رواية حلم سندريلا للكاتبة علياء حمدي الفصل السادس والثلاثون
كان الجميع جالسا بالاسفل عندما دلف عاصم من الخارج ولم ينتظر ليتحدث مع احد بل صعد مباشره للاعلى بعدما القى السلام، تعجبت جنه موقفه و استأذنت منهم صاعده للاعلى خلفه.
بمجرد ان دلف للغرفه زفر بقوه و بدأ في نزع قميصه بعصبيه ادت لقله صبره مما دفعه ليمزق ازرار قميصه و من شده اندفاعه لم يستطع اكمال نزعه حتى فاتجه للطاوله المقابله له ليرفع الفازه الخشبيه المزخرفه اعلاها يدفعها ارضا بغضب شديد، ليصله شهقه جنه التي استقرت الفازه امام قدمها لتنظر اليها بذهول و صدرها يعلو و يهبط باضطراب.
استدار لها مسرعا و لرؤيه اضطرابها و خاصه بعدما رفعت عينها اليه ليغرق ابريقها العسلى بدهشه متوتره. تمتم بكلمات غير واضحه و هو يضغط اسنانه بقوه مشددا قبضته ثم اشاح بوجهه عنها فأغلقت الباب مبتلعه ريقها ببطء و اقتربت منه حتى وقفت امامه.
نظرت اليه بقلق غلف عينها و هي تتطلع لملامحه لتستقر على حصونه السوداء التي اشتعلت ببراكين غضب عاصفه و التي سرعان ما اخفاها عنها مديرا وجهه للجهه الاخرى، رأت هي نوبات غضبه من قبل، رأت اندفاعه و نظراته القاسيه و لكن مثل هذه المره لم يحدث. لم ترى عينيه بمثل هذه القسوه و لم ترى ملامحه بمثل هذا الجحيم من قبل، لن تنفى ارتباك اوصالها و لكنها تماسكت و وقفت امامه مجددا و لكن قبل ان تتحدث تحرك هو خطوتين متجاوزا اياها و حاول التحدث بهدوء فبعد كل شئ هي لا ذنب لها: اخرجى دلوقتى يا جنه و نتكلم بعدين.
اقتربت منه واقفه خلفه و هي تنظر لانتفاضه جسده الغاضبه و حركه قدمه المتتاليه و التي تدل على عصبيته الشديده و باستماته يحاول اخفائها و تمتمت بهدوء قلق: عاوزه اطمن عليك بس. فيك ايه يا عاصم؟
لاحظت هي اغلاقه لعينيه بمحاوله منه للهدوء ثم استدار لها صارخا بانفعال لم يستطع التحكم به: انا قولت اخرجى دلوقتى.
انتفضت و اتسعت عينها تحدق به و عينها تجوب ملامحه و التي ادركت منها انه ليس بوعيه الكامل فيبدو انه للمره المائه تغلب عليه غضبه...
و لكن كفى هي لم تعد تهرب، لم تعد تختبئ و ان كانت ستفعل سيكون به، و بحركه سريعه لفت يديها حول خصره مستنده بأنفها على صدره تخفى وجهها و انفاسها به، متمسكه بقوه لتغمغم ببطء تدرك تأثيره عليه جيدا: انا خايفه.
تجمدت يديه بجواره و هو يغلق عينه، متذكرا انها السبب بحمايه حياته الان، لولا وجودها و تمسكها به لربما كان تخلص من ذلك القذر لتخسره للابد، حبها و وعده لها هو من منعه من تدمير نفسه فقط لاجلها.
رفع يديه يحاوطها مستندا بذقنه على رأسها متمتما بيأس من هزيمته دائما امام غضبه: منى؟!
مرغت وجهها بصدره نافيه لتهمس بقلقها عليه و انفاسها تلفح بشره صدره: عليك!
ازداد من ضمها له و شعرت هي بارتجافه صدره و انفاسه المتقطعه و التي تدل انه يحمل هما كبيرا، ليس كبيرا على ابن الحصرى بقدر ما هو قويا، قويا لدرجه جعله يخرج عن طوره و يهاجمها هي ايضا...
استندت بوجنتها على صدره و يدها على موضع قلبه كأنه تحدثه بعتاب: من كام ساعه بس قولتلى ان انا انت، و انت انا، ليه دلوقتى في تعبك و وجعك بتبعدنى عنك؟ ليه مصمم تحسسنى انى متاحه وقت ما يكون مزاجك مرتاح، ليه مصمم تسيب بينا فواصل يا عاصم؟
زفر بقوه و اخفض رأسه اكثر رافعا اياها ليدفن وجهه بين خصلاتها برائحتها التي تمنحه بعضا من الراحه و الامان و تمتم بنبره بقدر ما تحمل من ثقه تحمل من قلق: عارفه انك انتِ الوحيده اللى بتقوينى، الوحيده اللى بتقدر تمتص كل وجعى و غضبى بحضن، كل يوم عن اللى قبله بتأكد انى مقدرش استغنى عنك.
ابتعد عنها محاوطا وجهها بيده ليروعها ما رأت في عينيه من ألم. ماذا حدث ألم روحه بهذا الشكل؟
ما الذي يحمله قلبه من وجع لتعكسه عينيه بهذا الحزن؟
ماذا يخفى عنها؟
دفعته من كتفه بهدوء لتُجلسه على الفراش و تجلس امامه و لكنها قبل ان تفعل جذب يدها ليجعلها تجلس بحضنه كطفله صغيره و رغم ما اجتاحها من حياء دفع الدماء لوجنتها بغزاره، لم تفكر سوى في وجعه الذي اصابها في مقتل...
اخفضت عينها على يده لتُمسك بها و لكنها شهقت بفزع و هي تنهض عنه لتصرخ بخوف: ايه ده يا عاصم؟ ايه اللى حصل؟
نظر ليده ليجد عده قطع زجاج منغرسه بها و خيوط من الدماء لونت يده، و ربما الان فقط شعر بألمها ففى ثوره غضبه تلك لم يشعر بشئ، جذب يده منها و احتدت عيناه متذكرا ما قاله عزت ليقبض يده بعنف ليزداد خروج الدماء منها. فجذبت جنه يده بقوه جعلته يناظرها بتعجب ثم نظرت اليه و لاول مره. لاول مره يرى بعينها مثل هذا الغضب و رمقته بنظرات متوعده بحده شديده. ثم اخفضت عينها و زمت شفتيها متمتمه بأمر: قوم معايا.
ارتفع حاجبيه تعجبا و لكنه انصاع لامرها و نوعا من التسليه يجتاح كيانه، فمهما مر من الزمن عليهم معا سيظل يكتشف بها شيئا جديدا. شيئا يجذبه بقوه و طغيان.
دلفت للمرحاض وضعت يده تحت الماء لترتجف بين يديها فور ملامسه الماء لها و لكنه لم يبالى بل ظل على صمته يراقب ما تفعله فقط، تحركت من امامه و اخرجت صندوق الاسعافات الاوليه من الخزانه فوق الحوض لتُخرج منها ملقط طبى و عادت لتقف امامه ثم رفعت يده و حاولت بحذر اخراج قطع الزجاج العالقه بيده و مع حركتها كانت يده ترتجف بألم و لكنه لم يطلق صوتا واحدا. انتهت و وضعت يده اسفل صنبور الماء فقرر ممازحتها لعلها تُبدى اى رد فعل فجذب يده بخفه متأوها بخفوت منتظرا لهفتها و لكن عينها لم ترمش حتى بل تمسكت بيده جيدا مثبته اياها اسفل المياه ثم رفعت عينها اليه لتطالعه بانفعال تبعته بالضغط على جرحه لينكمش وجهه ألما و يضيق عيناه متعجبا من تصرفها و لكنه يدرك انها تعاقبه و يا له من عقاب لذيذ.
اغلقت المياه و جذبت الصندوق و دفعته للخارج و هو مستسلم ليدها تماما اجلسته و جلست امامه ضمدت جرحه و هي تضغط عليه بقوه تؤلمه بحق و لكنه حافظ على ابتسامته التي تُزيدها استفزازا...
حتى انتهت فنهضت واقفه امامه و هي تعقد ذراعيها امام صدرها متسائله بحده لا تقبل النقاش: ايه اللى حصل؟
ظل يطالعها بتلاعب و هو يستند بكفيه على الفراش خلفه ناظرا اليها باستمتاع، فعقدت حاجبيها هي الاخرى و هي ترمقه بصمت منتظره الاجابه و عندما لم يفعل اومأت و تحركت لتخرج من الغرفه و لكنه امسك يدها يمنعها فجذبتها منه بحده تهدر به: هيفضل كبريائك و غضبك اهم منى يا عاصم.
و همت بالخروج لكنه جذبها بقوه وافقا متملكا خصرها بينما هي تشيح بوجهها عنه لتلمع عينها بالدموع فرفع يده يزيلها فوجدها تلتفت اليه بحده و تصيح بعتاب: وعدتنى انك مش هتسمح انى اعيط تانى، و للاسف خلفت بوعدك في نفس اليوم. و كمان مش مستعد حتى تشاركنى وجعك.
رفع يده مسرعا مزيلا دموعها ثم ضمها اليه فهو لا يستطيع اخبارها، ماذا يقول؟
يقول لها ان كل ما حدث في حياتها عمته السبب به؟
يقول لها انها حُرمت من والدها بتدبير رخيص ادى بحياتها هي للجحيم؟
ماذا يقول؟
هو يمنع عنها الحزن الذي لن تتحمله ابدا، يمنع عنها وجع اشتعلت روحه هو به. وعدها الا يحزنها فا هو يحافظ على وعده.
تنهد ليقول بصلابه و صوته يحمل قدرٍ متساوٍ من القسوه و اللين جعلها عاجزه عن تمييز اى منهم يطغى على الاخر: احيانا بنكسر وعد علشان ننفذ وعد تانى.
ثم ابعدها عنه محاوطا وجهها ناظرا بعمق ابريقها العسلى الذي لمع بخوفها عليه و حزنها لاجله و هتف بقوه عشقه لها: ثقى فيا يا جنه، و افهمى حاجه واحده بس. انى معنديش اغلى منك في حياتى.
نظرت لوجهه ليستقر صدقه بقلبها فرفعت يده مقبله اياها من فوق الضماد: لو مش عاوز توجعنى فعلا بلاش تأذى نفسك يا عاصم.
اومأ موافقا و غمغم بغموض و هو يحاوطها بأسهمه السوداء: محدش بينقذنى من نفسى و غضبى غيرك، انتِ بتحمينى وانتِ مش مدركه حتى.
ابتسمت بارتياح مؤقتا و لكنها لن تهدأ حتى تعرف ما صار و لكن مهلا فالصبر يأتى بخير.
طبعت قبله على وجنته ثم بدأت بفك باقى ازرار قميصه و الذي مزق معظمها، نزعته عنه محاوله تجنب خجلها لتساعده في ارتداء ملابسه و لكن مهلا فهذا ابن الحصرى فكيف يتنازل عن هكذا فرصه، حاوط خصرها مقربا اياها منه بينما هي تحاول الفكاك من بين يديه و لكنه لم يمنحها الفرصه و يده تسبح في ملكوت خاص لا يعرفه سوى جسدها لتسرى رعشه لذيذه تجعلها ترفع عينها اليه ببطء لتسقط في قلاعه المتينه و التي احتوتها مسرعه بابتسامه خبيثه ثم امتدت يده بعبث ليتلاعب برباط بيجامتها و هو يهمس بدراميه محببه لقلبها يمنعها اكمال مساعدته ليرتدى: انا بقول ملوش داعى، الجو حر قوى.
ابتسمت بخجل و اخفضت عينها لتصطدم بصدره العارى، فأسبلت جفنيها متمتمه باخر ما توقعه منها بنبره دلال مثيره بنفس نبرته الدراميه المتلاعبه: متأكد انه الجو برده؟
قهقه بصوت عالى ارتجف له قلبها و ابتسامتها تتسع لتوبخ نفسها بشده على ما تفوهت به فضغط جسدها اليه اكثر فرفعت وجهها اليه لتغرق في ملامحه القريبه.
عيناه السوداء بحصونها المنيعه و التي دائما ما تحاوطها بتملك خاص به و لا يجوز الا لها. بشرته الداكنه و التي تمنحه جاذبيه خاصه تجعل قلبها يشتعل بمجرد ملامستها. ذقنه المهندمه و التي اضفت ساحريه مهلكه على ملامحه القويه. انفه الذي يستقيم بحده و كبرياء لا تليق سوى بابن الحصرى، شفتاه...
و عند هذا اخفضت بصرها بارتباك متنهده بحراره و لم تنتبه انه كان يراقب نظراتها المتفحصه و قبل ان تبتعد بعينها التي استقرت على شفتاه، اسر هو شفتيها ليمنحها وصف خاص بهما معا، وصف يخبرها انها له كما هو لها جمله و تفصيلا.
تاهت معه في عالم غير الذي يحاوطهم، عالم استغرقا الكثير ليصلا اليه.
ربما ليست المره الاولى التي يقبلها بها و لكن جمال هذا اللحظه و هذا المره لم يسبق له مثيل.
فاليوم لا يتحدا جسد بجسد فقط و لكن روح بروح و قلب بقلب.
قلبه الذي عرف الحب و ان تاه عنه قليلا فأخيرا استقر في فضاء قلبها.
تحرك بها يدفع جسدها للخلف حتى سقطت على الفراش و هو بجوارها. مال عليها ينظر لها من علو ثم انخفض يطبع قبلاته المشتعله على وجهها بالكامل، جبينها، عينيها، انفها. وجنتها الا ان استقر امام شفتيها لتندمج انفاسهما معا، ناظرا لملامحها بنهم، رغبه و عشق سكن عيناه طويلا.
ففتحت عينها ببطء لتواجهها شرارات عشقه و لهفته و التي اخبرتها انه بالفعل يحترق و لن يطفئه ايلاها...
ابتسمت بهدوء و هي تتذكر جميع ما مر بهم لتتحول ابتسامتها لضحكه فطالعها بتساؤل فمنحته الاجابه بحنين جارف اسر قلبه بين شفتيها مراقبا حديثها و ربما فتنتها: كل مره ابص في عينيك اشوف عاصم القديم، عاصم اللى كان مجرد ما بسمع اسمه بترعب، بفتكر ضحكاتك القليله و مواقفنا سوا، بفتكر كل مره قريت حبى في عينيك بس تصرفاتك كانت العكس تماما، ذكرياتنا كتير قوى يا عاصم، كتير لدرجه انى على استعداد اعيش افتكرها باقى عمرى كل اما ابص في عينيك، كأنها دفتر ذكرياتى، سجلت فيه كل لحظات سعادتى و كل حياتى، و لو، اااه.
قطعت كلماتها بآه خافته اختفت سريعا بمعانقه شفتاه لخاصتها ليغمرها بفيض ذكرياته هو الاخر مؤكدا لها ان ذكرياتهم معا لم تنتهى بل ما زالت تبدأ بعد...
صوت طرقات متتاليه على باب الغرفه جعله ينازع ليفتح عينيه و فور ان ادرك وضعه ابتسم باستمتاع متذكرا لحظاتهم المهلكه منذ قليل، نظر اليها و هي تحتضنه و تتمسك به كما يتمسك الطفل بجلباب امه، ثم اعتدل قليلا ليفرد ذراعه التي تحاوطها لتستقر رأسها عليه ليطل عليها من عليائه يتأمل ملامحها التي تخطف انفاسه خطفا...
عيناها المغلقه و التي منعت عنه فيض حنان ابريقها العسلى و الذي يعشق غرقه به، انخفض ليغمرها بقبلاته المستمتعه مع ابتسامه سعاده تجد طريقها لقلبه. انفها الصغير و الذي اكتسب لونا احمرا اثر ارتكازها به على صدره فداعبه بأصبعه و ابتسامته تتسع لتتململ قليلا ثم تسكن مره اخرى. وجنتها الممتلئه قليلا و التي تدعوه دعوه صريحه ليداعبها بشفتيه و لم يبخل هو بل اعطاها بسخاء حتى انزعجت هي متحركه باعتراض لتتسع ابتسامته المشاغبه. و لكنه ابتعد عنها قليلا حتى تعود لسباتها فهو مازال لم يُكمل اكتشافه لملامحها و الان الهدف الاغلى، الاهم و الاكثر اغراءا و فتنه.
نظر لشفتيها بعبث ليحرك اصبعه ببطء فوقهما ليهمس بافتتان: مستبده انتِ يا امرأه!
انخفض متملكا اياها بقبله ناعمه استيقظت على اثرها لتدفعه ببعض العنف تدفن وجهها في صدره فيضمها اليه بقوه متناسيا ان ما افاقه طرقات على الباب و لم ينتبه لذلك الا عندما عادت الطرقات مره اخرى.
ابتعدت عنه و ما زال النعاس يداعب جفونها لتمط ذراعيها بدلال ثم نظرت للشرفه لتجد الظلام قد حل و لكن في الواقع بحياتها و قلبها مازالت الشمس تشرق بعد فابتسمت هامسه بنبره خافته: مساء الخير يا سياده النقيب.
اتسعت ابتسامته و قبل ان ينطق عاد طرق الباب من جديد فنهض بحركه سريعه غاضبه و هم بفتح الباب و هو على وشك قتل من يطرقه او ربنا يكسر الباب لكى لا يطرقه احد و لكنه توقف فور ان تصاعدت ضحكتها العابثه و التي بدت لاذنيه ضحكه ماجنه اشعلت نيرانه المبطنه بها فاستدار لها بغيظ واضح لتشير على صدره العارى برفع حاجبيها تراقصهما بابتسامه تجاهد لتمنع ظهورها: هتفتح كده؟!
نظر لصدره و رغما عنه ابتسم مدركا وضعه فهو يرتدى بنطاله فقط ثم نظر للباب هاتفا بصوت يصل للخارج: مين؟
وصله رد والدته و هي تقول و يكاد يجزم ان بنبرتها مكر: انا يا عاصم.
وضعت جنه يدها على وجهها مسرعه ناهضه عن الفراش بقميصها القصير لتُمسك بملابسه متجهه اليه تساعده على ارتدائها و هي تجاهد لتمنع ضحكتها و همست بصوت خافت بجوار اذنيه حتى لا يصل للخارج: افتح لها.
اعتقل خصرها بيده مانعا اياها من الابتعاد و هو يمطرها بسيل متواصلا من قبلاته المشاكسه و هتف من بينها مخاطبا والدته فان كان هي تمكر فهو يملك منه اكثر منها بأضعاف: خير يا ماما؟
لم تستطع ليلى منع ضحكتها فوصلت اليه ليكتم غيظه بقوه بينما اخفت جنه وجهها بصدره و لم تستطع منع ضحكتها اكثر، فصوته كان كافيا ليعبر عما يجيش بصدره من انفعال...
حمحمت والدته قائله بشبه اعتذار: انا عارفه انه مش خير ليك خالص، بس اكرم تحت و عاوز يشوف جنه...
ضغط شفتيه بعصبيه و هو يحاول امتلاك كل قوته لكى لا يقتل اكرم الان و تلك التي انهارت ضحكا بين ذراعيه ليعلو صوتها فيصل لوالدته فتضحك هي الاخرى متمتمه قبل ان ترحل: متأخرهاش يا حبيبى.
و رحلت و ضحكاتهم معا تكاد تحرقه هو فأمسك بكتفيها ناظرا اليه بضيق صارخا بنفاذ صبر: بتضحكِ؟ بتضحكِ يا جنه؟
كتمت فمها قليلا حتى تمكنت من التحدث فغمغمت ببراءه: طب انا ذنبى ايه؟
طافت عيناه على ملامحها مقربا ايها منه اكثر و هو يهدر بغيظ: و انا ذنبى ايه؟
اقتربت و طبعت قبله دافئه على وجنته اليمنى، تبعتها بأخرى اكثر عمقا على وجنته اليسرى ثم همست و هي تداعب وجنتيه بيدها معتقده انها هكذا تواسيه او ربما تمنحه بعض الصبر: انت حبيبى، بس.
ازداد احتضانه لخصرها بكلتا يديه لترتفع يديها حول عنقه ليهمس بخبث لتدرك ان ما فعلته لم يكن الفعل المناسب الان: انت كده بتصبرينى يعنى.
ابتعدت مسرعه بعد منازعه و هي تتحرك باستعجال واضح لتُخرج ملابسها: اكرم مستنى تحت. عيب يا عاصم.
اتجه اليها مسرعا ليُمسك ثيابها من بين يديها ليلقيها ارضا صارخا بغضب مكتوم و هو يحملها متحركا باتجاه الفراش: ايوا عيب، عيب اللى اخوكِ بيعمله.
القاها على الفراش وسط ضحكاتها و هي تحاول الهروب من بين يديه و لكنه تمكن منها عندما احتجزها بين جسده و الفراش مختطفا قبله من شفتيها مردفا بعدها: عيب اللى انتِ بتعمليه فيا ده!
اقترب مختطفا قبله اكثر عمقا لتذوب هي بين ذراعيه بعجز يعشقه قلبها و يهواه قلبه فرفع وجهه ناظرا اليها و بدا استسلامها يروقه و همس بصوته الرجولى و نبرته الخاصه التي بات يدرك تأثيرها عليها: عيب تسبينى كده!؟
و قبل ان تنطق أسر شفتيها للمره الثالثه بقوه اكبر و اعمق دفعتها للغرق اكثر و اكثر و لكن طرقات على الباب تبعها صوت شذى الطفولى تقول بتأفأف: يالا يا ابيه. الكل بيسأل عليكم تحت. انت اتأخرت ليه كده؟
انتفضت جنه اسفل يديه و هو يضغط شفتيه بقوه لتجذب جسدها من اسفله بسرعه لتسقط ارضا و يتبعها هو على طرف الفراش لتصدع ضحكتها و هي تنهض، حملت ملابسها التي القاها ارضا و ركضت للمرحاض و ضحكتها تدق الطبول و تعلن الحرب بقلبه. بينما يتابعها هو بغيظ شديد متأفأفا و صاح بغضب مستحب: خلاص نازلييييين.
وصله ضحكات جنه بالمرحاض فشدد قبضته بقوه و لكنه لم يستطع منع ابتسامته من الظهور فيبدو ان من قبل كان كلاهما يمتنع عن الاخر و لكن الان يبدو ان الجميع اتفق على الوقوف بينهم، تبا، سيخطفها، اتسعت ابتسامته ها قد وصل لحل، سيخطفها.
بعد قليل كان عاصم يجلس مع اكرم بالحديقه الخارجيه في انتظار نزول جنه لهم. اخذ اكرم يلعب بالعشب الصغير امامه و هو شارد تماما فنظر اليه عاصم بتفحص ثم نظر امامه متمتما: ايه اللى شاغل بالك؟
نظر اليه اكرم بنظره ذات مغزى و التقطها عاصم على الفور فابتسم بسخريه: واضح ان الستات دى حالفه تجنننا.
ابتسم اكرم بسخريه مماثله ثم اعتدل ناظرا اليه هاتفا بضيق: مش فاهم انا، اختك دى عاوزه ايه بالظبط؟
نظر اليه عاصم لحظات ثم شرد قليلا مغمغما بتسائل اكثر دقه: السؤال الانسب هو انت عاوز ايه؟
تنهد اكرم بحيره و هو يفكر قليلا ثم هتف بقله حيله: عاوزها.
ربت عاصم على كتفه هاتفا بحزم متذكرا ما قيل له صباحا: لازم تاخد خطوه يا اكرم. و النتيجه يا رفض يا قبول و كفايه مماطله.
تعجب اكرم نبره الغضب التي شملت كلماته و نظر اليه قليلا قائلا بانزعاج: انا مش بماطل يا عاصم، انا مش هقبل اتجوز واحده قلبها مع حد تانى، مش هسمح انها كل اما تشوفه تخونى بقلبها، انا لو ارتبطت بمها مش هتخلى عنها مهما حصل بس كمان لازم اتأكد انها مش هتتخلى عنى.
تطلع عاصم لنظرات القلق و الالم التي شملت ملامحه ثم منحه الثقه: مها بتحبك يا اكرم.
عقد اكرم ما بين حاجبيه و هو يحاول استيعاب ما يقوله عاصم ليهتف مسرعا بلهفه: هي قالت لك كده؟!
ابتسم عاصم مشيرا بنفى ثم اردف بنبره واثقه تماما فمن ذا الذي يفهم مها خيرا منه: مها بتحبك حتى لما كانت مخطوبه، مها اتعلقت بمحمود تعلق وهمى لكن مكنش حب. و الدليل على كده انها لما اتوجعت من بعده اتوجعت لاحساسها انه جرح كرامتها، ان قرر عنها بدون رأيها و اللى وجعها اكتر انها فهمت انها محبتوش هي حبت اهتمامه و حبه ليها اللى كان بيعوض عندها احساسها بالنقص و انها مش مرغوبه، مها لو كانت حبت محمود مكنتش هتتحمل فكره بعده عنها و تانى يوم تكمل حياتها عادى لان مها على قد قوتها على قد ما هي حساسه جدا...
اخذ نفسا مردفا بقوه: كفايه تتعب قلبك و عقلك في تفكير ملوش لازمه و بلاش تغلط غلطتى علشان هتندم، وخد بالك البنات بتحب الراجل الصريح، و مش قصدى بالصراحه انك تقول. لأ. بالعكس. قصدى انك تعمل و تثبت حبك حتى لو مقولتش طول حياتك كلمه بحبك.
صمت اكرم قليلا يزن كلمات عاصم و قبل ان يجيبه وجد جنه تتقدم منهم بابتسامه واسعه و ربما يلاحظ الاثنان للمره الاولى اشراقتها فصدق من قال.
المرأه ورده كلما اعتنى بها زوجها و روى قلبها عشقا كلما ازهرت و تلألأت كأجمل الازهار في بستان حياتهما
ابتسم اكرم بسعاده لمرآها بهذه السعاده الباديه بوضوح لا على وجهها و ابتسامتها فقط و لكن في عينيها ايضا. نهض مرحبا بها محتضنا اياها ثم قرب وجهها اليه مقبلا جبهتها بعمق هامسا بصدق عاطفته تجاهها: ربنا يديم الضحكه في عنيكِ.
ابتسمت بسعاده لتُمسك بيده ثم جلست بجوار عاصم و هو بجوارها لتنظر لكلاهما و تشعر ان عالمها بهم يكتمل...
نظرت لعاصم فطالما كان شعورها به يتأرجح ما بين شعور بخوف مرضى بدايه بخوفها منه ثم خوفها عليه و خوفها - الذي لم يفهمه احد - من خسارته و فقدانه و رغم رغبته بحبها فهو دعم شعورها هذا و نماه بداخلها.
و بين شعورها بنفسها طفله يتوجب عليها ان تكون في ظل ابيها لتحتمى به من بطش الدنيا و التي لم تتعلم مجابهتها طوال حياتها.
و لكنها الان تجرب شعورها بنفسها و كيانها المستقل معه، شعورها بأنوثتها و دلالها. شعورها بقلبها الذي دُفن قهرا خلف ضباب و غيوم الماضى ليأتى هو بسطوته و سيطرته المعتاده ليزيحها متحملا مطرها حتى اشرقت بنهار مشمس انار قلبيهما معا.
ابتسمت برضا و هي تردد الحمد لله بداخلها، منعها الطفوله ليمنحها شبابا مزهرا، اعطاها الالم ليمنحها لذه الشعور بالسعاده، و ربما واجهت الفشل و لكنها ستسعى الان لتتذوق طعم النجاح. ليس نجاح قلبها فقط و لكن عقلها، كيانها وشخصها كإمرأه.
افاقت على همسه المشاغب لها و الذي رافقه ضحكه ماكره من اكرم حيث انتبه كلاهما على تفحصها الحالم به بالاضافه لابتسامتها العاشقه: واضح ان زياره اكرم مش في وقتها خالص.
احمر وجهها خجلا لتخفضه عنه و هي تكاد تضرب نفسها على شرودها و ازداد شعورها بالخجل حتى اخفت وجهها بكفيها عندما وافقه اكرم بخبث: طول عمرى بختار الوقت الغلط.
صمتت قليلا تتحاشى النظر اليهما و لكن هاجمها شعور غريب برغبه عارمه تجتاحها الان فنهضت وافقه لتقول بطلب صريح و لهفتها تظهر واضحه في نبره صوتها: عاوزه اخرج. عاوزه امشى في كل شارع اسيب فيه ضحكه من قلبى، عاوزه ازور داده زهره و اقولها انى فرحانه، عاوزه اجرى و اصرخ و اقول انا بضحك و سعيده و الاهم مش خايفه، عاوزه ارجع جنه الصغيره اللى دائما كان بابا يدلعها، عاوزه اضحك بجد، معاكم.
ابتسم اكرم بحنان اغرقها بنظراته التي امتلئت بذنبه بتقصيره في حقها و فرحته لاجلها بينما شملها عاصم بنظرته الدافئه العاشقه التي رأت من خلالها موافقته على اقتراحها و الذي اكدها قائلا: هنأجل زياره داده زهره ليوم مخصوص.
ثم نهض واقفا مقبلا رأسها بفخر ملئ عينه لها و قام بثنى ذراعه امامها لتتأبطه ضاحكه لينهض اكرم على الجانب الاخر و اثنى ذراعه هو الاخر لتتأبط ذراعه ايضا و ضحكتها تتسع بمشاكسه طفوليه، و بمجرد ان تحركت خطوه توقفت و ابتسامتها تتلاشى تدريجيا فتبادل اكرم و عاصم النظرات المتعجبه و نظرا اليها مجددا بينما هي احتل عقلها مشكله سلمى التي ابقتها في غرفتها طول اليوم بعد حديثهما الاخير و كم سيكون تقصيرا منها ان سعدت هي تاركه اياها في بحر احزانها، بالاضافه لمها التي عادت من عملها لتستقر بغرفتها هي الاخرى و لم تراها ابدا بعدها، و ايضا لشذى فان كانت تستحق هي التدلل فالصغيره اولى به.
رفعت نظرها لهما لتتسع ابتسامتها مجددا لتهتف باقرار: و البنات كمان هيجوا معانا.
ابتسم اكرم بينما رمقها عاصم بخبث متسائلا يشاغب و قد اشتاق حد الجنون جنونه: خفتِ نستفرد بيكِ.؟!
و حمره دلال لونت وجنتها مع ردها بسخريه و اكرم يلكزه بخفه مانعا اياه من اخجالها فضحك و ترك يدها مقبلا اياها ثم غمزها بشقاوه قائلا: 3 دقائق و تكونوا قدامى انتم الاربعه.
رفعت احدى حاجبيها لتهتف باستنكار: 3 دقائق في عُرف النساء 3 ساعات يا سياده النقيب.
و انطلقت راكضه للاعلى لتجمع الفتيات و التي تدرك جيدا انها ليست بمهمه يسيره و خاصه مع سلمى. صعدت اولا لغرفه شذى و اخبرتها لتنطلق مسرعه ترتدى ثيابها، اتجهت بعدها لغرفه مها لتقول بحماس: خروجه و مش عاوزه اعتراض و يالا لانهم مستنين تحت.
و همت بالخروج عندما نهضت مها مسرعه و امسكت يدها لتشير بتعجب خروجه ايه؟ و مين اللى مستني؟
ضربت جنه جبينها بدهشه مصطنعه: لسه هتسألى؟
ثم اجابتها على عجاله: هنتفسح سوا، و اكرم و عاصم مستنين تحت.
انتفض جسد مها انتفاضه خفيفه لذكر اسمه فهو لم يغب عن عقلها او قلبها ثانيه واحده منذ حوارها الصباحى مع سلمى. لا تعرف كيف تنظر في وجهه الان، و ان كان ما قالته سلمى صحيحا فذلك يجعلها تتورط اكثر فاشارت بارتباك مش لازم انا يا جنه
نظرت اليها جنه باستنكار هاتفه بغيظ: ليه ها ليه؟ حلو البيت. وحشتك الاوضه؟! يالا يا مها بقى عاوزين نسهر سوا، علشان خاطرى.
ابتسمت مها و اشارت بيدها و ان كانت لم تكن بحاجه لتحايل فهى و قلبها يرغبون بهذه السهره خلاص خلاص هاجى و امرى لله
ضحكت جنه بعدما قبلتها بقفزه سعاده و هي تصرخ: ايوا بقى.
و خرجت ركضا لغرفه سلمى ثم توقفت امامها قليلا لتأخذ انفاسها و ابتسامتها الكبيره تختفى تدريجيا ثم طرقت الباب و دلفت لتجدها نائمه على الفراش تحتضن نفسها و دموعها تنساب بصمت، فاقتربت منها و جلست بجوارها لتربت على رأسها بحنان: لو العايط هيفيد كنت هعيط معاكِ و اخلى كل اللى في البيت يعيط معانا. بس مش هيفيد بحاجه. انتِ قويه و مازلتِ قويه يا سلمى. و مينفعش عنوان التمرد تبقى بالضعف ده.
وضعت يدها على كتفيها ترفعها عن الفراش حتى جلست فلملمت جنه خصلاتها المشعثه قليلا بفعل نومها و مسحت بقايا دموعها العالقه: الطير الحر مبيقبلش السجن، مبيعرفش يعيش في قفص حتى لو اتكسر جناحه، و انتِ طير حر، قومى يا سلمى و سلمى امرك لله و هتلاقى الحل من عنده.
ثم نظرت بعاطفه لبطنها تمسد موضع الجنين ببطء و ابتسامه حانيه تداعب شفتيها تردف تلامس عرق الامومه لديها: و بعدين فرحه الطفل لازم نحتفل بيها حتى لو انتِ زعلانه، هو او هي ذنبه ايه حضرتك؟
رفعت سلمى عينها الحزينه اليها بابتسامه باهته و هي تضم نفسها كأنها تضم جنينها فاكملت جنه و هي تدرك انها تضغط على وتر حساس لدى سلمى فهى رغم صلابتها تحمل قلبا رقيقا: هتندمى على الحزن وقت الفرحه ده، و اتهيألى الندم بعيد شويه عن سلمى.
ابتسمت سلمى بضعف فوقفت جنه و اوقفتها معها هاتفه باصرار و حزم: انتِ محتاجه وقت و امجد محتاج زيه، بس مش معنى كده انك تدفنى نفسك جوه اوضتك، فا يلا علشان هنخرج. و تصفى ذهنك كده علشان تعرفى تفكرى بعقل.
تحدثت سلمى لاول مره منذ بدايه حديث جنه و هي تضغط عينها برفق فكثره بكائها اصابتها بصداع حاد: نخرج فين؟
دفعتها جنه للخارج و هي تصرخ بها: انتم ليه ناويين تجننونى؟ اتحركِ و انا هقولك في الطريق.
توقفت سلمى بتململ و هي تحاول التهرب: مليش مزاج يا جنه. اخرجوا انتم.
وقفت جنه امامها و وضعت يدها بخصرها لتهددها تهديد صريح: هتمشى قدامى و لا اقول لعاصم انك رفضتِ و هقوله الاسباب.
رمقتها سلمى بحذر لتفاجأها نظره التهديد الصريحه بعينها و التي أكدتها جنه عندما اردفت: ايوا حصل، انا بهددك. ها هنخرج و لا ايه؟
و نظرت اليها بابتسامه ساذجه و عينها تجمع براءه الطفوله بعبث الشباب فابتسمت سلمى و اومأت برأسها متحركه بتكاسل باتجاه المرحاض فصرخت جنه من خلفها قائله: عاصم قال 3 دقائق.
فنظرت اليها سلمى باستنكار فضحكت جنه محركه كتفيها بشغب مردفه بطفوليه: بس انا خدت اذن ل 3 ساعات.
اتسعت ابتسامه سلمى و بدأت تستعد للخروج. هبطت الاربعه الدرج بعض حوالى ساعه و هن يضحكن و حاولت سلمى بقدر الامكان اخفاء ما يشتعل بصدرها و نجحت بجداره و من افضل من المتمرده على هذا و خاصه عندما تتمرد على نفسها و صدقت جنه عندما قالت الطير الحر لا يقبل السجن .
و قبل ان يهبطا الدرج توقفت مها مكانها بصدمه و عينها تنظر للامام بذهول تام نظرت اليها سلمى و جنه بتعجب ثم وجها نظرهما لما تنظر اليه لتبتسم سلمى بسخريه بينما تتأملها جنه بخبث، فمحور نظرها كان اكرم. و حقا هي محقه.
اكرم منذ ان عرفته مها لم تراه سوى بحلته الرسميه البذله العمليه بالوانها الداكنه التي دائما ما تترواح ما بين الاسود، الرمادى، و الكحلى مع ربطه العنق المحكمه، مع القميصان التقليديه و التي لا يتعدى الوانها نفس الالوان السابقه بالاضافه للابيض و النيلى و السكرى. مع حذائه الكلاسيكى اللامع و نظيف باحترافيه لم يغفل عنها يوما. و لكن الان.
كان اكرم يرتدى حذاء رياضى باللون الابيض يحمل من الجانبين خطين باللون الازرق، بنطال من الجينز الازرق الداكن يعلوه تيشرت ابيض يرسم جسده بدقه مظهرا عنقه كاملا مع جزء من عضلات صدره و فوقه قميص مفتوح بنفس لون البنطال، حسنا لم تكن الملابس مميزه بقدر ما كان هو بها مميزا.
لا تعلم لماذا و لكن الان بدا لها شخص اخر، شخصا بعيدا كل البعد عن المهندس الاكرم المدير ليبدو لها شابا يحمل من الجاذبيه ما جعل قلبها ينتفض و نبضاته تخونها ليعلو دويها. اخفضت بصرها و وضعت يدها على صدرها ناشده انتظام انفاسها و لكنها لم تستطع.
اليوم ترى اكرم جديدا و لكن يبدو ان اليوم يوم كل جديد، اغلقت عينها لحظات حتى لا ترتكب ذنب النظر اليه من جديد و لكن قلبها يدفعها لتفعل، و لكنها توازنت قليلا و رفعت عينها لجنه لتتحدث وتنوى رفض تلك السهره وخاصه بعد ان ادركت ما تكنه، بعدما ادركت ما يعنى انفعال قلب محب، بعد ان ادركت ان ما تحمله تجاهه لم يسبقه اليه احد، فهى وقعت بكامل قواها عاشقه لها و انتهى الامر.
تفاجئت بجنه تعقد ذراعيها امام صدرها تتابعها بخبث ثم بهمس تحدثت و عينها تشملها بعبث: هو حلو و يتعاكس بس غض البصر يا بشمهندسه.
اقتربت سلمى من اذنها الاخرى لتدرف بنفس الهمس: يارب تكون الهانم فهمت، و عيب بقى لو لمحك هيبقى شكلك وحش.
نقلت بصرها بينهم و بحرج شديد اندفعت تصعد الدرج مجددا و لكن هتاف عاصم اوقفها: على فين يا مها؟ مش يالا بقى؟!
التفتت بتردد لتجد الجميع يحدق بها و لكن نظره اكرم كانت مختلفه شعرت بها تحمل شيئا من الاعجاب، الاشتياق و مغلفه بعتاب...
فاخفضت بصرها و هبطت الدرج مره اخرى باستسلام و لا تدرى ان كانت ستتحمل قربه و شعورها الغريب هذا.؟!
خرج الجميع و استقلوا سياره عاصم بعد عراك مع اكرم ليترك سيارته بعدما كان ينوى اصطحاب جنه معه ليتحدث معها على انفراد و لكن عاصم لم يسمح له. توجهوا لمطعم هادئ على ضفاف النيل حيث قال عاصم: نتعشى الاول و بعدين نكمل!
جلس الجميع حول الطاوله و انشغلت الفتيات بالحديث معا بينما اكرم و عاصم ينظر كلاهما للاخر بضيق فحديثهم هذا لا ينفذ و لم يسمحوا باشتراكهم ايضا، نظرت شذى اليهم ممازحه لتهتف بطفوليه: زهقتوا زيى صح؟
قالتها و هي تضع يدها اسفل ذقنها مرتكزه على الطاوله امامها بنظرات محبطه، نظر اليها كلاهما بينما لم تنتبه الفتيات. فوضع اكرم يده مثلها مقلدا اياها هاتفا باحباط هو الاخر: جدا.
لينظر عاصم لهم بغيظ و عوضا عن تقليدهم ضرب على الطاوله بحده لتنتبه الفتيات له فصاح بسخط: اظن الرغى بتاعتكم ده ينفع في البيت، و لا انتم مأجلينه لما نخرج، علشان نقعد احنا نتفرج عليكم!
تناقلوا النظرات بينهم ليبتسموا بخبث فنظر اكرم لهم بضيق فنهضت جنه واقفه لتقول بضحكه: لا ازاى بس، يالا نمشى من هنا.
تسائل اكرم: هنروح فين؟
نظرت لشذى و غمزتها لتجيب شذى بجذل و هي تضحك بسعاده: الملاهى.
اغلق عاصم عينه لحظات و ملامحه تهتف برفض شديد بينما تبادلت مها و سلمى النظرات فعاصم لم يوافق سابقا على اصطحابهم فهو ينفعل دائما من ازدحام تلك الاماكن و صخبها.
نظرت جنه اليهم لتشير مها بعينها على عاصم فنظرت جنه اليه لتجد الرفض الواضح على وجهه فابتسمت بخبث خفى و اتجهت لتجلس على المقعد بجواره هامسه بصوت يسمعه فقط: فاكر يوم ما خطفتنى للمزرعه و طلبت منى أسلمك نفسى بدون اعتراض.
نظر لعينها التي لمعت بلهفتها و اومأ موافقا فتحولت نظراتها لبراءه طفوليه و لمعت بشغفها قائله بنبره حزينه راجيه: ممكن تسمحلى انت نبدل الادوار النهارده، انا مروحتش الملاهى بقالى سنين يا عاصم، تحديدا من يوم ما بابا توفى، بالله عليك انا نفسى اروح تانى، ارجوك.
امسك يدها ليفاجئ الجميع بتقبيل باطنها بحنان واضح و هو يصرح بحزم و نبره مسيطره: مراتى متترجاش حد، حتى انا، انتِ تأمرى بس.
ثم قبل يدها مره اخرى مع نظراتها الحانيه و التي شوبها بعض الخجل و بعدما لاحظت نظرات الجميع لها بالاضافه لبعض زبائن المكان و الذي جذبهم مظهره هذا، ابتسمت لتلمع عينها بفرحتها ليس من كلماته التي منحتها جزء من السعاده و الذي اشعرتها بأنها قويه به و له، و الاهم لاجل نفسها. بل لانه استجاب لها و هذا امر تصادفه نادرا فأمر ان يتنازل عاصم الحصرى عن قراره ليس بشئ هين و ان يفعل من اجلها، منحها سعاده مطلقه.
استند اكرم بعبث على كتفه ليهمس بسماجه: مش كفايه و لا ايه، احنا كده نرجعكم البيت اضمن!
وكزه عاصم بقوه ليكتم اكرم تأوهه راغما بضحكه عاليه جعلت مها تنتفض مع انتفاضه قلبها و هي ترى اشراقه ضحكته لا تدرى اهى حقا المره الاولى ام هي من كانت غافله عنها، و لكنها منذ متى كانت غافله، فهى تعرف عقده حاجبيه جيدا، تستطيع ابتلاع ملامحه الغاضبه و التي تُربك اطرافها، تتحمل صراخه و عنفه في العمل و الذي لا يعرف تهاون فيه بالاضافه لتقبلها لابتسامته الجانبيه و التي دائما ما يرمقها بها. لكن ان يضحك و بمثل هذه الطريقه التي تطرب قلبها.
انتبه لتفحصها به ليرمقها بنظره جانبيه لتختفى ضحكته تدريجيا ليعتدل بنظره ثاقبه شملتها لتخفض عينها ارتباكا لتتسع ابتسامته و كلمات عاصم تترسخ بداخله محق هو كفى مماطله.
نهضوا جميعا لينطلقوا للملاهى كما ترغب سمو الملكه فمن رأى الدلال و لم يتدلل ظالم ، و بكل مكان تخطوه جنه كانت ابتسامتها تنيره بفرحه عارمه لتطبع بصمات سعادتها، انطلقت الفتيات بمرح لتتسابق على الالعاب، بينما جلس اكرم و عاصم على مقعد جانبى امامهم.
حتى قطع عاصم الصمت و مازالت عينه تتابعهم في هذه اللعبه العاليه و التي ينبعث منها صرخات الجميع: عمتى السبب!
نظر اليه اكرم بعدما ابتعد بنظره عن الفتيات ليرمقه بتعجب ليتمتم بتساؤل: عمتك! سبب ايه؟!
اخذ عاصم نفسا عميقا ناظرا اليه و للاسف مجبر هو على اخفاء امر ماجد الالفى فأكرم سيتألم كثيرا لهذا و هو لن يسمح، بالاضافه لتأثير هذا الامر على امر علاقته بمها، فأخبره بالتفاصيل الاخرى مما دفع اكرم لتتسع عيناه بصدمه غير مستوعبا كم بشاعه تلك المرأه و انهى كلماته قائلا: و لولا ستر ربنا كنت هقتله و لو هي قدامى مكنش هيمنعنى عنها حد.
حدق به اكرم ليعبر عن دهشته بصراخ ذاهل: انت بتقول ايه؟ توصل لقتل و سرقه و نصب و لعب بأعراض الناس!، مش كفاياها اللى حصل زمان، الانسانه دى مخلوقه من ايه؟! دى مريضه نفسيا.
غطى وجهه بيده قليلا ليستعيد نفسه ثم تسائل: عملت فيه ايه؟
اشاح عاصم بيده في لامبالاه و تمتم بقسوه و كأنه يتحدث عن امر هين لا يستدعى الاهتمام: رصاصه في رجله و على ما اعتقد بقت غير صالحه للاستخدام، وشه بقى غريب شويه، و جسمه تقريبا سلم نمر مهما كان الراجل كبير.
نظر اكرم لجرح يده المضمد و اشار اليه بذهول: دا سبب جرحك؟
نظر ليده متذكرا عقاب جنه اللذيذ له و يتخيل كيف ستتصرف ان عرفت الحقيقه بالتأكيد ستغضب فقسوته و لا مبالاته في ايذاء نفسه او الاخرين امر لن تتهاون فيه ابدا. و اومأ برأسه موافقا، دار اكرم برأسه حوله بخيبه امل مدركا ان غضب عاصم هو عدوه الوحيد و لكن تجمدت عينه خلفه عندما رأى جنه واقفه و عينها متسعه بدهشه و دموعها تنساب ببطء. فاستدار عاصم مسرعا لترمقه بنظره متخاذله ثم تحركت من خلفهم مسرعه.
زفر عاصم بقوه و نظر لاكرم بضيق فهم اكرم بالنهوض خلفها و لكن عاصم اوقفه مترقبا مكانها بعينه حتى وجدها تقف في مكان هادئ بعيد قليلا عن صخب المكان، فأشار للفتيات بالاقتراب و دون كلمه اشار لهم بالتحرك امامه حتى صعدوا للسياره غير مدركين ما حدث و ما سبب الضيق البادى على وجهه، و نظر لاكرم نظره ذات معنى فاومأ اكرم و وقف خارج السياره مستندا عليها بينما تتبادل الفتيات نظرات متسائله...
تحرك عاصم باتجاهها حتى وقف امامها ليرى بعينها نظرات لوم و لكن ما فجأه بشده نظرات الخوف التي كست عينها مره اخرى فاقترب ممسكا يدها لتنظر اليه قائلا برفق: جنه. انا مرضتش اقولك علشان مكنتش حابب اشوف دموعك.
رفعت عينها اليه لتنظر لوجهه بنظره غريبه و لاول مره يصعب عليه فهم ابريقها العسلى الذي غرق بدموعها و تمتمت بحزن ذاهل: انت اذيت الراجل يا عاصم!؟
رمقها بتعجب مستنكر ليهتف بسخريه غلبته: و المفروض كنت اعمل ايه اسقف له و لا اهنيه على خططه الممتازه! دا واحد قاتل.
لتحرك رأسها بمعنى لا فائده و تغمغم بخيبه امل: هتفضل مندفع، هو قاتل، مجرم، يستاهل الحرق بس انت مش هو يا عاصم. امتى هتفهم ان غضبك هيأذيك؟
حاول بقدر امكانه التماسك و لكن اعصابه لم تسعفه في هذا فهو يتفهم خوفها جيدا و لكنه لم يعتاد ان ينتقده احد او يملى عليه ما يفعل و ماذا لا، و تجنبا لجدال قد يؤدى لعواقب وخيمه، أشار لها على الطريق امامه ثم امسك مرفقها و هم بالتحرك بها هاتفا و هو يضغط اسنانه بقوه: يلا على البيت.
نظرت لوجهه ثم جذبت يدها منه بعنف لتتحرك امامه تاركه اياه خلفها يحاول تجاوز غضبه. ، اغتصبت ابتسامه لتسير بها حتى لا تدفع الفتيات لسؤالها و لكنها بمجرد ان اقتربت من السياره وجدت اكرم و شذى في وضع اشبه بوضع المهرجين بضحكاتهم العاليه و التي تراقبها عين مها و سلمى بضحكات مستمتعه و هي يتسابق معها في اكل غزل البنات، فشقت ابتسامه حقيقيه شفتيها مترقبه نهايه السباق.
حتى رفع اكرم يده مستسلما قائلا بهتاف ساخر: انا اكل غزل بنات ليه؟ ها ليه؟ دا عقاب، بتحبوه ليه مش عارف؟!
ضحكت الفتيات بينما اقتربت جنه و وضعت يدها على كتفه مبتسمه و هي تهمس بسخريه: مش قادر تاكل غزل بنات.؟! يا خساره.
نظر اليها بغيظ هاتفا بتهرب: مبحبش اكل سكريات انا، ثم اضاف بكلمات تدل على نفوره منه حقا: انا اشرب قهوه، اكل حاجه سبايسى، اشيل حديد و اطلع عماره 30 دور على السلالم. و لا انى اكل غزل البنات دا تانى.
رمق مها بنظره جانبيه لم تغفل عنها عينها و تعجبها قلبها الذي اتنتفض فور ان اكمل و هتف بحنق مقصود: هو اصلا البنات و غزلهم متعب.
ضحك جميعهم حتى تقدم عاصم ليركب السياره بملامحه العابسه يرمقها بنظره غاضبه و كأنها هي من اخطأت. صعدوا للسياره و اتجهوا للمنزل لتتجه الفتيات للاعلى قبل ان يميل اكرم على عاصم قائلا قبل ان يرحل: قول للحاج و الحاجه انى جاى اطلب عروستى بكره.
ابتسم عاصم غامزا متجاوزا ما سيحدث من جنته و التي ستصبح جحيمه بعد قليل: اخيرا..
ليشيح اكرم بلا مبالاه مصطنعه كأن الامر لا يعنيه: اقتنعت انا. كفايه مماطله، ، ثم هتف بغيظ: علشان انا لو فضلت كده هتجوز و انا عندى 60 سنه و الصحه مطلوبه دا زواج مش رقص على السلم. ، ثم اضاف بغمزه مشاكسه: بس اهم حاجه السريه يا سياده النقيب، مش عايز عروستى تعرف، ، تنهد بعدها بعمق ليبتسم بخبث مغمغما: بتعجبنى المفاجأت.
ممكن ادخل؟!
تسائلت حياه بتوجس من رد فعله و هي تطل برأسها من باب غرفته، فابتسم ناظرا اليها بحنانه المعتاد و الذي دائما ما يشعر به تجاهها. و اومأ برأسه موافقا.
دلفت اليه بخطوات متردده فتعجب ناظرا اليها بتساؤل و هو يراقب خلجات وجهها المتأسفه و النادمه لسبب لا يدرى ما هو، وقفت بعيدا عن الفراش قليلا تنظر ارضا فحاول بكل ما يملك من قوه الاعتدال جالسا و جسده كله يصرخ ألما ثم تحدث بوهن و لكنه شملها بدفء خاص لها: قربى.
رفعت عينها اللامعه بالدموع و التي جعلته يقلق لمرآها هكذا و تحركت باتجاهه خطوه متردده ثم تراجعتها مره اخرى فتمتم متعجبا: انتِ خايفه و متردده ليه كده؟ قربى يا حياه.
تحركت بتثاقل باتجاهه حتى وقفت امامه فاحتوى كفها جاذبا اياها لتجلس امامه على الفراش ليرفع يده مزيلا دموعها فأغلقت عينها قليلا ليصلها صوته الهادئ باهتمام: في ايه؟
فتحت عينها ببطء لتُمسك بيده التي مازالت تحتضن وجنتها و تضمها بيدها الاخرى ايضا على ساقيها بضمه ليست بقويه و لكنها ليست ابدا بضعيفه و غمغمت بصوت بالكاد يُسمع خزيا مما فعلت: انا اسفه.
ابتسم ملتقطا سببها، فصغيرته تشعر بالذنب على ما فعلت، تندم و تشعر بتأنيب ضميرها على عدم اطمئنانها عليه حتى هذا الوقت، مهما زادت قوتها و مهما استردت حياتها سيظل قلبها ضعيفا كالزجاج و قويا في احساسه كالماس بل اغلى، و هذا ما دفعها لتأتى اليه في مثل هذه الساعه المتأخره لتعتذر.
ربت بكفه على يديها التي تضم كفه الاخر و تمتم بحزم رغم خروج صوته مهزوزا اثر ألمه و لكنه كان كافيا لترفع عينها اليه بترقب قاسٍ جدا عليها: غلطتِ و كان لازم تعتذرى فعلا و انا مش هقبل غير بتعويض و غالى قوى كمان.
ظلت تنظر اليه و صمت هو تاركا كلماته تترك مفعولها ليهتف بعدها بمرح و ضحكه صغيره ترتسم على وجهه: اضحكِ لان ضحكتك بتنسينى أى وجع، اضحكِ و احكيلى عملتِ ايه في المقابله؟، لو عاوزانى اسامحك فعلا رغم انى مش مضايق منك اصلا فرحينى و قوليلى ان تربيتى جابت نتيجه و الحلم اتحقق.
شعرت بالسعاده تغمرها و التفتت اليه بحده انفعاليه و هي تصرخ فرحا: جابت نتيجه، نجحت يا مازن. نجحت و حققت حلمى.
رفع كفيه امام وجهها بابتسامه سعاده لسعادتها هاتفا بارتياح و استسلام و ضميره يبشره براحته اخيرا: يبقى انا كده نفذت وعدى.
ثم رفع كفها امام شفتيه ليطبع قبله سريعه عليه و بصدق شعوره تجاهها الان: انا فخور بيكِ يا حياه، فخور بيكِ و يمكن لو ليا اخت حقيقيه مكنتش هفتخر بيها كده.
اتسعت ضحكتها و هي تهم بجذب يده لتقبلها و هي تقول باخلاص صادق: و انا متأكده ان لو ليا اخ حقيقى مكنش هيقف معايا زي ما انت عملت.
جذب يده مسرعا و لكنها تشبثت بها و طبعت قبلتها الممتنه فوقها لتتحدث و هي تنظر اليه بعاطفه مست قلبه و هي يشعر بصدق حديثها: اول مره اتكلمنا فيها، انت وعدتنى بحاجتين، الوعد الاول انك تاخذ حقى و فعلا اخذته يوم ما ساعدتنى اخذه بنفسى، غير الاعتذار اللى انت طلبت انه يتنشر منه ليا في النجع كله لحد ما بابا نفسه بقى خجلان يكلمنى لألومه، و الوعد التاني انك تساعدنى احقق حلمى و النهارده بس كمل وعدك و حلمى اتحقق، صدقت انا لما قولت انى هلاقى فيك اب و اخ و سند.
نظرت ليده بشرود لتردف بحنان طاغٍ على نبرتها الممتنه: عارف يا مازن، اول ما شوفتك حسيت في عنيك بالدفا بس قلبى خاف منك، خفت تبقى زى بابا و شادى و غيرهم من اصحاب العقول المرضيه، مهو المرض ده مبيفرقش بين صعيدى و بندرى، خفت تظلمنى و لما سألتنى اترعبت و انا متأكده ان ده هيبقى اخر يوم في عمرى.
رفعت عينها اليه لتبتسم مكمله بنفس نبرتها الممتنه: بس انت كنت خير دليل على كلام الرسول الخير في و في أُمتى الى يوم القيامه
لمعت عيناه بتأثر و هم بالتحدث و هو يضم يدها بقوه اكبر و عيناه تحاوطها بحنانه الاسر و لكنها اعتدلت امامه لتجلس متربعه و هتفت مقاطعه: بلاش تقاطعنى، انا جوايا كلام كتير قوى نفسى اقوله، و جوايا حاجات كتير قوى نفسى احكيها.
اومأ برأسه في تفهم و استدار بنصف جسده ليُعدل من وضع الوساده متأوها بخفوت لتسانده هي حتى جلس معتدلا نوعا ما فاستقرت امامه و تمتمت بأسف: اول حاجه انا عاوزه اتأسف ان انا مشيت بدون ما اطمن عليك، عارفه انه غلط كبير قوى بس طمعانه في انك تسامحنى، انا عارفه انك انت اللى قدمت ليا حلمى ده، انت اللى رسمت مستقبلى و ساعدتنى امشى فيه. انت كنت السبب و انا خذلتك لما اخترت النتيجه و اهملت السبب بس صدقنى احساسى بالاطمئنان عليك و حنين موجوده شجعنى انى احقق حلمى لانه مش نجاحى بس. لا. دا نجاح ليك اكبر، شعورى انى بسيب طفل قلقانه عليه بس بسيبه في حضن امه خلانى اقوى، كلمتك اللى قولتها ليا في اول مره اقف فيها في وش ضعفى حاولت معاكِ بكل الطرق اساعد قلبك يتحكم بخوفه، حاولت ارجع الامان لحياتك، حاولت احيي قوتك اللى دفنتيها . كلماتك دى كانت في كفه و كلمتك الاخيره اتمنى متخذلنيش كانت في كفه تانيه، ف بدون تفكير خرجت اجرى من المستشفى علشان انجح و مخذلكش، ثقتك و ايمانك بنجاحى اتحكم فيا، عارفه انه مش مبرر بس اتمنى متزعلش منى.
رفعت عينها اليه لتجده هادئا يطالعها بابتسامه حنونه و عيناه فيض من احتواء كبير شملها و لكنه ظل على صمته، فتمتمت بخفوت: هتسامحنى؟!
اشار لها بيده مداعبا بحركه مشاكسه معناها هل اتحدث الان؟
فأومأت مبتسمه فاردف بابتسامه واسعه بمرح ساخر لا يعرفه ايلاه و لا يليق بسواه: لازمتها ايه المحاضره دى كلها، كان عندى اهم بكتير تقولى انك هتعزمينى عزومه حلوه بسبب نجاحنا سوا و خلاص. و عامه.
اشاح بيده في دراميه هاتفا بسخريه: لقد عفوت عنكِ.
ما كاد ينهيها حتى تأوه بخفوت رغما عنه من حركه يده و عظام كتفه تأن وجعا، فابتسمت مع انكماش ملامحها بشفقه اثر تأوهه فتمتم بضعف مرح: بقيت خرده قديمه خلاص بكم الشاش اللى وقعت فيه ده.
اتسعت ابتسامتها فهذا هو مازن اما يشتعل غضبا و هذا قليلا و يا لا سوء حظه من يقف امامه وقتها و اما تغلفه هاله مرحه لا يتخلى عنها ابدا كأنها جزءا لا يتجزأ من شخصيته، و نادرا ما يكون هادءا و هي اكثر حالاته عجبا و بها لا تفهمه ابدا فلا تستطيع استبيان ملامحه و لا استنباط ما يفكر به.
سكن قليلا ثم حثها على اكمال ما بدأته قائلا بحذر: دى اول حاجه، ايه التانيه؟
صمتت قليلا تستجمع قوتها لتخبره ما تريد و لقد شجعها روحه المتقبله الان عله لا يحزن مما ستقول فتمتمت بتردد حذر و هي تراقب رد فعله المبدأيه: علاقتنا..
اختفت ابتسامته دفعه واحده و شردت عيناه قليلا بوهج خاص لم تفهمه ثم همس بهدوء جاد: مالها؟
تعجبت هدوءه فهو لم يغضب فتدرك انه لا يريد التحدث بشأن علاقتهم - اللامسماه حتى الان -، و لا مزح لتدرك انه لا يهتم للامر برمته، بل اصابته حالته النادره التي لا تفهمها.
فأخذت نفسا عميقا مصممه ان تكمل ما بدأته حتى و ان كان لاذعا: انت حبتنى يا مازن؟!
عقد ما بين حاجبيه و سؤالها يدفعه ليخفض عينه مع اضطراب ملحوظ في انفاسه مما اربك قلبها و جعلها تتردد في ان تعرف اجابته قليلا فهى لا ترغب في ان يثنيها شيئا عما ستقول فأردفت مسرعه: انا فكرت كتير و كمان حاولت كتير، و شايفه انى مش مستعده اسمع اجابتك قبل ما تعرف اجابتى انا الاول.
رفع عينه اليها هو اشد خوفا منها الان، لو صرحت عن حقيقه مشاعرها و التي لا يعرف ماهيتها لا يستطيع خذلانها، هي في الاول و الاخير زوجته لا ذنب لها في ماضٍ واهم. و لا مستقبل مستحيل، كفاه تعلقا بأحبال واهيه، فليعيش حاضره دون النظر للامام او الخلف. ، ربما هي ضعيفه و لكنها بالتأكيد اقوى منه في تجريد حقيقه ما بينهم.
اسلبت جفنيها لحظات احمرت فيها وجنتها فسره هو خجلا فازداد ارتباكه و لكنه ادرك انه انفعالا مما اصابه بالصدمه لقولها و التي امتزج فيه ارتباكها بقوتها الجديده و التي اذهلته: انا مقدرتش احبك كحبيب او زوج يا مازن، قلبى مش قادر يشوف فيك غير اب احتوانى، اخ احترمنى و سند كان دائما في ظهرى، اول جوازنا انا اتعلقت جدا بحنانك اللى مازال لحد الان بيحتوينى، و مش هنكر ان بعد فتره بدأت احس ان علاقتنا سخيفه، لا احنا اخوات حقيقين و لا احنا زوجين حقيقين، ف حاولت اكسبك كزوج بس مقدرتش او يمكن قلبى مطاوعنيش. و لقيت نفسى بدون تفكير و بدون تعقيدات مش شايفه فيك غير الاخ اللى فضلت طول عمرى محتاجاه.
لم تتجرأ لترفع عينها و لو فعلت لرأت اشد ملامح الصدمه على وجهه و عينه تطالعها بذهول تام، لقد اعتقد و خشى في الوقت ذاته ان تعترف بحبٍ له. تخبره انها تكن اليه مشاعر خاصه كان سيقبلها راغما و لكنها بكل ببساطه تخبره انها لم تستطع...
اردفت و هي تتوتر من صمته الذي طال بنفس نبرتها المتردده و لكن كفى فهى تريد ان يعرف خشيه ان تكون قد لامست قلبه دون درايه منها: انت نفذت كل وعودك ليا بس هل فاكر كلامك لما قولتلى انا ممكن اقدملك اى حاجه بس مش هقدر اقدملك الحب، انا وقتها قولتلك انى محتاجه امان و ثقه و احترام بس. و انت مقصرتش معايا يا مازن، بس هل مازلت مقدرتش تقدملى...
قطعت كلماتها دون قدره على اكمالها خشيه من بوحه بمشاعر قد يصعب عليها تحملها، لا تدرى لما قررت اليوم خاصه لتتحدث معه فلقد مر على زواجهم ما يقارب العامين و لكن شعورها بالحاجه لتُزيح هذا الحمل الثقيل عن قلبها جعلها تتحدث.
ظل على صمته غير مستوعبا ما تقول، لا يدرى السبب و لكن كم الصراحه التي فاجأته بها اربكته، جعلت عقله يتوقف للحظات عاجزا تماما عن العمل.
التفت اليها عندما استمع لضحكتها القصيره و التي بدت له شارده ممتنه و كأنها تتذكر شيئا ما: فاكر يوم ما حضنتك و طلبت منك تكون ليا سماء و تحتوينى بمطرك، مكنتش اعرف وقتها ان انا اللى هطلب الشمس لان بردت من المطر، فهمت ان مهما طال البرد لازم يجى وقت الدفا. الدفا اللى بدأت اعيشه من يوم ما وقفت تانى و بدأت حياه ترجع لحياتها، دفا انت بنيته جوايا و حاوطنى بيه. كنت خايفه الشمس تشرق بس دلوقتى فهمت ان لما الشمس تشرق هتحتوينى اكتر، مطرك برد جرحى لحد ما التئم يا مازن، و نفسى في شمسك تشرق قلبك فتغمرنى بدفا و حنان اكتر...
رفعت عينها اليه اخيرا لترى عينه التي تحدق بها بلا اى تعبير سوا اتساعها الغريب التي لم تفهم ان كان دهشه، فرحه، حزن او تساؤل ام ماذا و لكنها حاولت تجاهل طوفان مشاعره المتخبطه و اردفت بابتسامه: انت وعدتنى ان السما ليا و هتفضل ليا، هل بعد كلامى ده هتغضب السما عليا؟
طافت عيناه على ملامح وجهها بذهول قليلا ثم وجد صوته اخيرا ليهمس بتيه متسائل: انتِ.
قاطعته قائله بتوسل بادٍ بعينيها كأنها تخبره الا يصدمها بمشاعر اخرى هي لا طاقه لها لتحملها: انا اختك، و هفضل اختك و بس، صح؟
نظر اليها و هو يشعر انها تتحدث بلسانه هو. ولكن هو او هي هنا ما الفارق؟!
مادام احساسهما متماثل، مادام حملت هي دون ان تدرى ثقلا كبيرا عن كتفه الذي احنته ضربات قدره. بدايه بابتعاده عن حلم ظن انه الحياه ليُدرك انه كان غافلا ليعيش سنوات على حب واهم ليسقط بالنهايه على ارض حقيقه قلبه بعدما اُستنزف قدرا من طاقته. ثم دخولها الغريب لحياته ليطمئن نفسه انها ستكون الحياه لقلبه و ربما تمنحه وصفا جديدا كزوج محب و ربما تجعله العشره لا يعتادها فقط بل و يعشقها ايضا، و لكن عنادته الحياه مره اخرى مستنزفه قدرا اخر من طاقته لتخبره ان قلبه و عينيه لا يعداها سوى اخته التي لم تنجبها امه. ، امرأه ضعيفه تحتاج لسند و دعم، فتاه هدم الجميع - و خاصه اقرب اقربائها - جذورها لتصبح خاويه في عراء الحياه التي نافست حياه في نفسها. ليجد نفسه يقوم بدور السند حتى تجد نفسها من جديد. نفسها التي لم تكن يوما حلما لقلبه و ادرك اليوم انه كذلك لم يكن فارس احلامها. و لاحقا اقتحام طوفان زوجه اخيه لحياته عنوه رغما عنه و عنها، ليجد الحياه تسخر منه لتخبره بتبجح ان سعادته و راحته بها شئيا مستحيلا، و لكنه ادرك ان هبه وهم، و حياه زعزت داخله مشاعر الاخوه التي استفزتها بقوه بضعفها فكون تجاهها مشاعر اخوه حقيقيه. و لكن ماذا تكون حنين؟، مشاعره الغريبه و احساسه الغامض الذي يجتاحه بجوارها. ، حنانه و الذي هو مصدر قوته ليصمد بوجه الحياه يختفى بارتباك معها، بل و يشعر بنفسه انه هو من بحاجه لحنانها، يؤلمه بشده دعوه اخيه و التي لا تفارق اذنيه عندما قال ربنا يرزقك زوجه زى حنين هتحس انك ملكت الدنيا بما فيها تمنى و ردد دعاؤه و لكنه ابدا لم يتمناها هى. ، لتأتى لعبه القدر لتمنحه اياها و هو مدركا انها ستسلبها منه مجددا لتستنزف باقى طاقته كامله.
شعور بالعجز يطوقه و هو بالكاد يستوعب ما يحدث له و معه. قناعه المرح يخفى خلفه روحا داميه و نفسا مُهلَكه.
عادت حياه لحياتها، و سعدت هبه بحياتها. و لكن ماذا عنه؟ و الاصعب ماذا عنها هى.
ما مصير كليهما؟ و ماذا يخبئ لهما القدر بعد؟!
احترمت حياه صمته و التي ادركت من خلاله انه يفكر، لا تدرى ما مركز افكاره تحديدا و لكنها رأت حيره قاتله بعينيه، شعور بالتيه و التشتت يملئ ملامحه جعلها تعض شفتيها ندما يا ليتها لم تصارحه. ايُعقل انه اراد منحها قلبه؟
و لكنها لا تستطيع القبول به فهى لا ترغب بالحب، فقط يعنيها نجاحها الذي حُرمت منه. و لكنها ابدا لا تهمش دوره و لن تتخلى عن حنانه السخى وضعت يدها على كفه فتفاجأت بانتفاضته كأنه كان بعالم غير العالم فجذبت يدها ناظره اليه بتعجب و لكنه حاول الهدوء قائلا بخفوت مطمئنا اياها: اختى و بس...
اتسعت ابتسامتها بسعاده و هي ترمقه بامتنان لانه لم يضعها موضع صعب، و لكن هو ظل على جموده مغمغما بخفوت متهربا من وجودها معه: انا محتاج ارتاح ممكن نكمل كلامنا وقت تانى.
نهضت مسرعه تساعده على الاعتدال و لكنه لم يكن بحاجه لقرب احد الان فأشار بكفه مانعا اياها من الاقتراب قائلا: انا كده كويس.
اومأت موافقه باحترام لتفكيره التي فهمت من عينيه انه يعصف به الان و خرجت بعدما نظرت اليه بامتنان مره اخرى، القى برأسه على الوساده بارهاق جسدى و فكرى مغلقا عينه تاركا لافكاره و حدتها الفرصه لتمزق فيه تمزيقا...
تجرد هو مما كان يختبئ خلفه، ذنبه الذي لم يفهمه و لن يفعل.
كان يعتقد ان مجرد تفكيره في مشاعر اخرى سيكون خطأً بحق زوجته التي اتت الان بكل ثبات لتخبره انها لا تعده زوجا من الاساس، خلف من يتوارى عن تساءلات قلبه. و علامات الاستفهام التي تداهم عقله.
شعر بيد تمسح على شعره بحنان ففتح عينه مسرعا ليطالعه وجه والدته التي جلست بجواره تنظر اليه بحنان غمره من اعلى رأسه حتى اخمص قدميه ليجد نفسه دون وعى ينحنى بجسده ليدفن وجهه في صدرها متجاهلا صرخات الالم التي اشتعلت بجسده كله و التي خرجت على شكل تأوهات لا يدرى أهى حقا من وجع جسده أم من انهاك روحه..
لتضمه والدته بحرقه على ابنها الذي عاش مرفهاً طوال عمره تبعها سفره للخارج لتحقيق حلمه ليعود فتبدأ معركته القاسيه مع الحياه، العمل بمستوى اقل بكثير مما كان عليه بالخارج حتى استقر بالشركه الان، حياه قلبه و التي استنزفها بالبدايه حب واهم ليطعنه بعدها ما هو اقسى و اصعب.
وفاه اخيه و التي دمرت الجزء الاقوى بداخله و هو يشعر بنفسه وحيدا فجأه مسئولا عن كل ما حوله خاصه مع مرض ابيه الذي ظل في غيبوبته اشهر حتى فاق ليصبح طريح الفراش بما تجاوز عام من الزمن.
غضبه و عصبيته التي احرقت قلبه و التي لم تكن هينه على شاب لم يكن يعرف بحياته سوى الضحك و المرح و نادرا ما كان يعرف معنى العبوس.
فيضان حنانه و الذي ورثه منها ليُغرق الجميع به حتى شعر بجفافه ليكون هو في اشد حاجته للحنان.
انتفض جسدها و عينها تلمع بالدموع و هي تشعر بدموعه تبلل عبائتها البسيطه لتحرق صدرها حرقا فابنها يعانى وجعا و قهرا فاق الحد و ما اصعب قهر الرجال!
مسدت ظهره باحتواء لتهمس بخفوت يقطر حنانا امطرته به: انت اقوى من كده يا مازن، ربنا بيختبرك يا ابنى اصبر و احتسب و هتلاقى الفرج من عنده.
شدد من دفن وجهه بها ليصلها صوته المذبوح و كل ذكرياته السابقه و التي اشتاقها حد الجنون تجتاح كيانه: تعبت يا امى، تعبت. و قلبى تعب. لا مال و لا جاه و لا منصب يساوى راحه البال. انا عاوز راحه البال، راحه البال بس.
تساقطت دموعها وجعا عن نبض قلبها الذي فقدت نصفه و لم يعد لديها سوى النصف الاخر: وحد الله يا حبيبى ضاقت و لما استحكمت حلقاتها فُرجت و كنت اظنها لا تُفرج ، حبيبك النبى بيقول، .
صمتت تنتظر رده عليها و لم يغب عنها بل ردد الصلاه على النبى صلى الله عليه و سلم بصوت خاشع و هو ساكن بين يديها.
فأردفت هي برضا بعدما سمعته: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ إِنَّ أمْرَه كُلَّهُ لهُ خَيرٌ وليسَ ذلكَ لأحَدٍ إلا للمُؤْمنِ إِنْ أصَابتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فكانتْ خَيرًا لهُ وإنْ أصَابتهُ ضَرَّاءُ صَبرَ فكانتْ خَيرًا له .
استند بوجنته على كتفها يلتقط انفاسه التي سكنت قليلا فحاوطته بيدها بسخاءها الحانى وهي تشعر به ابن العشر سنوات و التي كانت تعلمه ايات القرءان و تنصحه دائما و هو ساكنا بين ذراعيها كما الان لتُكمل بتأكيد مؤمن: قلقان ليه و ربك موجود. هو قادر يشرح صدرك و يخفف تعبك. احكيله و اشكيله و اطلب منه، اطلب بسخاء، اطلب و خليك واثق انه هيستجيب، انا مفيش حاجه صبرتنى على بعد اخوك عن حضنى غير كرم ربك و حنانه على قلبى.
اومأ برأسه في هدوء غريب اجتاحه كأنه لم يكن
يحتاج سوى حضنها هذا الان و دموعه تنساب من جانب وجهه و هو ينظر لكتفها الاخر متذكرا ان وجه فارس كان يواجهه هنا فقد كانت تضمهما معا لينعما بحنانها و هي تنعم بوجودهم.
رفعت رأسه اليها لتُزيل دموعه بفرط عاطفتها الحانيه و ربتت بعدها على وجنته بيدها الدافئه و هي تنظر لعينيه قائله بصوت متردد: انا سمعت كلامك مع حياه غصب عنى. مش هقولك غير حاجه واحده، وامسكوهن بمعروف او سرحوهن بمعروف حقها تعيش حياتها. و تبدأ من جديد، القهر والظلم اللى عاشته في حياتها و اللى ربنا هيأك ليها علشان تبعدها عنه تستحق تعيش قده و اضعافه فرحه. لو عاوزه تتطلق يا ابنى طلقها...
نهض مسرعا ناظرا اليها هاتفا بعجاله مدافعا لتصدر عنه آهات مكتومه اثر وجعه الجسدى: لو طلبتها مش هجبرها يا ماما، بس انا مش هقدر اعملها الا لو طلبتها. غير كده انا مش هحرمها من حاجه هي طول عمرها بتستناها و حتى لو على حساب نفسى، فرحتى و انا بحقق ليها فرحه انا عاجز عن انى احققها لنفسى بتقوينى. احساسى انها وقفت على الطريق اللى يستحقها بيشجعنى، هي حياه قلبى فعلا. بس مش في الحب لكن هي خلته يعيش.
حاوطت وجهه بكفها لتهمس بترقب حذر و هي تتفحص ملامحه المتعبه: طيب و حنين؟!
غامت عينه بمراره احساسه الغامض مجددا ليهمس بشرود اعطاها اجابتها التي تدرى انه لن يدركها الا بعد كثير: مش عارف. مش عارف بجد هترسى على ايه!
كانت واقفه بالمطبخ تُعد بعض المأكولات السريعه حتى شعرت بيديه على خصرها تحاوطها هي و جنينها معا هامسا بحراره بجوار اذنها: فاكره لما قولتلك نفسى احضنكم سوا.
تجاهلت احساسه المشتعل الان فهى لا قدره لها على المماطله و التحدث معه فهى مرغمه ستقبل البقاء ببيته، فإن لم يكن من اجلها فمن اجل طفلها. لن تسمح ان تنجب معتز جديدا. تفرق والداه ليتوه هو و يتحول لانسان بل لمسخ غريب اغرق كل سفن عشقه ببحار عينها. و احرق كل الورود ببستان قلبها، غمغمت بتردد متذكره كلمته هذه سابقا: يومها انت كنت فعلا بتحضنا سوا.
شدد من اقترابه منها حتى لاصقها تماما مستندا بذقنه على كتفها ليغلق عينه يستنشق رائحه خصلاتها العبقه و التي تشبه رائحه الفل لهذا دائما ما كان يلقبها فله ثم عاود بهمس اشد حراره: وحشتينى يا فله. وحشتينى قوى.
اغلقت عينها لحظات ثم استدارت له لتنظر لعينه بقوه و اصرار هاتفه: انا عاوزه اروح عند ماما.
عاد خطوه للخلف بضيق من اصرارها على الابتعاد عنها، فطوال الاشهر الاخيره كانت بارده ثلجيه معه حتى كان هو يحترق حرقا ليُذيب جليدها و لكنها لم تستجيب.
طال صمته المتفحص بها فعادت طلبها مره اخرى بتوضيح ابلغ: انا بقيت بتعب، و محتاجه ارتاح و محتاجه مساعده ماما معايا خصوصا انه اول حمل و انا لسه معرفش حاجه.
اخذ نفسا عميقا و تمتم بهدوء محاولا اثناءها عما قالت: انا ممكن اسلم الصفقات و الشغل الحالى لعاصم زى الاول و اتفرغ ليكِ تماما و اى حاجه تحتاجيها اطلبيها و هعملها فورا.
تحركت ببطء للخارج تاركه ما كانت تفعله متجاهله ما قال و همست بتأكيد: انا محتاجه اروح هناك يا معتز.
وقف امامها ممسكا كتفيها هاتفا بحده غلبته: انا مش هقدر اشوفك هناك يا هبه، انتِ عارفه والدك مش طايق يشوفنى او يسمع صوتى. دا غير كلماته اللاذعه اللى بتسمعيها كل مره و التانيه لانه شايف انك فرطى في كرامتك.
حاولت تمالك غضبها و تمردها المعتاد فهى لا قدره لها بهم الان: انا فعلا فرطت في كرامتى.
قاطعها و دون انتباه حركها بعنف قائلا بصراخ: انتِ طول عمرك رافعه راسك، قبلى و معايا و من بعدى. كرامتك متصانه يا هبه و ان كان في حد اتهان فأنتِ اكيد عارفه هو مين.
انقبض قلبها من كلمته من بعدى و لكنها حاولت بقدر الامكان تجاوزها و لكن قابلها طوفان الحزن الذي طغا عينيه و هي تُدرك مغزى كلمته و لكنها ايضا تجاهلتها جاهده هامسه باستسلام غريب عليها: دا والدى يا معتز. في الاول و في الاخر دول اهلى.
نظر اليها نظره ثاقبه هاتفا بثبات: و انا مش هسمح حتى لاهلك يكونوا سبب وجعك.
ابتسمت بسخريه وتمتمت بمراره شعر بها ك سهم غادر يخترق قلبه: بلاش انت تتكلم عن وجعى يا معتز الله يكرمك.
تركته و خرجت. جلست على الاريكه بالخارج فأسرع اليها رافعا قدمها بحنان ليضعها على الاريكه ايضا متجاهلا المشاداه بينهم منذ لحظات بينما هي تتطالعه بدهشه فجلس بجوارها من الجهه الاخرى ليجعل ظهرها مواجهه له و بدأ بتمسيد عنقها بهدوء و هي تحدق بالفراغ ذاهله. ثم تمتم بتأكيد و نبرته يكسوها شيئا من اللهفه و طفوليه عجيبه يعاملها بها منذ ان علم عن حملها: بيقولوا ان افضل ترفعى رجلك كده. بترتاحى اكتر.
تركت احساسها ليده لتشعر برعشه تسرى بجسدها...
هرومانتها متخبطه هذا الفتره. و هو يستغل ذلك ليلعب على وتر احساسها.
و هو محق. هي بحق في اكثر الاوقات حاجه له.
فكم تتمنى ان تُلقى رأسها بحضنه ليعبث بخصلاتها القصيره ليخبرها كيف سيعتنيا بالطفل معا، تتمنى ان يداعب وجهها ليمنحها صفات طفلهما كما فعل من قبل، هي عرفت انها تحمل صبيا و كم كانت تتمنى دوما ان يمنحه والده اسمه، تتمنى لو يمنحها سعادتها لتكتمل عائلتها الصغيره لتشعر انها امتلكت الدنيا بما فيها!
و كأنما قرأ افكارها هذه لتجده يجذبها برفق ليضع رأسها على فخذه بهدوء فنظرت لوجهه بصدمه ليبتسم لها بعشق و هو يتمتم بجديه زائفه: انا بهتم بطفلى اظن مفيش اعتراض على كده؟
اغلقت عينها و اجابتها تتراقص على شفتيها اهتم به او بى لا فارق. كفى ان تكون معنا و لكنها اعتقلتها بداخلها عن مسامعه لتشعر بعدها بلحظات بيده تداعب خصلاتها بدفء تمر من جبينها حتى منتصف رأسها مرات متتاليه حتى كادت تستسلم لنعاس في احتواءه الذي ربما تختبره لاول مره...
توقفت يده ثوانى لتفتح عينها مسرعه لتجد وجهه امام وجهها منخفضا عليها مقتربا منها بصوره خطره - على قلبها المسكين -. و سيئه اشد السوء - على عقلها المتمرد - و قبل ان تُدرك هدفه كان قد وصل اليه هو عندما زين جبينها بقبله عميقه هامسا بنبره مشتعله و انفاسه تلفح وجهها: دى لحمزه...
رفرفت باهدابها لتُتمتم بلهفه و قد راقها الاسم: هنسميه حمزه؟!
منحها نظره غريبه ثم غمغم بغموض: هجاوبك بس صبرك عليا!
تجاوز غموضه بعدها عندما مال عليها مجددا ليضم شفتيها بشفتيه في قبله جمعت كل مشاعره نحوها من اسف، ندم، خزى، شوق، لهفه، عتاب، فرحه، حزن و غلفها رداء عشقه لها و رغم سعادته معها سابقا كان هذا مختلفا.
كانت قبله تمنحها وعد ابدى بأنه لها وحدها، و تقتنص منها ألف وعد و وعد انها له و فقط له لاخر عمره.
امتدت يده لبطنها المنتفخ قليلا يضمه باحتواء بكفه و لم يفصل قبلته بعد حتى وضعت هي يدها على يده فابتعد عنها مستندا بجبينه على خاصتها هامسا بعشق: و دى لأم حمزه.
كانت تحاول التحكم بانفاسها اللاهثه، حسنا طوال الاشهر الماضيه لم تمنعه من الاقتراب منها و لكنها لم تستسلم له و لكن لا تعرف لما استسلمت اليوم، استسلمت لطوفان عشقه الذي اكتسح ما تحمله من غضبا ليترك حطام قسوتها على ارض عقلها توبخها، بينما ازدهرت بتلات عفوها و حبها بجينان قلبها تشكرها، و لكن ما حكم بينهم ضميرها و الذي ما زال يلومها و لكن ما المانع في لحظه، لحظه و ربما لحظات او فليكن ليلا كاملا تستعيد فيه سعاده قلبها اليس هذا بأفضل لها و لحمزه!
رفع رأسه اخيرا محررا اياها من اعتقال انفاسه المتحكم في انفاسها و الذي سلب قوتها منها. ظلت على سكونها دون ان تطالعه حتى همس بتساؤل هادئ: عاوزه تعرفى ليه اخترت حمزه!
همهمت دلاله على رغبتها في معرفه اسبابه فضم كفها التي تضعه على بطنها المنتفخ و داعب بيديهما معا طفلهما مما تدغدغ مشاعرها فابتسمت بسعاده رغما عنها و هو يشرح متذكرا حلمه: حلم جميل كنتِ فيه قاعده على شط البحر و انا قررت انزل المياه و حاولت اقنعك اخذ حمزه.
فتحت عينها اخيرا ليلتقط هو اهدار امواجها السخى و الذي لمع بلهفه اغرقته بها: كان اسمه في الحلم حمزه؟
اومأ برأسه موافقا و هو يحتضن وجنتها بأيد مرتجفه ليُصرح بعاطفته المشتاقه: اشتقت ليكِ بين ايديا، و لنظره عنيكِ اللى غصب عنى بتوه فيها، اشتقت لضحكتك و لمعه السعاده في عز تعبى، اشتقت لقلبك اللى سكنت جواه و بيعترف قبل لسانك انه بيحبنى.
و ما بيدها حيله الان سوى ان تهرب، بل تركض بعيدا. رغم انها بدونه كحافيه قدمين تركض على اشواك لوعتها و زجاج شكواها، رغم انه الدفء فهو اقرب للصقيع، رغم انه الجنه فهو يحمل بين كفيه النار، و رغم اتساع بحره بمغرياته الكثيره لن تخاطر به دون وجود شطآن، و اسفه هي مازالت لم تجد معه الامان...
سمعها هو بقلبه. بل باحساسه بها الذي اصبح يفوق احساسه بنفسه عندما هتف: كذابه.
ضغطت عينيها بقوه و هي تمنع دموع عينيها من الهروب فلم يشأ ان يضغط عليها اكثر و هو يعلم الصراع التي تجاهد فيه روحها فانخفض طابعا قبله اخيره على جبينها و همس بترجى: و دى لعل قلب أم حمزه يرضى عن باباه.
تتحرك ذهابا و ايابا في الغرفه لا ترغب بالذهاب لغرفته لا ترغب، لما يريد رؤيتها أفلا يمكنها ان تبعث التصاميم مع احد اخر...
اخبرها في بدايه العمل ان عملها سيكون مع - مازن - مباشره و لكنه الان يبدو ان عملها معه و كأن الشركه لا تحوى سوا كلاهما. ، لا تريد التواجد معه بمكان واحد ف مشاعرها المتخبطه ترهقها.
مشاعرها تجاهه و التي لا تدرى أهى - وليده - ام منذ امد و هي لم تدركها، و ما يؤرقها انها عندما تتذكر محمود لا تتذكر سوا ابتعاده المهين لكرامتها و شخصها. نادرا ما تتذكر ضحكاتهم و لكن أسفا لا تذكر مواقف حاسمه او محمسه له معها.
و لكن على النقيض تماما و دون رغبه منها حتى تتذكر كل مواقفها مع اكرم، رغم غفلتها عن احساسها به وقتها - كما تعتقد - و لكن يظل يحتل تفكيرها بلا منازع.
منذ ان عملت بشركته و هو يقدرها و يحترمها لم يبد حتى رد فعل صادمه بعد معرفته بعجزها، انقاذها و احتواء خوفها يوم الحادث المشئوم و الذي لولاه لخسرت اعز ما تملك و احترامه لرغبتها رغم خطؤها، تشجعيه الدائم لها على العمل والاتقان فيه و جعلها توقن انها قادره على فعل ما تريد، توضيح الثغرات التي تغفل عنها ليعطيها من الخبرات ما يفوق خبرتها بالداخل و الخارج، حفاظه على سمعتها بالشركه كلما تجاوز محمود التصرف معها و كأنه كان يعد نفسه وصيا عليها.
جميع تناقضاته و التي تمنحه هاله غريبه و غير مستقره من الغموض، مزاحه و حزمه، حنانه و قوته، ضحكاته و غضبه، و نظراته المشجعه و الواثقه و نظراته اللامباليه.
و الى الان لا تستطيع نسيان يوم رأته يعتذر لجنه، يوم اخبرها عن وصفها بعطرها المحبب ليمنحها دهشه فلم تكن تعتقد انه ذواق في امور النساء هكذا.
قبضت على نفسها بابتسامه ارتسمت على شفتيها رغما عنها لتضرب جبينها بخفه ثم حملت التصاميم متجهه اليه و هي تدعو الله ان يمنحها قوه التماسك بجواره.
فمشاعرها تجاهه ذنب، فهى رغم كل شئ لا تدرى صحه شعوره تجاهها. اخرجت مارد مشاعرها المتخفى خلف احساسها الدائم بالارتباك الواضح امامه و الذي كان مخفيا عنها ايضا اخرجته لنفسها و لكن ماذا عنه! لا تعلم؟!..
و لا يوجد بيدها سوى لحظات السعاده القليله التي تعيشها بمجرد رؤيته، و التي تدفعها لذنوب اقوى و ما اجملها من ذنوب تحمل من المغريات الكثير.
كرغبتها الدائمه بالنظر اليه لتنعم بملامحه التي لم ترى منها سوى دفء يسرق لبّ قلبها. ، الاستماع لحديثه بنبرته الرجوليه الخشنه و التي لا تخلو من حنان يحتوى كل حواسها لتندمج معه.
ابتسمت مجددا و هي تشعر برغبتها العارمه الان لتشكر سلمى على حسن صنيعها بتجريد مشاعرها امامها، حتى اختفت ابتسامتها تماما عندما وقفت امام الباب و هي على وشك طرقه و حاولت اخفاض دقات قلبها العاليه التي تجزم انها ربما تصله من فرط حماسها و لكن قبل ان تطرق وصلها صوته يتحدث و رغما عنها جذبها حديثه خصوصا عندما شعرت به يصيبها بأخر ما توقعته.
اما بالداخل كان هو يتحدث على الهاتف مع جنه و قد قرر اخبارها قبل ذهابه لتتأكد من عدم معرفه مها بحضوره، ، ضحكت جنه بصوت عالى لتهتف بمرح: انا مش مصدقه نفسى. مها يا اكرم! من امتى؟
حمحم بضحكه و هو يستند على مقدمه مكتبه ناظرا لنقطه وهميه و صورتها تتجسد امامه ببحر الفيروز الذي غرق فيه طوعا كان او قسرا، فانتفض قلبه بين اضلعه ليغلق عينه يُصرح بحراره و انفاسه تضطرب بصدق عاطفته: من اول ما شوفتها، انا نفسى مش عارف حبيتها ازاى و امتى؟ صبرت كتير. كتير قوى.
ثم ابتسم بمرح و هو يفتح عينيه ليهتف بغيظ تملك قلبه من نفسه اولا ثم منها - تلك الفيروزيه -: بس انا فاض بيا و سلمت الرايه.
تحركت جنه ذهابا و ايابا بفرط حماسها و فرحها له و هي تصيح بسعاده كأنها تُحدث نفسها: انا مش قادره استوعب. انت و مها! طيب ازاى؟ و ناوى على ايه؟
نقر بأصابعه على المكتب ليتمتم بعزيمه تحمل اطنان من مشاعره الجياشه و كلماته تخبرها بوضوح انه ليس بمعجب او مجرد - عريس مناسب - لمها. فالامر ابسط من ذلك و في الوقت ذاته معقد بشكل سئ فهو ببساطه شديده عاشق حد النخاع - و حسرتاه -: انا هاجى النهارده، و مش ناوى على خطوبه، انا ناوى على جواز عالطول، انا داخل على 34 سنه. و مش مستعد استنى لحظه او اضيعها زى ما حصل قبل كده، ، خرجت منه بصوتٍ متهدج رغما عنه.
ثم هتف بلهفه كأنه يجاهد ليكسبها: كل طلباتهم هتتلخص في كلمه واحده انا بعشقها و مقدرش استغنى عنها يطلبوا مهر، شبكه، شقه، فلوس، اى حاجه كفايه هى، انا عاوزها هي و بس.
لمعت عينها بتأثر و هي تشعر بصدق عاطفته التي أنبأتها انه احترق حرقا و هو يراها تُخطب لغيره بل و يعملا معا امام عينه، ليس بأمر هين اطلاقا خصوصا على من هو مثل اكرم. و الذي يخفى اكثر مما يُبدى فهو تلخيص لقول الشاعر، اراك عصى الدمع شيمتك الصبر. اما للهوى نهي عليك و لا أمرُ؟
بلى انا مشتاق و عندى لوعه. و لكن مثلى لا يذاع له سرُ!
صمتت جنه للحظات ثم تمالكت احساسها بمشاعره و حزنها لاجله بالوقت ذاته و لكن ما لبثت ان ابتسمت بمكر و هي تغمغم بتردد مصطنع اختبارا لثقته: بس مها ممكن يعنى!
و صمتت منتظره رد فعله و التي جاءتها سريعا عندما تنهد اكرم بقوه ليغلق عينه متذكرا عندما امسكها متلبسه بالامس تناظره بتفحص لترتبك بعدها فهمس بقلق و نفسه تنازعه ليصدق همسه: انا شوفت في عنيها نظره شجعتنى، قلبى بيقولى انها هتوافق، انا حفظت قلبى طول عمرى علشان كنت متأكد ان يوم ما هسلمه هيبقى لواحده تستاهله و انا حاسس انه اختارها هى. عقلى و قلبى اتفقوا عليها و مش هقدر اتنازل عنها.
ضحكت جنه و هي تبتسم بحنان شاعره بالخوف الذي غلف صوته لتهتف بثقه بعدما تذكرت هي الاخرى تجمد مها فور رؤيته بنظرات فضحت مشاعرها و التي ربما كانت هي نفسها - مها - غافله عنها: حافظ على ثقتك دى، أينعم اختيار القلب ممكن يكون غلط. بس احيانا بيكون اصح من تفكير العقل و متقلقش انا هحرص انها متعرفش.
طمأنه حديثها قليلا رغم شعوره انه على حافه الهاويه فهو اليوم اما سيفوز بقلبه و اما سيخسره للابد، اما سيغرق في بحر الفيروز ليغرقها معه في دفء عاطفته و صدق احساسه بها و اما سيغرق به بعيدا عنها في وحل عشقٍ لم يُكتب له حياه. ظ
ابتسم بتشتت و تفكيره ينحصر في فكره واحده و هو انه بانتهاء هذا اليوم سيصبح اكرم جديد اما لها و اما بعيدا عنها و ما اقسى شعور الانتظار.
اغلق الهاتف و استدار ليخرج متجها لهناء ففتح الباب بحركه مفاجئه ليُفاجئ بها امام الباب و تُفاجئ هي الاخرى بخروجه فرفعت عينها الغارقه بمرارتها اليه لتلتقى عينهما في حديث صامت.
كانت عيناها غارقه ببحر دموعها و التي ابت السقوط و لكن من يوقف نزيف قلبها.
ما اعتقدته من مشاعره نحوها، كذب. ما اخبرتها به سلمى، كذب. ما انشأته من قصور داخل قلبها المسكين، كذب. هو يحب اخرى بل من حديثه هذا ادركت انه يعشقها.
هى فقط من سولت لها نفسها ان تحلم ناسيه او ربما متناسيه ان معيبه مثلها لا تستحق حتى الحلم.
امثالها لا يليق بها الحب و من مثل اكرم لا يفكر بمثيلاتها.
قلبها يؤلمها. يؤلمها بشده. كما لم يفعل من قبل.
كل ألم عانته في علاقتها المعطله مع والدتها، كل ألم كسرها بسبب ضعفها و استسلامها لعجزها، كل ألم اختبرته ببعد محمود و كسر كرامتها، جميعها معا لا تساوى مثقال ذره من ألمها لفكره عشقه لغيرها. لفكره خسارته.
كانت حمقاء لا تدرى حتى ما بداخل قلبها و لكن صدق من قال لا تُدرك قيمه الشئ إلا بعد خسارته و هي للاسف لم تدرك قيمه حبها الا متأخره، بل لم تدرك حبها من الاساس.
و لكن كفى. كفى قصور وهميه و احلام بائسه، ليست كل فتاه سندريلا لتُختم قصتها بأميرها المنتظر، فهناك احيانا بعض القصص تنتهى دون امير و دون سندريلا، باختصار خاويه وهميه لا صحه لها. تماما كالحلم الساذج التي رسمته على لوحه قلبها بل و تجاهلت كل الواقع من حولها و لونته بألوان زاهيه لتذهب لوحتها مقدمه على طبق من ذهب لغيرها.
و امامها هو عقد ما بين حاجبيه متأملا انكسار ملامحها و صدمته بالالم و المراره التي كست عينيها بشكل هدم قلبه هدما.
بحر الفيروز و الذي ينذر بعاصفه هوجاء من اليأس و الاستسلام - لقرار او فعل او ربما قولا ليس بيدها - و الذي اختفيا من عينيها مأخرا.
حديثها الصامت و الذي يخبره بحزنها كأنها ستفقد شئيا غاليا جدا على قلبها بل و يبدو انه اغلى ما تملك بحياتها...
قطع صمته و صمتها جامحا رغبته الصارخه بضمها لحضنه لتلتهم شفتيه دموعها قسرا و تُحرمها على عينيها، ليجذب منها كل ما تحمل من ألم و ان دفع عمره سيعطيها ما تحلم به مهما كان و كيف يكن. و اثر انفعاله خرج صوته متحشرجا رغما عنه محملا بفيض احساسه الصامت لها: خير يا بشمهندسه؟ انتِ كويسه؟!
اخفضت بصرها عنه متمسكه بما لها من قوه و تحركت من امامه هاربه لعلها تخفى عنه دموعها و لكنه اوقفها مناديا باسمها فتوقفت و مازال ظهرها يواجهه فتماسكت قليلا لترفع رأسها لاعلى مغلقه عينها لتمنع مرآه عينها من عكس نزيف روحها التي لم تكن تتوقع ان يكون بهذا الوجع، وجع تدركه لاول مره ليخبرها ان ما سبق من حياتها مع الاخر هباءا ف - وجع عشقها - اخبرها انها ما احبت من قبل و عندما فعلت، يا ليتها لم تفعل ابدا.
استدارت له فأشار لها لتدخل مكتبه و دلف لتتبعه هي ساكنه و الحمد لله ساعدتها قوتها الان لكى لا تُفضح امامه، فما اعتقدته من مشاعر صورتها لها عينه - او كما رأتها هي - كلها مجرد حلم يقظه يكفى ان تستيقظ منه الان. و حان حتما وقت الاستيقاظ!
توقف امام مكتبه ناظرا اليها بتفحص عاقدا حاجبيه بشده يجاهد ألا يُفضح متسائلا بحذر: في حاجه مش مظبوطه ممكن افهم في ايه؟! انتِ كويسه؟!
رفعت عينها اليه بقوه خانتها لتتنمر عليه هو بدلا من كبح جماح ألمها و للاسف لم تحاول تمالك نفسها لتُشير بحده غير مبرره وجهها يحمل من انفعالها الكثير و ليه مش هكون كويسه؟
لتنكمش ملامحه اكثر من انفعالها و حركه شفتيها السريعه مما اخبره انها غاضبه او ربما ساخطه عليه لفعل ما، ف لاحظت هي تدقيقه بشفتيها لتطبقها محاوله اخماد شعورها بالشفقه على نفسها و لكنها تذكرت كلمات سلمى فتعمدت تحريك يديها دون نطقها الصامت بالكلمات فأشارت في حاجه تانيه مطلوبه منى حاليا؟
لاحظت انعقاد حاجبيه اكثر موضحا شعوره بالتشتت لتنتقل عيناه بين يديها و شفتيها عده مرات دون فهمه لما تقوله، و لا شعوريا اغتصب قلبها فرحه باحساسها بتميزه او ربما تميزها لديه و لكنها عادت تختفى خلف ضبابات الواقع و التي وضحتها مكالمته و التي اخبرتها بوضوح افيقى هو يعشق اخرى فانقبض قلبها مع دوار خفيف يلف رأسها.
فاخفضت عينها و اعطته التصاميم فأخذها متعجبا موقفها و تصرفها الغريب هذا و لكنه ألقاه باهمال على المكتب ليعاود النظر اليها و قبل ان يسألها شيئا يُطفئ نيران صدره و التي احترقت بحزنها.
استدارت هي و اعطته ظهرها دون كلمه اخرى او حتى استئذان بالخروج كعادتها.
لحظات تبعت خروجها ظل هو واقفا بدهشه متسائلا ما سبب تصرفها بهذا الشكل و قلبه يدق اجراس الخوف و الحذر. و وسط مشاعره الملتهبه الان لم يستطع التروى و تقدم مسرعا ليخرج خلفها و لكنه توقف خلف الباب فور ان سمع هناء تقول بسخريه كالمعتاد منها فهى لا تجيد الا السخريه او الدلال الزائد: انتِ كنتِ وافقه تسمعى كلام البشمهندس اكرم ليه؟ و لا متعرفيش ان كده عيب؟! افرضى اسرار!
ثم نهضت واقفه لتقترب منها مسرعه لتهتف بحماس خالف تأنيبها لها منذ ثوانٍ: كان بيقول ايه بقى خلى وشك يصفر كده؟ قوليلى قوليلى و مش هقول لحد.
رفع اكرم عينه - التي اختفى توترها و قلقها لتلمع بخبث متلاعب - ليطالع وجه مها ليجدها ترمقها بنظره غاضبه حارقه اخبرته بوضوح عن اشتعال روحها ثم تحركت مسرعه باتجاه غرفتها ليدلف هو و يغلق الباب بعدما ادرك ما صار.
فشقت ابتسامه واسعه طريقها لشفتيه ليهمس بخفوت متلذذ كأنه يُحدث احدا ما: فيروزنى بتغير،!
عقد حاجبيه و ابتسامته تتسع ليهمس مستمتعا اكثر بالخاطر الجديد و الذي بناه عندما تذكر انه لم يذكر اسم من يعشقها او اسم من يحدثها: او يمكن فهمت انى بحب واحده،!
تحولت ابتسامته لضحكه ليتمتم ضاغطا حروف كلمته ببطء و هو يشعر بقلبه يكاد يفارق صدره طربا: تانيه.!
ثم ازدادت ضحكته لترسم انعكاس واضح لسعاده روحه الان هاتفا بمكر: غيرها..؟
ليقهقه بعدما بملئ صوته صائحا بانفعال و كأن روحه هي من منحته الاجابه او ربما الاستنتاج: يعنى بتحب، يبقى هتوافق.
حاول التماسك قليلا و لكن ضحكته لم تفارقه و هو يضع يده على كتفه مهنئا نفسه بصخب و بسعاده حقيقيه: مبروك عليك الجواز يا اكرم يا ابنى مبروك.