رواية جبران العشق الجزء الأول للكاتبة دينا جمال الفصل الأول
قبل عدة أعوام من الآن في منطقة صحراوية والليل قد اسدل استاره يغطي المكان سودا تتجمع رجال الشرطة يلفون المكان بحواجز تمنع الاقتراب فلاش الكاميرا لا يتوقف عن التقاط الصور لجثة مشوهة الملامح الملامح، جثة لرجل يرتدي حلة فاخرة في جيبه عُثر على هاتف حديث وجواز سفر وساعة يد وسلسلة من الذهب بها صورة فتاة غير ظاهرة الملامح يبدو أن من قتله شوه صورة الفتاة أيضا، تقرير الطب الشرعي افاد بأن الضحية وليد التهامي ابن رجل الأعمال الشهير مجدي التهامي قُتل بعدة طلقات أصابت القلب والصدر والرئيتين وتم تشويه الجثة بعد قتلها...
وتوالت الاخبال التي تصدرت الصحف لاسبوعا كاملا
« مجدي التهامي يتوعد الانتقام من قتله ابنه»
« رجال الشرطة لم يجدوا اي بصمات تفيد للفاعل »
« وليد التهامي شخصا غامضا عاش حياته كلها خارج البلاد وجاء ليُقتل هنا »
« وشم ثعبان يأكل نفسه، وشم غريب حير رجال الطب الشرعي، منقوش على ذراع الضحية »
« أغلقت القضية ضد مجهول »!
الآن مصر، مديرية أمن القاهرة.
في مكتب أحد الضباط يجلس خلف مكتبه ضابط طويل القامة اصلا قسمات وجهه سمراء حادة عينيه خضراء داكنة جسده عريض يمسك في يده قلم يدق بسطحه على سطح المكتب على سطح المكتب ينظر للواقف أمامه محتدا غاضبا القي القلم من يده ليصفع سطح المكتب أمامه يصيح في الواقف أمامه: - بردوا مش هتخرج منها يا جبران. حتى لو الصبي بتاعك ما رضيش يعترف عليك كالعادة. اييه عايز تفهمني أن صبيانك كلهم بيحششوا.
ارتسمت ابتسامة صغيرة ملتوية على شفتيه القاسيتين رفع كتفيه لأعلي ضاقت قسمات وجهه حزنا تنهد يزفر أنفاسه متحسرا: - هنقول ايه بس يا باشا ولاد الحرام بيجروا رجل العيال الصغيرين للكيف وأنت عارف يا باشا سيجارة جابت جيوان وجيوان جاب حباية، حباية جابت شريط وابتدت الحكاية.
تحرك الضابط من خلف مكتبه يضحك ساخرا على ما يقول استند بظهره إلى المكتب خلفه يكتف ذراعيه أمام صدره يغمغم متهكما: - دا أنت فنان يا جبران، دا احنا نقدملك في the voice بقي.
رفع جبران يديه يحرك أصابعه أمام وجهه ينظر لهم متفاخرا نظر للضابط يردف مبتسما في ثقة: - طبعا يا باشا دا أنا نجار والنجارة موهبة وصنعة وشطارة، مش اي حد يمسك الفاره دي عايز فنان زيه زي الرسام كدة.
تحرك الضابط ناحيته يلتف حوله ببطئ يديه في جيبي سرواله يهمهم ساخرا وقف جواره رفع يسراه يحرك سبابته وإبهامه على ذقنه الحليق يغمغم ساخرا: - طب يا فنان يا مبدع يا رسام، مش غريبة شوية أننا نمسك 3 صبيان من صبيانك بكمية حشيش محترمة مستحيل تكون تعاطي!
التف جبران برأسه ناحية اليسار حيث يقف الضابط، ليلتف بجسده كاملا رفع كفيه لأعلي كأنه يدعو يصيح منفعلا: - ولاد الحلام، ولاد الحرام منهم لله، عاملين شبكة من ورايا وأنا اللي اويتهم في ورشتي وقولت ياكلوا قرشهم بالحلال. يغفلوني أنا، دا أنا المعلم جبران السواح، حسبي الله ونعم الوكيل!
ضحك الضابط عاليا ليتحرك من مكانه عائدا إلى مقعده يردف متهكما: - بركاتك بقي يا شيخ جبران، يا عسكري.
علا بصوته في جملته الأخيرة ليدخل العسكري الواقف خارج الغرفة ادي التحية للضابط ليشير الضابط ناحية جبران يبتسم متوعدا: - خد المعلم جبران وخد بالك منه الراجل دا بركة.
رفع العسكري يده يؤدي التحية من جديد أمسك بذراع جبران يجذبه معه التفت جبران للضابط قبل أن يرحل رفع يده يرسل سلامه له بابتسامة صغيرة ساخرة، قبل أن يتحرك بصحبة العسكري دون أدني مقاومة.
صوت الاغاني الاجنبية العالية المزعجة يصدح بعنف من سيارتها تحرك رأسها مع إيقاع الموسيقي. تضعط على الدعاسات بعنف بطرف حذائها الرياضي تتطاير خصلات شعرها السوداء مع تيار الهواء العنيف، رفعت نظارتها الشمسية الفاخرة تلقيها بعيدا لتظهر عينيها السوداء اللامعة يحددها الكحل ليزيدها اتساعا مدت يدها تضبط مرآة سيارتها الأمامية لينعكس فيها وجهها الجميل الممتلئ قليلا بلون سنابل القمح التي لفحتها أشعة الشمس قليلا فقط. جيدها الطويل، جسدها النحيف ترتدي كنزة بيضاء بحملات عريضة وسروال من الجينز ممزق القدمين وحذاء رياضي، تركت المقود من يدها للحظات تُخرج أحمر الشفاة من حقيبتها تنظر للمرآة تملئ شفتيها الفارغة، صدح صوت هاتفها يدق لتزفر حانقة القت أحمر الشفاه من يدها سماعة اذنها البيضاء تجيب متأففة: - هاي يا غادة.
سمعت صوت صديقتها عبر الهاتف تسألها مدهوشة: - وتر where are you، أنا دورت عليكِ في الاوتيل كله.
تأفتت من جديد تمط شفتيها حانقة كادت أن ترد حين توقفت السيارة التي أمامها فجاءة في إشارة المرور لتزفر حانقة تضرب زامور سيارتها بعنف ارتمت بظهرها إلى ظهر مقعدها تخلل أصابعها في خصلات شعرها كادت أن ترد حين بادرت صديقتها تصيح مذهولة: - وتر أنتي في العربية، you are back in Cairo، ليه.
قلبت عينيها ساخرة لتزفر بعنف من جديد تردف في حدة: - ايوة، بعد كلام المستفزة ماهي دي عايزاني أفضل إزاي.
صاحت صديقتها فيها تحاول إقناعها بالعدول عما تفعل: - come on وتر كلنا عارفين إن ماهي بتغير منك وقالت كدة عشان تضايقك، ارجعي بقي مش هنعرف نيجي الجونة تاني عشان خلاص الامتحانات قربت.
علي الرغم من أن كلمات صديقتها أشبعت القليل من غرورها الا أنها رفضت العودة ليس ما بعد ما قالته تلك الفتاة وسخريتها منها أمام الجميع أن والدتها هجرت والدها وتركتها تنفر منها، كورت قبضتها تردف محتدة: - لاء يا غادة مش هرجع باي.
أغلقت الخط في وجه صديقتها تدفع الدعاسات بعنف تصرخ عجلات سيارتها تنطلق بعنف، عينيها حمراء، تنفسها سريع تتذكر حديث تلك الفتاة مرارا وتكرارا
«صحيح يا وتر، أنتي عمري ما جبتي سيرة مامتك، أنا عرفت أنها سابت باباكِ بعد ما خلفتك، طفشت منه تقريبا ».
تهينها الحمقاء ذات الشعر الصناعي تتشمت بها ومن المخطئ هنا والدتها العزيزة التي جعلتها علكة تُمضع في أفواه الجميع، نظرت لساعتها، لتجدها تجاوزت الثانية ليلا حين توقفت بسيارتها في حديقة منزل والدها الضخم نزلت من السيارة تصفع بابها بعنف توجهت للداخل تدس مفتاحها في قفل الباب، دخلت بخطي سريعة غاضبة تتحرك لأعلي إلى غرفة والدها، فتحت الباب دون حتى أن تدق لتجد والدها ينام في هدوء، أرادت أن توقظه ولكنها تراجعت عن الفكرة في اللحظة الأخيرة والدها يفعل الكثير والكثير لأجلها ليس مثل والدتها العاهرة التي تركتها وفرت، خرجت بخفة من الغرفة تجذب الباب تغلقه بحذر، توجهت إلى غرفتها تُضئ انوارها لتظهر غرفتها الكبيرة الفخمة الواسعة بفراش يكفي عائلة بأكملها، دولاب كبير يعج بالملابس والحقائب والأحذية والمجوهرات باهظة الثمن. ارتمت على فراشها تتخلص من حذائها، ادمعت عينيها حين تذكرت سخرية الفتاة من جديد لتضم الوسادة لها تغمض عينيها تُجبر عينيها على النوم!
رغم أنها الثانية فجرا تقريبا إلا أن النوم رفض رفضا قاطعا أن يزو جفنيها وله كامل الحق فهي تقضي أغلب أوقاتها أما نائمة أو تصطنع النوم لتهرب من شبح وحدتها بين أحلامها، ذكرياتها السعيدة التي سُرقت منها دون وجه حق، دفعت ثمن ذنب لا ذنب لها فيه. قامت من مكانها تستشعر الأرض تحت قدميها أين خفها من نقله من مكانه، مدت قدميها قليلا تبحث عنه هنا وهناك إلى أن وجدته فابتسمت بخفة توجهت إليه ترتديه بسلاسة توجهت بخطئ ثقيلة عقلها يشعر بالنعاس ويأبي النوم، ارتمت على مقعدها جوار الشرفة تستند بكوعها إلى حافة الشرفة تبسط كفها أسفل وجنتها تشعر بنسيم الهواء اللطيف يداعب خصلات شعرها، فكرت للحظات أن تتحرك تجلب لنفسها زجاجة عصير من المبرد لتعدل عن فكرتها تتثأب ناعسة تشعر بلمسات الهواء تداعب وجهها بخفة كأنها تداعب طفلة صغيرة تهدهدها لتنام فأغمضت عينيها تستند برأسها إلى حافة النافذة، صوت حركة الأشجار ليس كالمعتاد، ليس الصوت الذي تعرفه أحدهم يتحرك بين الأشجار صوت تأتي أقدام من عند الشرفة الكبيرة القاطنة هناك على بعد منها، أصوات أقدام لا تعرفها صوت باب الشرفة أحدهم يحاول فتحه من الخارج تدافعت دقات قلبها قبل أن تقف تصيح فيه بصوت مرتجف خائف: - مين، مين اللي هنا، يا نجلاء، يا علي.
لا إجابة، صوت أبواب الشرفة وهي تنفتح على مصرعيها افزعتها صرخت تركض ناحية باب الغرفة تحفظ عن ظهر قلب أين هو مدت يدها تدير المقبض بعنف الباب لا يُفتح!
شخصت عينيها ذعرا تجذب المقبض بعنف تصرخ عل احد ينجدها، لا مغيث وصوت خطوات ثابتة منتظمة مخيفة تقترب منها، تسمع أنفاس حادة غريبة معها في الغرفة ارتجفت نبرتها تهمس مرتعشة: - مممين. ااانت، مممين.
لم يعطها ردا بل شعرت فجاءة بملمس منديل ناعم يغطي أنفها حاولت أن تقاوم تصارع الظلام، رائحة غريبة تقتحم عقلها رغما عنها ثقلت عينيها ليثقل معها جسدها تستلم بعد طول صراع ليلتقطها بين ذراعيه قبل أن تسقط أرضا!
في صباح اليوم التالي قرابة الظهيرة في زنزانة كبيرة الحجم يجلس بين جمع من الرجال من المجرمين وأرباب السجون، يمتص سيجارة بريئة خالية من اي مواد مخدرة تتعالي ضحكاته على أحدي الطرفات القديمة من أحد أقرانه في الحجز، لكز الرجل بكوعه في ذراعه بخفة يغمغم ضاحكا: - يخربيت شيطانك يا مرسي، بتجيب ياض النكت الابيحة دي منين.
صدم الرجل صدره يتفاخر بحاله يغمغم ضاحكا: - محسوبك مرجع في الإباحة وقلة الأدب يا سيد المعلمين، هو احنا في ساعة لما يزورنا المعلم جبران السواح بجلاله قدره.
مال الرجل ناحية جبرات لمعت عينيه يخفض نبرة صوته يغمغم متلهفا: - بقولك يا معلم ما تمن على حبايبك بحتة بني كدة و لا كدة دول بيقولوا اشعار في حشيش المعلم.
امتص جبران نفسا قويا من سيجارته ينفثه على مهل يتكأ بظهره إلى الحائط خلفه يغمغم عابسا: - على عيني والله يا مرسي، بس ابو دبابير اللي برة دا شادد أوي رميت كل اللي في جيبي قبل ما صبيانه يشدوني هنا.
- جبران حامد السواح.
صوت باب الزنانة فُتح ليصدح صوت العسكري يصيح باسمه، قام ينفض الغبار عن سرواله الجينز تقدم ناحية العسكري ليقبض الأخير على ذراعه يخرج به من الزنزانة، توجه به إلى غرفة جانبية للزيارة هناك حيث كان ينتظره صديقه وذراعه الأيمن والرجل الثاني من بعده ذلك الشاب الذي يصغره ببضع أعوام يماثله طولا، جسده متوسط ليس مثله عريض، عينيه زرقاء!، ذراعه الأيمن عينيه زرقاء الأمر كارثي، بشرته بيضاء لفحتها اشعة الشمس شعره كثيف له غرة كبيرة تغطي جبينه، هرول حسن سريعا ما أن رآه يعانقه يغمغم يواسيه: - السجن للرجالة يا سيد المعلمين.
ضحك جبران عاليا يربت على ذراع حسن بشئ من العنف يغمغم من بين ضحكاته: - ماشي يا أبو الرجال، قولي اخبار الحتة من غيري ايه، الواحد بقاله أسبوعين مرمي في المخروبة دي.
نفخ حسن صدره يغمغم متفاخرا بذاته: - عيب عليك يا سيد المعلمين وراك رجالة يسدوا عين الشمس.
نظر جبران حوله هنا وهناك في حذر ليقترب خطوتين من حسن يخفض صوته حد الهمس يحادثه حذرا: - قولي ما عرفتش الواد عمار قال إيه في النيابة.
ابتهجت ابتسامة حسن ينظر لجبران منتصرا نظرة عينيه تصرخ بأن كل شئ على ما يرام ويزيد، همس حسن فرحا: - ما هو دا اللي أنا جاي ابلغك بيه يا سيد المعلمين، الواد عمار رغم أنهم عصروه في التحقيقات إلا أنه ما جبش سيرتك، وشال الليلة كلها لوحده، وبكرة بالكتير هتنور بينا من تاني يا سيد الناس.
توسعت ابتسامة جبران الخبيثة يحرك رأسه، من المستحيل أن يخونه أحد رجاله أبدا كم هو حقا يفتخر بهم ربت على كتف حسن في حين غمغم الأخير سريعا: - بكرة هتبقي ليلة، خروجك لازم يتعمله ليلة ويتدبح فيها دبايح كمان!
تأففت للمرة الألف تقريبا ومنبها المزعج لا يتوقف عن الدق امسكته تلقيه من النافذة بعنف انتصفت جالسة ليغطي شعرها الاشعث وجهها فركت عينيها تتثأب ناعسة تمسح وجهها بعنف تحاول أن تستيقظ لتجر قدميها إلى المرحاض نصف ساعة تقريبا وخرجت أخري غير التي دخلت، شعر كالحرير ينسدل يغطي ظهرها، أعين واسعة جريئة يحددها الكحل. بشرة متوهجة بالحياة، بكنزة وردية وسترة بيضاء وبنطال من الجينز الفاتح يلتصق بساقيها الرفيعة وقفت أمام مرآتها تنظر لنفسها في غرور ارتدت حذائها تنزل لأسفل سريعا بالطبع والدها استيقظ الآن عليها أن تراه قبل أن تغادر إلى جامعتها، اقتربت من مكتبه لتسمع صوته يتحدث في الهاتف يبدو غاضبا لسبب لا تفهمه ولا تهتم دقت الباب تدخل، ليبتسم أبيها ما أن رآها، ها هي وتره الجميلة.
ابنة أبيها ما كاد ينطق بحرف اندفعت تقول
- Dad لو سمحت أنا عايزة اشوف ماما اعتقد ان من حقي اشوفها.
رفع وجهه فابتسمت عينيه قبل شفتيه ينظر لابنته الوحيدة جل ما يملك من هذه الدنيا أمام عينيه، ترك القلم من يده يغلق الأوراق امامه تنهد يعاتبها بضيق: - تاني يا وتر احنا مش كنا قفلنا كلام في الموضوع دا خالص، وتر أنا كان ممكن بمنتهي البساطة اقولك أن مامتك ميتة، بس أنا ما حبتش اكذب عليكي، انما أنك تروحي عندها دا اللي مش هسمح بيه أبدا.
احتدت حدقتيها تنظر لوالدها في غيظ اقتربت بخطي سريعة من مكتبه الفاخر وقفت على بعد خطوة واحدة منه تصيح محتدة: - لييييه سنين وسنين وأنا بطلب منك اني اشوف ماما وكل مرة يا اما بترفض يا اما بتتجاهلني، أنا هروح اشوفها، أنا بس عايزة اعرف مكانها فين.
لم يغضب من صرخات طفلته بالعكس ابتسم في سخرية يحرك رأسه بالنفي يردف مبتسما: - مش هقولك يا وتر عشان مصلحتك أنتي. صدقيني وتر هانم مش هتستحمل تروح الحارة اللي هي فيها، هيجيلك صدمة عصبية من بشاعة المكان، حبيبتي انتي كبيرك تشوفيها على ال tv.
حارة! والدتها تعيش في حارة كالتي تراها في التلفاز في الأفلام والمسلسلات، توسعت عينيها في دهشة، خبت حدتها قليلا تنهدت بقوة تهمس بصوت خفيض حزين: - بس أنا عاوزة اشوفها، أنا ما شوفتهاش قبل كدة خالص.
تحرك الجالس خلف مكتبه يخطو خطاها ناحيتها مباشرة، وقف أمامها يحتضن وجهها بين كفيه ابتسم يردف: - نعمل ديل عشان خاطر عيون وتر، تروحي تشوفي مامتك في الحارة والا اجبلك العربية الجديدة اللي أنتي عاوزاها.
توسعت عينيها مدهوشة كيف يفعل والدها ذلك يخيرها بين والدتها وسيارة! رمشت بأهدابها عدة مرات تنظر لوالدها توسعت ابتسامتها قبل أن تهتف متلهفة: - لاند كروز سودا!
ضحك سفيان عاليا يحرك رأسه بالإيجاب، هي حقا ابنة أبيها كما قال قبلا، قبل جبينها يغمغم مبتسما: - من عيوني يا أحلي وتر في الدنيا.
اندفعت وتر تعانق والدها تقبل خده تخبره كم أنها تحبه قبل أن تلوح له سريعا تتوجه إلى جامعتها، ما إن خرجت من عنده اختفت ابتسامته يتنهد حائرا قلقا يحاول إسكات صوت قلبه المذعور على ابنته مما سيقدم عليه من شر قد يطول ابنته!
وقفت وتر بسيارتها في المرآب المخصص لسيارات الطلبة، نزلت منها مشهد السيارات الفاخرة حولها تُشعرك أنك داخل معرض كبير لبيع السيارات وليس مرآب في جامعة، ولكن ذلك هو الحال في جامعات الطبقة الراقية على ما يبدو، خطت إلى الخارج نظارتها الشمسية السوداء الكبيرة تغطي وجهها توجهت إلى مقهي الجامعة جلست هناك على احدي الطاولات تزفر حانقة لا أحد هنا بالطبع فجميع صديقاتها لازلن في الرحلة التي قطعتها هي فجاءة، طلبت لنفسها كوب من العصير، اخرجت هاتفها تعبث بين صفحات التواصل الاجتماعي في ملل ليقع عينيها، ليجذب انتباهها قدوم النادل ومعه كوبين من العصير رفعت رأسها للنادل تغمغم ساخرة: - أنا طلبت كوباية واحدة على فكرة.
- التانية دي ليا لو تسمحيلي طبعا.
نظرت للاتجاه الآخر حيث مصدر الصوت لتجد شاب لا يمكن أن تنكر أنه حقا وسيم ملامحه غربية أكثر، شعره أشقر، قسمات وجهه بذلك البطل في الفيلم الاجنبي الذي شاهدته قبل عدة أيام في فيلم اجنبي لا تذكر اسمه الآن، ذلك الشاب تعرفه طارق التهامي، الشاب الأشهر بين ذكور الجامعة، هو الذكر المهيمن في القطيع هنا، جميع الفتيات ينجذب إليه حتى هي انجذبت لوسامته في بعض الأحيان دون أن تُبدي، كرامتها تمنعها من فعل ذلك بالطبع، أعطته ما يشبه ابتسامة مترفعة تحرك رأسها بالإيجاب، صرف النادل ليجلس على المقعد المجاور لها أمامه كوب العصير الآخر، مد يده يصافحها يغمغم مبتسما: - طارق التهامي، مبسوط حقيقي أنك ما رفضتيش طلبي.
ابتسمت بتكلف ترفع كتفيها لأعلي قليلا وكأنها تخبره بأن الأمر ليس بتلك الأهمية المفرطة، هي فقط تحتاج من يملئ فراغ وقتها إلى أن تأتي صديقاتها والفتي وسيم جدا كما قالت قبلا، امسكت كوب العصير بين شفتيه تضع قشته بين شفتيها ترتشف القليل قبل أن تغمغم مبتسمة في غرور: - وتر سفيان الدالي.
اتسعت عيني طارق في دهشة يغمغم مذهولا: - بنت سفيان الدالي رجل الأعمال المعروف انتي تعرفي أن والدك ووالدي اعز أصدقاء، طب ازاي احنا ما نعرفش بعض من زمان.
أشبع غرورها لهفته في الحديث عنها وعن والدها كان يتحدث ويتحدث ويتحدث وهي ترد عليه بكلمات قليلة وابتسامات متكلفة، نظرت لساعة يدها لتقف فجاءة فوقف هو الآخر مدت يدها تصافحه تغمغم مبتسمة: - سوري يا طارق بس أنا عندي محاضرات دلوقتي!
حاولت أن تجذب يدها من يده فأبي أن يتركها، يردف سريعا بتلهف: - طب ايه رأيك بعد ما تخلصي محاضرات نخرج أنا وانتي نتغدي، نتعرف على بعض أكتر.
قطبت ما بين حاجبيها للحظات تفكر تري بطرف عينيها نظراته المتلهفة لموافقتها فابتسمت برقة تحرك رأسها بالإيجاب. كاد أن يطير فرحا في حين ضحكت هي برقة تلوح لها بأطراف أصابعها قبل أن تختفي من أمام عينيه وتختفي معها ابتسامته!
تحسست بيديها ملمس الفراش الجالسة عليه، لتقطب ما بين حاجبيها، يدق القلق قلبها، ذلك الفراش يختلف تماما عن فراشها، ملمسه مغاير لما اعتادت اناملها أن تألف، أرهفت السمع عل أذنيها تخبرها فقط انها تتوهم، أين أصوات السيارات في الخارج، أين تلك الطيور المغردة جوار شرفتها، صوت الرياح وهو يحرك أوراق الأشجار، لما صمت العالم فجاءة، أين هي، انزلت أحدي ساقيها برفق تتحسس الأرض خوفا من أن تكن بعيدة فتسقط، ولكن العكس تماما، الفراش منخفض، الأرض قريبة منها للغاية، لم تشعر بالبرودة الناعمة التي اعتادت وجودها على أرض غرفتها، بل بساط كثيف ذو شعيرات عالية غاصت قدمها داخله، انزلت ساقها الاخري، تمشي الهوينة تمد ذراعيها أمامها خوفا من أن ترتطم في شئ تجهله، حركت يديها جوارها إلى أن وصلت لحائط استندت بكفيها عليه تتحسسه تمشي معه وكأنه دليلها الخبير، أين هي وماذا تفعل هنا ومن أحضرها، فتحت فمها ستصرخ تنادي على خادمتها، ربما تعلم، ولكنها صمتت تماما حين التقطتت اذنيها صوت باب يُفتح تحركت رأسها تلقائيا ناحية الصوت، تسمع صوت خطوات مختلفة، خطوات لا تعرفها، الصوت يقترب منها، رائحة عطر طفيفة دخلت أنفها. ازدردت لعابها تسارعت أنفاسها وهي تشعر بصاحب ذلك العطر يقترب، على بعد خطوتين منها، وقف، علت أنفاسها، تشعر بأنفاس أخري تشاركها الغرفة، تركت الحائط تمد يديها أمامها تحركهم بعشوائية خائفة ارتطمت يديها بوجه، أحدهم يقف أمامها هي لا تتوهم لامست أناملها ملامح ذلك الوجه علها تتعرف على صاحبه، ولكن بلا فائدة، ما تأكدت منه في تلك اللحظة انها تقف أمام رجل من أشواك لحيته التي لامست أطراف أصابعها أبعدت يديها سريعا تضم كفيها تحتضنهم همست بصوت مرتعش: - مين، أنت مين.
انتظرت الإجابة ليطول الصمت يلف المكان حتى ظنته أبكم، إلا أن صوته خرج اخيرا سمعت نبرة صوت لم تعرفها أذنيها قبلا، نبرة يعلوها الاعتذار: - أنا آسف جدا، بس انا للأسف خاطفك.
توسعت عينيها هلعا وذكريات الليلة الماضية تتدفق إلى رأسها دفعة واحدة بعنف شديد تذكرت كل شئ لترتجف ساقيها، تعد للخلف تحاول أن تبتعد عن ذلك الخاطف الدنئ لأبعد قدر ممكن ارتعش صوتها تسأله فزعة: - ليه، أنا عملتلك إيه، أنا ما اذيتكش في حاجة، ارجوك رجعني بيتي، وأنا هديك اللي أنت عايزه أنا عندي فلوس كتير، خدهم كلهم بس سيبني في حالي.
تسارعت دقات قلبها تستمع إلى خطاه تقترب منها ل
لتغمض عينيها خوفا تعتصر كفيها تفكر في أبشع ما قد يفعله بها، ولكن ذلك توقف حين انفتح باب الغرفة فجاءة!
وقفت سيارتها من جديد في حديقة منزلها، تبتسم شاردة ذلك الطارق رائع بكل ما تعنيه الكلمة من معني يكفي روحه المرحة، طريقته اللبقة، والأهم من ذلك وذاك وسامته!، قضت معه ساعتين في أحد المطاعم العادية التي يأتي إليها طبقات الناس العادية، لا تعرف كيف يأتي إبن أكبر تاجر سيارات صاحب توكيلات لشركات عالمية لمطعم عادي في أحدي المناطق البسيطة ولكنها استمتعت، الطعام لم يكن سيئا كما توقعت، كانت سهرة لطيفة ستكتي عنها في مذكراتها فيما بعد، خرجت من سيارتها لتري أبيها يقف في صالة المنزل يمسك هاتفه يتحدث فيه يبدو غاضبا حقا سمعته يصيح في المتصل يقول: - أيوة تذكرة لليونان، كل الورق جاهز، بسرعة قبل ما الخبر ينتشر.
عن اي خبر يتحدث أبيها قطبت جبينها متسألة اقتربت منه تبتسم لتتوتر قسمات وجهه ما أن رآها يغلق الخط سريعا في حين سألته هي قلقة: - مالك يا Dad في اي، أنت مسافر اليونان ولا إيه.
بالكاد رسم ابتسامة مرتبكة على شفتيه احتضنها بين ذراعيه بقوة، وكأنه يعانقها العناق الأخير يودعها قبل أن يرحل، ابتعد عنها بعد عدة لحظات يكوب وجهها بين كفيه لثم جبينها بقبلة طويلة تنهد يهمس لها: - آه يا حبيبتي صفقة سريعة وهرجع على طول، تخلي بالك من نفسك وأنا مش موجود ماشي يا وتر!
نعم نعم وصايا أبيها التي لا تنتهي في كل مرة يسافر فيها إلى احدي الصفقات ابتسمت تطمأنه تحرك رأسها بالإيجاب تعانقه هي ليشدد على عناقها، ابتعدت عنه تثبل خده تغمغم ناعسة: - حاضر يا بابي ما تقلقش، أنا هطلع أنام هلكت في المحاضرات النهاردة.
قبلت خده من جديد لتخطو إلى السلم سمعت صوت أبيها ينادي باسمها فالتفتت له مبتسمة: - ايوة يا بابي.
حرك رأسه بالنفي ارتعشت ابتسامة شفتيه يضحك متوترا: - لا أبدا أنا كنت هقولك اني هبعتلك العربية أول ما أوصل.
صرخت سعيدة لتهرول ناحيته تعانقه بقوة تقفز من سعادتها في حين يضحك هو على ما تفعل، بعد وقت طويل من الصراخ أخيرا صعدت إلى غرفتها ارتمت على فراشها كما تفعل كل يوم.
واتي الصباح ودُقت الدفوف والطبول وعلا صوت المزامير ما أن خرج من باب القسم ليضحك على ما فعل حسن المجنون لم يتبقي سوي أن يحضر له راقصة تتمايل هنا فرحا بخروجه!
أما صباحها هي كان حقا مختلف كانت لا تزال تغط في نوم عميق حين شعرت بيد تحركها بعنف تأوهت متألمة فتحت عينيها قليلا خادمتها تقف أمامها تصيح فيها: - قومي يا وتر هانم في مصيبة، البوليس تحت ووالدك حضرتك مش موجود في اي حتة اختفي!