رواية حي المغربلين للكاتبة شيماء سعيد الفصل الخامس
ابتسامته المنتصرة عليها تأخذ من روحها الكثير نجح فوزي الخولي بت دمير حياتها و تنفيذ رغبته المريضة بها، ألقى الحزام الجلدي من يده مقتربا منها يزيح عنها الحبال المقيدة ليديها و قدميها.
سقطت على الأرض بجسد منهك و قلب أخذ به العزاء بعد أول ليلة لها مع هذا الرجل، قهقه بمرح على ضعفها الذي يعشقه و يزيد من شعوره بالكمال و الانتشاء.
جلس على مقعده مشيراً لها بالاقتراب منه لتنفذ أمره و هي مجبرة مثل عادتها دائما، تحت قدميه جلست ليرفع رأسها إليه بأحد أصابعه يسير بعينه على ملامحها الغير واضحة من رسمه عليها بدقة قائلا:
آه يا هاجر مش قادر أقولك وحشاني اد إيه، بجد معاكي أنتي بس بحس بحاجات مختلفة و عشان كدة أنتي لحد دلوقتي لسة عايشة. حافظي على إحساسي لحياتك يا هاجر.
عامين من العذاب مروا عليها و هي تحمل إسم هذا الرجل سرا، تحولت من فتاة بسيطة تعيش وسط عائلة رائعة غارقة بالمال و الحنان إلى بقايا أنثى، بليلة واحدة ماتت عائلتها على يديه لأنها قالت لا تريده و من وقتها و هي أسيرة ببيته.
مال شهرة حب الناس أشياء كثيرة تحسد عليها دون معرفة ما خلف الكواليس، صرخات باكية تختفي خلف الكاميرا و حل مشاكل الناس، ربما هي بأشد الحاجة لمن يحل مشاكلها و يخفف من أوجاعها.
رسمت إبتسامة حاولت إيصال رضائها بها حتى لا يعيد ما فعله من جديد، أقترب بأنفاسه منها قائلا:
بعشقك يا هاجر قوليها عايز أسمعها من بين شفايفك عشان أرتاح أكتر و أنتي كمان ترتاحي.
لو يعلم أن الموت سبيلها الوحيد للراحة. تخشى النهاية و لا ترغب بخسارة الآخرة يكفي ما خسرته بالدنيا حتى الآن، لديها ثلاثة فتيات لابد من البقاء صامدة من أجلهم، أومأت إليه مردفة:
و أنا كمان بعشقك يا فوزي، تؤمر بحاجة تانية.
إبتسم لها بمحبة واضحة، هو بالفعل و من وجهة نظره يحبها لحد الجنون، اختارها قلبه ليعيش معها أجمل لحظات حياته، يعلم أنها لا تحبه و أي كلمة تخرج منها من باب الخوف، لا مشكلة الأهم أنها بين يديه و يشعر معها بما يريده حتى لو رغم عنها.
حملها بين يديه مثل الدمية واضعا إياها على الفراش، يده بدأت تتحرك على جسدها بالكريم المعالج لتلك الكدمات، مجنون فوزي الخولي مريض نفسي و علاجه أصبح مستحيل.
أجابها عن سؤال لم تسأله قائلاً و هو يكمل دهن الكريم:
أنا مش مريض يا هاجر بس دي طريقتي في المتعة، حبي ليكي في مكان و حبي لنفسي في مكان تاني، عارف إنك بتخافي في الاوضة دي بس أنا بعشق أقرب منك فيها بيبقى جوايا راحة نفسية، تحملي عنفي و مرضى لو شايفة أنه مرض زي ما أنا بتحمل أكون حنون مع إن ده مش طبعي أبداً بس بعمل كده عشانك.
تخشى أن تسقط دمعة من عينيها تفتح بها على نفسها أبواب من الجحيم، أعطت إلى شفتيها بعض الطراوة بلسانها مردفة ببحة صوت شبه مختفية:
أنا ملكك يا فوزي، بس أرجوك كفاية كدة النهاردة أنا محتاجة أنام، كل حتة فيا تعبانة لكن لو أنت لسة محتاج مني حاجة مفيش مشكلة.
إقترب منها أكثر لتعود خطوة للخلف بخوف إلا أنه جذبها ليضع رأسها على صدره و يده تتحرك على خصلاتها مردفا بهدوء:.
نامي يا حبيبتي عشان خاطر عيونك معاكي ساعة راحة مع إن المفروض اليوم كله ليا.
أختك فين يا بت.
انتفض جسد فتون برعب من صوت جليلة المرتفعة، تعبيرات وجهها لا تبشر بالخير أبداً يكفي شرارات الغضب المنطلقة من عينيها، أغلقت عين و راقبت الموقف بالعين الأخرى مبتلعة ريقها من شدة التوتر.
دقات قلب جليلة تدق مثل الطبول فريدة قطعة من روحها جزء لا يتجزأ منها، خوفها يتضاعف مع كل لحظة تمر عليها و لا تعلم أين هي، ذهبت للمرحاض لعل وعسى تكون بالداخل إلا أن خاب أملها مع رؤية المرحاض فارغ.
أرتدت عباءة الخروج خاصتها ستبحث عنها بأي مكان، قطعت طريقها فتون القائلة بصوت مرتجف:
اهدي يا جليلة هي عند أزهار.
كذبة وراء الأخرى و لا تعلم إلى أين ستصل، ذهبت إلى فاروق و فاروق أتى لهنا، فلتت أعصابها من سيطرتها عليها، خائفة على شقيقتها و بنفس الوقت تخشى رد فعل جليلة.
أزاحت جليلة فتون بعيدا عن طريقها قائلة بصوت مرتفع:.
بتعمل إيه عند أزهار يا بت و أزهار لحد دلوقتي قاعدة على الفرش بتاعها تحت، أنا هروح أجيبها من شعرها عشان شكلها نسيت شبشب جليلة و ليها مزاج ينزل يرن على وشها.
دفعة جليلة لها آلمت جسدها إلا أنها عادت إلى الوقوف أمامها من جديد مردفة برجاء تمنعها من الخروج:
هي قاعدة عندها عايزة تقعد شوية لوحدها يا جليلة، أزهار في الدور اللي فوق مننا سبيها النهاردة و بكرا نتكلم و بعدين الجواز مش بالغصب يعني.
ردت عليها الأخرى بسخرية:
يا فرحة قلبي بيكي عايزة أختك تبات برا البيت، اخفي من وشي، نص ساعة لو أختك منزلتش من فوق و الله العظيم هتبات برا بس في المستشفى.
أومأت لها فتون عدة مرات بسرعة قبل أن تختفي خلف باب غرفتها، وضعت يدها على صدرها لتهدئ من خفقاته قليلا و اليد الأخرى تزيل بها عرقها السائل مثل المطر.
لم تجد أمامها حلول إلا الإتصال بأزهار لتكون معها بنفس الخطة حتى تعود الأخرى، ثانية و ردت عليها أزهار بحزن:
الو يا فتون أخبارك.
ألقى نظرة سريعة على الباب تتأكد من عدم وصول صوتها للخارج ثم أردفت:
الحمد لله يا أزهار اقفلي الفرش و تعالي عندنا. اطلبي من جليلة فريدة تبقى معاكي النهاردة هي بتسمع كلامك و بتحبك، أنا قولتلها إن فريدة عندك.
شهقت أزهار مردفة:.
آمال هي فين يا فتون لما مش في البيت و لا عندي في وقت زي ده؟
بتنهيدة طويلة أجابتها:
صممت تروح لفاروق عشان حصل سوء فهم بينها و بين جليلة، أنتي عارفة لو جليلة عرفت إنها راحت لفاروق هتكون مصيبة مفيش ليها حل أبداً.
خلاص خمس دقايق و هكون عندكم.
أغلقت معها الخط لترى رسالة مرسلة من محطم قلبها يطلب منها الإتصال، تركت الهاتف من يدها و ألقت بجسدها على الفراش بإهمال، لعبة الحب بدأتها و هي مراهقة و اليوم ضاع كل شيء منها، من البداية لم تخطط لنهاية أو تعلم كيف ستكون.
تحاول إخفاء جرحها لأنها السبب الأكبر بما يحدث الآن مع توأم روحها، رنين هاتفها على النغمة المخصصة إليه تعالت معها رنين قلبها يلعن عن ضعفه و إشتياقه.
همسته المشتاقة ذابت بها مع نبرته الرجولية الخالصة، أخذت نفس عميق و كتمته بداخلها مقهورة بما فعلته بنفسها و به:
أخيراً يا فريدة حلم العمر بدأ يتحقق و خلاص هتكون مراتي و على اسمي.
زوجته و على اسمه بالفعل كان حلم بعيد بعيد جداً و الآن فقط تأكدت بأنه مستحيل، خانتها دمعاتها و سبقت لسانها بالسقوط على وجهها، أبعدت الهاتف عنها لتسمح لشهقاتها بالخروج من أعماق قلبها.
آه و ألف آه على وجعه لا يشاركها به أحد يأكلها بمفردها، غصة مؤلمة تحاملت على نفسها و ابتلعتها بحلقها، للحظة وصل بها عقلها إلى ليلة زفافه على فريدة و كيف سيكون بقمة سعادته.
هل سيأتي يوم و تحمل به طفل هو أبيه و هي ليست والدته بل نسخة منها بالشكل، عاد و همس باسمها لتعود معه إلى أرض الواقع:
مالك يا فريدة حاسس إنك مش مبسوطة زي ما أنا مبسوط حتى و أنتي قاعدة معايا حاسس إني مش مع حبيبتي اللي روحي فيها؟
فراشات ناعمة أثارت كل جزء منها أهو بالفعل يشعر بها و يعرف كيف يفرقها عن غيرها؟ أخرجت تنهيدة حارة ثم أردفت بصوت حاولت إظهار المرح به:
أكيد مبسوطة و جداً يا عابد بس أنت عارف أول مرة نقعد مع بعض كلمات الواتس و الكتابة مختلف جداً عن الحقيقة، وقتها اتوترت و الكلام وقف مش عارفة أقول إيه أو اعبر إني سعيدة ازاي.
قهقه بصوته كله أكثر من سعيد بأن قربه منها على مسافة خطوة واحدة، رغم إنها و شقيقتها نسخة طبق الأصل إلا أنه أحب شخصيتها البسيطة و روحها الطيبة، أحبها من الداخل رغم جمالها الخارجي الأكثر من رائع.
أجابها بمشاكسة:
عندك حق برضو فكرة إنك تقعدي معايا شرف مش أي حد يطوله، عموماً سلام لأن الحاج عايز يقفل الوكالة و ينام. أكلمك تاني لما تكوني فعلاً على اسمي يا فريدة و دبلتي منورة ايدك.
بشقة كارم.
جلس المقعد بجوار والدته يجفف لها خصلاتها بعدما قام بغسله، ثم بدأ يمشطه مثل عادته اليومية بعد وفاة والده، مع حركة المشط على شعرها كانت تردد لها الدعاء تتمنى لو تراه أفضل رجل بالعالم.
علي الاريكة الأخرى كانت نجوى تتابع الموقف بسخط كبير، حنان يجعلها لا تطيق العيش بينهما ابدا، كل ما تريده الآن خروجه من المنزل حتى تبدأ تلك السيدة بالأعمال المنزلية و تقوم هي لتتحدث مع أصدقائها و تتابع عملها.
عدلت من الوشاح الموضوع فوق خصلاتها و عبايتها المنزلية الواسعة، لا ترغب بالتعامل معه فهو نقطة ببحر الرجال من حيث المظهر الخارجي و المال و رقة الكلمات و التعبير.
انتهت على صوته الهادي:.
مش ناوية تحضري الفطار من ايدك الحلوين دول يا ام يوسف؟
عنينا يا أبو يوسف.
قالت جملتها بسعادة حقيقية بعد الفطار سيذهب من هنا و تستطيع هي التعامل بحرية مثلما تشاء، ألقى عليها السيدة صباح نظرة سريعة زوجة إبنها تصرفاتها غريبة.
سند والدته إلى مكان الطعام لتضع يدها على رأسه قائلة بحنان:
ربنا يرضى و يديك يا كارم يا أبن صباح و لا أشوف فيك يوم يحزن قلبي ابدا.
ابتسم إليها قائلا:.
انتي عارفة يا ست الكل كلامك ده و الكام دعوة دول سبب باب الرزق اللي اتفتح ليا النهاردة.
سألته نجوى بلهفة:
باب رزق ايه ده يا خويا؟
أخذ قطعة من العيش واضعا بها قطعة من الجبن بالطماطم مع القليل من الفول مردفا قبل ان يأكل:.
ده يا ستي رجل أعمال كبير في البلد عنده اخت المذيعة اللي اسمها هاجر علوان أخته من أمه، اللي انتي ياما قاعدة طول النهار على البرنامج بتاعها، بيخاف عليها و عايز واحد ابن بلد يبقى معاها طول اليوم خصوصاً أن البرنامج ده بيجيب لها مشاكل كتير.
أبتسمت السيدة صباح بسعادة كبيرة أخيراً سيبتعد ولدها عن عمله الذي لا يأتي إليه إلا المشاكل قائلة:
حلوة الشغلانة دي يا كارم أهو باب رزق ليك و لابنك.
اومأ إلى والدته و هو يكمل طعامه و عينه معلقة على زوجته، التي تعجبت مردفة:
و انت بقى هتقعد معها طول النهار يا سي كارم؟ بقى طول النهار هتكون مع الست اللي بتلمع في الضلمة دي تقع في شبكها لا يا خويا مفيش احلى من شغل الحارة أنا راضية بيه.
قهقه بصوته كله من غيرتها الدائم عليه بأبسط الأشياء، مجنونة بحالات متقلبة أحيانا تعشقه و أحيانا أخرى تفر بلا اي أسباب، صمت قليلاً ليستطيع أخذ أنفاسه المسلوبة منه ثم اجابها بهدوء:
هو كارم مهما شاف ستات يقدر يشوف واحدة ست في جمالك و حلاوتك يا أم يوسف، بس ده شغل يا بت اكل العيش حاجة و الحب حاجة تانية في القلب يا بت.
عودة مرة أخرى لفارس المهدي.
عليها ثقل لا تعلم مصدره جسدها بالكامل مرهق صداع رأسها ايقاظها من نومتها، فتحت عينيها أين هي لا تعلم و ما حدث في الساعات الأخيرة لا تتذكر منه شيء.
حالة من الهلع أصابتها على رؤيتها لرجل عاري ينام بجوارها بكل أريحية، دارت بعينيها بالغرفة تتأكد من مكانها إلا أنها لأول مرة ترى تلك الغرفة، تعالت أنفاسها و ساب جسدها متخدر لا تشعر به.
عتمة الليلة أصابتها بالسكون و كم هذا السكون مخيف، قشعريرة قوية على سلسلة عمودها الفقري مع ارتجاف فكها، دموعها انحدرت على وجهها لتزيد من البرودة حولها.
نزلت ببصرها على نفسها لتغلق عينيها سريعاً لا تصدق أنها عارية بفراش رجل غير قادرة على رؤية ملامحه واضحة مع عتمة المكان.
ضاعت و ضاع معها عالمها الذي تمنت العيش به، رفعت كفها تمر به على خصلاتها حتى حجابها الغالي سقط من عليها يعلن عن رحيل كل شيء، من هي و كيف وصلت لهنا؟
ضغطت على شفتيها بأسنانها تمنع نفسها من الصريخ، مع تذكرها لجملة قالتها بين الوعي و اللا وعي تحب تكون أول واحد يقرب من عذراء حلوة زيي عرضت نفسها عليه و ألقت بنفسها إلى عالم النهاية.
قامت من جواره تبحث عن ملابسها تريد الفرار قبل أن ترى بعينيه نظره لن تتحملها، أرتدت ملابسها و جسدها بالكامل ينتفض مقتربة من الباب لتجده ضمها إليه من الخلف قائلا:
رغم إني مكنتش في وعي بس أنتي مش هتخرجي من هنا بعد النهاردة كلك على بعض بقيتي مختومة بختم المهدي و طريقنا بقى واحد.
أغلقت عينيها مردفة بهمس متقطع:
سبني أخرج من هنا لو سمحت كفاية أوي اللي حصل.
هتروحي فين الساعة اتنين، أهدى أنا أكيد بعد اللي حصل مش هتخلي عنك إلا لما أعرف حكايتك ايه بظبط.
بكل قوتها ابتعدت عنه قائلة بغضب:
ابعد بقى حكايتك إنتهت اسمي بقى زا.
لم تشعر بنفسها أبداً و لم تجد طريقة أمامها للفرار من هذا الموقف إلا عندما أخذت العطر الموضوع أمامها و سقطت به على رأسه، لن تتحمل خوض تجربة اقترابه منها من جديد فهي تعلم كيف يراها الآن، أطلقت صرخة قوية قبل أن تركض للخارج.