قصص و روايات - روايات صعيدية :

رواية جلاب الهوى للكاتبة رضوى جاويش ف4 غجري

رواية جلاب الهوى للكاتبة رضوى جاويش كاملة

رواية جلاب الهوى للكاتبة رضوى جاويش الفصل الرابع
بعنوان ( غجري )

انتهت دلال من معاينة النسوة جميعهن و ما ان همت باغلاق باب حجرة الكشف الخارجية حتى طالعها مناع على عتبتها يسألها في لهفة على حال زوجته:- معلش يا داكتورة بس سؤال كِده .. ايه اخبار مرتى ..!؟.. تماام ..
ابتسمت دلال لاهتمامه هاتفة:- اه يا مناع ذي الفل .. قربت خلاص كلها حاجة بسيطة و تدخل الشهر التاسع ..
هتف مستفسرًا:- يعنى كل حاچة تمام .. طمنينى يا داكتورة .. اصلك كانت هتروح فيها النوبة اللي فاتت..

اتسعت ابتسامة دلال هاتفة:- متقلقيش .. لحد دلوقتى كل حاجة تمام .. بس الظاهر ان سعدية حظها حلو انها اتجوزت راجل بيعزها و خايف عليها كده !..
وللمرة الأولى ترى مناع الذى يشبه الأسد الجسور ببنيته الضخمة و شاربه المفتول أشبه بقط أليف مع تلك الابتسامة الخجلى التي ارتسمت على شفتيه ليجيب هامسا:- معلوم يا داكتورة .. لو مكنتش اتچوزت سعدية مكنتش هتچوز غيرها ..
ردت دلال في سعادة ضاحكة:- يا بختك يا سعدية ..

أكد مناع:- و الله يا داكتورة اني ما كنت عايز عيال تاني .. الحمد لله على اللى چابه ربنا .. بس هى .. اعمل ايه ف دماغها .. عايزة تفرحني و تچبلي الواد ..
هتفت دلال:- باذن الله خير و ربنا يرزقكم باللي تتمنوه ..
رفع مناع يديه و ناظريه للسماء متضرعا:- يااارب ..
وهنا انتفض مناع في مكانه عندما تهادى لمسامعه نداء عفيف بيه باسمه ليهتف مسرعا اليه:- نعم يا عفيف بيه .. جاى حلا اهاااا ..

و اختفى بلمح البصر من أمامها لتبتسم هي و تدخل غارقة في افكارها.. و ما لابد لها من فعله لتبدأ النساء هنا في ادراك الحقائق العلمية و التي مفادها ان الرجل هو المتحكم في نوع الجنين و ليس هن .. لكن كيف لها ذلك؟ .. ذلك ما اخذ منها جل وقت بعد الظهيرة ..

حاولت النوم قليلا لكنها لم تستطع .. تشعر بالملل الشديد هاهنا .. لاتجد ما يشغل وقتها بعد انقضاء فترة الكشوفات الصباحية .. بعد ذلك يصبح اليوم طويلا و مملا ..
تنهدت في ضيق و هي ترتدي تنورتها و بلوزتها و وضعت حجابها على رأسها بإهمال فهى على ايه حال لن تخرج خارج حدود المندرة و ستجلس بالأسفل قليلا ..
دارت حول البهو الواسع تتطلع الى أثاثه القديم القيم و تفتح الأدراج لعلها تجد جريدة او مجلة ما تطالعها .. لكنها و لحظها الحسن وجدت مذياع كبير الحجم حملته في سعادة داعية الله ان يكون غير معطل ..

بدأت في تشغيله ليصدح بالأنغام .. صفقت بيديها جزلا .. و بدأت تتمايل بفرح مع الأنغام الرقيقة المنبعثة من الجهاز .. أخذت تدور في البهو الواسع تضئ أنواره واحدا تلو الاخر لتسطع القاعة بنور مبهر يجعلها أشبه بقاعات الحفلات الكبرى .. جذبت احدى الوسائد الموضوعة على احد المقاعد وأغمضت عينيها لتسرح بخيالها كالعادة و تحلم بأنها تراقص ذاك الفارس الذى حلمت به دوماً ..

استدارة و أخرى بتنورتها الواسعة و حماسها للموسيقى جعل حجابها الواهن الاستقرارعلى رأسها يسقط دون ان تنتبه و هى التي كانت تركت شعرها الغجري منسدلا بعد ان مشطته لها الخالة وسيلة ككل ليلة .. شعرها الذى كلما كانت تهم بقصه تتراجع في اللحظة الأخيرة عندما تتذكر ان ابيها كان يحبه طويلا و غجريا هكذا .. لم تحظ بشعر ناعم مسترسلا كأمها و كان هذا الامر يثير ضيقها فكانت تكره ذاك الشعر الذى يشبه أمواج البحر في ليلة ظلماء بلا قمر ..

أخذت تدور و تدور و كأنها تفرغ شحنات الغضب و التوتر و القلق و الأرق الذى يعتريها لعلها تهدأ بعدها و تنام .. و صورة اخيها الان امام ناظريها و لا تعرف ما سيكون مصيره لو ظهر فجأة و معه اخت ذاك المسيطر الذى لن يقبل بأى عذر مهما كان لما حدث ..
و للحقيقة هي لا تلومه مطلقا .. فماذا ستكون ردة فعل نديم ان قامت هي بذاك الفعل المشين ..!؟..

عند هذا الخاطر استفاقت متأوهة فلابد ان افكارها جذبتها و لم تنتبه لتصطدم بباب المندرة الرئيسي .. لكن الباب ليس من هذا الاتجاه .. و الباب .. حسنا .. لا يملك أنفاساً .. فتحت عيونها فى بطء و خواطرها تتزاحم في تشوش لا تستطيع تجميعها لتستخلص فكرة واحدة مفيدة ..
نظراتها تباطأت متصاعدة لتصطدم بتفاحة أدم التي كانت تهتز في اضطراب صعودا و هبوطا مؤكدة ان صاحبها يزدرد ريقه في تكرار متتابع ..

و أخيرا اصطدمت نظراتها بنظرات فحمية كانت تموج بمشاعر و انفعالات لم تستطع ان تفسرها و لو للحظة نظرا لتشوش افكارها وهي في تلك الحالة من صخب و فوضى من المشاعر و الأحاسيس العجيبة .. فها هي الان تجد نفسها ملتصقة باحضان احدهم بهذا الشكل الحميمي اقرب لدقات قلبه من نفسه.. نظراتهما معلقة و كأنها مشنوقة الى لوح القدر لا تستطيع ان تنتزع نفسها من ما هو محتوم و مقدر منذ خلق الله الأرض و من عليها .. ارواحهما هائمة لا تجد براح كاف لتجول به مبعثرة النشوة البكرالتي تعتريها..

لا تعرف .. و لا تعتقد انه نفسه يعرف لكم ظلا على حالهما ..ربما ثوان او ربما دقائق .. لكنها كانت في مقياسهما أشبه بدهر كامل من الحلم ..
تنحنح هو و ابتعدت هي و لازال السحر العالق بينهما كامن لم يخبو...
همس عفيف بصوت متحشرج لم يكن له وقد اختفت نبراته المسيطرة فجأة و هو يشير لباب المقعد الذي اتخذته هي غرفة للكشف:- انا نادمت عليكِ .. و لما مردتيش جلجت و انتِ سايبة باب الاوضة البراني مفتوح ودِه اللي دخلني .. و..

لم تنتظر استطراده و لم تكن تملك جوابا و كانت لاتزل ترفل في ضياع تلك اللحظة العجيبة و المحملة بعبير الدهشة الصافي .. لذا ما كان منها الا ان اندفعت تصعد الدرج في هرولة مبتعدة عن محياه قاطعة ذاك الخيط الرفيع من الروعة التي كانت تجمعهما ..

دخل غرفته في سأم أغلق بابها خلفه و دفع بعباءته بعيدا و من بعدها عمامته التي ألقى بها على المقعد المجاور باهمال وألقى بجسده على المقعد الاخر في انهيار دافعا برأسه المنهك ليتكئ على ظهر المقعد و يمد قدماه الطويلتان أمامه بعشوائية كما اتفق ..
أغمض عيناه للحظات لكن خواطره ابت عليه الراحة لينتفض فاتحا إياهما من جديد عندما تجسدت أمامه صورتها الراقصة التي طالعها منذ قليل ..
هتف موبخاً نفسه:- وااه يا عفيف .. خبر ايه !؟.. من ميتا بتجلب حالك الحريم .. ايه ..!؟.. نسيت وعدك لحالك ..

لتعود نفسه للرد هاتفة:- و يعني اللي وعدت نفسك لچل عيونها وفت بالوعد و لا كانت جتى تستاهله م الأساس ..
رد من جديد على نفسه:- وااه يا ناهد .. ليه كِده يا بت ابوى .. دِه اني حرمت الحريم على حالي و حلفت ما تدخل مرة (امرأة ) البيت الكبير جبل ما انت تروحي لبيت چوزك معززة مكرمة .. يبجى دِه چزاتى يا بت جلبي !؟ .. ياللي ربيتك ع العزيز والغالي ..ليه يا ناهد..!؟.. ليه ..!؟..

لم يلق جوابا لسؤاله الحائر سوى الصدى لصرخاته الداخلية بجنبات روحه و صمت مطبق بعده .. تنهد في ضيق وهو يخلع جلبابه و يلقيه جانبا و يرتدي اخر اكثر راحة مستعدا للنوم ..

لكن من أين يأتي النوم و صورتها كأنها وشمت على مقلتيه فلا يبصر بعين خياله حين يغلق عينيه الا صورتها و هي تتمايل كنخلة جذرها ثابت لكن عروشها السامقة تتراقص في مهب ريح العشق في ليلة مقمرة .. شعرها ذاك الغجري ايقظ بداخله أحاسيس ما كان يدرك انه يملكها من الأساس .. ذاك الغجرى قاتله لا محالة .. و كأنه سعف نخل يضرب بعنف وجه السماء فيوقظها من سباتها .. ليطل القمر النائم من خلف الغيوم و يظهر متربعا عرش السموات بلا منازع ..

عيناها .. إعصار من المشاعر و الفوضى المربكة سمراء شهية .. تحمل الكثير من الأسرار و الأسرار ود لو افتضها واحد تلو الاخر لتبوح بهم له وحده ..
وجهها .. صفحة نقية خمرية .. تشبه ذاك العسل المصفى فيه شفاء لروحه العليلة منذ دهور ..
تقلب على الفراش كالمحموم لا يدرك ما دهاه .. و أخيرا تنبه انه يلتقط بأنفاسه عطر غريب .. بل عطر خطر ..

اخذ يتابع شهيقه لعله يدرك من أين يأتيه ذاك العطر .. لكنه لم يفلح في ادرك المصدر فألقى برأسه الذى يمور كالمرجل على وسادته ليتيقن الان ان مصدر ذاك العطر .. هو .. ووضع كفه على صدره ليصبح اكثر يقينا ان عطرها الخطر اصبح الان جزءً من روحه .. ولن يفارقها ابدا ...

اجتمعت النسوة امام باب غرفة الكشف و جلسوا جميعا في نص دائرة في انتظار الدكتورة دلال و التي استدعتهن لامر هام .. و التي ظهرت أخيرا لتجلس على احدى الوسائد على درجة من درجات السلم التي تفضي الى غرفة الكشف لتكون اقرب ما يكون لتجمع النسوة و اللائي تطلعن اليها في فضول و ترقب لتهتف هي قائلة:- بصوا يا ستات .. احنا لازم نتفق على حاجة من هنا ورايح .. اللى هى ايه ..!؟..

هتفت إحداهن:- ايه يا داكتورة..!؟..
ردت دلال بثقة:- انتِ قيمتك في نفسك .. في حياتك و اللى بتعمليه فيها .. في تربيتك لأولادك .. مش قيمتك ابدا في خلفتك للولد او البنت..
ردت سعدية زوج مناع:- كيف يعنى ..!؟.. الواحدة لما تخلف الواد تسعد چوزها و تخليه رافع راسه وسط الخلج يا داكتورة ..
ابتسمت دلال هاتفة:- و على كده بقى اللى مخلفش ولاد يفضل مطاطي راسه العمر كله .. !؟.. ايه معترض على عطية ربنا و رزقه..!؟..

لم ترد إحداهن لتستطرد دلال بحماسة:- ايوه .. اعتراضك على اللى ربنا وهبهولك ده مينفعش و خصوصا لما تعرفى ان ملكيش يد فيه .. لان الراجل هو اللي مسؤل عنه بعد إرادة ربنا طبعا ..
هتفت احدى النساء من الخلف:- كيف يعنى مسؤل ..!؟.. وهو الراچل اللب بيحبل و بيولد .. !..

انفجرت النسوة ضاحكات و شاركتهن دلال مزاحهن حتى هتفت من جديد:- لا طبعا مش قصدي .. القصد ان الراجل ف جسمه نوع من ال..
و تحيرت كيف يمكنها توصيل فكرة الكرومسومات الذكورية و الأنثوية لنسوة غير متعلمات و لم يحصلن على القدر الكافى من المعرفة ليدركن تلك الحقيقة العلمية الشائكة و اخيراً و قعت أنظارها على احد الأطفال الذى جلبته امه معها و في احضانه بعض الخضروات من طماطم و خيار يتسلى بقضمها فنهضت تداعب الطفل حتى استطاعت استخلاصها من بين كفيه..

و عادت ادراجها مرة أخرى لمكانها على الدرج هاتفة:- بصوا يا ستات .. احنا هنعتبر إننا كستات الطماطم .. و الرجالة هم الخيار ..
انفجرت النسوة ضاحكات لتشبيهها ولكنها لم تعبء لذلك بل قابلته بابتسامة مستطردة:- كل راجل بيبقى ف جسمه خيار و طماطم .. لكن الست معندهاش ف جسمها غير الطماطم بس ..
ردت سعدية مازحة:- طبعا اومال ايه .. الستات حمّااار و حلاوة ..

لتنفجر النسوة في الضحك من جديد و تشاركهن دلال مقهقهة:- تمام .. يبقى كده اتفقنا الرجالة عندها خيار و طماطم .. و الستات عندها طماطم بس ..
لو ربنا أراد المولود ولد .. هتيجى خيارة من عند الراجل و تركب مع طماطماية من مراته .. و لو ربنا أراد المولد بنت هاتيجى طماطماية من عند الراجل و هتركب مع طماطماية من عند مراته يبقى المولود بنت .. فهمتوا ازاى ان الرجالة هي المسؤولة ان اللى جاى يبقى ولد او بنت .. الست ملهاش دعوة .. احنا زى الأرض بنطرح اللى اتبدر فينا .. عمركم شفتوا ارض اتبدر فيها حب خيار طرحت طماطم .. و لا العكس ..

ت النسوة رؤوسهن و هُن بعد غير قادرات على تصديق ذاك الكشف الذى قلب موازين ثوابتهن رأسا على عقب و جعل بعضهن يتنفسن الصعداء أخيرا بعدما كن يشعرن إنهن حكم عليهن بالموت البطئ كمداً لأنهن أرضا لا تطرح الا البنات ..

بدأت النسوة في الرحيل واحدة تلو الأخرى بعد استشارة دلال في بعض الأمور الطبية .. حتى خلت الساحة الخلفية منهن فنهضت في سعادة و هي تشعر انها بدأت تخطو أولى خطواتها تجاه ما ارادت منذ وطأت قدماها ارض النعمانية .. و الان استشعرت انها ساعدت و لو بقدر ضئيل على تنوير نسوة كن قابعات تحت كاهل الموروثات القديمة و الجهل بالعلم الحديث في فهم مجريات حياتهن و حقوقهن المشروعة ..

لم تكن تخرج من غرفتها الا للصلاة ماعدا ذلك لم يكن يدفعها شئ للخروج من الغرفة التي اتخذتها معزل اجبارى لها .. حتى الطعام عافته و ماعادت تطلبه او حتى تمتلك الشهية له ..
جهز هو الغداء بالفعل على قدر ما سمحت له معرفته المتواضعة في هذا المجال و على قدر ما يملكه بالفعل من نقود هى على وشك النفاد ..

توجه لباب غرفتها ليطرقه في صبر بشكل متتابع لعلها تجيبه .. مرت مدة من الصمت قبل ان تفتح الباب ووجهها يحمل الكثير من ملامح الإرهاق والأرق البادية على عيونها التي دبلت من البكاء و السهد الذى كسى وجهها بسحابة من الوهن ..
هتف ما ان طالع محياها بصوت مشفق:- الغدا جاهز يا ناهد ..

و أشار حيث وضع أطباق الطعام همست بصوت متحشرج من حنجرة أدمنت الصمت لفترة طويلة ليخرج الصوت بتلك النبرة .. او ربما هو من اثر الصراخ الذى قد اعتاده يوميا في الليالي الماضية نتيجة كوابيسها المتكررة:- انا مش چعانة .. شكرًا ..
اعترض في لطف:- يعنى ايه مش جعانة ..!.. مينفعش الكلام ده .. انت مكلتيش بقالك يومين ..

ثم تحولت لهجته لنبرة مازحة هاتفا:- انا عارف طبعا ان اكلى لا يعلو عليه .. بس قدرك بقى .. ربنا يسترها علينا ..
ابتسمت رغما عنها و اومأت برأسها موافقة ليفسح لها الطريق لتمر باتجاه الاطباق الموضوعة على الطاولة ..
جلست و جلس قبالتها ليمد كفه للطعام و تحذو هي حذوه .. و كانت اللقمة الأولى كافية تماما للحكم على مدى جودة الطعام الذى كان من الصعب على كلاهما حتى ابتلاعه لينظر كل منهما للاخر ..

ابتسم هو في احراج .. بينما صمتت هي و لم تعقب حتى بحرف يكشف عن ردة فعلها تجاه الطعام الكارثي الذى تذوقته لتوها.. نهضت في صمت مغادرة متوجهة لغرفتها..
كان الأسبق ليعترض طريقها هاتفا:- على فين ..!؟..
هتفت به في نفاد صبر:- انا قلت مش عايزة اكل .. رايحة انام ..

ما ان همت بالدخول لغرفتها حتى جذبها من ذراعها لتستدير اليه في قوة ليرتطم ظهرها بالحائط قبالتها و تصبح في مواجهته تماما .. ليقترب منها في غضب تحاشى ظهوره كثيرا منذ غادرا النجع حتى تلك اللحظة .. اقترب بوجهه من وجهها و علامات الثورة بادية عليه لتنكمش هى على نفسها ذعرا حتى كادت تدخل في تجويف الحائط خلفها لو استطاعت ليهمس هو بصوت يمور بالغضب و يحمل نبرات التقريع و اللوم:- في ايه!؟.. انتِ فاكرة انك ف المصيبة دي لوحدك..

مش حاسة بحد الا بنفسك و بس .. مش حاسة بالبنى آدم اللي معاك ف الكارثة دي و اللي من اول ما حصل اللى حصل و هو مفتحتش بقه بكلمة تأذيكِ او تجرح مشاعرك .. انا معاكِ في اللي بيحصل و تعبان زيك و مستحمل عشان خاطرك .. يبقى جزاءي التعامل ده منك ..!..

ثم تنهد في ضيق و قد بدأت تخف حدة نبرته عندما رأى ملامح الرعب تجسمت بصدق على محياها و بدأت الدموع تطفق من عيونها فابتعد قليلا ليهمس:- انا عارف ان اللى حصل مش سهل عليكِ .. و لا سهل عليا .. و ده اللى مخليني مستحمل ردات فعلك اللى ضاغطة على أعصابي اكتر ما هي مضغوطة .. لو سمحتي .. نستحمل بعض لأننا ف مركب واحدة .. يا تغرق و نغرق معاها .. يا نقدر نلحقها سوا ..عن إذنك ..

ثم ابتعد فجأة و اندفع لداخل حجرته صافقا الباب خلفه بقوة أودعها كل ما يعتمل بداخله من غضب جعلها تنتفض مكانها و أخيرا تحركت في اتجاه غرفتها لتغلق بابها خلفها في بطء و هي تلقى بنظرات شاردة على باب غرفته التي غاب خلفها ..

تمددت على فراشها منذ مدة و لا بوادر لنوم تلوح في الأفق .. عيونها شاخصة معلقة بسقف الغرفة البعيد تصلها انفاس الخالة وسيلة المنتظمة و المؤكدة على غرقها في نوم عميق .. تنهدت في سأم و هي تتقلب ذات اليمين و ذات الشمال .. لتعود مرة أخرى لتتطلع لنفس ذات السقف المزخرف بتلك النقوش الغريبة و المتداخلة مرة أخرى .. ما عاد يبرح مخيلتها ما حدث منذ عدة ليال بينها و بين عفيف في الردهة السفلى .. تلك اللحظات العجيبة و الصادمة لكليهما..

مشاعرها و أحاسيسها المبعثرة من وقتها لا تجد لها مدلولا و لا تفسير يستسيغه عقلها الواعي الان بكل شاردة و واردة و الذي كان في حالة إجازة مؤقتة لحظتها و غياب لاأرادى عن القيام بما هو مفروض وواجب ..

منذ تلك الليلة و هي تتحاشاه و يبدو انه يتحاشاها بالمثل فهى لم تقابله من حينها و تجنبت قدر استطاعتها التواجد معه في أوقات الوجبات و حتى كشوفاتها الصباحية كانت تؤديها سريعا حتى تعود لتغلق باب غرفة الكشف بأحكام .. ذاك الباب الذى دخل منه ليلتها و كأنه الريح العاصف لكل ثباتها و تعقلها الفطري لتعود يومها لحجرتها متعللة بالإرهاق فتطلب من الخالة وسيلة الطعام لتتناوله وحيدة في غرفتها و بعدها تكمل الليلة امام التلفاز الذى لا يحمل اى جديد بقنواته المحدودة ليهاجمها الملل من جديد لكنها لن تجرؤ على النزول مرة أخرى للردهة السفلية .. فمرة واحدة من ذاك اللقاء العاصف مع ذاك المسيطر كافية و زيادة ..

تنهدت من جديد ستجن حتما ان لم تجد ما يشغل وقتها في ذاك البيت.. تذكرت عندما سمعت صوت موسيقى هامس يتناهى لمسامعها منذ بضعة ايّام و قبل اللقاء الدامى بالأسفل و سألت الخالة وسيلة من أين يتسلل ذاك الصوت و تتهادى تلك الأنغام لتخبرها ان عفيف بيه يجلس في مكتبه في بعض الأحيان ليقرأ..
هل لو تسللت الان لذاك المكتب ستجد ما يمكنها قراءته ليقضي على بعض من ذاك الملل الذى يكاد يجهز عليها زاهقا روحها ..

لم تفكر للحظة و خاصة ان صوت الموسيقى التي عرفت انه يشغلها عادة عندما يكون بداخل المكتب يقرأ لا تتناهى لسمعها كالمعتاد و ذاك يعنى شيء واحد لا غير .. انه ليس هناك بالتأكيد .. فليست فكرة سيئة على ايه حال ان تذهب لتستطلع سريعا و تقفل عائدة ربما تفوز بما يمكنها من الانتصار على ذاك السأم الاحمق ..
كانت بالفعل الان امام باب المكتب من ناحية المندرة مدت كفها لمقبض الباب و ضربات قلبها كالمطارق في ساحة صدرها .. تنهدت في عمق تستمد قوة تدعى امتلاكها و هي تتأكد هذه المرة ان مئزرها على رداء نومها يحيط بقدها في إحكام .. و غطاء رأسها موضوع على هامتها مربوط حول رقبتها ..

فتحت الباب في وجل و ببطء شَديد.. تطلعت للداخل مجيلة نظراتها بالمكان لتقف مبهورة و قد فغرت فاها شاهقة في صدمة ..
اندفعت داخل الغرفة و قد نسيت حذرها السابق تماما لتقف في منتصف الغرفة بالضبط و عيناها كعينى طفل وجد نفسه فجأة بمحل الألعاب و الحلوى و هي تتطلع بإعجاب لتلك المكتبة الضخمة التي تحتل ذاك الجدار الواسع خلف ذاك المكتب الأبنوسي القيم و الفخم الذى يتوسط الغرفة تقريبا ..
الان فقط ستقول لذاك الملل وداعا بلا رجعة .. فمن لديه مكتبة كهذه و يشعر يوما بالملل .. و ابتسمت في فخر و هي تشعر انها تخرج لسانها لذاك السأم الذى ولى مبتعدا في تلك اللحظة و منذويا بأحد الأركان ..

اندفعت تتلمس الأرفف الزاخرة بالكتب من كافة الأنواع و الاحجام و كأنها فتحت كنز علي بابا ..
أعجبتها دقة التنظيم و الترتيب لكل قسم و رف .. و أخيرا توصلت لقسم الروايات لتتفقدها و تنتقي منها عدة روايات حتى لا تحتاج للعودة الى هذه الغرفة بشكل مكثف .. و خاصة اذا ما احتاجت لإعادة رواية او اختيار غيرها و هو متواجد بالفعل ..

احتضنت حملها الثمين في سعادة و همت بمغادرة الغرفة الا ان صوته المسيطر والذي كان يحمل نبرة عجيبة لم تعتدها تشبه تلك التي أيقظت كوامن المشاعر في أعماق روحها تلك الليلة الدامية و التي تتحاشى لقاءه من بعدها صدح هاتفا:- مش في حاچة اسمها استئذان يا داكتورة جبل ما ناخد الحاچة ..!.. و لا هي وكالة من غير بواب ..
ازدردت ريقها بصعوبة و هو يتقدم نحوها في تمهل عجيب أفقدها رباطة جأشها التي تحاول إقناع نفسها انها تمتلكها ..

وقف أمامها تماما و لحسن الحظ انه لم يتطلع اليها و كم حمدت الله على ذلك كثيرا .. فكان سيجد صفحة وجهها مسرحا زاخرا بكل ما يعتمل بصدرها الان من صراعات ..
مد كفه ليستعيد ما كانت تحمله من مقتنياته العزيزة .. هكذا ظنت .. لكنه وقف يقلب في الروايات يضع بعضها جانبا و ينتقي الأخرى ليعيدها لكفيها من جديد ..
اصبح المجموع ثلاث روايات هي كل ما كانت تحمل بين يديها .. اما الباقى فعاد به للمكتبة يضعه في مكانه بالضبط و كأنه يحفظ الأمكنة ككف يده ..

لم تجرؤ على التحرك قيد انملة او الرحيل كما كان يتوجب عليها .. بل تسمرت قدماها في موضعهما و كأنما نبتت لها جذور تشعبت و امتدت حتى باطن الأرض..
هتف أخيرا و هو يعاود الوقوف أمامها هامساً:- دي احسن روايات ممكن تجريها ف المچموعة اللى كنتِ هتخديها .. و لما تحتاچى لغيرها .. المكتبة تحت امرك ف اى وچعت يا داكتورة ..

وأشار بكفه تجاه الباب لتخرج و كأنما نبتت لها جناحين لتطير لا لتخرج .. هكذا شعرت عندما توجهت مندفعة للباب هاربة من التواجد لثانية أخرى معه .. او ربما هاربة من ذاك الشعور الغامض الذى اصبح يعتريها كلما اجتمعت به او حتى فكرت في الاجتماع به و لو للحظات ..

و لم تكن الوحيدة التي كان يثيرها ذاك الخاطر .. بل هو أيضا لم يكن بأفضل حالا منها و هو يراها تغادر بذات السرعة التي هربت بها في تلك الليلة راكضة على الدرج .. و خلفها شعرها الغجرى يعصف بكيانه كما هو بتلك اللحظة التي ولت فيها الان و هو يتطاير خلفها دون ان تدرى انه يغافلها رغم حجابها الذى تضعه على رأسها ليتمرد على ظهرها و كأنما يتحدى الحواجز ليطل عليه ليثير جنونه من جديد ..

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة