك كان عندك حق. طلعتي فعلا مبتسبيش حاجتك لحد، والأماكن اللي تخصك مهما غبتي عنها أثرك لسه موجود فيها.
ضاقت ذرعًا من حديثها الذي لا جدوى منه لتقول بنبرة مُغترة
أنا مش فاهمة أنتِ عايزة ايه، و كلامك دا كله ليه؟ بس خلينا نتكلم عالمكشوف. ياسر بيحبني، و عمره ما حب ولا هيحب غيري.
هبت روضة من مكانها بغضب تجلى في نبرتها حين قالت
كان ممكن يحب و يشوف غيرك، لولا أنانيتك و رجوعك تاني لحياته بدون أي وجه حق.
قابلت غنى حديثها الغاضب بآخر هاديء يشوبه الغرور والشماتة
مين قالك كدا؟ انا مجرتش ورا ياسر ولا قولتله تعالى اتجوزني. ياسر هو اللي جه خطبني عشان بيحبني، و ميقدرش يعيش من غيري، ولا يحب غيري.
روضة بنبرة مُحترقة
حتى بعد ما سبتيه واتجوزتي غيره؟
غنى بحدة.
حتى لو اتجوزت عشرين راجل غيره. كان بردو هيستناني و هيتجوزني. عارفة ليه؟ عشان عيونه مش شايفة غيري، و قلبه هو اللي جايبه لحد عندي، و مش بس كدا! دا وافق على كل حاجة أبويا طلبها منه، و عملي اللي متعملش لأي واحده في الحارة دي كلها. تحبي تسمعي اكتر عشان تعرفي أنه ميقدرش يعيش من غيري؟!
روضة بغضب و قلب يحترق من فرط لوعته.
أنتِ واحدة مغرورة و معندكيش قلب و لا تعرفي يعني ايه حب، ولو بتحبيه عمرك ما كنتي هتسبيه وتروحي لواحد تانيه غيره، وانا واثقة انه بكرة هيعرف حقيقتك وهو بنفسه اللي هيرميكي.
غنى بانفعال
كفاية اوي لحد كدا و اتفضلي اطلعي بره. انا يدوب ابتدي اجهز. معلش مش عايزة اتأخر على عريسي لما ييجي ياخدني.
تراجع عن باب الغرفة مع نطقها لآخر جملة وقد استقرت كلماتها في أعماق قلبه الذي أصبح في مواجهة شرسة مع كبريائه الجريح جراء حديثها، فعاد إلى الصالة المتوسطة مرة أخرى ليجد مرزوق يخرج من باب الحمام وهو يقول
معلش كنت بتوضا عشان اصلي الضحى. ثواني و هناديلك غنى.
ياسر بجفاء
لا ناديلي روضة عشان نمشي. خلاص الدبايح جت ولازم أكون موجود. انا هستنى بره.
مرزوق باستفهام
طيب مش كنت عايز غنى؟ استنى هناديهالك.
ياسر بجمود.
أنا هبقى أكلمها.
شعر مرزوق بأن هُناك خطب ما ولكنه لم يُعلق انما توجه إلى غرفة ابنته و دق بابها ليجد روضة التي كانت على وشك المُغادرة بمظهر مُريع جعل مرزوق يقول بلهفة
مالك يا روضة يا بنتي؟ أنتِ معيطة ولا ايه؟
كانت على شفير الإنهيار ولكنها قاومت لتقول بنبرة مهزوزة
لا أبدًا انا بس فرحانه لغنى، فدموعي خانتني.
مرزوق بعدم اقتناع
ربنا يسعدك يا بنتي. عمومًا الريس ياسر مستنيكي بره.
شعرت بالذُعر يزحف إلى أوصالها عن كيفيه معرفته مكانها لتترك مرزوق دون رد و تتوجه إلى الخارج لتجده يُدخن سيجارته، فتقدمت منه وهي تقول بخفوت
ياسر.
اركبي.
كلمة واحدة كانت تكفيها لمعرفة أنه غير راضي عن مجيئها إلى هنا. لذا لم تُطيل في الأمر إنما استقلت السيارة برفقته لينطلق على الفور دون أن يلتفت إلى الخلف ليرى نظرات غنى الغاضبة، فحين أخبرها والدها أنه في الخارج هرولت لرؤيته و إذا بها تراه يغادر مع هذه الفتاة دون أن يلتفت إليها.
عرفت أن انا هنا منين؟
هكذا تحدثت روضة بخفوت ليتحدث ياسر بقسوة
دي آخر مرة تسمحي لنفسك تتعرضي ليها بأي حرف. سمعاني؟
انهمر الدمع كالفيضان من عينيها لتهتف بألم
انت ازاي قادر تكون قاسي معايا كدا بعد ما كانت فيك حنية الدنيا بحالها؟
ياسر بجفاء
عشان أنتِ مقدرتيش دا و اتخطيتي حدودك و ادخلتي في حياتي.
روضة بانفعال
أنا حبيتك و كنت بعتبرك كل حاجه ليا، ومكنتش شايفة اي حد في الدنيا غيرك، و كل اللي كان نفسي فيه.
قاطعها ياسر بقسوة.
أنتِ طفلة. مُراهقة. متعرفيش يعني أيه حُب. اللي أنتِ حساه من ناحيتي دا امتنان لموقف حلو أنا عملته معاكي، و للأسف كنت متخيل انك واعيه وكبيرة عشان تعرفي مكانتك عندي واني بعتبرك أختي الصغيرة.
دعست شاحنة كلماته على قلبها حتى حولته لأشلاء، فهتفت بنبرة محترقة
بس هيام مقالتش كدا...
قاطعها ياسر بحدة.
هيام مش ولية أمري. انا عمري ما اتجاوزت حدودي معاكي وبعاملك كإنك أختي، و أنتِ ليكي عقل و تقدري توزني الأمور، و تتحكمي في حياتك لا هيام ولا غيرها يمشوكي، و يلعبوا بدماغك.
كان مُحقًا في حديثه، وقد شعرت في هذه اللحظة كم الإهانة التي عرضت نفسها لها لذا التفتت إلى الجهة الأخرى وهي تقول من بين عبراتها
مبروك. ربنا يتمملك على خير.
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.
كان ينهي بعض الأوراق حتى يتفرغ لسهرة الليلة، فلابد من تواجده برفقة أبناء عمومته، رغمًا عن عناده وغضبه كان قلبه يتمنى لو يلمح طيفها الليلة عله يروي هذا الشوق النهِم الذي يجتاح صدره تجاهها. أخرجه من شروده رنين هاتف مكتبه ليُجيب فإذا به يصُدم حين استمع الى الحديث على الطرف الآخر
أنهى مُحادثته وهو يتذكر ما حدث بينه وبينها ذلك اليوم أمام المشفى
عودة إلى وقت سابق
ينفع اطلب منك طلب؟
هكذا تحدثت آسيا بخفوت، فأجاب بنبرة عابثة
ينفع تطلبي كل اللي أنتِ عايزاه مش طلب واحد بس.
غزى الخجل ملامحها، ولكنها قررت أن تجعله يُساندها لذا قالت بخفوت
أنا معرفش إذا كان ينفع اطلب منك دا ولا لا. بس انا عايزاك تستخدم علاقاتك و تخلي أمين يطول في الحبس.
كمال بحدة
هو الحيوان دا قرب منك؟
آسيا بلهفة.
لا ملحقش. بس هو اصلا كان ظابط شرطة و اتقبض عليه في مكان مش كويس، وهو دلوقتي بيحاول يثبت أنه كان في مهمة. يعني تبع قضية هو شغال فيها، وبصراحة هو كذاب و واطي و حقير و ياما بهدل أشجان، وانا نفسي هي تخلص منه.
كمال باستفهام
طيب ماتطلب منه الطلاق؟
احتارت بماذا تُحيبه ولكنها حاولت تجنب ذكر أي شيء يُسيء لعائلتها حين قالت.
من غير دخول في تفاصيل. الطلاق عندنا صعب، وماما مش من السهل أنها تتقبله، بلس أنه أشجان كمان عايزة تقف على رجليها و متحتجش لحد، ودا مش هيحصل طول ماهي شيفاه قدامها.
شعر بتحفظها أو خجلها من تلك العادات العقيمة بمجتمعهم لذا قال بتفهم
حاضر. هعملك اللي أنتِ عايزاه. احنا بس نعمل تقرير طبي محترم، وانا اضمنلك اني هعلمه الأدب من اول و جديد.
شعرت بالغبطة لحديثه لتهفتف بلهفة
بجد هتعمل كدا!
شملها كمال بظرات عاشقة ونبرة تُشبهها
عشانك. هعمل اي حاجه عشانك.
عودة إلى الوقت الحالي.
دوى ضجيج عشقها في قلبه الذي أضناه الشوق ليُقرر في لحظة جنونية مُهاتفتها متعللًا بمعرفته بتنازل أشجان عن البلاغ و احتمالية خروج زوجها في أي وقت. ليقوم بجذب هاتفه الجديد و النظر إلى اسمها بتردد للحظات قبل أن يتدخل القلب بقوته ليدفعه إلى الاتصال و قد كانت في هذه اللحظة تُجرب فستان السهرة التي سترتديه اليوم في الزفاف الكبير الذي سيُقام في حارتهم لصديقتيها و إذا بها تسمع رنين هاتفها فتوجهت إليه لتجد رقم غير مدون بسجل الهاتف، فقامت بالإجابة لمعرفة من المتصل.
ألو.
صوتها أرسل ذبذبات حسية إلى داخل قلبه الذي ارتج كمن أصابته صاعقة قوية زعزعت ثوابته، فلجأ للصمت لثوان كررت هي كلمتها و كأنها تحثه على الحديث و لأنها امرأة ذو كيد عظيم، فقد شعرت بأنه من المُمكن أن يكون هو المتصل وهذه هي فرصتها لإصابة هدف قاتل في منتصف المرمى لذا قالت بخفوت
رؤوف؟
نجحت في تسديد سهم الغيرة المُشتعل في منتصف صدره الذي احترقت جميع قواعده، و اختل توازن جبهته الدفاعية ليهتف بحدة.
ايه هو البيه بيتصل يسمع صوتك ويقفل ولا ايه؟ ولا شكلك ادتيله استمارة ستة و شوفتي غيره؟
داخليًا ابتهجت حين علمت أنه المُتصل، ولكن كلماته اشعرتها بالإهانة لتُقرر رد الصاع صاعين ولكن على طريقتها حين قالت
مين معايا؟
كمال بتهكم غاضب
لا بلاش الجو دا؟ مش لايق عليكي دا بتاع عيال صغيرة ميكلش معايا.
آسيا ببرود ثلجي.
لا مش جو عيال صغيرة ولا حاجه؟ بس انا فعلًا محيتك من ذاكرتي، و بصراحة متخيلتش انك تتصل عليا ايه هو انت مش كنت تقريبًا عايز تنسى انك عرفتني في يوم من الأيام؟ رجعت في كلامك بالسرعة دي!
غضب من حديثها الذي أصاب كبريائه ولكنه قرر أن يُحجم غرورها حين قال
خيالك راح لبعيد اوي يا آسيا. متحلميش اوي كدا انا متصل عليكي عشان اقولك أن اختك راحت اتنازلت عن المحضر اللي عملاه في جوزها، و بكدا مينفعش يفضل محبوس.
تلاشى كل الأقنعة التي كانت ترتديها ليرتعب قلبها من حديثه، و تهتف متناسيه كل شيء
كمال أنت بتقول اي؟ يعني الحيوان دا بره السجن دلوقتي؟
لو كانت أطلقت عليه وابل من رصاص برودها و غرورها و تكبرها لم تكُن ستُصيب قلبه بمثل ما لهفتها فعلت. إضافةً إلى نطقها لاسمه بهذه الطريقة التي جعلته يقول باندفاع
اهدي متخافيش لسه مخرجش. المحامي كلمني وقالي أنها اتنازلت. لكن مقالش أنه خرج.
علي الجانب الآخر كانت آسيا تشعر بالذُعر من تجني هذا المُجرم على شقيقتها لذا سارعت بإنهاء النقاش قائلة
تمام. شكرًا عشان قولتلي. انا هتصرف.
كان له رأيًا آخر، فلم يكُن يُريد إنهاء الأمر بهذه البساطة لذا هتف بجمود
هتعملي ايه؟
كانت تائهه لا تدري ما الذي عليها فعله لذا قالت بتشتت
هشوف هي عملت كدا ليه الأول، و بعد كدا ربنا يحلها.
لم يمنع الكلمات من المرور عبر شفتيه حين قال
لو احتاجتي حاجه كلميني. انا موجود.
تأجج جُرحها منه في هذه اللحظة مما جعلها تقول بنبرة يشوبها العتب
متتعبش نفسك أنت كتر الف خيرك لحد كدا، وكفاية انك اتصلت و بلغتني.
اغضبه حديثها الذي تخبره من خلاله بأنها لا تحتاج له، و كل شيء يحدث معه حتى شعوره العميق تجاهها والذي لا يستطيع مقاومته ليهتف بحدة
عندك حق كفاية لحد كدا ابقي روحي اجري على حلال العُقد خليه يحلهالك.
و كأنه أعطاها بنفسه السلاح الذي ستُهاجمه به، وهي كعادتها لن تترك الفرصة دون أن تستغلها لذا قالت بنبرة توحي بأنه ارشدها إلى وجهتها الآمنة
أه تصدق صح. رؤوف. انا هكلمه اكيد هو هيساعدني. عن اذنك.
أغلقت الهاتف في وجهه بعد أن ألقت بارود كلماتها ليتفجر بقلبه الذي جعله يزمجر بشراسة وهو يضرب بقوة على المكتب الخشبي أمامه، فقد هُزِم أمامها للمرة التي لا يعرف عددها.
اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو علمته أحداً من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني وذهاب همي.
أنتِ اتجننتي ولا حاجه؟ تروحي تتنازلي و تخرجي الحيوان دا من السجن، و بعدين تقدمي استقالتك من شركة انترناشيونال زي دي عشان تشتغلي طباخة في مطعم!
هكذا صرخت آسيا وهي تنظر إلى أشجان التي كانت تتجهز أمام المرآة استعداداً للفرح المُنتظر لتُجيبها بهدوء
أنا ادرى باللي يناسبني، وبطلي عصبية انا فهمتك انا عملت كدا ليه ممكن بقى تفهميني؟
آسيا بانفعال
افهم ايه؟ افرض اتهبل و أذاكي أنتِ ولا الولاد؟
أشجان بمرارة.
اللي زي أمين دا جبان، ولازم هيعمل حساب اللي اتعمل فيه الفترة اللي فاتت، و بعدين هو مش هيلحق. انا خلاص كلها يومين وهروح الشقة اللي جنب مدام سوزان. بطلي قلق بقى خلي اليوم يعدي على خير. انا تعبت.
آسيا بنفاذ صبر
أنتِ عنيدة. بس خلي بالك احنا كلامنا لسه مخلصش، و موضوع الشغل اللي بتهربي منه دا لسه هنتكلم فيه. عن اذنك.
توجهت آسيا إلى غرفة ضي التي انتهت الفتاة المُختصة من تزيينها لتبدو جميلة للغاية، ولكن هذا الجمال يشوبه عينين يتجلى بهم الخوف و الرهبة مما هي مُقدمة عليه لتلتفت إلى آسيا التي هتفت بإعجاب
يا بت يا ضي ايه القمر دا؟ يخربيتك مخبية الحلويات دي فين؟
اخفضت نظرها إلى الأرض تحاول محاربة جيش من العبرات يهدد بإفساد كل شيء لتقول بنبرة مُتحشرجة
حلويات ايه اي بس؟ داني رچليا مش شيلاني، و حاسه اني شوية وهجع من طولي.
اقتربت آسيا تحتويها بين ذراعيها بحنو و هي تقول بمؤازرة
اجمدي كدا، و خليكي جدعة، و متخافيش وراكي رجاله. أنتِ مستهونة بينا ولا اي؟
استدارت ضي تناظرها بأعيُن يقطر منهم الألم الذي تجلى في نبرتها حين قالت
اني جلبي بيرچف من الخوف، لو چتني النوبة وهو چاري هعمل ايه؟ و هجوله ايه؟ و لو سألني مين اللي بتهروبي منِه دا هجوله ايه؟
حاولت آسيا تهدئتها قائلة.
يا حبيبتي أنتِ مفكيش حاجة. أنتِ عاملة في نفسك كدا لية؟ و بعدين العمدة راجل محترم، و اكيد هيقدر انك كنتي ضحية لواحد حقير. دي حاجه انتِ ملكيش ذنب فيها.
ضي بأسى
دا راچل يا آسيا و مش هيجبل أن مرته تتكشف على راچل تاني حتى لو محصلش اي حاچة. اني مرعوبة.
احتوتها آسيا بين ذراعيها وهي تقول بحنو
يا حبيبتي مفيش حاجه. والله ربنا هيقف معاكي، وهتشوفي. قولي يارب.
ضي بتوسل
يارب.
اللهم اغفر لي ذنوبي، و خطيئتي و اخرجني من الدنيا كما دخلتها بلا ذنوب ولا عيوب اللهم اكتب لي لقائك و انا بدون ذنب و اجعل جنتك لي هي المأوي. اللهم اغفر لي ذنبي و خطيئتي و لا تتوفني إلا و قد غفرت لي كل ذنوبي.
غنى. ياسر جاي.
هكذا هتفت أشجان لتشعُر غنى بانقباضة في معدتها من فرط التوتر، فالتفتت تُلقي نظرة خاطفة على مظهرها الرائع، فبدت كالبدر الذي يتوسط سماء الليل بفستانها الرائع و الذي كان برفقتها عندما اشترته لتتذكر جملته حين أخبرته بأنها وجدت فستان أحلامها
كل الفساتين زي بعضها لحد لما تختاري واحد منهم عشان أنتِ اللي هتحليه، و هتخليه مُختلف.
تأججت مشاعرها و اندفع الأدرينالين في جسدها لتشعُر به يرتجف من فرط اللهفة و التوتر الذي تضاعف حين سمعت صوت خطواته التي أصبحت بداخل الغرفة لتُغمض عينيها حين شعرت به يقترب منها ليُصبح أمامها مُباشرةً، و كأن عينيه أبصرت قطعة من الجنة كان هذا هو شعوره حينما وقعت عينيه عليها لتصمت جميع الأصوات و يغرق العالم في هدوء ساحر غلف الأجواء من حولهم، فقط هي وهو و عشقهم الكبير لتفتح عينيها بروية وإذا بها تقع على رجل أحلامها الذي أذاب هواه فؤادها، فقد كان وسيمًا بدرجة أهلكت قلبها الذي ارتج حين اقترب واضعًا قبلة دافئة فوق جبهتها قبل أن يقول باختصار.
مبروك.
كان هُناك شيء في نظراته و نبرته و لكنها تجاهلت ما شعرت به و تأبطت ذراعه التي مدها إليها ليتقدم بها إلى الخارج وسط تهليل و زغاريد من الأهل والأقارب و من بينهم هيام التي كانت ممزقة من الداخل جزء يشعر بالفرح العظيم لكونها أخيرًا رأت شقيقها يتزوج، و آخر يستنكر أن تكون هذه هي عروسه بعد ما حدث في السابق
مبروك يا أم حماده. عقبال ما تفرحي بحماده يارب.
هكذا تحدثت صابرين إلى هيام التي كان الكُره يتساقط من عينيها و نبرتها حين قالت
فرحانه يا صابرين؟
فطنت صابرين إلى ما ترمي إليه هيام ولكنها تجاهلته وقالت
طبعًا فرحانه ومفرحش ليه؟ بنتي بتتجوز.
هيام بمرارة
والله وقبل كدا لما كان جه طلبها منكوا مش كان عايز يتجوزها بردو؟
حاولت صابرين المراوغة قائلة
ياختي يا هيام أنتِ قلبك اسود اوي. مكنوش كلمتين اتقالوا في لحظة غضب. دا ياسر دا زي ابني والله.
هيام بنبرة مُحتقنة بالغضب
زي ابنك! مش دا ياسر اللي دعيتي عليه يجيلي متقطع تحت عربية! مش دا ياسر اللي قولتيلي عليه دا صايع و أبوه كان خامورجي و ميستحقش بنتي! دلوقتى بقى زي ابنك؟
تفاجئت صابرين من المرارة التي تقطر من كلمات هيام التي تابعت بتحذير.
خدي مني الكلمتين دول و علقيهم في دماغك. ياسر حتى لو خد بنتك، فهو لا هيبقى منكوا ولا هيستعناكوا. أصل يا حبيبتي العين متعلاش عن الحاجب، وانتِ فاهمة انا اقصد ايه؟ اقعدي بالعافية يا أم العروسة.
تركتها هيام تحترق غضبًا و ندمًا وتوجهت إلى العرس الكبير، و في الناحية الأخرى كان رحيم يناظر ضي بانبهار لم تُخفيه عينيه وبالمقابل كان الخوف يسكن عينيها ليتقدم هو منها دون حديث و لكن يديه كانت حانية وهي تُمسك بخاصتها وعينيه أيضًا ليخرج بها إلى خيمة النساء و كذلك فعل ياسر ليترك كُلًا منهما زوجته و يتوجه إلى خيمة الرجال، فهتف عمر حانقًا.
أنا مش فاهم ايه الفرح الغريب دا؟ اشمعنى الستات في مكان والرجالة في مكان؟
يزيد بتهكم
أبو لهب وأبو جهل قال ايه كل واحد فيهم مش عايز حد يشوف عروسته.
عمر بسخرية
و دا ايه أن شاء الله؟
يزيد بحنق
نوع من أنواع المُحن. لسه طالع جديد.
عمر بملل
انا مش فاهم عملوا فرح ليه؟ عشان يحنسونا.
يزيد بتحسُر
اهو زمان البنات خاربينها رقص واحنا قاعدين نتفرج على الشنبات اللي تقطع الخميرة من البيت دي.
كانت الأجواء رائعة و الفرح يعم على الجميع و لكن هناك من ابى الفرح زيارته، و تولى القلق ذلك، فقد كان يُريد أن يُعنفها بقوة على كل هذه الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها في حق قلبه
عودة إلى وقت سابق.
كان يدور حول نفسه كالوحش الجريح لا يعلم ما الذي عليه فعله، فقد وقع تحت طائلة حالة جنونية من الغضب الذي يحاول كبح جماحه حتى لا يرتكب جريمة نكراء ولكنها لا تساعده، فقد تفاجيء حين دلفت سلمى إلى الداخل وهي تُمسِك بيدها عدة ملفات تخص العمل، فاستفهم بجفاء
فيهم حاجه مهمة؟
دا البريد المتأخر كله، و الفايل اللي هتناقشه في الاجتماع بتاع بكرة.
اومأ برأسه بصمت لتهتف بلهفة.
أه و أستقالة أشجان البنت اللي معانا في السكرتارية. معرفش حضرتك هتوافق ولا ايه؟ و خصوصًا أنها مأخطرتناش قبل ما تمشي بفترة كافية.
برقت عينيه بصدمة سُرعان ما تحولت لغضب أسود شاب نبرته حين قال
نعم! استقالة مين؟
مظهره كان مُخيفًا مما جعلها تقول بلهفة
أشجان.
تقدم الى مكتبه يتفحص الاوراق بعصبية ليجد أنها بالفعل استقالتها، فغزا الجنون معالمه و هتف بشراسة
هي بره؟
سلمى بلهفة
مشيت. سابت الورقة و مشيت.
خالد بجفاء.
روحي على مكتبك.
تفاقم غضبه حتى صار كالأعصار الذي من شأنه الفتك بكل شيء حوله، فأخذ يحاول تهدئه أنفاسه الثائرة ليصدح هاتفه بالرنين، فالتقطه بعُنف تجلى في نبرته حين قال
أنتِ كنتي عارفة أنها هتسيب الشغل؟
زفرت سوزان بتعب قبل أن تقول بهدوء
لسه عارفة من شويه.
برزت عروق رقبته من فرط الغضب حتى كادت أن تنفجر كحاله حين صرخ بانفعال
والست الهانم مشيت ليه؟
سوزان بجمود
هتهدى نتكلم ولا هتفضل تزعق كدا كتير؟
صرخ بهياج.
سوزاااان. جاوبيني. مشيت ليه؟
سوزان باختصار
مش مرتاحة.
خالد بصدمة
نعم؟
سوزان بجفاء
مقالتش غير كدا، و على فكرة هي مُصرة جدًا على قرارها لدرجة أنها عندها استعداد تشتغل اي حاجه المهم تبعد عن الشركة.
أخذ يدور في المكان كالوحش الهائج وهو يقول كمن طاله مس من الجنون
أنا مش فاهم حصل ايه؟ انا مقربتش منها. انا حتى كنت بتجنب ابصلها. هي بتعمل كدا عشان تجنني صح؟ هي قاصدة االي بتعمله دا؟!
سوزان بحدة.
أهدى يا خالد شويه. البنت متلخبطة و كل اللي طلباه أنها تاخد قرارتها بهدوء من غير أي ضغط.
خالد باستهجان
قرارات ايه اللي تاخدها من غير أي ضغط! دي كل قراراتها زفت الزفت. أنتِ عرفتي انها راحت اتنازلت عن المحضر!
سوزان بنفاذ صبر
عرفت. بس هي عندها وجهة نظر هي مش غبية هي بس محتاجة تاخد فرصتها أنها تمشي حياتها بإرادتها، و البنت اتصرفت صح عشان ولادها.
خالد بجفاء
وهو انها تخرج المجرم دا من السجن في صالح ولادها؟
لا بس هي اتفقت مع المحامي يقوله أنها هتتنازل مقابل الطلاق، وهو وافق.
خالد بشراسة
علي أساس أنه راجل بتتفاوض معاه؟ دا حيوان.
حتى لو هو منفذش وعده هي ناويه ترفع خلع، و تخلص منه. ممكن تهدى بقى، وتفكر بعقل.
خالد بانفعال
دي واحدة مُستفزة هي خلت فيا عقل!
سوزان بمرح
الجميلة غلبت الوحش. دي نهاية متوقعة. متتعصبش اوي كدا.
خالد بجفاء
ليكي نفس تهزري؟
سوزان بتعقل.
خالد انت ذكي اوي مشكلتك عصبيتك و اللي لما تكون لحاجه تخصها بتلغي عقلك وقتها. فكر كدا لشوية صغيرين أشجان بتهرب ليه و من ايه؟ اذا كنت انت نفسك قولت انك حتى مبقتش تبصلها
توقف لثوان يحاول التفكير في استفهامها ليغزو عقله استنتاج من شأنه أن يُعيد دفته إلى بر الأمان مرة أخرى
تقصدي ايه؟
أقصد أن اكيد جواها حاجه بتهرب منها، و ذنب خايفة انها تقع فيها اكتر واكتر. ساعدها، و اقف جنبها حتى لو من بعيد.
هكذا تحدثت سوزان بتعقُل ليهتف بنفاذ صبر
ارحميني أنتِ وهي كل شويه خليك بعيد عنها، ساعدها من بعيد لبعيد لما هطربق الدنيا على دماغكوا و هضرب جوزها دا طلقتين واخلص.
قهقهت سوزان على حديثه قبل أن تبدل لهجتها إلى بحدة مُفتعلة
لا بقولك ايه انت روحك في أيدي. اه مانا مقولتلكش مش انا جبت بنت جديدة تشتغل معايا في عمايل المخبوزات اللي انت بتحبها.
صمت لثوان يستوعب حديثها قبل أن يقول بصدمة.
انتِ شغلتيها في المطعم معاكي!
سوزان بشماتة
هعمل ايه في طيبة قلبي؟ البنت عايزة تشتغل في مكان محترم ان شالله حتى لو هتغسل مواعين المهم تبعد عن وشك.
برقت عينيه من فرط الدهشة التي تحولت لتحذير قاتم تجلى في نبرته حين قال
انتِ أكيد مش هتعملي كدا صح؟
سوزان بسخرية
كدا اللي هو ازاي يعني؟
خالد بتحذير
سوزان. أنتِ مش هتخليها تتبهدل كدا ولا تشتغل الشغل دا، وألا و رحمة أمي الصبح هتلاقيني مساويلك المطعم دا بالأرض.
سوزان بتهكم
بقى عايز تهد المكان الوحيد اللي قولت انك بترتاح فيه عشان خاطر عيون الست هانم! طب ايه رأيك بقى.
قاطعها بحزم
سوزاااان. الموضوع دا مفهوش هزار. أنتِ مش هتعملي فيها كدا.
سوزان بعتب
أنت تعرف أن انا اعمل كدا؟ و بعدين أشجان دي بنتي، وانت بردو عارف غلاوتها عندي.
خالد بنبرة خشنة متعبة
عارف. ياريت هي تعرف غلاوتها و قيمتها أكتر من كدا.
سوزان بتأثر
معلش يا خالد اللي هي شافته مش قليل. اصبر عليها.
زفر بقوة قبل أن يقول
تعبتني أوي. نفسي متقللش من نفسها أبدًا. عايز اقولها أن الدنيا بحالها متسواش دمعة واحدة من عينيها.
هييجي الوقت اللي تقول كدا دا. بس اصبر عليها، وان شاء الله خير.
عودة إلى الوقت الحالي
كان الشوق يقرضه من الداخل والغضب يتغذى على دماء عقله، و الأكثر من ذلك كونه مُجبر على إخفاء كل ذلك خلف قناع الجمود ليبدو أمام الجميع هذا الجبل الشامخ الذي لا يهتز ولا يؤثر به شيء
مش يالا بقى! انا زهقت.
هكذا تحدث كمال الذي خاب أمله في رؤيتها، و كان يود في لحظة من اللحظات تمزيق هذا الحائل الهش بينهم لكي يُذيقها مُر ما أذاقته، ولكنه في نهاية الحال أصبح شاكراً للظروف التي حالت دون رؤيته لها، فهو يخشى أن يرتكب اي فعل احمق أن حاولت استفزازه
مفاضلش كتير. هشوف رحيم و ياسر ناويين على ايه؟
تقدم تجاه رحيم الذي كان يقف مع مجموعة من الرجال لياخذه بعيدًا، وهو يقول باستفهام
الليلة دي هتطول اكتر من كدا؟
رحيم بخشونة
لاه. خلاص اللي عايزينه حوصول.
تفهم خالد ما يرمي إليه ليقول بتحذير
خلي بالك أن دي فرصتنا الوحيدة عشان نوصل للي احنا عايزينه، وانا من ناحيتي مش ساكت زي ما اتفقنا.
ربنا رحيم على كتفه وهو يقول باعتزاز
عارف يا واد عمي. طول عمرك كد كلمتك. المهم اني هطلع على الفندج و الصبح هنروح على البلد، و الرچالة هينفذوا اللي اتفجنا عليه.
خالد بوعيد
حلو. خليه يعرف هو بيلعب مع مين؟
كانت تجلس وسط الفتيات تبتسم لأول مرة بسعادة لتقترب منها رضا قائلة بنبرة ودودة
ما تيجي تباتي معانا النهاردة يا شوشو؟
أشجان بجمود
مش هينفع عندي شغل الصبح بدري.
رضا بتوسل
هتفضلي زعلانه مني يا أشجان كدا؟ انا قلبي بيتعصر وانا شيفاكي واخدة جنب مني كدا.
شعرت بالحزن من حديث والدتها لتقول بخفوت
مفيش زعل ولا حاجه يا ماما. خلاص الموضوع خلص.
واصلت ضغطها عليها حين قالت.
طيب لو فعلًا مش زعلانه تعالي باتي معانا النهاردة الولاد وحشوني انا وابوكي اوي.
في نهاية الأمر اذعنت لرجاء والدتها لتقول بهدوء
حاضر يا ماما. هروح اجيب هدوم من البيت عشان شغلي الصبح و هاجي على طول. خلي بالك من الولاد
رضا بلهفة
وماله يا ضنايا. روحي والولاد في عنيا.
توجهت إلى شقتها غافلة عن أعيُن كانت ترصدها باهتمام فقد كانت غارقة في التفكير بقراراتها التي تأمل أن تكُن صائبة، و أخيرًا وصلت إلى البيت لتدلف إلى الداخل ومنه إلى الأعلى لتفتح شقتها و تتوجه إلى غرفة نومها لتحضر ملابسها و حين كانت تضع أغراضها داخل الحقيبة تخشي جسدها حين سمعت هذا الصوت الآتي من الخلف
تعرفي اني كنت عمال ادعي ربنا اني اجي البيت الاقيكي فيه.