قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية حلم سندريلا للكاتبة علياء حمدي الفصل السادس عشر

رواية حلم سندريلا للكاتبة علياء حمدي الفصل السادس عشر

رواية حلم سندريلا للكاتبة علياء حمدي الفصل السادس عشر

تقف امام باب الغرفه بثبات مصره على التحدث في الامر مره، اثنان، ثلاثه و ربما مائه حتى تصل لمرادها، طرقات خفيفه على الباب ثم امالت رأسها تنظر لوالدها بابتسامه متمتمه برسميه مازحه يدرك منها عز رغبتها في امرا ما: ممكن ادخل يا عز باشا؟
نظره سريعه، ابتسامه بسيطه، اجابه حاسمه اخبرتها بأنه ادرك جيدا لماذا اتت: ادخلى يا سلمى.

لحظات و كان امامه تستعد لمشاداه جديده بينهم و قبل ان تبدأ الحوار اردف هو بلهجه محذره: خير يا سلمى، في حاجه!
تراقصت نظراتها من اقصى يمين الغرفه لاقصى يسارها قبل ان تتحدث ببعض التحدى الذي لا تتخلى عنه: بصراحه يا بابا انا عاوزه اتكلم في موضوع الشغل.

استند بمرفقيه على المكتب امامه يطالعها بدقه يبحث عن تردد، قلق، ارتباك او ربما توجس الرفض و لكنه لم يجد سوى اصرار، ثقه و عزيمه قويه للتحدث، التناقش، التحايل و ربما الشجار، فابتسم.

تلك المتمرده التي لم تطلب شيئا من صغرها الا و نالته، لم تتعلم ابدا ان تتنازل عن امرا ارادته، لم تتقن فن تقبل الهزيمه او التخلى عن حلم من احلامها، و ان كان سيكلفها ذلك صبر ليالٍ، و حوار ساعات، و تحايل ربما يصل لاشهر فهى مقتنعه تماما ان العامل المهم ليس الوقت الذي تحصل فيه على ما تريد و لكن الاهم هو حصولها عليه.

و مع ابتسامته ابتسمت هي الاخرى مدركه ان مجرى الحوار هذا المره سيختلف، ليس هناك تذمر، عقده الحاجب المستنكره، النظره الغاضبه و ال لا التي ينتهى بها الامر.
فكر هو مره و اثنان و ثلاث و في كل مناقشه بينهما يقضى ليلته يفكر هل رفضه صحيح و هو الحل حقا ام هي تستحق ان تنال فرصتها؟

و توصل بالنهايه لنتيجه ان سلمى لا تعرف معنى التقيد، لا ترضى بالمعتاد و دائما ما تعشق الجديد مهما كانت قوته او ربما صعوبته و هو يفهم جيدا ان طفلته قويه، و تملك عزيمه جباره للنجاح فيما ترغب و لذلك قرر اعطاءها الفرصه.

تحدث اخيرا و قد راقه انها احترمت صمته و لم تتحدث ناظرا لعينها بجديه يخالطها حنان ابوى: بصي يا سلمى، لما خالفتِ توقع الكل ايام ثانوى و اخترتِ علم رياضه، انا فكرت كتير و كنت متردد لان رياضه مش سهله. و بعدين قولت ليه لا؟! تبقي مهندسه قد الدنيا. تنجحي و تحققي طموحك، رغم ان والدتك اعترضت و كانت تتمنى تبقي دكتوره بس انا وافقتك لانك لما تتعبى في حاجه بتحبيها و اخترتيها احسن ما تتعبى في حاجه مكنتيش عاوزاها و كنت واثق انك هتنجحى.

تابعت حديثه بهدوء و هي تحاول تخمين ما يريد الوصول اليه بحديثه هذا و لكنه لم يمنحها الكثير و قال: انا موافق على الشغل يا سلمى، بس لازم توعدينى انك تثبتِ نفسك و تنجحى بجدراه و تخلينى دائما فخور بيكِ.

اتسعت عينها بسعاده و هي تحصل اخيرا بعد طول انتظار على رخصه قياده احلامها و هتفت بثبات و ثقتها بنفسها تتجسد بوضوح في حديثها: اوعدك يا بابا، و انا متأكده انى هرفع راسك لانى مش متعوده اخد خطوه الا و انا متأكده انى قدها.

رفع سبابته في وجهها مردفا بتحذير صريح عبر عن شروط موافقته: انا عارف كويس انك ماتعرفيش كتير عن عادات الصعايده لكن انا اتربيت و عشت وسطهم و هفضل لحد ما اموت صعيدى، علشان كده في التزامات لازم تعمليها و الا انسى الشغل نهائى.

عقدت حاجبيها منتظره توضيح اكثر عن شروطه فأكمل بنفس النبره الجاده: تأخير مش مسموح، تعامل مع شباب في غير حدود شغلك مش مسموح، سفر و تنطيط مش مسموح، شغل مديري بيكلمنى و زميلى بينصحنى مش مسموح، الشغل يأثر على جوانب تانيه من حياتك مش مسموح، الخروج و الدخول بميعاد، و لو حصل و عارضتي حاجه واحده من دول او في مره تعاندى و تخالفى اللى قولت عليه يبقى وقتها مفيش و الموضوع مش هيتفتح تانى، كلامى مفهوم يا سلمى.

ابتسمت باطمئنان فهى تدرك جيدا ما يجب عليها فعله و اخبرته ذلك عندما تمتمت بلهجه صعيديه مانحه اياه طمأنينه هو يمتلكها بالفعل و لكن واجبه كأب يحتم عليه تحجيم جموحها: انا صحيح متربتش في الصعيد، لكن ابويا صعيدى صوح و عرف يربى بناته زين، متجلجش يا ابوى وراك رجاله.
اتسعت ابتسامته مع نهايه كلامها و صاح مانحا اياها تفكير جديد بمزاح قائلا: عاصم عرف عن موضوع شغلك؟

ضحكت ناظره اليه و هي تحرك رأسها نافيه فابتسم بالمقابل فقبلت اياه و غادرت الغرفه مدركه انها لم تعد بحاجه لاقناع عاصم فهى فازت بما ارادت و انتهى الامر.

بمجرد ان وضعت قدمها على الدرج تفاجأت بعاصم يدلف للمنزل و هو ممسك بيد جنه بعنف جاذبا اياها خلفه باكيه و يبدو على وجهها ملامح الخوف الشديد بينما هو يصرخ وجهه بغضبه الاسود، لم يعر سلمى انتباها و هو يركض متجاوزا الدرج بسرعه مهوله كادت تُسقط جنه خلفه و هي تحاول اللحاق به.
راقبت نجلاء التي كانت تهبط الدرج ما يحدث بتعجب و لكنها ما لبثت ان صاحت بسخريه: ايه يا عرسان اي...

قاطعها عاصم صارخا بنبره قاسيه غير آبه بأى شئ: مش عايز حد يكلمني نص كلمه.
و تحرك دون كلمه اخرى دالفا لغرفه جنه و دفعها بقوه للداخل حتى كادت تسقط و وقف خلفها و صرخ بها: انا مبقتش عارف انتِ عاوزه ايه! و لا بتعملى ايه! انتِ عاوزه توصلى لايه فهميني؟

انتفضت جنه و هي تهرب بعينها منه و صراخه يزلزل جسدها خوفا منه، و دموعها تتساقط رغما عنها و هي تشعر ان جسدها على وشك الاستسلام، و مع صمتها صاح بأقصى ما يملك من صوت بها مجددا: انطقى يا جنه، ايه اللي انتي عملتيه ده و ليه، انطقى؟

جاهدت لتتحدث، داخلها الكثير لتقوله، لديه من المبررات ما يكفى، تود ان تصرخ مثله و اكثر، تود التعبير عما اشعرها به بفعتله و لكن لم تجد صوتا، تود الصراخ بأقصى ما تملك من صوت و لكن لم يخرج سوى بحه مكتومه بدموعها: انا م...

و رغم انه طالبها باجابه لم يمنحها فرصه الرد هاتفا بغضب مجددا يعنفها، يعاتبها بل يكاد يعاقبها و يجلدها بكلامته: انتِ ايه ها؟! انتِ كسرتِ كلمتي و هربتِ، هربتِ من مواجهه كانت المفروض تحصل و من زمان، انتِ مسمعتيش الكلام و نفذتِ اللي في دماغك، انتِ صغرتينى و صغرتِ نفسك قدام واحده متسواش، انتِ شايفه اللي عملتيه صح؟ شايفه ان خوفك و هروبك صح؟

صمتت مجددا و دموعها من تجيبه كاتمه كل صوت جاهد ليخرج، و مع صمتها صمت هو الاخر و هو يتذكر بعصبيه مفرطه ما صار.
كوثر هانم
و بأقصى ما يكون تدافع ما حدث طوال العشر سنوات الماضيه بحياتها امام عينها جعلها تقف بعدم اتزان و ذكرى الصفعه التي نالتها في هذا المكان يتردد بأذنها.
بينما اتقربت كوثر منها و هي تهتف بسخريه مستهزئه: يا اهلا يا اهلا، جنه ماجد الالفى بنفسها جايه تشوفنى، معقول وحشتك قوى كده؟

و بارتجافه ضعف رفعت جنه عينها اليها، ليهولها مقدار ما تحمل كوثر لها من كره اسكنته بعينها، تراجعت خطوه للخلف و كل ما اعتقدت انها جمعته من قوه تهاوى.
جدران قلعتها التي حصنت نفسها بداخلها من الخوف و التردد و التراجع تهدمت دفعه واحده.
امامها الماضى بكل ما حمله من شروخ و ندوب بروحها لن تلتئم، و خلفها الحاضر بكل جبروته و سطوته عليها و هي ها هنا تقف في مواجهه اسوء ما يكون عليها.

فرغما عنها و بحركه لااراديه تراجعت خطوه اخرى للخلف كأنها تبتعد بل هي بالفعل تهرب و لكنها لم تستطع و خاصه بعدما رفعت عينها لعاصم ليوترها ما تحمله عينه من غضب و توعد فازدردت ريقها ببطء و هي تعجز ان تحمل ضغط كهذا، اشاح عاصم بعينه عنها ناظرا لكوثر متمتما بذاك الهدوء الذي يسبق العاصفه: انا قولتلك قبل كده ان حقها هيرجع و كامل، بس اعتقد انك كنتِ فاكره انى اقصد شركه و فلوس بس.

ثم ابتسم بغضب و عينه توضح بصراحه عن مدى اشتعال روحه غضبا: في حق مهم يا كوثر لازم يترد، دلوقتى، و هنا.
سرعان ما تلاعبت الافكار بعقلها لتتفق جميعها على نتيجه واحده جعلت عينها تتسع بتوجس و هي تقول بحذر: تقصد ايه؟، و بعدين ليه هنا؟

اتسعت ابتسامته مدركا انها فهمت جيدا مقصده و اشار اليها من اعلى لاسفل بنفس نظرات السخريه التي شملت بها جنته منذ لحظات بل اشد و اسوء: هو اللى انتِ فهمتيه بالظبط. ثم اضاف باستهزاء واضح: عاصم الحصرى متعودش يسيب حق له ابدا و انتِ جيتِ على حق و كبير قوى كمان.

و بينما يستعرض كلا منهما قوته او ربما رغبته و محتمل ما ينوى عليه، كانت تلك تقف كالتائهه خلفه، ترغب في الاختباء منهم و كم رغبت ان تختبئ به و لكنها لم تجده.
هو عن اى حق يتحدث!
ماذا يحدث و لمَ!
تود الصراخ بأن ما تريده ليس حق، هي فقط تريد نفسها.
تود الهرب من فقاعه الماضى التي تخاف الخروج منها و اُهلكت من البقاء بها.
ترغب في النسيان، الهروب من الالم و التفكير المتلاحق بما صار و بما سيصير.

لماذا يصر هو على فتح مجلدات روحها المنهكه و العبث بأوراق تسعى لاحراقها عل كوابيسها و خوفها يحترق معها.
عقدت حاجبيها بتألم و يده تضغط على ذراعها بعنف لتنظر اليه هاتفا باصرار و قد جن جنونه و انفرط عرقه الاسود غضبا: خدى حقك.
و مع دفع يده لها تقدمت خطوتين اتسعت لهم عينها وانفاسها تتلاحق بتشتت لتقول و قد خرج صوتها اخيرا و ان كان مهزوزا معبرا بوضوح عن خوفها: حق ايه؟ انا. انا.

جذبت يدها منه و تنحت بعيدا عنه تتطالعه بنفى جَسَدَ تبعثرها: انا مش عاوزه حاجه انا عاوزه امشى من هنا.
و بصبر حاول استدعائه بشتى الطرق غير منتبها انه يضغط عليها: لازم تواجهي، لازم تاخدى حقك.
تنظر اليه باستغراب و رهبه ما الذي يريده، هي حقا لا تفهم ما يريده و مع الضغط الذي حاوطها نفسيا و خارجيا ارتجفت عينها لامعه بالدموع ممسكه بيده متوسله: لا، انا بس عاوزه امشى.

و تحركت مبتعده عنه باتجاه باب القاعه و لكنه قبل ان تفعل كانت يده تُمسك بذراعها تكاد اصابعه تخترق لحمها لتتأوه و ملامحها تنكمش بوجع و صاح بها بغضب ابن الحصرى الذي لا يستطيع احد اثناءه عن امر قرر المضى فيه: لا كفايه هروب لحد كده، دلوقت هنرجع الحقوق لاصحابها.

حركها رغما عنها موقفا اياها امام كوثر التي تراجعت نصف خطوه للخلف تتابع ما يحدث بترقب حتى هتف عاصم بجنه كأنه يأمر احدى العاملين تحت طوعه: ردى القلم.
استنكرت كوثر الامر بشهقه معترضه و هي تتطالعه بغضب بينما رفعت جنه عينها اليه ببطء صاعق من كيفيه تفكيره، و مع ما لون عينه من اصرار هتفت رافضه و هي تحرك رأسها يمينا و يسارا: انا لا يمكن اعمل كده، مش ممكن.

و هنا اعاد هو غرس نفس الخنجر مذكرا اياها بما صار: لا ممكن. افتكرى احساسك وقتها بس، احساسك و انتِ بتتهان كرامتك قدام كل الحضور، بدون سبب و من مرأه ابوكِ المبجله اللي المفروض في مقام والدتك، فاكره احساسك يا جنه؟!
و كأنه بحاجه لتذكيرها، و يا ليته يعلم انها بحاجه للنسيان ربما لانها تريد حياه هادئه.
اغلقت عينها لتنهمر دموعها عاجزه و تهدلت اكتافها هامسه بعجز: فاكره، بس مقدرش اعمل كده، مقدرش.

و هنا صرخ بها و غضبه لاجلها يتحول عليها: ليه؟ ليه و لحد امتى؟
و كأن صرخته فجرت ما بها فصرخت و رغم قوه صراخها ظهر ضعفها و قله حيلتها واضحه: لحد اخر يوم في عمرى، لحد ما اموت مش هقدر امد ايدى على الست اللى ربتنى.

صمت، صمت، صمت و كان هذا الهدوء الذي سبق العاصفه التي هبت عندما دوى صوت صفعه قاسيه على وجه كوثر دفعتها ارضا مع القليل من الدماء يغطى جانب شفتيها، ليعيد الزمن نفسه فكما طبعت اصابع كوثر اثارها على وجه جنه. طبعت اصابع عاصم اثارها على وجه كوثر و لكن شتان بين الصفعتين.

و مع صرخت جنه الفزعه حدق بها عاصم بأقصى ما يملك من غضب متمتما ليمنحها صوره مبسطه عن مدى ما قد يصل اليه قلبه من قسوه: انا بقى اقدر اخذ حقى كويس و دلوقتى بس رديت لمراتى حقها كامل.
حدقت به جنه بصدمه، هو لم يأبه لفارق العمر بينهما، لم يهتم لانه رجلا و هي امرأه، بل لم يشغله اى شئ سوى ان يرد ما يقول عنه حق و يشهد الله انها لا تريده.

وجه نظره لتلك الملقاه على الارض لا تصدق ما صار لها و حدثها بغضب مستحقر: انا عمري ما ايدى اترفعت على واحده ست، بس اللي زيك مينفعش يتعملوا كبني ادمين انتِ مايمشيش معاكِ غير معامله الحيوانات...
ثم اشار بسبابته اليها محركا اياه من اعلي لاسفل بازدراء: و مش انتِ اللي تغلطي في مراتي، و مش انا اللي اسكت عن غلطك.

و كيف تخرج من هنا مذلوله، مضروبه و خاسره فكما اشعل نيران غضبها فأصرت هي على حمله للجنون هاتفه بحده و هي تنهض تمسح جانب شفتيها ببعض القوه متهكمه: مراتك!

ثم اشارت لجنه باحتقار مماثل لاحتقاره تماما: مراتك دي اجبن مما تتخيل، و اذا كنت فاكر انك في ضهرها مره فصدقني مش هتبقي جنبها كل مره، و اللي حصل هنا ابسط مثال انها عمرها ما هتبقي كيان او شخصيه، مراتك دى كانت و مازالت و هتفضل مجرد واحده رخيصه عاشت كده و هتموت كده.

لتنال الجهه الاخري صفعه اشد و اقصى و قد نجحت في احراق ما بقى من تعقله و هو يزمجر بغضب عاصف: من هنا و رايح اسمها مدام عاصم الحصري و ان كنتِ شايفه نفسك تقدري تقفي قدامي و ريني تقدري تعملي ايه؟
و لا يدرى ما صار بعد ذلك و لا يعرف كيف جذبها بكل هذا العنف خلفه راحلا و ها هي تقف اامامه الان يفرغ بها ما بقى من غضبه.
back.

راقبت صمته و هي مدركه تماما انه يسترجع ما حدث من لمعه عينه التي ازدادت غضبا فتمتمت بصوت متهدج حزنا: ايوه. اللى انا عملته صح. انا. انا. مغلطش.
و بمجرد سماعه لاجابتها عقد حاجبيه مذهولا مرددا خلفها: مغلطيش؟!
ثم صرخ بجنون: هروب، جبن و خوف غير مبرر و مغلطيش، لما ده مش غلط يبقى ايه يا جنه؟ ردى.
الله ما براحه يا عريس عروستك لسه متفهمش بسرعه كده فهمها براحه.

نظر عاصم لمصدر الصوت و التي لم تكن سوى نجلاء التي وقفت منذ البدايه تتابع الحوار ليدرك انه لم يغلق باب الغرفه بعدما دلف، فتحرك باتجاهها قائلا بحده من بين اسنانه: انا مش قولت مش عاوز جنس مخلوق يتدخل، و اظن الناس المحترمه لما يلاقوا راجل و مراته بيتكلموا يخدوا بعضهم و يمشوا و لا الدم انعدم، يا عمتى.
و مع الخطأ الصريح بحقها صرخت تعنفه: عاااصم ان.

و لكنه قاطعها مشيحا بوجهه عنها هاتفا: بلا عاصم بلا زفت، انا مش عاوز اشوف وش حد.
اغلق الباب بعنف مستديرا لتلك التي تقف كالتلميذه المخطئه و صاح بنفاذ صبر موضحا لها كيف يراها: بصي بقي انا جبت اخري معاكِ، زهقت من ضعفك، مليت من هروبك و لازم تفهمي حاجه واحده انك هتتعلمي تواجهي يعني هتتعلمي حتى لو غصب عنك، حرم عاصم الحصرى لازم تعرف تاخد حقها كويس، فاهمه يا بنت الالفى!

و استدار ليغادر ليصله صوتها الخافت كأنها تحدث نفسها: انا اه بخاف بس النهارده انا ماهربتش.
استدار لها مره اخرى ينتظر بقيه ما بدأته و قد منحته اياه بمدى طفوليه روحها عندما نظرت اليه ببراءه غريبه على فتاه في عمرها: انا بحافظ على نفسي، بحافظ على اللي بابا زرعه جوايا، بحافظ على مبادئي و ديني، بنفذ اللى ربنا قال عليه و اللى ابويا ربانى عليه.

منحته نظره ليرى هو مدى حيرتها و تخبطها و اردفت هي بشرود متذكره عاده جلوسها في حضن والدها يحدثها و يبثها ما يريد ان تحمل من قيم: بابا كان دائما يقولى اوعى يا جنه تغلطي في حد، اوعي تزعلي حد منك، اعملى دايما صح و متفكريش مرتين.

صمتت و الذكرى تؤذيها و تترك ندبه اخرى بروحها و هي تشعر للمره المائه انها بلا ظهر او سند، انها و بوفاه والدها كُسرت تماما، تقطع صوتها بأنينها الهادئ و هي تجاهد لتكتمه مردفه: الست دي ربتني، واحده غيرها كانت طردتني من البيت، اه عاملتني وحش، اه غلطت في حقي، و اه جات على كرامتي كتير، بس هتفضل مراه ابويا، هتفضل الست اللي اخترها ابويا علشان تبقي ام لينا بعد ماما الله يرحمها، الست دي اكبر مني و واجب عليا احترمها. عارف ليه؟

اختنق صوتها بدموعها و هي تتذكر الايه التي حفظتها عن ظهر قلب من تكرار والدها لها: لان بابا علمنى ان ربنا قال في كتابه وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ? ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ، لان بابا حفظنى ان الرسول قال لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا ويُوَقِّرْ كَبِيرَنَا .

صمتت لحظات ثم بأقسى ملامح التردد و الضعف رفعت عينها اليه و هي تسقط جالسه على طرف الفراش متسائله: يبقى انا كده غلطت؟ لما احاول احافظ على اللى بابا علمه ليا ابقى غلطانه؟ ليه بتطلب مني اعمل حاجه لا هترجع حقي و لا هترجع كرامتي و لا حتى هترجع ايامي اللي اتسرقت مني بالعكس دي هتخلي مفيش فرق بيني و بينها و زي ما هي غلطت انا هغلط! بتعاتبنى ليه؟

و مع تذكرها لتلك الطفله – التي لعبت، ركضت، فرحت، تمردت، تدللت – و بنهايه كُسرت حتى لم تعد تجد بنفسها نفسها القديمه، ارتجف جسدها بكاءا رثاءا لحالها بينما هو يقف يتابع انتفاضتها بقلب رق لحالها، لحديثها، و طفوليه روحها الذي يدرك انها لم تعد مناسبه لواقع كالان، محقه هي في كل ما قالته، محقه في ترددها و تراجعها بل كيف واتته فكره ان تهين هي تلك السيده.

لم يتعلم كيف يخضع لاحد او ينخفض له و لكن لها فعل، انحنى مرتكزا على ركبته امامها رافعا رأسها اليها لتشملها عينه بنظرات حانيه كانت في امس الحاجه لها، لتقابله عينها التائهه و انفاسها المتلاحقه بتلاحق دموعها و شفتيها ترتجف و هي تردف مجددا: مكنتش هقدر اواجه نفسى لو اهنتها، مكنتش هقدر اواجه بابا لو زارنى في احلامى، مكنتش هقدر.
امالت رأسها و هي ترجوه النفى لسؤالها: هو انا كده غلط يا عاصم؟

و لاول مره تشاركه تفكيرها، تشاركه حزنها.
لاول مره تتطالعه بلجوء اليه لا اختباء منه.
لاول مره تجرد علاقتهم من اول الحواجز و تناديه باسمه.
لا فارق ان كان يراها مخطئه، لا فارق ان كان يعدها خائفه، لا فارق ان كان يرفض ضعفها، بل لا يفرق اى شئ فليذهب كل شئ للجحيم فقط فلتكن هي بخير.

رفع يده مزيلا دموعها ليحتضن وجنتها بدفء بعدها لتمرغها هي براحه كفه ملتمسه هذا الاحتواء هامسا بنبره هادئه مطمئنه: انتِ عملتِ الصح و اتعودي طالما مقتنعه باللي عملتيه اوعي تندمي عليه ابدا.

حدقت بحصونه السوداء تاركه اياه يُشبع ابريقها العسلى بفيض حنانه الذي نادرا ما تجده به و بدون ان تدرى لم؟ كيف؟ و لماذا طاوعت نفسها؟ حاوطت عنقه بذراعيها تُخفى وجهها به لتسمح لشهقاتها بالتحرر و يدها تجذبه اليها بقوه، لتترك دموعها اثارها على عنقه و كتفه.

و ما اسوء شعوره الان بين حب و قسوه. لم يعنيه جسدها بقدر ما اوجعه نبضاتها الثائره. لم يعنيه قربها بقدر ما ارهقه دفء دموعها. لم يعنيه انتظاره لها بقدر ما اشقاه تطلب حضنها. لم يعنيه اى شعور اصابه الان بقدر ما افقده عقله شعوره بالارتباك، فلاول مره يشعر بمثل هذا التخبط الذي سببته تلك الحمقاء بحضنها المفاجئ هذا.
و لكنه تجاهل كل هذا و احتوى جسدها بقوه مانحا اياها ما تحتاج من دعم.

دقائق مرت عليه دهر - ربما لانه منذ ان رأها بحضن اخيها يتمنى ان تحتويها ذراعيه، ربما لانه كلما رأها تبكى نازع نفسه ليمتنع عن ازاله دموعها، ربما لانه فقط و فقط يريدها.

هدأت شهقاتها قليلا و رويدا رويدا ابتعدت عنه بارتباك واضح، فأعد نفسه لكلمات لاذعه تهرب بها من فعلتها كما حدث من قبل، فنهض مسرعا و لكن خانته ركبتيه التي تألمت لجلسته فتأوه رغما عنه منحنيا قليلا يمسدها بغيظ، و لكن سرعان ما تجاوز الامر ناظرا اليها منتظرا ما ستصرخ به و لكنها خالفت توقعه هامسه بخجل: انا اسفه.

حمره خجل او ربما اثر بكاءها، مع حركه طفوليه باصابعها الصغيره لعينها تُمحى ما علق من دموع، و اخيرا صوتها المختنق و همستها الخافته، جعلته يرفع احدى حاجبيه متعجبا: على ايه؟!

و بنظره سريعه لركبتيه و باشاره اعتذار اخرى اوصلت مقصدها، فازداد انعقاد حاجبيه مع ابتسامه جانبيه زينت شفتيه ليجيبها على اعتذارها بشغب يتلذذ به معها: انا مشتكتش على فكره، ثم اضاف و قد راقه مخالفتها لتوقعه: ثم انا اتوقعت انك هتضايقى مش تعتذرى!
اخفضت بصرها عنه مدركه ما يرمى اليه و لكنه يجد في مشاغبتها متعه لا تضاهيها اخرى فأضاف بخبث: تضايقى انى مانفذتش وعدى مثلا!

و بتذكرها لوعده، لحظه سقوطها و احترامه لهذا الوعد، تابعه تذكرها لمها بين ذراعيه و التي لا تعلم حتى الان كيف فعلها، تذكرها لمشاغبته لشقيقاته و حركاته الماكره جعلها تندفع قائله دون تفكير كأنها تجد ان لها مثل ما لهن من حقوق بل اكثر فهى زوجته: انا اصلا مطلبتش منك توعدنى و اان.

لحظه صمت تبعها ابتعادها عده خطوات للخلف صاحبه ارتباك مفرط عندما لاحظت ما تفوهت به، و بغض الطرف عن ندمها لانه سمعها تقول هذا، الندم الاكبر كان من نصيبها عندما ادركت ما تفكر، تغضب و تشعر به و خاصه تجاهه هو، لا تدرى كيف طاوعها عقلها لتضمه اولا ثم الان تلك الحماقات التي فكرت بها بل و عبرت عنها في جمله صغيره سيستغلها هو الان و قد كان عندما شملت عينه نظره استمتاع واضحه مع مداعبته لجانب فمه بمكر: افهم من كده.

اقترب باتجاهها خطوه مستمتعا اشد الاستمتاع بالتوتر الظاهر على ملامحها و اردف: انك اصلا مش عاوزانى...
و خطوه اخرى بكلمه اخرى بنفس النبره المشاغبه: انفذ وعدى ليكِ!

و خطوه اخيره و كان امامها مباشره فاشاحت بنظراتها عنه قاصده تجاهله و لكن كيف لابن الحصرى ان يترك فرصه كهذه ليرى من خجلها ما يروى القليل من ظمأ رجولته، فما احب على قلب رجلا من حمره خجل تزين وجه محبوبته و خاصه عندما يكون هو السبب بها: سكتِ ليه يا جنه؟

تحاول تجاوز الامر مسرعه فما كان منها الا ان تذكرت ما قال فرفعت عينها اليه متسائله بدهشه و هي تتجاهل كل ما سألها اياه الان: انت قولت ان حقى رجع كامل، انت كنت تقصد ايه؟
و بلحظات كما دفعت اليه بروح المشاغبه جذبته بعنف خارجها مما جعله يغضب اشد الغضب لتجاهلها المتعمد و الذي يرى انه لم يكن عليها ان تتجرأ و تفعله فاحتدت عيناه و هو يجيبها: حقك يا هانم اللى اتنازلتِ عنه.

عقدت ما بين حاجبيها باستغراب عبرت عنه مباشره و بدا كأنها تستجوبه: ازاى و امتى؟
و اقتربت خطوه تحدق به بتفحص: انت عملت ايه بالظبط؟
و مع غضبه الذي تجاوز الحد باعتقاده انها تستجوبه و هو امر لم يعتاد عليه سوى من قادته في العمل صرخ بها و هو يقبض يدها بعنف: انا محدش يسألنى عملت ايه و ليه انتِ سامعه؟ و قولتها ليكِ مره و هقولها ليكِ تانى مش انا اللى بفرط في حقى و انتِ تخصينى و حقك حقى فاهمه!

و دون كلمه اخرى دفع يدها مغادرا الغرفه بأكلمها تاركا اياها تتخبط مجددا في مواقفه الغير متزنه و التي تدفعها من اقصى اليمين لاقصى اليسار.

منوره يا دكتوره.
هتفت بها نهال و هي تُمسك بيد حنين التي تجلس معهم على طاوله الطعام بعدما اصر فارس على والدها ليسمح لها بتناول الافطار معه و عائلته
ابتسمت حنين مجيبه بخجل: البيت منور بأهله يا طنط...
ثم اضافت بمرح تخفى خلفه توترها: و بعدين ايه دكتوره دى بلاش منها.
و هنا تعمد فارس اخجالها اكثر ملاحقا اياها بكلماته: ازاى بلاش بقى، دا انتِ احلى دكتوره كمان.

نظرت امامها تكاد تنهض راكضه رغم معرفتها بعائلته من قبل، رغم تعاملها المعتاد معهم، و لكنها الان تشعر بنفسها في اكثر الاوقات احراجا.
ضرب مازن بملعقته مازحا بعبوس مصطنع: جرى ايه يا عم الحبيب! راعى ان في عُزاب قاعدين.
و مع كلمات مازن ازداد خجلها و لكن لم تستطع منع ابتسامه واسعه وجدت طريقها لشفتيها و فارس يجيبه بلكزه قويه نسبيا راميا اليه بتلميحا مستترا: طيب ما تتجوز يا حبيبى حد منعك.

و فهم مازن مقصده و لكنه تجاوزه ناظرا لحنين بابتسامه و غمزه سريعه مردفا باستمتاع لاغاظه شقيقه: لو عندك عروسه زي دكتوره حنين كده انا موافق جدا.
دفعه فارس بغضب فقهقه مازن مبتعدا عنه قليلا بينما تجاهلتم نهال ناظره لحنين بحنان تتميز به وورثه اطفالها عنها كاملا: سيبك منهم يا حنين و طمنينى اخبار كليتك ايه؟

و حديث مرح توضح فيه مدى ما تعانيه في كليتها دفع الجميع للضحك على ما تقوله حتى هتف فارس بنزق: المهم هتخلصى امتى؟ عاوزين نتجوز بقى.
تلعثمت حنين بحديثها مما دفع الجميع للضحك مجددا حتى كادت تختفى من فرط خجلها عندما نكزه مازن بخبث متمتما: مستعجله على ايه يا بطه!
و قبل ان يجيب فارس ضحك محمد مأزرا ولده قائلا بجديه مصطنعه: انشف يا ابنى شويه مش كده.

عبس وجه فارس مدعيا حزنه متمتما بخيبه امل: بتقف معاه ضدى، كده برده يا حاج.
صاحت نهال بهم لاسكاتهم ثم امسكت بيد حنين توصيها على صغيرها و الذي مهما بلغ من طول و مهما ارتفع شأنه سيظل صغيرا تخاف لاجله: عارفه يا حنين، انتِ معاكِ روح البيت ده، فارس كان اول فرحتي، ابني الكبير و راجلي التاني، هو اغلي ما عندي، اول فرحه يا بنتي بتفرق قوي، و مش مكسوفه او خايفه اقولها لان محمد و مازن عارفين ده كويس.

استند مازن بمرفقه على الطاوله واضعا يده على وجنته هامسا بحسره دراميه: عارف، عارف و كاتم في نفسى و ساكت.
و فعل المثل والده و هو يضيف بحزن و حسره مماثله: شاهده يا حنين يا بنتى، بتحبه اكثر منى حتى.

صاحت نهال بهم مجددا فحمحم محمد ثم اضاف بجديه و بروح الاب الذي يرى في اولاده ظهرا له: نهال معاها حق، فارس فعلا روح البيت، عارفه يا بنتى عمره ما كسر لي كلمه الا لما قرر يخطبك، و وقتها عرفت ان ابني كبر وبقي راجل اقدر اتسند عليه. راجل البيت من بعدي و هبقي مطمن لما اموت انه هياخد باله من امه و اخوه.

اسرع فارس يُمسك بيده مقبلا اياها بينما منعا للدراما الحزينه التي لا تتناسب مع شخصيه ذلك المزوح باستمرار نهض غاضبا صارخا بهم: هو انا محدش هيمدح فيا و لا ايه؟ انا ابنكم برده يا خلق.
ثم اعتدل واقفا و ضرب صدره بيده بشهقه مصدومه و هو يتابع بنبره متردده: يا خراااابي هو انا مش ابنكم و انتم لقيتوني جنب صندوق القمامه؟

اخفت نهال وجهها مستعوضه ربها في عقل صغيرها بينما نهض فارس يدفعه بكتفه باستخفاف ساخرا: صندوق قمامه ايه يا ابنى! دول كانوا بيشحتوا بيك على باب السيده.

اسرع مازن باتجاهه و وجهه يوضح انه على وشك تعنيفه فركض فارس ليلحق به مازن ضاحكا بينما تتابعهم اعين الجالسين بضحكه واسعه حتى مالت نهال على حنين قليلا تُكمل ما بدأته: حافظي عليه يا حنين، انا عارفه تربيه ليلي كويس و عارفه ان فارس اختار صح بس دا ابني يا بنتي و لازم اوصيكِ عليه.

ضغطت حنين يدها متجاهله خجلها لتطمئن قلب تلك الام امامها: مش محتاجه توصينى يا ماما، فارس كان حلم عمرى، و هيفضل في قلبى دائما و هعمل كل اللى اقدر عليه علشان اقدر اسعده.
ربت محمد على رأسها هاتفا بجديه: اللى هيقابلكوا مش سهل يا بنتى.

ابتسمت بارتباك فلن تنكر انها خائفه بل و بشده و لكنها تثق به، تثق بتمسكه بها فاستدارت ناظره لمحمد متمتمه بنبره واثقه: كل شئ متاح في الحب و الحرب يا بابا و انا حبى حرب و الحرب دى علشان فارس، و انا مش هتحمل خساره فارس لان وقتها هخسر نفسى.
ما شاء الله، ما شاء الله، ربنا يباركلك فيها يا عم.
ابتسم فارس و قلبه تتواثب دقاته و هو يستمع لحوارها مع والديه ثم تمتم بحب: يارب يا مازن. يارب.

ثم استدار ناظرا اليه متسائلا بقلق: و انت يا مازن!
عقد مازن حاجبيه مدعيا عدم الفهم رغم انه يدرك مقصده جيدا فأردف فارس موضحا: انت هتكمل حياتك امتى؟ و هتفضل واقف عندها لحد امتى؟
و ادرك مازن انه لا مفر من الهروب فاعتدل متمتما بضيق: انت كنت هتقدر تكمل حياتك ببساطه و عادى لو الدكتوره حنين اتجوزت واحد تانى لا و من صحابك و هتحضر فرحها كمان!

ابتسم فارس عائدا بنظره لحنين: كنت هكمل حياتى يا مازن علشان دى سنه الحياه، في حاجه اسمها قسمه و نصيب، في حاجه اسمها قدر، و مش كل حاجه بنتمناها سهل تتحقق، ثم ان انا وضعى مع حنين يختلف عن وضعك مع هبه.

استند بيده على كتف مازن يربت عليه بقوه نسبيه مردفا: حنين كانت معايا من و احنا عيال، كبرنا سوا، اتربينا سوا، عارفها و عارف طبعها و اخلاقها و حياتها و نظامها و تقريبا عارف كل حاجه عنها، اهلها اهلى و حياتها بالنسبه ليا كانت كتاب مفتوح، لكن انت تعرف ايه عن هبه غير انها لبقه في الكلام و حلوه شكلا؟

اشاح مازن بوجهه هاربا رغم استماعه الجيد لما يقوله شقيقه فأكمل فارس: تعرف اهلها نظامهم ايه و هل هتتحملهم و يتحملوك و لا لا! تعرف هي على ايه و حياتها بره الجامعه ازاى! تعرف علاقتها حدودها ايه و هل تتناسب معاك و لا لا! تعرف عنها ايه علشان تقول بتحبها يا مازن؟
ثم ابتسم ضاربا موضع قلب شقيقه: قلبك لسه محبش يا مازن، ممكن نقول اعجاب ممكن نقول انبهار لكن حب لا.

اخذ مازن نفسا عميقا مجيبا اياه: يمكن معاك حق. ثم ابتسم ناظرا اليه بفخر: عارف يا فارس انا نفسى اعيش اللى بتعيشه دلوقت، ابقى عارف و متأكد ان مراتى بتحبنى و هتفضل دائما جنبى. ثم اضاف مازحا: ربنا يوعدنا يا عم، المهم فرحتك انت يا محبوب الجماهير.
آمن فارس على دعائه مردفا: ربنا يرزقك واحده زى حنين كده تطلع عينك الاول و بعدين.
قاطعه مازن دافعا اياه بغيظ: تطلع عينى ليه هو انا ناقص.

فضحك فارس مردفا: قول يارب بس و متقلقش.
امام مدخل جامعتها توقف بالسياره ممسكا يدها طابعا فوقها قبله ممتنه متسائلا بنبره متلاعبه: هو انا قولتلك النهارده انى بحبك.
عبست بوجهها بطفوليه محببه لنفسه و هي تحرك رأسها نافيه فاتسعت ابتسامته لتشملها بحب فتح ورود خجلها و همس بنبره دغدغت مشاعرها: بحبك جدا يا حنين، بحبك و بحمد ربنا كل يوم على وجودك في حياتى.

ابتسمت بخجل يعشقه ثم اضاف مازحا و هو يتعمد احراجها اكثر: مش هتقوليها تانى بقى و لا لازم نتخانق!
رفعت رأسها بعناد تعلمت التمسك به من شقيقتها و تمتمت: مش دلوقتى، يوم الفرح.
و راقه عنادها و لكنه لن يمرره ببساطه فغمزها مشاغبا موافقا بشرط: ماشى يا حنين، ان ما خليتك تصرخى و تقوليها قدام الناس كلها مبقاش انا.
فأعادت غمزته اليه بأخرى منها و هي تجيبه: لو قدرت تعملها اوعدك هقولها.

و بتحدى اشعلته هي و ان كانت لا تعرف كيف فعلت رفع يده امامها: وعد يا مدام!
فصافحته مجيبه بضحكه: وعد يا قلب المدام.

ومع بدايه كل يوم جديد، تتجدد الروح و تتنازع الدواخل من اجل يوم اسعد، اجمل و ربما الافضل على الاطلاق.
سهر الليل، هواء الفجر، سجود طويل، شروق الشمس، ابتسامه جديده تستقبل بها يومها الجديد، ساعه و الاخرى، طعام الافطار و لكن لاول مره بدونه.
غادر لعمله في الصباح لم يخبرها و هي مدركه تماما انه ابدا لن يهتم، هي لا تشغل اى حيز من اهتمامه هي فقط احدى ممتلكاته الذي يحب الحفاظ عليها جيدا.

تتابع اللقيمات لفمها و لكنها لا تتذوقها، ما مرت به امس لم يكن يسيرا فلقد كان اشبه بفتح جرح كان على وشك الالتئام و ربما هذا ما كانت تظنه و لكنه اكتشفت انها لم تعرف معنى ان تكون قويه و بدا لها انها ابدا لن تعرف.

رفعت عينها لتتفاجئ بمها تحاول ايصال رساله ما لها و لكنها للاسف لم تكن تفهم اشارات يدها و لا حركه شفتيها، انتبه الجميع لهم و قبل ان تحاول سلمى شرح الموقف تمتمت نجلاء بسخريه: قولتلك مليون مره بلاش شغل البكم ده و اكتبى في ورق.
و بهدوء و قبل ان تلمع عينها بالدموع تركت ملعقتها مردده الحمد ناهضه، تاركه الغرفه مسرعه.
نظرت جنه لنجلاء بتعجب، أى أم هذه التي تتعامل من طفلتها بهذا الشكل؟

و بضيق نهضت هي الاخرى لتنال نجلاء فيما بعد عتاب قاسى من شقيقها و زوجته و ان كان هذا العتاب يمنحها سعاده اكبر، فهى تعشق رؤيه من حولها يتألمون و عتابهم يزيد من فرحتها.
اسرعت مها للحديقه الخلفيه بينما لحق بها كلا من سلمى و جنه، ملاطفه، حوار حاولت سلمى جعله مضحكا، طرافات ممتعه حتى لمعت عين مها الفيروزيه بضحكتها.
ثم تسائلت جنه بحيره و هي تعمل انها ستعجز عن فهمها: كنتِ عاوزه تقولي لي ايه؟

اشارت مها بيدها بحماس بينما رمقت جنه سلمى بنظره رجاء ترجوها المساعده فتابعت سلمى ما تشير به مها ثم ابتسمت موضحه: بتقولك، ان عاصم راح الشغل و طلب منها تطمنك عليه.
اختفت ابتسامه جنه تدريجيا، و قبل ان تتراجع تسائلت بحذر: مها. انتِ مخطوبه؟

ابتسمت مها متجاهله ما يصيبها اثر الحديث في مثل هذه الامور و اشارت برأسها نافيه فعقدت جنه حاجبيها اكثر و شعور بالغيره يؤذى قلبها و ان كانت لا تفهمه و لكن لم تغفل عين مها عن تجهم وجهها فابتسمت و نظرت لسلمى مشيره لها ان تخبر جنه عن علاقتها بعاصم فابتسمت سلمى و اعتدلت بحماس فهى كانت دائما ما تغار من تقرب شقيقها و مها و لكنها لا تعد: عارفه يا جنه عاصم و مها بينهم سنه واحده و دائما كانوا يتخانقوا و هما صغيرين...

و قبل ان تردف اشاحت جنه بعينها جانبا مع ليه شفاه غاضبه و هي تتسائل بغيظ واضح: و ليه بقى واضح يعنى انهم بيحبوا بعض قوى!
ضيقت سلمى عينها تتابع قليلا ملامح جنه العابسه و سرعان ما انطلقت ضاحكه متمتمه بخبث: هو عاصم مقالكيش مها تبقى بالنسبه له ايه؟
و تراقصت الشياطين امامها الان فور ان انهت سلمى سؤالها فزمجرت بغيظ: تقصدى ايه؟

عادت ضحكاتها ترتفع حتى لكزتها مها ببعض العنف لتقول و تنهى الامر فتوقفت سلمى و اردفت: عاصم و مها اخوات في الرضاعه.
اتسعت عينها فور سماعها، ابتسامه ساذجه، و هي تمتمت غير منتبهه لسبب راحتها: اخوات بجد؟!

ارتفعت ضحكات سلمى مجددا و هذه المره شاركتها مها و شاركتهم جنه و لكنها تجهمت فجأه فور ان تحدثت سلمى مجددا قائله بحماس اصاب جنه في مقتل و ان كانت لا تدرى بعد السبب: المهم بقى يا مها، انتِ اللى هتقنعى عاصم معايا بما انك الاقرب لقلبه. اتفقنا؟
ألا يحق ان تكون زوجته الاقرب!
لحظه، زوجته!
الزوجه هي السكن لزوجها، اما هى، غربته.
الزوجه هي دفء المنزل، اما هى، صقيعه.

الزوجه هي نصف الجسد، نصف القلب و نصف الروح، و اما هى، كل الوجع و كل البعد.
الزوجه هي الحقيقه. بينما هي مجرد زيف.
زواج بصفقه، تقرب مزيف، و رغبه امتلاك.
هى و هو ابعد ما يكون عن صحيح الزواج.

صرخه عاااااليه، انتفاضه جسد و انكماش ملامح بألم مضنى. انتبهت سلمى و مها بفزغ لصرختها لتتسع عين كلا منهما بصدمه مع شقهه دهشه و استنكار، بينما تلك نجلاء تقف بملامح مستمتعه و هي تستمع لصراخ المسكينه امامها بعدما القيت على قدمها مجرد زيت مغلى ، متمتمه باعتذار واهى: اووووه، انا اسفه مكنتش اقصد.

تساقطت دموع جنه من شده وجعها، لا تتحمل ما تشعر به من الم، حركه سريعه، اسعاف اولى، ركض، توتر و قلق فالامر واضح وضوح الشمس انه عمدا و عاصم ان ادرك هذا لن يمرر الامر بسلام.
بعد قليل كنت جنه بغرفتها تحاول النوم رغم كميه الالم التي مازالت تشعر بها رغم ما تناولته من مسكن.
نظرت مها لسلمى بقلق و اتفقت كلتاهما على اخفاء الامر عن عاصم تماما فالامر ما هو الا حادث عن طريق الخطأ.

الشخص المهم في حياتك، ليس الشخص الذي تشعر بوجوده، و لكنه الشخص الذي تشعر بغيابه.
ابراهيم الفقى
اوراق كثيره من حوله، امضاء هنا، و مراجعه هناك، متابعه صفقه و البدء بأخرى و بين انشغاله هذا ارتفع رنين هاتف المكتب فأجاب بنفاذ صبر ليصله صوت سكرتيرته: في واحده عاوزه تقابل حضرتك، يا استاذ فارس.
و بضيق تمتم: مين!
و جائته الاجابه بعمليه: الاستاذه كاميليا ممدوح شاهين.

ترك ما بيده من اوراق و تمتم بتذكر متحمس: ممتاز، دخليها بسرعه.
لحظات و كانت امامه امرأه كامله الانوثه، الوجه الابيض المستدير، عينان بلون الليل العاتم، و خصلات ناريه تظهر من اسفل حجابها المتحضر كما يقال عنه - ان كان يعد حجابا -، بنطال باللون الاسود يعلوه قميص باللون الاحمر القانى، و بالطبع حذاء كعب يصل 10 سنتيمترات يجعل من لم ينتبه لها ينتبه و بقوه.

لن ينكر انه للحظه تفاجأ و لكنه تجاوز الامر عندما جلست امامه واضعه قدم فوق الاخرى بأرستقراطيه عاليه معرفه عن نفسها بفخر معلله سبب حضورها هي لا والدها: بابا بيمر بظروف صحيه منعته يكمل الصفقه فأنا هبقى هنا مكانه لحد ما نتفق.
فأجابها فارس بتذكر: اه، انا فعلا لما سافرت عرفت انه محجوز في المستشفى تقريبا، للاسف مقدرتش اتعرف عليه، ربنا يطمنك عليه.

عقده حاجب مثيره مع زمه شفاه راقيه و ابتسامه هادئه تبعتها بتسائل و هي تشير اليه بسبابتها: انا شوفتك قبل كده، انت اللى اتقابلنا في فندق شرم. مظبوط؟
نظر اليها لحظه ثم ابتسم بالمقابل متذكرا حادث السياره الذي تعرض له و اجابها بمرح: ايوه انا اللى عربيتك سلمت عليه.
و بملامح جذابه اضافت بصوت رخيم و ما زالت محتفظه برقه ابتسامتها: اوووه، I m sorry، كانت غلطه غير مقصوده خالص.

و مع كم الضغط الذي تسببه هي بكامل رقيها و انوثتها، اغلق عينه لحظه يلعب بمحبس زواجه ليفتح عينه بهدوء متمتما بوضوح عملى: حاليا عاصم مش هيبقى فاضى يومين مثلا، فا ممكن نتقابل بعدها و هبقى ابلغ حضرتك بالميعاد.
و اجابتها لم تتأخر: مفيش مشكله، انا اساسا محتاجه راحه يومين قبل ما نبدأ شغل. ثم نهضت واقفه و بابتسامتها الواثقه تمتمت: اتمنى الشغل يمشى تمام. ثم ضغطت برقه على حروف كلمتها الاخرى: و يعجبنى.

نهض فارس بالمقابل و بابتسامه عمليه مصطنعه اجابها: باذن الله و انا متأكد ان الامور هتبقى تمام.
مررت نظرها عليه من اعلى لاسفل بابتسامه خبيره معجبه و مدت يدها لمصافحته: اكيد مش محتاجه اقول انا قد ايه سعيده بالتعامل معاك.

استند بكفه الايسر على المكتب ليحرك الايمن متلقيا مصافحتها و لكن رؤيته لمحبسه جعلته يتذكر يوم عقد قرانه عندما جاءت احدى صديقات زوجته لتهنئتها و مدت يدها له مصافحه فأسرعت حنين تلتقط كفها هاتفه بمرح: جوزى مبيسلمش على حريم يا دكتوره.
فابتسم متذكرا رد صديقتها: حققتِ شرطك يا مفتريه!
فعقبت حنين بابتسامه و غمزه: هو الاقتضاء بالرسول افترى.

و تعانقت كلتاهما و كانت تلك رساله واضحه له عن رغبتها في هذا الامر منه، لم يدرك ان يده بقيت عالقه في الهواء، و لم يدرك ان الشريكه الجديده مازالت بانتظاره، و لم يدرك انه اخذ وقتا ليتذكر حتى ضمت كاميليا اصابع يدها مبتسمه بضيق مردده: بعد اذنك.
و خرجت قبل ان تمنحه فرصه الرد.
جلس على مكتبه يتنفس براحه فهو يعشق زوجته لا محاله و لكن ان تكون امامه كل تلك الانوثه لهو امرا صعبا حتى على القلب التقى.

لن يتحمل حتى يرويه صوتها، رنين، رنين ثم اجابه و قبل ان تتحدث تمتم بقوه حبه لها: انا. بحبك و الله العظيم.
ضحكه قصيره ثم مشاغبه من تلك الصغيره: طيب ما انا عارفه.
ضحك باستمتاع و هو يستمع لضحكتها: انا اللى عملت كده في نفسى، سلمت ورقى كله بس اعمل ايه بقى حكم القوى.
ضحكتها مره اخرى ثم همس خافت بينما يحاوطها هدوء تام بعدما كانت الخلفيه مزعجه: فارس انا لازم اقفل المعيد دخل.

وافق مسرعا و تمنى لها يوما جيدا و اغلق و لكن قبل ان يفعل ناداها بلهفه: حنين.
همهمت مخبره اياه انها تسمعه فهمس بعاطفه دغدغت مشاعرها: بحبك.
ضحكه قصيره ثم اغلاق الخط لتتركه يبتسم فمنذ ان دخلت حياته حقا و هي سر سعادته.

يوم عمل طويل و شاق، عوده و استقبال من شقيقاته، حوار سريع، سؤال عن بقيه العائله ثم سؤال مباشر عن جنته: فين جنه مش قاعده معاكوا ليه؟
ارتكبت مها ناظره لسلمى لتتماسك الاخرى محاوله التفكير سريعا في كذبه ما لكن قبل ان تنطق كلتاهما خرجت ام على من المطبخ خلفها شذى فأوقفها متعجبا ما تحمله من طعام و تسائل: الاكل دا لمين يا ام على؟
فأجابت شذى بحزن طفولى: لجنه يا ابيه، اصل مأكلتش حاجه من ساعه الفطار.

عقد حاجبيه متعجبا مشككا في ان هذا ليس كل الامر و عبر عن ذلك بأمر: طيب ما تناديها و نتغدى كلنا هنا.
فأجابت ام على هذه المره بعد زمه شفاه متحسره على ما صار بقدم تلك المسكينه: مش هتقدر تنزل يا بنى، خليها فوق ترتاح.
و هنا ثارت اعصابه ليصرخ بهم: يعنى ايه مش هقدر؟ هو في ايه بالظبط!

و مع صمت الجميع و القلق الواضح على وجه شقيقاته، تحرك هو مسرعا للاعلى باتجاه غرفتها، دلف دون استئذان ليجدها نائمه على فراشها تحتضن ركبتيها لصدرها و تتساقط دموعها بشكل متتالى، اقترب خطوتين لينتبه بعدها لقدمها الذي شوهه الحريق نسبيا، جلس بجوارها فنهضت بهدوء فور ان احست به جالسه تمحى ما علق بأجفانها من دموع، اخفى بجداره مشاعر قلقه و تسائل بهدوء ينافى حزنه لاجلها: ايه اللى حصل؟

اشاحت بوجهها عنه فمؤكد انها لن تستطيع الكذب ناظره لعينيه، تلعثمت قليلا و لكنها لن تسمح بحدوث مشكله ما بسببها فابتسمت هامسه: كنت بعمل شاى و وقع على رجلى.
رفع احدى حاجبيه ناظرا لقدمها قليلا قبل ان يعود بنظره اليها يحاول سبر اغوار عقلها ثم بنفس الهدوء و قد بدأ بالتأكد بان امرا سئ قد حدث: دا حرق مايه مغليه؟!

ازدردت ريقها ببطء و اومأت برأسها موافقه، فأخذ نفسا عميقا و تجاوز الامر مؤقتا و تحدث قائلا: عرفت انك مأكلتيش من الصبح، ام على هطلع ليكِ الاكل، اتغدى و بعدين نتكلم في الموضوع ده.

و بحركه مرتبكه لملمت خصلاتها التي يراها هو للمره الاولى، فتابع حركه يدها بابتسامه جانبيه، ابريق العسل يتحاشى النظر اليه، مع بندقيه خصلاتها و حمره خجلها جعلت حصونه تحاصرها باستماته و استمتاع، بينما همست هي متجنبه وجوده بجوارها: انا مش جعانه هبقى أكل بعدين.

و كعادته يستغل كل الفرص بجدراه مال عليها قليلا مع استدعاء اقصى ما يملك من ملامح بريئه رغم بُعدها الكامل عن ملامحه الرجوليه: طيب انا لسه راجع مع الشغل، و جعان جدا مش هتاكلى معايا!
ثم بخبث اضاف و مازال معتقدا انها لم تعرف حقيقه علاقته بمها: و لا انزل اكل مع مها مثلا!

و رغم وضوح رغبته في اثاره غيرتها لم تستطع الا ان تعبر عن ضيقها لاخفاؤه الامر و ايضا لتماديه معها دون التوضيح لها، فصاحت بتهكم موضحه له ما ضايقها: اه طبعا، تجرى تحضنها اول ما تشوفها، تقولها هي الصبح انك ماشى، و كمان سلمى تقول انها الاقرب لقلبك، اما انا فمجرد زوجه بعقد صفقه و على الورق، صح!

و عندما دفعت بتهكمها جانبا رأت من ملامح الاستمتاع على وجهه ما جعلها تلعن لسانها الارعن هذا الذي دائما ما يتحدث بما يضعها في مواقف لا تحسد عليها.
اشاحت بوجهها بعيدا عنه لعله يتجاوز الامر و لكن ابن الحصرى لن يفعل و قد كان عندما اقترب في مجلسه منها ناظرا اليها بتفحص متسائلا بمكر: و ايه اللى ضايقك في كل ده بالظبط!
بللت شفتيها بتوتر واضافت: انا مش مضايقه.

اقترب اكثر مع اتساع ابتسامته الخبيثه شيئا فشيئا مرددا ما قالته: انى حضنتها، و لا انها اللى شافتنى الصبح و انتِ لا، و لا انك عرفتِ انها الاقرب لقلبى.
و مال برأسه قليلا يلتقط ابريقها العسلى ليلقى بسهامه عليه منهيا تعداده: و لا انك مجرد زوجه احتياطيه و على الورق!
يمزح، فهى بالنسبه اليه جنته و يا ليتها تدرك و لكنها لا تدرك.
تعلقت عينها به تنظر لمكانتها بالنسبه اليه من وجهه نظره و حقا بئست.

ابتسمت بحزن خالط عسل عينها و تمتمت بنبره لامست قلبه: انا فعلا مجرد زوجه احتياطيه فا مليش حق اتضايق اصلا يا كابتن.

و ابتعدت بجسدها عنه قليلا في اشاره منها ان يبتعد و لكنه تملك ذقنها محاوطا اياها بحصونه السوداء ليجعلها عاجزه عن الهرب رافعه رايه الاستسلام له و تحدث بحزم: مبدأيا. مها اختى يا جنه، غايبه عنى سنين طبيعى اول ما اشوفها احضنها، و مها فعلا الاقرب لقلبى، يمكن ظروفها كانت السبب و يمكن لانها اكتر واحده بتفهمنى.

رفع يده يلتقط كفها ليضمه بيده الاخرى مبتسما بهدوء موضحا لها حقا ما هي مكانتها عنده: اما انتِ. اذا كنتِ شايفه ان جوازنا صفقه، و انك مجرد زوجه على الورق او احتياطيه زى ما بتقولى فأنا بقى شايف جوازنا ده اصح حاجه عملتها و افضل قرار اخدته في حياتى، فا بغض النظر عن الظروف اللى اتجوزنا فيها او سببها فانتِ بقيتِ مراتى و شيلتِ اسمى و بقيتِ جزء منى و من العليه و انا مش هسمح ليكِ بعد كده تقللى من نفسك لاى سبب كان، مفهوم!

و بينما كان هو يعبر بوضوح لا يخجل منه عن مكنونات قلبه كانت هي تتعجب اشد العجب ان الجالس امامها يحادثها الان و بكل هذا الهدوء هو سياده النقيب عاصم الحصرى!
من كانت تخشى مجرد ذكر اسمه. الان تجلس امامه بهذا الاطمئنان!
من كانت تكره مجرد فكره وجوده بجوارها. الان تعاتبه لاقترابه من اخرى على حسابها!
من كان دائما السبب في بكائها. الان يحنو عليها و يحدثها بلطف!
اى انفصام في الشخصيه هذا!

و العيب منه ام منها ام كلاهما معيب!
بينما هو توقفت الكلمه الحقيقيه التي يود الافصاح عنها على طرف شفتيه تتراجع. هو يعلم انها لم تحبه بعد و لكنها بالتأكيد تعلقت به. يعلم انه لم يمتلك قلبها كاملا و لكنه شغل حيز كبير من عقلها. يعلم انه لم يصبح كل حياتها و لكنه حصل بالفعل على جزء منها. أمن الصحيح ان يبادر هو و الان باحساسه الحقيقى تجاهها ام يتريث!

و مع صمته و صمتها. عينها تتحدث و عينه تلتقط كلماتها، اقتراب، تيه اكبر، و فقدان سيطره على قلب او عقل فقط جسديهما من يتحدث الان، تركت يديه كفها لتحتضن وجنتها لتزدرد هي ريقها ببطء و مشاعرها تتداخل ما بين رغبه و نفور، رضا و سخط و الاسوء بين حب و كره.
طرقات سريعه على الباب انتفض على اثرها كلاهما قبل ان تدخل حنين التي ركضت باتجاه جنه تجلس بجوار قدمها قبل ان تشهق بصدمه: يا الله، ايه اللى حصل؟

رجفه عين و تلعثم و همس خافت فارق شفتيها و مازالت تحاول استيعاب من كان سيصير قبل قليل: انا كويسه متقلقيش، الشاى وقع عليها.
و بنفس رفعه الحاجب المستنكره كررت عباره عاصم: دا حرق مايه مغليه!
و قبل ان تجيبها جنه دلفت كلا من سلمى و مها فاعتدل عاصم ناظرا اليهما متسائلا بجديه: ايه اللى حصل يا سلمى؟
صمتت لحظه ثم اسرعت بالاجابه: كانت بتحمر بطاطس و الزيت وقع غصب عنها.

اغلقت جنه عينها بعدما منحت سلمى نظره تخبرها انها كذبت كذبه اخرى قبل قليل و عباره صريحه روحنا في داهيه ، نظرت لعاصم فنهض واقفا لينظر لثلاثتهم بغضب متسائلا بسخريه: و انتِ ايه رأيك يا مها!
و مع صمتهم ازداد غضبه ليخرج من الغرفه مسرعا بعد ان قال: حسابنا بعدين.
هبط الدرج مسرعا و صوته يعلو بالنداء على ام على التي ركضت مهروله ليسألها مباشره: جنه دخلت المطبخ النهارده!

فصمتت لحظه تتذكر ثم اجابت بثقه: لا يا بنى، محدش من البنات دخل خالص.
داعب جانب فمه بغضب و هو يخمن من الفاعل و لكن لابد ان يتأكد: حد تانى دخل ياخد حاجه مغليه او يعمل حاجه سخنه!
لحظه اخرى ثم اضافت: اه الست نجلاء دخلت بس معرف...
اغلق عينه لحظه يتمالك اعصابه و قاطعها متسائلا و نبرته القويه تجعل ام على امامه تتوتر: كانت بتعمل ايه؟
اجابته بقلق هذه المره: معرفش و الله يا بنى، هي لما دخلت قالت لى اخرجى.

و بزمجره عاليه ارتفع صوته مجددا بالنداء على عمته التي ابتسمت بخبث في غرفتها مدركه انها اشعلت فتيل غضبه الذي يجعله يتصرف دون تفكير و ماذا تريد هي غير هذا و بهدوء خرجت اليه صائحه بلامبالاه: خير يا عاصم بتزعق ليه كده! انا ساكنه في نفس البيت مش في الشارع التانى.
مسح على فمه قبل ان يقترب منها و بحده ساخره تحدث: بما انك ساكنه في نفس البيت اكيد عارفه اللى حصل لمراتى!

شهقه حزن و عقده حاجب نادمه ثم هتفت مسرعه مستدعيه اقصى ملامح الاعتذار الذي لا تكن منه مقدار الواحد بالمائه: انا مكنتش اقصد، غصب عنى يا عاصم صدقنى، اتكعبلت فوقع من ايدى عليها، حتى اسأل البنات كانوا قاعدين و شايفين.

و لانه يسألها فالطبع لم تخبره الفتيات و لذلك اضافت للنار بنزيناً و نجحت بالفعل خاصه عندما استدار عاصم ناظرا اعلى الدرج التي تقف امامه الفتيات مانحا اياهم نظره توعد طويله قبل ان يتسائل و هو يعود بنظره لعمته: و هو ايه اللى وقع يا عمتى؟
و اجابه حزينه: الزيت.
و سؤال سريع عقب به: و انتِ كنتِ هتعملى ايه بالزيت!
و اجابه اسرع كان مخطط لها: ما انت عارف ان رجلى بتوجعنى و الدكتور اللى قالى ادهنها بالزيت.

عض باطن شفتيه محاصرا اياها بسؤال اخر: و الدكتور قالك تدهنى رجلك بزيت مغلى؟
و تلعثم منها فهى اعتقدت انها ستتجاوز الامر ببساطه و لكنها تمالكت و اجابته بمراوغه: قالى اغليه و بعدين اسيبه يبرد.
و خطوه اخرى اليها محاصرا اياها تماما بسؤاله التالى: و هو اللى قالك كمان تستخدمى زيت الطبخ علشان وجعك؟

ارتجفت عينها و هي تعجز عن الرد، ربما تناست انه ابدا لن يمرر الامر بهذا البساطه، و لكن فليكن، سببت الاذى و انتهى الامر و الباقى يسير.
ايه اللى بيحصل هنا؟
كان صوت عز الذي دلف للمنزل في هذه اللحظه لتبتسم نجلاء بخبث و هي تترنح مكانها لتلتقطها ذراعى اخيها قبل ان يساعدها للدخول لغرفتها و ابتسامه انتصار تجد الطريق لشفتيها.

تابع عاصم اختفائها من امامه بارهاقها المزعوم و غضبه يصل حد السماء فتحرك مسرعا باتجاه الدرج قاصدا غرفه تلك الحمقاء التي اعتقدت انها ستخفى الامر عنه، و لم تغفل عينه عن هرب شقيقاته كلا منهما لغرفتها، دلف للغرفه ليجدها جالسه على طرف الفراش بقلق و بمجرد ان اغلق الباب نهضت واقفه لتتألم قليلا قبل ان تجلس مجددا ليصلها سؤاله الحاد: كدبتِ ليه؟

هربت باغلاق عينها عله يتركها و لكنها كانت متأكده انها منفذ غضبه الان و قبل ان ترفع رأسها صرخ بها: ارفعى راسك و ردى عليا يا جنه. كدبتِ ليه؟
و مع صرخته انتفضت هي و رفعت راسها لتجيبه فان كان يسأل فاليعرف الاجابه اذن: كنت خايفه. صمتت لحظه ثم اضافت بهمس: منك.
ارتفع حاجبيه ثم سرعان ما انعقدا مرددا خلفها باستنكار: منى! خايفه منى ليه؟

و بنبره طفوليه يخالطها غضب لعدم ادراكه للامر: علشان اللى حصل دلوقت، اول ما عرفت، فكان افضل حل انى اخبى عليك.
ليهاجمها بغضب: انتِ مخبتيش، انتِ كدبتِ.
لتدافع عن نفسها بضعف: انا مكنش قصدى اكدب ا.

قاطعها مجددا بحزم: بس كدبتِ. ثم اضاف بحسم: و ان اتكررت تانى و كدبتِ عليا و قتها يحق ليكِ تخافى منى فعلا. و اردف بأمر لابد من اتباعه: و اللى يحصل معاكِ اعرفه اول بأول و الا اللى هيحصل منى مش هيعجبك، آمين يا بنت الناس؟
اومأت موافقه بضيق من اوامره المتكرره لها فانهى هو حديثه بصرامه: هقول لام على تسخن الاكل تانى، كلى و نامى.

و تركها قبل ان تجيبه حتى و خرج من الغرفه و الشياطين كلها ترقص امام وجهه و بخطوات سريعه اتجه لغرفه عمته، ليجدها تجلس امام المرآه تبتسم بخبث فأغلق الباب خلفه مقتربا منها، نهضت تنظر اليه بترقب، ثم سرعان ما ادعت الامر مجددا و ترنحت عله يتركها و لكنه كان لها بالمرصاد ملتقطا ذراعيها بيديه الاثنتين موقفا اياها امامه بلا مهرب و هو يتمتم بسخريه: قديمه قوى الحركات دى.

شدد قبضته على ذراعيها لينكمش وجهها بذهول مما يفعله و لكنه لم يأبه و اردف بنبره تهديد واضحه: انا المره دي عامل حساب لابويا...
ثم ضغط على ذراعيها بقوه اكبر فأطلقت تأوه مكتوم و لكنه ايضا لم يأبه و اضاف: بس قسما عظما تقربى ناحيتها تاني مش بس هنسى انك عمتى، انا هنسى انك ست اصلا و هندمك على الساعه اللي فكرتى فيها تأذي مراتى.

حاولت جذب ذراعيها منه و لكنها عجزت من قوه قبضته فتحدثت بمدى ما يحمله قلبها من غل بطبيعتها الساديه: بتعمل علشانها كل ده ليه و انت عارف و متأكد انها مابتحبكش!

مال بوجهه عليها اكثر يضغط كلماته علها تفهم: هي تحبنى، ماتحبنيش، حاجه ماتخصكيش لا من قريب و لا من بعيد، انا بحاول على قد ما اقدر احترم انك عمتى و احترم فرق السن بينا بس مراتى خط احمر، و رب الكعبه لو عرفت انك اذتيها تانى او بس فكرتِ هتزعلى منى جامد يا، يا عمتى.
ثم دفعها و تحرك تاركا اياها و لكنها اعتقدت انها ستلامس اضعف نقاطه بسؤالها: دا انت بتحبها بقى!

توقعت نفى، ثوران و غضب و اه لو تدرك انها لامست اول و افضل نقاط قوته ليستدير و بابتسامه جانبيه يجيبها بصدق غاضب مخالفا توقعها: اه بحبها و جدا كمان.

ثم عاد اليها بعدما رأى اكبر علامات التعجب على وجهها فما كانت تعتقد ابدا ان يصرح عن الامر بهذه البساطه، وقف امامها مباشره ملقيا اخر كلماته: اهلى و جنه اغلى ما في الارض على قلبى، و انا مبحبش حد يغلط في حاجه تخصنى. ثم ربت على كتفها بهدوء مرددا بنبره لن تنكر انها اخافتها: اتقى شرى يا عمتى. اتقى شرى.

و بمجرد ان اغلق الباب تجهم وجهها بغضب لا يقل عن غضبه و لكنها عادت تبتسم بحقد دفين لا مصدر له سوى انها لا تعرف معنى ان تحب احد سواء زوج، اولاد او عائله، و تحدثت ببطء: و الله لوجع قلبك على العيله كلها يا ابن الحصرى، من اول حد فيها لاخر حد و انا و انت و الزمن طويل يا عاصم.

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة