رواية حلم سندريلا للكاتبة علياء حمدي الفصل الثاني عشر
لم ينتبه احد لصدمتها سوى ليلى و عاصم و لكن نجلاء لم تكتفى و اضافت: برافو عليكِ يا ليلى، لعبتيها صح و اللى حصل زمان بيتكرر بتفاصيله.
نجلااااء اسكتِ خالص، مش عاوز اسمع صوتك.
هتف بها عز و هو يدلف من باب المنزل بعدما اتصلت به سلمى التي كانت تتابع ما يحدث من الاعلى بتوجس.
لتستدير له نجلاء متمتمه بسخريه: ليه بقى، هو انا بقول حاجه غلط!
و احتد النقاش بينهم، امين يعنف عز و عبد الحميد يكاد يقتل ليلى، نقلت جنه بصرها بينهم و هي تكاد تفقد عقلها، عائله طالما كرهتهم، نفرت من فكره وجودها معهم، ظلموا والدها و ظلموا والدتها مثلما اخبرها ابيها، عائله ألقت بأولادها دون اكتراث بكيف ستكون حياتهم، عائله لا تعرف معنى احتواء الابن و لا كيفيه معامله الابنه.
و الان تدرك انها منذ اشهر تسكن معهم، بينهم بل و اصبحت زوجه لابنهم!
هربت من الماضى و رغبت بحياه جديده لتجد نفسها مازالت في عمقه و على ما يبدو لن تستطيع الخروج.
تشتت غريب اصابها، كل ما يحدث حولها مُدبر باحكام، مر ما حدث في الاشهر السابقه امام عينها كشريط فيلم، صدمه هاله يوم رأت صوره اهلها، فكره عملها هنا، اهتمام ليلى الغير مبرر، تعامل الفتيات معها بود، هي كانت بيدق في لعبه وضعوها هم.
وضعت يدها على رأسها التي تكاد تنفجر من التفكير و لكن عيني الصقر المسلطه عليها جعلتها ترفع رأسها و تنظر اليه ليتوه عقلها في افكاره مجددا، صحيح فكيف سيرضى الابن الغنى المتعجرف الزواج بخادمه تعمل لديهم!
بينما لم يكن يعنيه ما يصير فقط ينتظر رد فعلها و الذي حاول توقعه و لم يستطع، ملامحها المتردده، عينها الشارده، صدمتها و الاضطراب الواضح من حركه يدها المرتبكه.
فقط لو يعرف ماذا ستفعل!
ماذا ستفعل بعدما وجدت نفسها داخل خطه محكمه و رغم انها البطله الا انها لم تتحرك برغبتها بل كانت كعرائس المسرح يحركونها هم كما يشاؤون!
تلاقت عيناه الحاده و المتسائله بعيناها الضائعه، كانت تبحث عن اجاباتها في حصونه و لكنها لا تعرف السؤال حتى، تبحث عن ردود مقنعه و لكن لشئ يستحيل فيه الاقناع، تبحث عن حقيقه واحده و لكنها تبحث بين الكثير من الاكاذيب.
احتد النقاش بين عبد الحميد و ليلى التي كانت تتوسله ليحاول استيعاب الموقف و لكنه صرخ بها بعنف دافعا اياها عنه: و الله ما يرجعنى عن كلمتى حد واصل، هجتلها يعنى هجتلها.
و انهى حديثه و هو يُخرج سلاحه من جيب جلبابه موجها اياه لوجه جنه التي شهقت بفزع و هي ترتد للخلف لتصطدم قدمها بالدرج حتى كادت تسقط، بينما اتسعت عين ليلى و هي تصرخ به هلعا بعدما رأت عاصم يندفع بجسده ليغطى جسد جنه، لتنطلق الرصاصه.
ارتجفت عين عاصم و هو لا يشعر بأى ألم مما دفعه ليستدير بتوجس للخلف لينظر لجنه التي تجمدت مكانها مع اتساع عينها بثبات لتسير عينه على جسدها يتيقن عدم اصابتها هادرا بها و هو يحاوط كتفيها: انتِ، انتِ كويسه!
مرر يده على جسدها ليزداد يقينا من عدم اصابتها مع ثباتها هذا فنظرت اليه بآليه ثم بدأت رؤيتها تتلاشي وعينها تزوغ و لم تشعر بشئ سوي يديه الملتفه على خصرها تمنع وقوعها.
حركه سريعه، انتفاضه قلب، خوف و ترقب، تفحصها ليلى فلم تجد شيئا، وضعها على الاريكه يحاول افاقتها.
ثم رفع نظره ليجد امين يُمسك بيد عبد الحميد رافعا اياها لاعلى لتنطلق الرصاصه بعيدا لتصيب جوانب احد الجدران ليتحدث امين موضحا: الحرمه دى شايله اسم حفيدى الكبير، يعنى واحده منينا، من عائله الحصرى، و اى دم دلوجت هيبجى تار كبير بيناتنا و باب مهينسدش واصل.
نظر عبد الحميد اليه قليلا ثم عاد ببصره لعاصم هاتفا بأمر لابد منه: يبقى يطلجها و لو فضلت إهنه يوم واحد بعدها انا هخلص عليها و اغسل عار ابوها بيدى.
شهقت ليلى باكيه و هي تصرح عن معرفتها بوفاه شقيقها بانهيار تام و قلبها ينتفض قلقا على ما صار لجنه و ما سيحدث بعد ذلك: ازاى يا بابا بتتكلم بالبساطه دى عنه؟، ازاى مش فارق معاك بنته و عيلته؟، ماجد مات يا بابا، ماجد مات و ساب ولاده امانه ازاى منقفش جنبهم!
اقترب خطوات منها صارخا بغضب اعمى: ماجد كسر كلمتى و خرج عن طوعى، جلل منى و عارضنى علشان حرمه جليله الربايه، اتنازل عن حقه، ورثه، ماله، اهله و بيته و خرج من إهنه و معملش حساب لحد فينا واصل، يبجى عار عليا و على عيلته و ناسه و اهله كُمان مهمش منينا.
ليلي و قد بدي انها فقدت اعصابها و ما تملكه من اتزان و هي تصرخ: اللي انت بتتكلم عليها دي كانت مراته و انت وافقت عليها، جوزتها له، فرحت بابنهم، و بعد اللى حصل تقوله طلقها و مستنى منه يقول حاضر! طيب ازاى يا حاج؟، مكنش يبقى راجل و لا من عيله الالفي ان عمل كده، غلط في ايه هو! غلط لما حافظ على عيلته؟ غلط لما رفض يتخلي عن مراته لاسباب مش مقنعه؟ غلط لما وثق في اهل بيته!
تخطت حدودها و اذهل ذلك الجميع و لكنها فقدت عقلها على ما يبدو من سوء ما يمر بهم و لم تدرك ذلك إلا عندما رفع يده ممسكا ذراعها بقسوه تألمت لها و هو يهدر بها: باااه، اجفلي خشمك عاد، كيف ترفعى حسك بوشى، حرمه جليله الربايه.
ترنحت ليلى ليسندها عاصم و عيناه تنبض بالجحيم و قبل ان يصرخ بادر عز باقترابه منهم هاتفا منهيا الامر بأقل خسائر ممكنه: اهدى يا حاج عبده و ياريت نتفاهم بهدوء.
استندت نجلاء على الدرج مستمتعه لأقصى حد بما يصير مريضه هي بالساديه و كم تعشق الاستمتاع بأوجاعهم، كادت تضحك بملأ صوتها و لكنها تصنعت الحزن هاتفه بضيق و هي تربت بيدها على كتف والدها تُزيد النار نارا: عيب اللى بيحصل ده و الله، عيب.
و هنا لم يتحمل عاصم صمتا اكثر من هذا، ضاربا كل العادات و التقاليد التي لا يؤمن بها عرض الحائط هادرا بالجميع و قد اشتعل عرقه الاسود: عيب! و مش عيب لما تيجوا بيتنا و تتهجموا على مراتي؟ مش عيب لما تغلطوا في امي قدام ابويا و قدامى؟ مش عيب اما يترفع مسدس في وش ناس ملهاش ذنب في شويه مشاكل تافهه؟
رفع سبابته امام عين جده مردفا و عيناه تكاد تنفجر احمرارا و غضبا: اما بقي بحكم انى راجل عسكري و ليا في القانون انا ممكن اسجنكوا دلوقت بحكم التهجم على البيت، التطاول على اهلى و الشروع في قتل مراتى...
و امام ذهول الجميع انهى كلماته بقسوه غير آبه بما يترتب على ذلك: و لو عاوز اعملها هعملها و عليا و على اعدائى.
اقترب منه عز مانعا اياه بحده: عاااااصم.
ارجفت عينه غضبا و عبد الحميد يهتف بصدمه: هتسجن جدك يا عاصم؟ علشان حر.
ليقاطعه عاصم متمتما بثقه: علشان امى و مراتى انا ممكن اسجن نفسى، و صدقنى مش هتردد لحظه انى اعملها.
ضغط عز كتفه فنظر اليه عاصم كاتما غيظه بينما تولى عز حديثه معهم حتى استجاب والده متفهما و رحل من المنزل على وعد بالعوده مجددا فالامر لن يمر ببساطه هكذا.
جلس عاصم على الاريكه بجوار جنه فجلست والدته على مقعد مقابل معاتبه اياه: مكنش ينفع تنفعل كده يا عاصم.
نظر اليها بحده هاتفا بسخط: يعنى انتِ عاوزانى انا اتحكم في انفعالى في حين انك انتِ يا امى معرفتيش!
أه عاجزه خرجت منها و هي تتذكر ما مر بالماضى و كيف طُرد اخيها من هذا المنزل فتنهدت بقوه و هي ترمق جنه بشفقه قبل ان تُعيد نظرها لعاصم لتهتف بارتياح: الحمد لله انها جت على قد كده، و كويس ان محدش اتكلم في تفاصيل جوازك و إلا كانت هتبقى مصيبه لو عرفوا انك اتجوزتها علشان تحميها و ان الموضوع كله اتفاق.
شهقه متألمه صدرت عن جنه التي لم ينتبه احد انها افاقت منذ قليل ليصلها حوارهم كاملا في نفس الوقت الذي دلفت فيه حنين بعد عودتها من كليتها و هبطت سلمى اليهم مسرعه.
نهضت ليلى بترقب و خوف متمتمه: جنه انتِ...
قاطعتها جنه و دموعها تتابع على وجنتها هامسه بصوت مذبوح: كذب.
نهضت عن الاريكه و هي تمر بعينها عليهم واحدا تلو الاخر مردده: كله كذب.
نهض عاصم واقفا مبتعدا عنها قليلا و هو يمسح جانب فمه بغضب مدرك ان وقت المواجهه قد حان، بينما اقتربت ليلي منها و مدت يدها تحاول لمس كتفها و لكن جنه عادت للخلف مبتعده عن مرمي يدها رافعه رأسها بضعف تُردف و نبرتها حملت من عدم التصديق ما زاد الخوف بقلب ليلى: كذب، كل حاجه كانت كذب، كل اللي طنط هاله قالته، كل اللي حكتوه ليا، وجودى هنا و سببه، سبب حبكوا ليا، اهتمامكوا بيا، جوازي، كل حاجه، كل حاجه كذب.
ثم رفعت اصبعها مشيره على الجميع و هي تضيق عينها تتعجب متألمه: مفيش حد فيكوا كان صادق معايا.
اغلق عينه لحظه، يكره الدراميه، يبغض المماطله، و ينفر من العتاب و هي تفعل الثلاثه بل و زاد فوقهم الاتهام، زفر بضيق مقتربا منها في اعتقاد منه انه سينهى الامر و اشاح بيده هاتفا بلامبالاه ادعاها، هي مصدومه، حزينه و تتألم و لكنه لن يسمح لها برد فعل و خاصه انه لا يستطيع توقعها: محدش كذب عليكِ، انتِ مسألتيش و احنا مقولناش و دى كل الحكايه، متديش للموضوع اكبر من حجمه.
و هنا خالفت توقعه، فمن يحاول فقط تخيل ما يحمله قلبها من وجع هو من سيتوقع رد فعلها و لكن من اين لها بهذا و من امامها ما هو إلا انسان بقلب بارد و فكر اعمى، رفعت عينها اليه باستنكار متمتمه: بالبساطه دى!
حملق بها يحاول سبر اغوار عقلها و لكن ما غلف عينها من كراهيه له و تعجب من حديثه فجر براكين كُبتت في صدرها لتنطلق عليهم حارقه صادمه و هي تصرخ بشبه انفعال: انت عارف انا عايشه هنا بقالي قد ايه و معرفش حاجه، عارف كل مره كان نفسى احكى لحد عن حاجه واجعانى او مضايقانى كنت بفكر ازاى!، ما فكرتش مره انا ممكن اكون حاسه بإيه!، نفسى في ايه!
ابعدت نظرها عنه لتحدق بالارض قليلا قبل ان تهمس بصدمه و دموعها تهرب معبره و لو قليلا عن وجع اضنى روحها و ارهقها: انا كنت مجرد مربيه.
رفعت عينها اليه بخزى و مهانه و هي تشعر بنفسها ذليله و ان لم يكن جديد عليها: عارف يعنى ايه؟ عارف يعنى ايه مكنتش قادره استوعب كميه الحب دى لانى شايفه انى مستهلهاش لانى مجرد مربيه!، يبقى نفسى اخرج، اسهر، اقعد و اتكلم معاكوا بس بقفل على نفسى و اقول انتِ هنا مجرد مربيه!، عايشه بخوف انى يجى يوم و تطردونى او تزهقوا منى و ابعد عن البيت اللى لقيت فيه جزء من حياتى.
اشارت اليه بسبابتها المرتجفه متذكره مواقفه الغليظه معها و همست بانكسار مزق قلبه: عارف كام مره كان نفسى اشتكى لمامتك منك بالذات، من قسوتك و غرورك و كسرك ليا كل مره و التانيه بس بخاف تطردنى ما انت ابنها و انا هنا مجرد مربيه!
حملت عينها من تساؤلها بقدر ما حملت من اقرار و هي تنهى كلامها: الموضوع بسيط صح؟
رفعت عينها لليلى قليلا ثم اضافت بهدوء و هي تطأطأ رأسها: و دلوقت طبعا و بعد كل اللى عملتوه علشانى انا مينفعش اتكلم، لمتونى من الشارع، قدمتوا ليا بيت، صرفتوا عليا، اكل و معامله كويسه، ازاى اتكلم بقى انا المفروض افضل اشكركوا لاخر عمرى!
ربت عز على كتف ليلى لتتمالك اعصابها فالصغيره تحتاجها فاقتربت من جنه ترفع رأسها اليها تعتذر بنظراتها قبل ان تفعل بكلمات مفعمه بحنانها: سامحينى يا جنه، انا خوفت ترفضى تبقى وسطنا، خوفت اخسرك و اخسر الحاجه الوحيده اللي باقيه من اخويا الوحيد.
انتفض جسد جنه و هي تبكى روحها التي شعرت بها رخيصه و ابتسمت بانكسار متسائله: علشان كده حبتينى! علشان بفكرك ببابا! علشان انا بنت اخوكِ الوحيد!
نفت ليلى برأسها مسرعه و لكن ابتسامه جنه اخبرتها انها لن تُصدقها و معها كل الحق، فاين الحقيقه من كل هذا الخداع و من ستخدع هي بالفعل احبتها لانها ابنه اخيها، و لكن الامر تغير، تعاملت معها، رأت ضحكتها، براءتها، هدوءها و طفولتها لذلك احبتها كبناتها و اكثر.
اقتربت سلمى من جنه هاتفه بها و هي تتمسك بتمردها المعتااد: يعنى ايه حبناكِ علشان ده بس! لا طبعا، و على فكره بقى احنا مكناش نعرف إلا يوم ما اخوكِ جالك هنا يعنى احنا حبناكِ لانك جنه، جنه و بس.
ابتسمت بتهكم و هي لا تصدق ما يُقال فمن اين لها بتصديق، ابتعدت عنها خطوه للخلف هاتفه: انا همشى من هنا.
و قبل ان تستدير وجدت يده تقبض على معصمها لتردعها صائحا بعنف بجوار اذنها غير آبه بشعورها فإن كلفه الامر بُعدها سيحاربها و يحارب نفسه و مهما فعلت لن تبتعد، لن يسمح لها: واضح انك نسيتِ انك مراتى، اعقلى الكلام قبل ما تنطقيه لان مفيش خروج من البيت ده.
حاولت جذب يدها من يده و ان كانت ستبقى فهو اكثر الاسباب مانعا لها و ابدا لن تظل هنا بعد كم ما صفعتها به هذا الاكاذيب: انت ملكش ح...
ضغط معصمها بقوه للتأوه متألمه و هو يردد بقسوه ليعاودها شعور الخوف يُغلف عينها، روحها و قلبها: قولت ليكِ اعقلى الكلام قبل ما تنطقيه، علشان واضح انك هتغلطى و هتزعلى منى.
و أمل جديد انار روحها للخلاص من هذا كله فاستدارت بلهفه تصرخ به ليتركها: أكرم مش هيسمح بده، انا ه...
صمت منها، تفكير سريع، ربط الاحداث ثم استنتاج قصم ظهرها، اجتماع العائله يوم رأته، اجبارها على الزواج، سرعه الزواج، حديثه معها عن خوفه عليها، رغبته في الاطمئنان عليها، اطمئنانه لوجودها هنا، شعور قاسى، كسر جديد و دمعه هاربه و هي تسأل عاصم و عيناه ترجوه النفى: اكرم، اكرم عارف؟
و مع ارتجافه شفتيها تركت اصابعه يدها و غضبه يختفى تماما، وجعها مزق قلبه، ألمها افقده اتزانه، و دموعها زلزلت كيانه.
هو لا يريد سيطره او سطوه، هو ليس بمالك و هي ليست بجاريه، هو فقط و فقط يحبها.
من يتألم لالمها يحبها، من تضنيه دموعها يحبها، من مس انكسارها رجولته يحبها.
هو فقط يحبها...
مع صمته نقلت هي بصرها لليلى التي اشاحت بعينها عنها، بينما تقدم عز ليقف امامها لتتطالعها عيناها بأمل ان ينفى و لكنه حطمه متمتما بهدوء: ايوه يا جنه عارف.
تمالك عاصم نفسه و وضع يديه يحاوط كتفيها فانتقلت عيناها اليه بآليه فهتف بتوضيح: اكرم حاول يقول ليكِ و انتِ رفضتِ تسمعيه، كل حاجه حصلت كانت علشانك، و علشان بس تبقى وسط اهلك و مع كل الناس اللى بيحبوكِ.
فتمتمت بكلمه واحده قبل ان تدفع يده عنها: كمربيه.
تحركت للاعلى و اعين الجميع معلقه بها بحزن، دائما ما تأتى رياح الحقيقه محمله بالوجع، و لكن ان كان معرفتها كسرٌ فبها سيكون الجبر.
سلام على الحب يوم يجئ، و يوم يموت و يوم يغير اصحابه.
محمود درويش
كعادته يدفن نفسه بين طيات اوراق صفقات و معاملات، رؤيه تصاميم جديده، مراجعه بعض الملفات، التجول في المواقع و الاشراف على بعض الاعمال.
يقضى مازن يومه ما بين عمله الذي ينتهى عندما يصرخ جسده ألما، و بين ليله الذي يجافيه النوم فيه لتشتعل نيران افكاره تحرقه حرقا.
كيف يتهشم كل ما بناه طوال السنوات الماضيه بهذه البساطه!
كيف يخسر ما يريده بحلقه ذهبيه من اخر حول بنصرها!
كيف يفشل في تحقيق حلما من احلامه و دون ان يحاول فيه حتى!
لم يعتاد الفشل، لم يعتاد الخساره و ابدا لم يعتاد وجع القلب هذا.
حركه غريبه بالخارج اثارت تحفظه و هو يستمع لصوت ضحكات مكتومه نسائيه و الاسوء رجوليه، نهض عن مكتبه، خطوات سريعه، فتح الباب، تسمر، يقابله ارتباك من هبه التي اختفت ضحكاتها فور رؤيته و تعجب من معتز الذي تفاجئ به، ضم قبضته بغضب، و هو ينقل بصره بينهم بضيق و قد اشعل الامر نار غيرته قبل ان يتمتم بدهشه: معتز! انت بتعمل ايه هنا!
ضحك معتز و هو يقترب منه مصافحا قبل ان يسأله نفس سؤاله متعجبا هو الاخر، شرح بسيط من مازن عن عمله هنا، ترحاب شديد ثم اجابه جعلت البقيه الباقيه من عقل مازن تختفى: انا جاى اعاكس مراتى شويه يا سيدى.
و مع احمرار وجنتى هبه و معتز يحاوطها بنظراته المشاغبه عبر مازن عن صدمته هاتفا باستنكار: مراتك!
هبه متزوجه يؤلمه هذا و لكن فاليكن. لن تكون له يضنيه الامر و لكن حسنا. ستكون لغيره و يتعذب لذلك و لكن سعادتها فوق كل شئ. ستصبح لرجل اخر و هذا يحرقه حرقا و لكن مجبرا سيتحمله. لكن ان يكون ذلك الرجل هو معتز، هذا ما يعجز عن استيعابه قليلا و خاصه لفتاه مثل هبه. كيف تكون ملتزمه مثلها لشخص لعوب مثله؟
أين كان عقلها عندما وافقت؟
بل بماذا فكر معتز عندما تقدم لخطبتها؟
يرى انها الزوجه التي يستطيع الوثوق بها بعدما انهي مغامراته العديده، ام يري انها الحسنه وسط مجموعه سيئاته، أم يري فيها التوبه بعد كل ما فعل من ذنوب؟
افاقه من افكاره صوت معتز و هو يستند بيده على كتفه هاتفا بصوت عالى نسبيا: اييييييه يا بني روحت فين!
عقد مازن ما بين حاجبيه مبتسما ثم بادر بضيق لم يستطع اخفائه: على فكره استراحه الغدا خلصت و المفروض تسيب المدام تشووف شغلها.
و بعبث معتز المعروف و جرأته المعتاده صرح بمزاح و هو يغمز هبه: طيب ما تسيبنى انت اشوف شغلى مع المدام.
اندفع مازن يبتعد عنه بينما احتدت عين هبه و هي ترمقه بعتاب على وضعها في موقف كهذا خاصه عندما صرخ مازن و لو انه غير محق في انفعاله هذا: معتز، احنا في مكان شغل الكلام ده مينفعش هنا، و لا حتى ينفع تقوله قدام حد اساسا.
طالعه معتز بسخريه مردفا بلامبالاه: خلاص يا عم متكبرش الموضوع. ثم عاد ببصره لهبه و اكمل بسخط: همشى انا لان واضح ان الشغل مستعجل، هكلمك بالليل.
و بمجرد خروج معتز استدار مازن لها باندفاع لم يعتاده في نفسه: هو الفرح اتحدد!
نظرت هبه اليه بحده متمتمه: افندم!
تعجُل منه و اندفاع هتف بها يمنعها: بلاش يا هبه، مش معتز الى هيحافظ عليكِ، بلاش تبقى واحده ضمن كتير، انتِ حاجه تانيه، صد.
و قبل ان يردف رفعت اصبعها بوجهه موقفه اياه تصيح بغلظه فهى ابدا لن تسمح لاحد ان يتدخل في حياتها بل و يتحدث عن زوجها بهذا الشكل: مبدأيا انا مطلبتش رأى حضرك، ثانيا زى ما حضرتك قولت احنا هنا في مكان شغل لا احنا في الجامعه و لا واقفين نتصاحب، ثالثا انا مسمحش انك تتدخل في حياتى بالشكل ده و خصوصا ان الامر لا يعينك في حاجه، واخيرا بقى ياريت حضرتك متنساش انك هنا مديرى و بس و مش مسموح لك بأى حاجه تانيه يا بشمهندس.
هم بالتحدث و لكنها انهت الحوار تماما عندما هتفت: انا عندى شغل، بعد اذنك.
تصاعد غضبه و خاصه انها محقه في كل كلمه و لكنها لا تعرف، الحمقاء لا تعرف انها لن تكون سوى صفحه جديده في كتاب مغامرات زوجها، ورده زاهيه في بستانه الواسع، ماسه جديده سيكسرها غير آبه بقيمتها، الحمقاء لا تعرف و يا ليتها تعرف.
و بهذا هي وضعت النهايه لكل احلامه بقى ان يشاهدها فقط.
مجرد كلمات و لكن ازالت الغشاوه عن عينه و جعلته يدرك جيدا ان التي امامه ليست حلمه الذي كان يبحث عنه و يسعي اليه و لكنها امرأه رجل اخر، مجرد كلمات و لكنها جمدت مشاعره و حجرت قلبه ليدرك جيدا ان حبه كان وهم، كان سراب و حان الوقت ليتلاشى. مجرد كلمات و لكنها جعلته يدرك جيدا ان اخر صفحات كتاب حبه انطوت بل تمزق الكتاب بأكمله ليصبح خاويا تماما.
حلقه فضيه حول اصبعه هي الرابط الوحيد بينهم، لا يوجد حب، تعلق، احترام، تقدير او حتى موده.
جنته الصغيره ترفضه جمله و تفصيلا، لا تحبه مثلما يفعل، لا ترغبه مثلما يحترق هو رغبه بها، لا تهتم بقربه بقدر ما يتلهف هو لقربها، و هل هناك اقسى من ان يبحث عن الحب في اكثر القلوب كرها له.
ابتسامه جانبيه، اتصال سريع، رنين، رنين ثم اجابه بترحاب صادق من الطرف الاخر قابله عاصم بأخر مثله متمتما: كان بينا رهان يا جمال باشا.
قهقه عاليه وصلته ثم سؤال صريح منه عن النتيجه فشرد عاصم ببصره هامسا: تحب العزومه تكون فين!
ضحكات متقطعه و رنينها يدق طبول الهزيمه بقلب عاصم حتى سخر العميد منه بود حقيقى بينهم متسائلا عن صاحبه النصر الاكبر بحياه سياده النقيب عاصم الحصرى فعاد عاصم يهتف ضاحكا هو الاخر: مراتى.
تعجب ثم تأنيب و عتاب و صل حد الصراخ عليه لعدم اخباره قابله عاصم بتوضيح بسيط عن مرور الامر بسرعه نسبيه جعلته بعيدا عن التفكير في اى اعدادات دون توضيح شامل للاسباب، قابله العميد بالتهانى و التعبير الصريح عن فرحته ثم مكافأه خاصه للعريس بأجازه رسميه، ابتسم عاصم بتهكم فأى اجازه يحتاج الان و لكنه لهنا و لم يصرح فقط تقبلها بصدر رحب.
هرج و مرج و صوت عالى بالخارج جعله يُنهى اتصاله مسرعا لينهض و بمجرد ان فتح الباب و جد كوثر تجاهد لتدلف اليه بينما كبلها الامن مانعين دخولها فاستند بجذعه على الباب ناظرا اليها من اعلى لاسفل بابتسامه جانبيه و هو يعقد ذراعيه امام صدره متسائلا بهدوء متعجب رغم معرفته الاجابه: في ايه!
قبل ان يتحدث رجل الامن هتفت هي متوسله: لازم نتكلم، و الله ما هاخد من وقتك كتير.
اتسعت ابتسامته مشيرا للامن بعينه ليتركوها و لحظات و كانت امامه منتظرا حديثها و بمجرد ان تحركت شفتاها و اندفعت تتحدث اوقفها بيده في سخط متسائلا: تحبى تشربى ايه! انا بقول ليمون، بيهدى للاعصاب.
امتدت يدها لحقيبتها و اخرجت عده مستندات و هتفت و هي تضعها امامه بلهفه: الورق اهه هوقع عليه و هكتب تنازل عن حقها كله، و كل اللى انت عاوزه هعمله.
ثم اضافت بتوسل: بس كفايه، ارحمني انا كده هتسجن دا ان ماتقتلتش قبلها، انا عندي بنات و مش مستغنيه عن حياتي، اناا غلطت، الله يخليك كفايه.
اتسعت ابتسامه عاصم و عاد للخلف ليستند بظهره على الكرسي و يدور به بهدوء متحدثا ببطء يدرك تأثير كلماته جيدا: بس انا مش عاوز كل ده تقدرى تحتفظي بيه و افرحى زى ما انتِ حابه.
ثم توقف عن الدوران و نظر لعينها غامزا: تقدري تحتفظي بالشركه اللي تعبتِ فيها، بصراحه ميهنش عليا اخدها منك.
استدارت اليه بكامل جسدها مسرعه لتصرخ برجاء تلذذ هو به: انا مش عاوزه حاجه، لا فلوس و لا شركه، انا هاخد ولادى و امشى من البلد دى خالص، كفايه الله يخليك و ابعد عنى، انا هرجع لجنه كل حاجه.
استند بمرفقيه على المكتب امامه ناظرا لعينها بقمه غضبه و هو يخبرها بوضوح انها ابدا لن تستطيع اعاده ما سلبته و الذي كان معنويا اكثر منه ماديا: لو هتقدرى ترجعي عمرها و تعامليها كأم، لو هتقدري تخليها تكمل دراستها و تبقي دكتوره قد الدنيا، لو هتقدري ترجعي بالزمن و تعيشيها ملكه وسط خير ابوها، لو هتقدرى تمحى خوفها و ترددها اللى سكن عينيها، لو هتقدري تردي ليها كرامتها اللي اهنتيها لما ضربتيها قدام كل اللي في المؤتمر، لو هتقدرى ترجعي لها كل ده انا هبعد عنك.
كادت تنهض لتقبل قدمه مصرحه بعجز: لا مش هقدر، مش هقدر اعمل كل ده، بس مش هقدر اتحمل اللي انت بتعمله، انت طلبت مني ورثها و انا رفضت و دلوقت جيت ارجعه لها، عاوز منى ايه تانى!
داعب جانب فمه بخبث و هو يعدد لها ما فعله بها ساخرا: الشركه بتنتهى، خسرتِ رصيد البنك، بغباءك 55 % من اسهم الشركه طاروا من ايدك، عليكِ وصلات امانه توديكِ في ستين داهيه، و اكتشفت كمان ان البيت مرهون، و كل ده في يومين ما بالك لو استنيتِ اكتر متخيله انا ممكن اعمل فيكِ ايه؟!
نهضت مقتربه منه و كادت تُمسك يده فهو بحق انهاها، انهى كل ما شيدته، تأمينات، ضرائب، مصائب، شركات مزيفه، عقود وهميه، اجاد تدميرها كما وعد حقا: انا جايه لغايه عندك اترجاك و مستعده ابوس ايدك علشان تسامحني و انا عارفه و متأكده انك تقدر تحل كل ده في نص يوم مش يوم حتى.
مرت عينه عليها من اعلى لاسفل باشمئزاز منهيا الامر بما يراه منصفا حقا: انتِ مغلطيش فيا، لو عاوزانى ارحمك فعلا يبقى تعتذرى للى غلطتِ فيها.
عقدت ما بين حاجبيها تستوعب ما يرمى اليه حتى فعلت فأغلقت عينها لحظه ثم اخذت قرارها صارخه بحرقه و غضب: موافقه، موافقه.
بكل عنجهيه نهض ناظرا للنافذه معطيا ظهره اليها متمتما: حلو قوى، هتصل بيكِ بس امتى بقى دى وقت ما يجيلى مزاج.
ثم اشار بيده على المكتب دون ان يلتفت و تحدث آمرا: وقعى الورق و امشى.
نظرت لظهره لحظات بتوجس متمتمه بتفكير فيما ينوى عليه: بس ان...
نقر بأصابعه على الزجاج امامه هامسا بصوت اقوى من الرعد في قوته رغم هدوءه: كلمه زياده و هقولك خدى الورق و ورينى جمال خطوتك.
و بدون كلمه اخرى، فتحت الاوراق، القلم بيدها يرتجف، قلبها يرفض و عقلها يحذرها دخول في صراع مره اخرى امامه، و بالنهايه رغم الغضب، الخزى و الذل التي شعرت به، زيلت الاوراق بتوقعيها ليُرد الحق لصاحبته و ان كانت لا تعلم شيئا.
وضعت القلم فوق الاوراق بقوه نسبيه فأشاح بوجهه للجانب هاتفا: الباب مستنيكِ.
هزيمه ساحقه لها و نصر محقق لسياده النقيب، ماذا كانت تنتظر من الوقوف بوجه القرصان الاول، صاحب القلب الحجرى، لا مجال لشفقه و لا تهاون فقط يسعى للامر و ببساطه يحصل عليه.
بمجرد خروجها اتصل عاصم بمحاميه الخاص ليتحقق من سلامه الاوراق و قد كان، اخرج هاتفه، اتصال. رنين لم يكتمل ثم اجابه و دون تحدث هتف آمرا بسيطرته المعهوده: انقل الاسهم بإسم جنه ماجد عبد الحميد الالفى، حط الفلوس اللى اتفقنا عليها بحساب باسمها في البنك، و هات ورق الصفقات علشان نخلص من الموضوع ده.
ثم انهى حواره بأخر آمر له: و كوثر متغبش عن عينك لحظه و اى جديد يوصلنى.
يرى كلا منا مواقف الحياه بمنظوره الخاص.
لا شئ ثابت فقط الامر نسبى و يتدرج ما بين خطأ و صواب، يُحتمل او فاق الحد، مقبول او هو الرفض ذاته.
لا يرى احد ما يراه الاخر و نادرا ما يتقبل احدهم ما يقوله الاخر.
يُقال كثيرا اختلاف الرأى لا يُفسد للود قضيه و صدقا هو لا يُفسد القضيه و لكنه ينهى الود و يمحيه حتى لا يبقى هناك قضيه.
هناك نوعين من البشر احداهما تعلم كيف يواجه ما يقابله من صعاب، مصائب و هموم لا يرى لها حلا و لكنه ان اضطر سيخترعه، و الاخر تعلم كيف يهرب، يفر و ينسى او ربما يتناسى ما مر، يمر و سيمر به و ان كلفه الامر الركض من حال الى حال و التعثر في مطبات يجد في نفسه القدره فقط على الهروب منها.
أيهما يشعر بالراحه؟، لا احد.
أيهما يشعر بالحياه؟، لا احد.
أيهما يعيش الحياه؟، لا احد.
فلا يمكن ان تكون المواجهه هي الحل الامثل دائما و لا يصبح الهروب الخيار الافضل عاده.
فا بمزيج من هذا و ذاك تكتمل حياه.
حياه كانت ابعد ما يكون عن رأسها و رأسه فهو عاش و يعيش بغضبه و هي كانت و ستظل تهرب.
و كأنه كُتب عليهما أن يظلا خطين متوازيين لا يقتربا و لا يتحدا مهما كان و مهما صار.
طاوله الطعام، اجتماع العائله، صمت، سكون ثم زفره و سؤال خشن بنبره قويه و مسيطره كعادته: لسه مخرجتش من اوضتها برده؟
تركت ليلى ملعقه الطعام من يدها هاتفه بحزن: لا و مابتردش على حد و لا عاوزه تكلم حد.
منذ الامس مساءا و خاصه بعد معرفتها الحقيقه و حتى اليوم و ها قد حل المساء لا يراها احد، ترفض الخروج من غرفتها، التحدث، الشرب و حتى الاكل.
تطوعت شذى ناهضه لتهتف بضيق: انا هحاول اخليها تنزل تتغدى معانا.
و تحركت مسرعه للاعلى طرقت الباب لم تجد اجابه، مره اخرى لا اجابه وضعت يدها على المقبض معتقده انغلاقه كمساء الامس و لكنها وجدته مفتوحا، دلفت تنادى باسمها و لكن للاسف لا وجود لجنه بغرفتها.
صراخ من شذى، ركض الجميع، تعجب، بحث عنها، قلق، تفكير، ثم اتجه عاصم لخزانه ملابسها يفتحها متوقعا ما فعلته، و قد كان عندما وجده خاليا إلا من حلقتها الذهبيه و ورقه صغيره بها كلمه واحده اسفه .
صراخ و غضب منه، قلق، ارتباك الجميع، ماذا ان اصابها مكروه، ماذا تفعل و اين ذهبت؟
ماذا ان كانت بحاجه اليهم؟ ماذا ان كانت تحتاجه هو!
جن جنونه و هو يتخيل مكروهاً ما اصابها، ارتفع صراخه غضبا عليها و حاول والده تهدأته و لكنه كان ابعد ما يكون عن الهدوء الان، اخرج هاتفه، اتصال سريع، رنين، رنين ثم اجابه بصوت ناعس ليصرخ عاصم به: اكررم.
انتفض اكرم على صوته ثم سؤال سريع من عاصم ليصله اجابه نافيه، مستنكره ثم سرعان ما اصبحت قلقه ليستعد مسرعا ذاهبا اليهم.
انتفض قلب الجميع قلقا و عاصم حقا لو رأها الان لن يكفيه حرقها حيه، هاتفت ليلى هاله و بمراوغه استفسرت بهدوء دون اثاره قلقها هي الاخرى لتجد الاجابه بالنفى ايضا.
و هنا تذكر عاصم زهره و علاقه جنه الوطيده بها فقرر سؤالها و قد كان، ساعات تاليه و كان يقف امام منزل زهره بعد عناء الطريق و في مثل هذا الوقت من الليل.
انتفضت زهره و توجس قلبها خوفا من ان تؤذى جنه نفسها و لكنها لا تستطيع فعل شئ، و اخذ هو اجابته المنفيه و خرج كالثور الهائج من منزلها، يدور بسيارته في انحاء البلد، يفكر، يقلق و الاسوء يخاف.
تلك الحمقاء جعلته يُدرك جيدا معنى الخوف.
عاد للمنزل بعد صلاه الفجر و قد قرر ان يكون اول خطواته صباحا هو قسم الشرطه حتى و ان كان مدركا ان حمقائه الصغيره رحلت بارادتها.
كان اكرم عاجزا تماما عن تمالك اعصابه التي انهتها جنه بفعلتها حتى قطع توترهم صوت هاتف عاصم ليلتقطه مسرعا ليستمع للطرف الاخر و التي لم تكن سوا زهره التي اخبرته بما وجدته طرف خيط او ربما هو نهايته: جنه قالت لي قبل كده انها لو سابت الشغل في بيتكم هترجع على بيت اهلها، شوفها يا ابنى يمكن تكون هناك.
و كومضه امل تحرك مسرعا رغم ضوء الصباح الذي لا زال بأوله، مع اعتراض والده، قلق والدته و خاصه بعد ان اخبره اكرم عن عنوان منزلهم القديم و الذي يبعد من يقارب الاربع ساعات و لكنه لم يأبه رافضا ان يصطحب معه احد مقررا انه لن يعود الا و هي معه اى كان ما سيفعله لاجل هذا.
تمنحنا الخساره الفرصه احيانا لندرك قيمه البعض في حياتنا، يقتلنا الندم على ما فات و يدفعنا الشغف لنحسن ما هو اتٍ.
هى اختارت الهروب و هو اختار مواجهتها.
اختبأت في حضن خوفها و فتح الصمت لها ذراعيه عندما ادركت ان لا احد سيفهم شعورها.
محقه هي ربما و لكن أن تكون جاهله بمشاعره، مؤذيه له، و قاتله هذا ما لا سيتقبله ابدا.
عاصم الحصرى لا يرضى بالخساره و ان اعتقد يوما ان الحب للضعفاء فقد اخطأ فالحب لا يكون ابدا لضعيف.
حبه يستحق، هي تستحق، حياه له بها تستحق، تستحق ان يحاربها، شخصها، خوفها و هروبها ليفوز بها، ليدخل قلبها، ليُعيد وضع الامور في ناصبها الصحيح، ليعيد الامر لبدايته و يمحى ما اخلفه فيها من ندوب يدرك انها لن تُمحى بسهوله، الامر يستحق ان كان نهايه الطريق هى.
ولكن اولا عقاب، عذاب و درس صغير لما فعتله به، لما سبتته له من قلق و خوف يغضبه، لما تجرأت عليه رغم كلمته الحاسمه، لتعرف ان كلمه ابن الحصرى هي الاولى و الاخيره و لا حديث بعدها.